الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




سبل الهدى والرشاد - الصالحي الشامي ج 6

سبل الهدى والرشاد

الصالحي الشامي ج 6


[ 1 ]

سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد للامام محمد بن يوسف الصالحي الشامي المتوفى سنة 942 ه‍ تحقيق وتعليق الشيخ عادل احمد عبد الموجود الشيخ علي محمد معوض الجزء السادس

[ 2 ]

الطبعة الاولى 1414 ه‍. 1993 م

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحميم جماع ابواب سراياه وبعوثه وبعض فتوحاته صلى الله عليه وسلم الباب الاول في عدد سراياه وبعوثه ومعنى السرية وفيه نوعان الاول: قال ابن اسحاق رحمه الله تعالى: السرايا والبعوث ثمانيا وثلاثين وذكرها أبو عمر رحمه الله تعالى في اول باب الاستيعاب سبعا وأربعين. وذكرها محمد بن عمر رحمه الله تعالى ثمانيا واربعين، وأبو الفضل ستا وخمسين. ونقل المسعودي عن بعضهم أنها ستون. وعلى ذلك جرى الحافظ أبو الفضل العراقي رحمه الله تعالى في ألفية السيرة، وذكر فيها أن الامام الحافظ محمد بن نصر (1) اوصلها إلى السبعين، وان الامام الحافظ ابا عبد الله الحاكم رحمه الله تعالى قال: انه ذكر في الاكليل انها فوق المائة. قال العراقي: ولم أجد هذا القول لاحد سواه. قال الحافظ رحمه الله تعالى: لعل الحاكم أراد بضم المغازي إليها. قلت عبارة الحاكم كما رواها عنه ابن عساكر بعد أن روى عن قتادة أن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه كانت ثلاثا وأربعين. قال الحاكم: هكذا كتبناه. واظنه اراد السرايا دون الغزوات، فقد ذكرت في كتاب الاكليل على الترتيب بعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه زيادة على المائة. قال: (واخبرني الثقة من اصحابنا ببخارى انه قرأ في كتاب ابي عبد الله محمد بن نصر السرايا والبعوث دون الحروب بنفسه نيفا وسبعين). انتهى. قال في البداية: وهذا الذي ذكره الحاكم غريب جدا، وحمله كلام قتادة على ما قال، فيه نظر فقد روى الامام احمد (عن ازهر بن القاسم الراسبي عن هشام الدستوائي) عن قتادة أن مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه ثلاث واربعون: اربعة وعشرون بعثا وتسع عشرة غزوة. قلت والذي وقفت عليه من السرايا والبعوث لغير الزكاة يزيد على السبعين كما سيأتي بيان ذلك مفصلا ان شاء الله تعالى.


(1) محمد بن نصر المروزي، أبو عبد الله: امام في الفقه والحديث. كان من أعلم الناس باختلاف الصحابة فمن بعدهم في الاحكام. ولد ببغداد. ونشأ بنيسابور، ورحل رحلة طويلة استوطن بعدها بسمرقند وتوفي بها. له كتب كثيرة، منها (القسامة) في الفقه، قال أبو بكر الصيرفي: لو لم يكن له غيره لكان من أفقه الناس، (والمسند) في الحديث، وكتاب (ما خالف به أبو حنيفة عليا وابن مسعود). الاعلام 7 / 125. (*)

[ 4 ]

الثاني: في معنى السرية. قال ابن الاثير في النهاية: (السرية: الطائفة من الجيش يبلغ أقصاها اربعمائة تبعث إلى العدو، وجمعها سرايا سموا بذلك لانهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشئ السري النفيس. وقيل سموا بذلك لانهم ينفذون سرا وخفية، وليس بالوجه الن لام السر راء وهذه ياء. انتهى. وقال الامام شهاب الدين احمد بن علي الشهير بابن خطيب الدهشة رحمه الله تعالى في كتابه المصباح (1): (السرية: قطعة من الجيش، فعلية بمعنى فاعلة لانها تسري في خفية والجمع سرايا وسريات مثل عطية وعطايا وعطيات) انتهى. فقوله: (خفية) احسن من قول من قال (سرا) لما ذكره ابن الاثير من ان لام السرراء وهذه ياء. وقال الحافظ: السرية: قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه وهي من مائة إلى خمسمائة، فما زاد على خمسمائة يقال له: منسر بالنون والسين المهملة أي بفتح الميم وكسر السين وبعكسهما. فان زاد على الثمانمائة سمي جيشا، وما بينهما يسمى هيضلة، فان زاد على أربعة آلاف سمي جحفلا بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الفاء، فان زاد فجيش جرار، بفتح الجيم وبراءين مهملتين الاولى مشددة. والخميس أي بلفظ اليوم: الجيش العظيم. وما افترق من السرية يسمى بعثا. فالعشرة فما بعدها حضيرة. والاربعون عصبة، وإلى ثلاثمائة مقنب بقاف ونون وموحدة أي بكسر الميم وسكون القاف وفتح النون. فان زاد سمي جمرة بجيم مفتوحة وسكون الميم. والكتيبة - بفتح الكاف فتاء مكسورة وتحتية ساكنة فموحدة فتاء تأنيث - ما اجتمع ولم ينتشر، انتهى. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير الاصحاب أربعة. وخير السرايا اربعمائة، وخير الجيوش، اربعة آلاف، وما هزم قوم بلغوا اثني عشر ألفا من قلة إذا صدقوا وصبروا). رواه أبو يعلى وابن حبان وأبو داود والترمذي، دون قوله (إذا صدقوا وصبروا) (1).


(1) اخرجه احمد في المسند 1 / 299 والبيهقي في السنن 9 / 156 والدارمي 2 / 215 وذ كره الهيثمي في المجمع 5 / 258. (*)

[ 5 ]

الباب الثاني في اي وقت كان يبعث سراياه ووداعه بعضهم ومشيه مع بعضهم وهو راكب إلى خارج المدينة ووصيته صلى الله عليه وسلم لامراء السرايا وفيه أنواع: الاول: في أي وقت كان يبعث سراياه، عن صخر - بصاد مهملة فخاء معجمة - ابن وداعة - بفتح الواو والدال المهملة - الغامدي - بغين معجمة فألف فميم مكسورة فدال مهملة فياء نسب - رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم بارك لامتي في بكورها (1). قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية بعثها اول النهار، وكان صخر رجلا تاجرا وكان لا يبعث غلمانه الا من أول النهار فكثر ماله حتى لا يدري أين يضع ماله. رواه الامام احمد والثلاثة وحسنه الترمذي. وعن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث سرية أغزاها اول النهار وقال: (اللهم بارك لامتي في بكورها). رواه الطبراني. الثاني: في وداعة صلى الله عليه وسلم بعض سراياه. روى الامام احمد عن البراء بن عازب، والامام احمد وأبو يعلى باسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشى مع الذين وجههم لقتل كعب بن الاشرف إلى بقيع الغرقد. ثم وجههم وقال: (انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم) (2) ثم رجع. البقيع بفتح الموحدة وكسر القاف وسكون التحتية وبالعين المهملة، والغرقد بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وفتح القاف وبالدال المهملة. من شجر العضاة أو العوسج أو العظام منه. وعن عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شيع جيشا فبلغ عقبة الوداع قال: (استودع الله تعالى دينكم وأمانتكم وخواتيم أعمالكم) (3) الحديث رواه ابن ابي شيبة رحمه الله. الثالث: في مشيه صلى الله عليه وسلم مع بعض أمراء سراياه، وذلك البعض راكب. عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن خرج معه يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت ظل راحلته، فلما فرغ قال: (يا معاذ انك عسى ألا تلقاني بعد


(1) اخرجه الترمذي (1212) وأبو داود (2606) وابن ماجة (236) واحمد في المسند 3 / 416 - 417 والطبراني في الكبير 8 / 28، 10 / 257. (2) اخرجه احمد في المسند 1 / 66 والحاكم 2 / 9 والطبراني في الكبير 11 / 221 وانظر البداية والنهاية 4 / 7. (3) اخرجه أبو داود (2601) والحاكم 2 / 97 وذكره ابن حجر في المطالب (3194) والمتقي الهندي في الكنز (18136). (*)

[ 6 ]

عامي هذا ولعلك ان تمر بمسجدي وقبري) فبكى معاذ رضي الله عنه جشعا لفراق رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث (1)، رواه الامام احمد ويعلى برجال ثقات وسيأتي بتمامه في موضعه من السرايا والبعوث. جشعا بفتح الجيم وكسر الشين المعجمة وبالعين المهملة أي جزعا لفراقه صلى الله عليه وسلم. ورى ابن عساكر عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشى معه ميلا ومعاذ راكب لامره صلى الله عليه وسلم بذلك. النوع الرابع: في وصيته صلى الله عليه وسلم لامراء السرايا. عن بريدة بالموحدة والتصغير رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أو صاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال: (اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا (ولا تمثلوا) ولا تقتلوا وليدا. وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فايتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنه وادعهم إلى الاسلام، فان أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، واخبرهم، انهم ان فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فان أبوا أن يتحولوا منها فاخبرهم ان يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين ولا يكون لهم في الغنيمة والفئ شئ الا أن يجاهدوا مع المؤمنين، فان هم أبوا فسلهم الجزية، فان هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فان هم أبوا فاستعن عليهم بالله وقاتلهم وإذا حاصرت أهل حصن فارادوك ان تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فال تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه. ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة اصحابك فانكم وان تخفروا ذممكم وذمم اصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك ان تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن انزلهم على حكمك فانك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا. ثم اقضوا فيهم بعد ما شئتم) (2). رواه مسلم وأبو داود والترمذي واللفظ لمسلم ورواه البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه


(1) اخرجه احمد في المسند 5 / 235 والبيهقي في الدلائل 5 / 404 وابن حبان (2504) وذكره الهيثمي في المجمع 3 / 36. (2) اخرجه مسلم في كتاب الجهاد (3) وأبو داود (2613) وابن ماجة (2858) والترمذي (1408) واحمد في المسند 4 / 240 والبيهقي في السنن 9 / 49 والحاكم في المستدرك 4 / 541 وعبد الرزاق (9428) وابن ابي شيبة في المصنف 12 / 362. (*)

[ 7 ]

قال: (اخرجوا باسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الوالدين ولا اصحاب الصوامع) (1). رواه ابن ابي شيبة والامام وأبو يعلى. وعن عبد الرحمن بن عائذ - رحمه الله تعالى - قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشا قال: تألفوا الناس وتأتوهم ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم إلى الاسلام فما على الارض من أهل بيت مدر ولا وبر الا تأتوني بهم مسلمين أحب إلى من أن تقتلوا رجالهم وتأتوني بنسائهم) (2). رواه مسدد والحارث بن أبي أسامة مرسلا. وعن علي رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وجها، ثم قال لرجل الحقه ولا تدعه من خلفه فقل له: ان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تنتظره وقل له: (لا تقاتل قوما حتى تدعوهم) (3). رواه اسحقاق بن راهويه بسند فيه انقطاع. وعن ابي موسى رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث احدا من اصحابه في بعض أمره قال: (بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا) (4) رواه مسلم. وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشا قال: (انطلقوا باسم الله لا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا صغيرا ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم، وأصلحوا واحسنوا ان الله يحب المحسنين) (5) رواه أبو داود والترمذي. وعن ابن عصام المزني - بالزاي والنون - رضي الله عنه عن أبيه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيشا أو سرية يقول: (إذا رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا) (6). رواه أبو داود والترمذي. وعن ابن عمر رضي الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل معإذا وأبا موسى فقال: (تشاورا وتطاوعا ويسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا (7) رواه البزار.


(1) اخرجه أبو يعلى في المسند 4 / 423 (222 - 2549) واحمد في المسند 1 / 300 وا لبيهقي 9 / 90 والبزار (1677) والطحاوي في شرح معاني الاثار 3 / 220 وذكره الهيثمي في المجمع 5 / 316 وعزاه لاحمد وأبي يعلى والبزار والطبراني في الكبير والاوسط وقال: وفي رجال البزار وابراهيم بن اسماعيل بن حبيبة وثقه احمد وضعفه الجمهور. (2) ذكره ابن حجر في المطالب (1962 - 1963). (3) اخرجه ابن ابي شيبة في المصنف 12 / 363 والبخاري في التاريخ 3 / 377 وذكره في المجمع 5 / 305. (4) اخرجه البخاري 1 / 27 ومسلم في كتاب الجهاد (6) وأبو داود (4835) واحمد في المسند 4 / 399. (5) اخرجه أبو داود (2614) والبيهقي في السنن 9 / 60 وعبد الرزاق (9430). (6) اخرجه أبو داود (2635) والترمذي (1549) واحمد في المسند 3 / 448 وذكره الهيثمي في المجمع 6 / 210. (7) ذكره الهيثمي في المجمع 5 / 260 وعزاه البزار وقال: فيه عمرو بن أبي خليفة العبدي ولم اعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح، والحديث في مسلم بنحوه. (*)

[ 8 ]

تنبيه: في بيان غريب ما سبق: لا تغدروا بكسر الدال المهملة. ذمة الله بكسر المعجمة: أمانه وعهده. الوليد بفتح الواو: الصبي. على حكم الله: قضاؤه. المدر: قطع الطين.

[ 9 ]

الباب الثالث في اعتذاره عن تخلفه عن صحبة السرايا صلى الله عليه وسلم واعطائه سلاحه لمن يقاتل به عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لولا أن أشق على المسلمين ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله ابدا، ولكن لا أجد سعة فاحملهم ولا يجدون سعة فيتبعوني، ويشق عليهم ان يقعدوا بعدي) - وفي لفظ: (ولا تطيب أنفسهم ان يتخلفوا عني - (والذي نفسي بيده لوددت اني أغزو في سبيل الله وأقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا) (1) بتكريره ست مرات، رواه الامامان مالك واحمد والشيخان والنسائي وابن ماجة. وعن (جبلة بن حارثة) قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يغز أعطى سلاحه عليا أو أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما (2)، رواه احمد وأبو يعلى. تنبيهات الاول: الحكمة في بيان ايراد قوله: (والذي نفسي بيده) مرة ثانية عقب الاولى ارادة تسلية الخارجين في الجهاد عن مرافقته صلى الله عليه وسلم، فكأنه قال: الوجه الذي تسيرون فيه له من الفضل ما أتمنى لاجله ان أقتل مرات، فمهما فاتكم من مرافقتي والقعود معي من الفضل، يحصل لكم مثله أو فوقه من فضل الجهاد، فراعى خواطر الجميع. وقد خرج صلى الله على يه وسلم في بعض المغازي، وتخلف عن المشار إليهم وكان ذلك حيث (رجحت) مصلحة خروجه على مراعاة حالهم. الثاني: استشكل صدور هذا التمني من النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بأنه لا يقتل، وأجيب بأن تمني الفضل والخير لا يستلزم الوقوع، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (وددت لو أن موسى صبر) (3)، فكأنه صلى الله عليه وسلم أراد المبالغة في بيان فضل الجهاد وتحريض المسلمين عليه. الثالث: قال النووي رحمه الله تعالى: (في هذا الحديث حسن النية وبيان شدة شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ورأفته بهم واستحباب القتل في سبيل الله تعالى، وجواز قول وددت


(1) اخرجه الترمذي 6 / 20 (2797) والبيهقي في السنن 9 / 24. (2) ذكره الهيثمي في المجمع 5 / 286 وعزاه لاحمد والطبراني في الكبير والاوسط ورجال احمد ثقات. (3) اخرجه البيهقي في الاسماء والصفات (117) واخرجه البخاري بنحوه 4 / 190. (*)

[ 10 ]

حصول كذا من الخير، وان علم انه لا يحصل، وفيه ترك بعض المصالح لمصلحة راجحة أ و أرجح، أو لدفع مفسدة، وفيه جواز تمني ما يمتنع في العادة). الرابع: قال الطيبي رحمه الله تعالى ثم في قوله: (ثم أقتل) إلى آخره، وان حملت على التراخي في الزمان هنا لكن الحمل على التراخي في الرتبة هو الوجه، لان التمني حصو ل درجات بعد القتل، والاحياء لم يحصل من قبل، ومن ثمة كررها لنيل مرتبة بعد مرتبة إلى أن ينتهي إلى المقام الاعلى منه.

[ 11 ]

الباب الرابع في سرية حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه إلى سيف البحر من ناحية العيص في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من الهجرة في ثلاثين رجلا من المهاجرين والانصار قال ابن سعد: (والمجمع عليه انهم كانوا جميعا من المهاجرين، ولم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم احدا من الانصار مبعثا حتى غزا بهم بدرا، وذلك انهم كانوا شرطوا له أنهم يمنعونه في دارهم. وهذا الثبت عندنا). وصححه في المورد. وعقد له لواء أبيض حمله أبو مرثد كناز بن الحصين الغنوي، حليف حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنهما، وهو أ ول لواء عقد في الاسلام كما قال عروة وابن عقبة ومحمد بن عمر وابن سعد وابن عائذ والبيهقي وابن الاثير والدمياطي والقطب وغيرهم وصححه أبو عمر رحمهم الله تعالى. وذكر ابن اسحاق رحمه الله تعالى ان اول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء عبيدة بن الحارث. ثم قال: (واختلف الناس في راية عبيدة وحمزة فقال بعض الناس كانت راية حمزة قبل راية عبيدة وقال بعض الناس راية عبيدة كانت قبل راية حمزة، وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم شيعهما جميعا فأشكل ذلك على بعض الناس). انتهى. فخرج حمزة رضي الله تعالى عنه بمن معه يعترض عير قريش التي جاءت من الشام تريد مكة، وفيها أبو جهل في ثلثمائة ر جل وقيل في مائة وثلاثين، فبلغ سيف البحر ناحية العيص من أرض جهينة. فما تصافوا حجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني وكان حليفا للفريقين جميعا فأطاعوه وانصرفوا ولم يقتتلوا فتو جه أبو جهل في اصحابه وعيره إلى مكة وانصرف حمزة واصحابه رضي الله تعالى عنهم إلى المدينة. ولما عاد حمزة بمن معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم اخبره بما حجز بينهم مجد ي بن عمرو وانهم رأوا منه نصفة. وقدم رهط مجدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكساهم وقال صلى الله عليه وسلم فيما ذكره محمد بن عمر عن مجدي أيضا: ((انه - ما) علمت - ميمون النقيبة مبارك الامر) أو قا ل: (رشيد الامر). تنبيهات الاول: ذكر ابن سعد هذه السرية والتي بعدها قبل غزوة الابواء، وذكرهما ابن اسحاق قبل غزوة بواط. الثاني: اختلف في أي شهر كانت ؟ فقال المدائني: في ربيع الاول سنة اثنتين، وقال أبو عمرو: بعد ربيع الاخر.

[ 12 ]

الثالث: في بيان غريب ما سبق: سيف البحر: بكسر السين المهملة، ساحله العيص: بكسر العين المهملة وسكون التحتية فصاد مهملة. عبيدة: بضم اوله وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالهاء. جهينة: بضم الجيم وفتح الهاء وسكون التحتية وبالنون. حجز: بفتح المهملة والجيم والزاي: فصل. مجدي: بفتح الميم وسكون الجيم فدال مهملة فياء كياء النسب، لا يعلم له اسلام. حليفا: أي محالفا ومسالما. أبو مرثد: بفتح الميم وسكون الراء وفتح الثاء المثلثة، واسمه كناز بفتح الكاف وتشديد النون وبالزاي. الغنوي: بفتح الغين المعجمة والنون وبالواو. الحصين: بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين. مأمون النقيبة: منجح الافعال مظفر المطالب، والنقيبة: بفتح النون وكسر القاف وسكون التحتية وبالهاء. الخليقة والطبيعة أو النفس.

[ 13 ]

الباب الخامس في سرية عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، رضي الله تعالى عنه إلى بطن رابغ في شوال من السنة الاولى في ستين أو ثمانين راكبا من المهاجرين ليس فيهم انصاري وكان لواؤه أبيض حمله مشطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف رضي الله تعالى عنه. فخرج فلقي أبا سفيان بن حرب، في أناس من اصحابه على ماء يقال له أ حياء من بطن رابغ (على عشرة أميال من الجحفة وانت تريد قديدا على يسار الطريق، وانما) نكبوا عن الطريق ليرعوا ركابهم. وأبو سفيان في مائتين وعلى المشركين أبو سفيان، قال محمد بن عمر: وهو الثبت عندنا، وقيل مكرز بن حفص، وقيل عكرمة بن أبي جهل. فكان بينهم الرمي، ولم يسلوا سيفا ولم يصطفوا للقتال، وانما كانت بينهم المناوشة الا ان سعد بن أبي وقا ص رضي الله تعالى عنه رمي بسهم في سبيل الله فكان اول سهم رمي به في الاسلام فنثر كنا نته وتقدم امام اصحابه وقد تترسوا عنه فرمي بما في كنانته وكان فيها عشرون سهما ما منها سهم الا ويجرح انسانا أو دابة. ولم يكن بينهم يومئذ الا هذا، ثم انصرف الفريقان على حاميتهم. وفر من الكفار إلى المسلمين المقداد بن عمرو البهراني حليف بني زهرة، وعتبة بن غزوان المازني حليف (بني نوفل) بن عبد مناف، وكانا مسلمين، ولكنهما خرجا ليتوصلا بالمشركين. تنبيهان الاول: كذا ذكر غير واحد من أهل السير ان هذه السرية كانت في السنة الاولى. وذكر أبو الاسود في مغازيه، ووصله ابن عائذ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم لما وصل إلى الابواء بعث عبيدة بن الحارث في ستين رجلا، فذكر القصة، فتكون في السنة الثانية، وصرح به بعض أهل السير، فالله تعالى أعلم. الثاني: في بيان غريب ما سبق: بطن رابغ: بالموحدة المكسورة والغين المعجمة. مشطح: بكسر الميم وسكون السين وفتح الطاء وبالحاء المهملات. أثاثة: بضم أوله وثاءين مثلثتين مخففتين. عباد: بفتح اوله وتشديد الموحدة. أحياء: جمع حي ماء اسفل ثنية المرة بكسر الميم وتشديد الراء وخففها ياقوت.

[ 14 ]

مكرز: بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الراء: لا يعلم له اسلام، وانفرد ابن حبان بذكره في الصحابة، فانه قال: يقال له صحبة، فان صح ذلك فقد أسلم والا فلا. الاخيف: بالخاء المعجمة والتحتية وبالفاء وزن أحمد. المناوشة في القتال تداني الفريقين واخذ بعضهم بعضا. الكنانة: بكسر الكاف جعبة السهام من أدم. على حاميتهم: أي جماعتهم، والحامية الرجل يحمي القوم، وهو على حامية القوم أي آخر من يحميهم في مضيهم. المقداد: بكسر الميم وسكون القاف وبدالين مهملتين. البهراني: بفتح الموحدة وسكون الهاء فراء فنون. بنو زهرة: بضم الزاي وسكون الهاء. عتبة: بضم العين المهملة وسكون الفوقية وبالموحدة. غزوان: بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي وبالواو والنون. المازني: بكسر الزاي والنون.

[ 15 ]

الباب السادس في سرية سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه في عشرين رجلا من المهاجرين رضي الله تعالى عنهم وقيل: في ثمانية إلى الخزاز في ذي القعدة على رأس تسعة أشهر من الهجرة. وعقد له لواء أبيض حمله المقداد بن عمرو البهراني، وعهد إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يجاوز الخزاز، يعترض عيرا لقريش تمر بهم، فخرجوا على اقدامهم يكمنون النهار ويسيرون الليل حتى صبحوا صبح خمس الخزاز من الجحفة قريبا من خم فوجدوا العير قد مرت بالا مس فانصرفوا إلى المدينة. تنبيهان الاول: ذكر محمد بن عمر وابن سعد هذه السرايا جميعها في السنة الاولى من الهجرة وجعلها ابن اسحاق في السنة الثانية. الثاني: في بيان غريب ما سبق: الخزاز: بفتح الخاء المعجمة وتشديد الزاي الاولى، واد يصب في الجحفة. في ذي القعدة: بكسر القاف وفتحها. يكمنون: بضم الميم: يستترون. الجحفة: بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وبالفاء قرية كبيرة على خمس مراحل من مكة ونحو ثلثي مرحلة من المدينة الشريفة. خم: بضم الخاء المعجمة اسم غدير أو واد بقرب الجحفة.

[ 16 ]

الباب السابع في سرية فيها سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه روى الامام احمد عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جاءته جهينة فقالوا له: انك قد نزلت بين أظهرنا فأوثق لنا حتى نأتيك وقومنا. فأوثق لهم فأسلموا. قال: فبعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجب (أي من السنة الثانية) ولا نكمل مائة. وأ خبرنا ان نغير على حي من كنانة إلى جنب جهينة، فأغرنا عليهم، فكانوا كثيرا، فلجأنا إلى جهينة فمنعونا، وقالوا: لم تقاتلون في الشهر الحرام ؟ فقال بعضنا لبعض: ما ترون ؟ فقال بعضنا: نأتي رسول ا لله صلى الله عليه وسلم فنخبره. وقال قوم: لا بل نقيم ههنا. وقلت أنا في أناس معي: لا، بل نأتي عير قريش فنقتطعها. فانطلقنا إلى العير (وكان الفئ إذ ذاك من أخذه فهو له) وانطلق اصحابنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبروه الخبر، فقام غضبان محمرا وجهه فقال: أذهبتم من عندي جميعا وقمتم متفرقين وانما أهلك من كان قبلكم الفرقة، لابعثن عليكم رجلا ليس بخيركم، أصبركم على الجوع والعطش) (1). فبعث علينا عبد الله بن جحش أميرا فكان أول أمير في الاسلام. الباب الثامن في سرية أمير المؤمنين المجدع في الله تعالى عبد الله بن جحش رضي الله تعالى عنه في رجب من السنة الثانية إلى بطن نخلة دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى العشاء فقال: (واف مع الصبح، معك سلاحك، أبعثك وجها). قال: فوافيت الصبح وعلي قوسي وسيفي وجعبتي ومعي درقتي. فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح بالناس، ثم انصرف، فيجدني قد سبقت واقفا عند بابه، وأجد نفرا من قريش. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب، فدخل عليه، فأمره فكتب كتابا، ثم دعاني فأعطاني صحيفة من أديم خولاني وقال: (قد استعملتك على هؤلاء النفر، فامض حتى إ ذا سرت ليلتين فانظر كتابي هذا ثم امض لما فيه). قلت: يارسول الله: أي ناحية ؟ قال: (اسلك النجدية تؤم ركبة). قال ابن اسحاق وأبو عمرو: وأرسل معه ثمانية رهط من المهاجر ين، ليس فيهم أنصاري وهم: أبو حذيفة بن عتبة، وسعد بن ابي وقاص، وعكاشة بن محصن، وعتبة بن غزوان، وعامر بن ربيعة، وواقد بن عبد الله الليثي، وخالد بن البكير، وسهيل بن بيضاء.


(1) ذكره الهيثمي في المجمع 6 / 69 وعزاه لاحمد وقال: ورواه ابنه عنه وجادة ووصلة عن غير أبيه ورواه البزار وفيه المجالد بن سعيد وهو ضعيف عند الجمهور ووثقه النسائي في رواية رجال احمد رجال الصحيح. (*)

[ 17 ]

وذكر ابن عائذ فيهم: سهل بن بيضاء ولم يذكر سهيلا ولا خالدا ولا عكاشة. وذكر ابن سعد فيهم المقداد بن عمرو - وهو الذي أسر الحكم بن كيسان - وقال ابن سعد: كا نوا اثني عشر (من المهاجرين) كل اثنين يعتقبان بعيرا. وروى الطبراني بسند حسن عن ز ر (بن حبيش) رحمه الله تعالى قال: أول راية رفعت في الاسلام راية عبد الله بن جحش). فانطلق عبد الله بن جحش حتى إذا كان مسيرة يومين فتح الكتاب فإذا فيه: (سر با سم الله وبركاته ولا تكرهن احدا من اصحابك على السير معك، وامض لامري فيمن تبعك حتى تأتي بطن نخلة فترصد غير قريش وتعلم لنا أخبارهم). فلما نظر في الكتاب قال: سمعا وطاعة. وقرأه على اصحابه وقال: (قد أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشا حتى آتيه منهم بخبر) وقد نهاني أن استكره احدا منكم، فمن كان يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع. (فأما أنا فماض لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم)) فقالوا أجمعون: (نحن سامعون مطيعون لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولك، فسر على بركة ا لله). فسار ومعه أصحابه لم يتخلف منهم أحد، وسلك على على الحجاز، حتى إذا كان بمكان بمعدن فوق الفرع يقال له بحران أضل سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يعتقبانه، فتخلفا في طلبه يومين، ولم يشهدا الموقعة، وقدما المدينة بعدهم بأيا م. ومضى عبد الله بن جحش في بقية أصحابه حتى نزل بنخلة. فمرت به عير لقريش تحمل زبيبا وأدما وتجارة من تجارة قريش جاؤوا بها من الطائف، فيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة المخزومي واخوه نوفل بن عبد الله، وقيل بل أخوهما المغيرة، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة. فلما رآهم اصحاب العير هابوهم وأنكروا امرهم، وقد نزلوا قريبا منهم. فحلق عكاشة بن محصن رأسه، وقيل واقد بن عبد الله، ثم وافى ليطمئن القوم. فلما رأوه قالوا: لا بأس عليكم منهم، قوم عمار. فأمنوا وقيدوا ركابهم وسرحوها وصنعوا طعاما. فاشتور المسلمون في أمرهم وذلك في آخر يوم من رجب ويقال أول يوم من شعبان وقيل في آخر يوم من جمادى الاخرة. فشكوا في ذلك اليوم أهو من الشهر الحرام ؟ أم لا. فقالوا: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم به ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام. فتردد القوم وهابوا (الاقدام عليهم). ثم شجعوا أنفسهم. واجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم. فرمى واقد بن عبد الله (التميمي) عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، وشد المسلمون عليهم فأسروا عثمان بن عبد الله بن المغيرة، والحكم بن كيسان، أسره المقداد بن عمرو،

[ 18 ]

وأعجز القوم نوفل بن عبد الله بن المغيرة، عند من يقول انه كان معهم، ومن قال ا ن نوفلا لم يكن معهم جعل الهارب المغيرة. وحاز المسلمون العير، وعزل عبد الله بن جحش لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس تلك الغنيمة، وقسم سائرها بين أصحابه، فكان أول خمس خمس في الاسلام، واول غنيمة، واول قتيل بأيدي المسلمين عمرو بن الحضرمي، واول أسير كان في الاسلام عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان. وذلك قبل أن (يفرض الخمس من المغانم، فلما أحل الله تعالى الفئ بعد ذلك وأ مر بقسمه وفرض الخمس فيه) وقع على ما كان صنع عبد الله بن جحش في تلك العير، وقال بعضهم: بل قدموا بالغنيمة كلها. وروى الطبراني بسند حسن عن زر (بن حبيش) رضي الله تعالى عنه قال: أول مال خمس في الاسلام مال عبد الله بن جحش. ثم سار عبد الله بالعير والاسيرين إلى المدينة، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام). فأوقف العير والاسيرين وأبى ان يأخذ من ذلك شيئا. ويقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أوقف غنائم أهل نخلة حتى رجع من بدر فقسمها مع غنائم أهل بدر، وأعطى كل قوم حقهم. فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك سقط في أيدي القوم وظنوا انهم قد هلكوا وعنفهم اخوانهم من المسلمين فيما صنعوا. وقالت قريش: (قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدماء، واخذ وا فيه الاموال، وأسروا فيه الرجال). فقال: (من يرد عليهم من المسلمين ممن كان بمكة، انما أصابوا ما أصابوا في شعبان) ؟ وقال يهود تفاءل بذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله: عمرو، عمرت الحرب، والحضرمي حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله، وقدت الحرب). فجعل الله تعالى ذلك عليهم لا لهم. فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل اله وكفر به والمسجد الحرام واخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل) (البقرة 217). أي ان كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به وعن المسجد الحرام واخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم. (والفتنة أكبر من القتل) وقد كانوا يفتنون المسلم في دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد ايمانه فذلك أكبر عند الله من القتل. فلما نزل القرآن بهذا الامر، وفرج الله تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنيمة أو خمسها والاسيرين.

[ 19 ]

وبعثت إليه قريش في فداء الاسيرين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا نفديكموها حتى يقدم صاحبانا - يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان - فانا نخشاكم عليهما فان تقتلوهما نقتل صاحبيكم). فقدم سعد وعتبة، فأفدى رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسيرين عند ذلك بأربعين أوقية كل أسير، فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسن اسلامه وأقام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل يوم بئر معونة شهيدا. وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات كافرا. فلما تجلى عن عبد الله بن جحش واصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن طمعوا في الاجر فقالوا: (يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين) ؟ فأنزل الله تبارك وتعالى: (ان الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجوه رحمة الله والله غفور رحيم) (البقرة 218) فوضعهم الله تعالى من ذلك على أعظم الرجاء. تنبيهات الاول: في هذه الغزوة سمي عبد الله بن جحش أمير المؤمنين كما ذكره ابن سعد، والقطب وجزم أبو نعيم بانه اول أمير أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤيده ما سبق عن سعد (بن أبي وقاص) في الباب قبله. الثاني: في بيان غريب ما سبق: بطن نخلة. الاديم: بوزن عظيم الجلد. أنشر كتابي: أفتحه. النجدية: منسوبة إلى نجد، وهو ما ارتفع من أرض تهامة إلى العراق، وهو مذكر. يؤم: يقصد. ركبة: بضم الراء وسكون الكاف وبالموحدة. ابن عتبة: بضم العين المهملة وسكون الفوقية وبالموحدة. محصن: بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين وبالنون. البكير بالتصغير. سهيل: بالتصغير ووقع في بعض نسخ العيون مكبرا والصواب الاول.

[ 20 ]

تعلم بمعن اعلم. الحجاز ما بين نجد والسراة. الفرع: بضم الفاء وسكون الراء وبالعين المهملة من أضخم أعراض المدينة. بحران: بضم الموحدة وسكون الحاء المهملة وبالراء والنون. الحضرمي: بالحاء المهملة والضاد المعجمة. واف: أشرف. واقد: بالقاف والدال المهملة بلفظ اسم الفاعل. كيسان: بفتح الكاف وسكون التحتية وبالسين المهملة وبالنون. أمنوا: بفتح اوله وكسر الميم. أفلت: بفتح الهمزة، القوم بالنصب مفعول أفلت. نوفل: مرفوع فاعل. عمار: بضم العين المهملة وتشديد الميم. سقط في أيديهم: بالبناء للمفعول، أي ندموا، يقال ذلك لكل من ندم. وقال يهود تفاءل بذلك: بالفوقية المفتوحة وحذفت التاء الثانية، وبالفاء والهمزة من الفأل. عمرت الحرب: بضم العين المهملة وكسر الميم (المشددة وبالراء والتاء المفتوحة تاء الخطاب). والله تعالى أعلم.

[ 21 ]

الباب التاسع في بعث عمير بن عدي الخطمي رضي الله تعالى عنه لخمس ليال بقين من رمضان من السنة الثانية إلى عصماء بنت مروان من بني أمية بن زيد، زوجة يزيد بن زيد بن حصن الخطمي، وكانت تعيب الاسلام وتؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحرض عليه وتعيب الاسلام وتقول الشعر وكانت تطرح المحايض في مسجد بني خطمة. فأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمها فنذر عمير بن عدي لئن رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر إلى المدينة ليقتلنها، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر، جاء عمير ليلا حتى دخل عليها بيتها، وحولها نفر من ولدها نيام، منهم من تر ضعه في صدرها، فحبسها بيده وكان ضرير البصر، فنحى الصبي عنها، ووضع سيفه على صدرها حتى أنفذه من ظهرها. وروى ابن عساكر في ترجمة احمد بن احمد البلخي، من تاريخه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا رجل يكفنا هذه). فقال رجل من قومها: أنا، فأتاها وكانت تمارة. فقال لها: أعندك أجود من هذا التمر ؟ قالت: نعم، (فدخلت إلى بيت لها، وانكبت لتأخذ شيئا فالتفت يمينا وشمالا فلم أر أحدا فضربت رأسها حتى قتلتها). انتهى. ثم أتى المسجد فصلى الصبح مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (أقتلت ابنة مروان ؟) قال: نعم، فهل علي في ذلك شئ ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ينتطح فيها عنزان) فكانت هذه الكلمة أول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاصحابه: (إذا أحببتم ان تنظروا إلى رجل نصر الله عز وجل ورسوله فانظروا إلى عمير بن عدي). فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: (انظروا إلى هذا الاعمى الذي يسري في طاعة الله تعالى). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقل الاعمى ولكن البصير). فسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم عميرا البصير. فلما رجع عمير وجد بنيها في جماعة يدفنونها. فقالوا: يا عمير أنت قتلتها ؟ قال: (نعم، فكيدوني جميعا ثم لا تنظر ون، فوالذي نفسي بيده لو قلتم بأجمعكم ما قالت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم). فيومئذ ظهر الاسلام في بني خطمة وكان يستخفي باسلامه فيهم من أسلم فكان أول من أسلم من بني خطمة عمير بن عدي، وهو الذي يدعى القارئ.

[ 22 ]

تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الخطمي: بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة (وبالميم وياء النسب). عصماء: بفتح العين وسكون الصاد المهملتين. جسها: لمسها بيده. تمارة: أي تبيع التمر. لا ينتطح فيها عنزان: (لا يعارض فيها معارض) يعني أن قتلها هين.

[ 23 ]

الباب العاشر في بعثه صلى الله عليه وسلم سالم بن عمير رضي الله تعالى عنه في شوال من السنة الثانية إلى أبي عفك اليهودي من بني عمرو بن عوف وكان شيخا كبيرا قد بلغ مائة وعشرين سنة وكان يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول الشعر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من لي بهذا الخبيث) (1). فقال سالم بن عمير، وكان قد شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد البكائين وتوفي في خلافة معاوية: (علي نذر أن أقتل أبا عفك أو أموت دونه). فأمهل يطلب له غرة. فلما كانت ليلة صائفة نام أبو عفك بفناء منزله وعلم به سا لم ن عمير، فأقبل ووضع السيف على كبده ثم اعتمد عليه حتى خش في الفراش وصاح عدو الله فثاب إليه ناس ممن نجم نفاقهم وهم على قوله، فأدخلوه منزله وقبروه، فقالت امامة المريدية في ذلك: تكذب دين الله والمرء أحمدالعمر الذي أمناك ان بئس ما يمني حباك حنيف آخر الليل طعنة أبا عفك خذها على كبر السن تنبيهات الاول: ذكر هذه القصة محمد بن عمر وابن سعد، وتبعهما في المورد والامتاع بعد التي قبلها. وقدمها ابن اسحاق وأبو الربيع. الثاني: في بيان غريب ما سبق: أبو عفك: بفتح العين المهملة والفاء الخفيفة وبالكاف، يقال رجل أعفك بين العفك أي أحمق. أحد البكائين: تقدم الكلام عليهم في أوائل غزوة تبوك. الغرة: بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء المفتوحة: الغفلة. بفناء المنزل: بكسر الفاء وبالنون والمد، ما امتد من جوانبه. صائفة: حارة.


(1) انظر البداية والنهاية 5 / 221. (*)

[ 24 ]

خش في الفراش: دخل فيه. ثاب: بالثاء المثلثة وبالباء الموحدة: أي اجتمع. نجم: بفتح النون والجيم أي ظهر وطلع. أمامة: بضم أوله ويقال فيه أسامة. المريدية: بضم الميم وكسر الراء كذا في التبصير تبعا للذهبي، وقال في الانساب بفتحها، وعليه جرى ابن الاثير، وبسكون التحتية وبالدال المهملة بعدها تحتية مشدد ة، بطن من بلي. لعمر زيد: أي وحياته. حباك: بفتح المهملة والموحدة أي أعطاك. حنيف: مسلم. على كبر السن: تقدم انه بلغ مائة وعشرين سنة.

[ 25 ]

الباب الحادي عشر في سرية محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه إلى كعب بن الاشرف وذلك لاربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الاول في السنة الثالثة كان كعب يهوديا. قال ابن عقبة هو من بني النضير، يكنى أبا نائلة. وقال ابن اسحاق وأبو عمر هو من بني نبهان من طيئ، وامه من بني النضير. وكان شاعرا يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويهجو الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ويحرض عليهم الكفار. وروى ابن سعد عن الزهري في قوله تعالى: (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا) (آل عمران 186) قال هو كعب بن الاشرف فانه كان يحرض المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعني في شعره يهجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ولما قدم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة بالبشارة من بدر بقتل المشركين وأسر من أسر منهم، قال كعب: (أحق هذا ؟ أترون محمدا قتل هؤلاء الذي يسمي هذان الرجلان ؟ - يعني زيدا وعبد الله بن رواحة - فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الارض خير من ظهرها). فلما تيقن عدو الله الخبر، ورأى الاسرى مقرنين كبت وذل. ثم قال لقومه: (ما عندكم ؟) قالوا: (عداوته ما حيينا). قال: (وما أنتم وقد وطئ قومه وأصابهم. ولكن اخرج إلى قريش فأحرضها وأبكي قتلاها لعلهم ينتدبون فأخرج معهم). فخرج حتى قدم مكة، فوضع رحله عند المطلب بن أبي وداعة (بن ضبيرة) السهمي، وعنه عا تكة بنت أسيد بن أبي العيص، وأسلمت هي وزوجها بعد ذلك. فأنزلته وأكرمته، وجعل يحرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينشد الاشعار ويبكي أصحاب القليب من قريش الذين أصيبوا ببدر. قال محمد بن عمر رضي الله تعالى عنه: ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت وأخبره بنزول كعب على من نزل عليه فقال حسان: ألا أبلغن عني أسيدا رسالة فخالك عبد بالشراب مجرب لعمرك ما أوفى أسيد لجاره ولا خالد وابن المفاضة زينب وعتاب عبد غير موف بذمة كذوب شئون الرأس قرد مدرب

[ 26 ]

وذكر ابن عائذ ان كعبا حالف قريشا عند أستار الكعبة على قتال المسلمين. وروي عن عروة أن قريشا قالت لكعب: أديننا أهدى أم دين محمد ؟ قال: دينكم. فلما بلغها هجاؤه نبذت رحله وقالت: مالنا ولهذا اليهودي ألا ترى ما يصنع بنا حسان ؟ فتحول، فكلما تحول عند قوم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حسانا فقال: (ابن الاشرف نزل على فلان). فلا يزال يهجوهم حتى ينبذ رحله. فلما لم يجد مأوى قدم المدينة. انتهى. قال ابن اسحاق: ثم رجع كعب بن الاشرف إلى المدينة فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم. وروى عبد الله بن اسحاق الخراساني في فوائده عن عكرمة ان كعبا صنع طعاما وواطأ جماعة من اليهود ان يدعو النبي صلى الله عليه وسلم إلى وليمة، فإذا حضر فتكوا به. ثم دعاه فجاء ومعه بعض أصحابه. فأعلمه جبريل عليه السلام بما أضمروه فرجع فلما فقدوه تفرقوا. انتهى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اكفني بن الاشرف بما شئت في اعلانه الشر) (1). وقال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: (فقد آذانا وقوى المشركين علينا). فقال محمد بن مسلمة: أنا لك به يا رسول الله، أنا اقتله. قال: (أنت له فافعل ان قدرت على ذلك). (وفي رواية عروة عند ابن عائذ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فان قلت (بهذا) احتمل ان يكون سكت اولا ثم أذن). فرجع محمد بن مسلمة، فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب الا ما تعلق به نفسه. فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاه فقال له: (لم تركت الطعام والشراب ؟) فقال: يارسول الله قلت لك قولا لا أدري هل أفين لك به أم لا ؟ فقال: (انما عليك الجهد). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (شاور سعد بن معاذ في أمره) فشاوره فقال له: توجه إليه واذكر له الحاجة وسله ان يسلفكم طعاما. فاجتمع (في قتله) محمد بن مسلمة، وعباد بن بشر، وأبو نائلة سلكان بن سلامة، والحارث بن أوس بن معاذ، بعثه عمه سعد بن معاذ، وأبو عبس بن جبر، فقالوا: (يارسول الله نحن نقتله فأذن لنا فلنقل شيئا فانه لابد لنا من أن نقول). فقال رسول الله صلى ا لله عليه وسلم: (قولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك). فخرج أبو نائلة كما قال جل ائمة المغازي وكان أخا كعب من الرضاعة. وفي الصحيح خرج إليه محمد بن مسلمة. فلما رآه كعب انكر شأنه وذعر منه. فقال أبو نائلة أو محمد بن مسلمة: حدثت حاجة.


(1) اخرجه البيهقي في الدلائل 3 / 191. 2) اخرجه البخاري 7 / 390 (4037) ومسلم في كتاب الجهاد (119) وأبو داود (2768). (*)

[ 27 ]

فقال كعب وهو في نادي قومه وجماعتهم: ادن إلى فخبرني بحاجتك. فتحدثنا ساعة، وأبو نائلة أو محمد بن مسلمة يناشده الشعر. فقال كعب: ما حاجتك، لعلك تحب ان تقو م من عندنا. فلما سمع القوم قاموا. فقال محمد بن مسلمة أو أبو نائلة: (ان هذا الرجل قد سألنا صدقة، ونحن لا نجد ما نأكل، وانه قد عنانا). قال كعب: وايضا والله لتملنه). وفي غير الصحيح: فقال أبو نائلة: (اني قد جئتك في حاجة اريد ان اذكرها لك فاكتم عني). قال: (افعل). قال: كان قدو م هذا الرجل علينا بلاء من البلاء، عادتنا العرب ورمونا عن قوس واحدة، وقطعت عنا السبل، حتى ضاع العيال وجهدت الانفس، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا). فقال كعب بن الاشرف: (أما والله لقد كنت اخبرك يا ابن سلامة ان الامر سيصير إلى ما أقول، ولكن اصدقني ما ا لذي تريدون من أمره ؟) قال: (خذلانه والتنحي عنه). قال: (سررتني ألم يأن لكم ان تعرفوا ما عليه من الباطل ؟). فقال له أبو نائلة أو محمد بن مسلمة: (معي رجال من اصحابي على مثل رأيي، وقد اردت ان آتيك بهم فنبتاع منك تمرا وطعاما وتحسن الينا، ونرهنك ما يكون ذلك فيه ثقة). وفي صحيح مسلم (1): (وو اعده ان يأتيه بالحارث وابي عبس بن جبر، وعباد بن بشر. قال (كعب): (أما والله ما كنت احب يا أبا نائلة أن ارى بك هذه الخصامة وان كنت من أكرم الناس، على مإذا ترهنوني ؟ (أترهنوني) أبناءكم ؟) قال: (انا نستحي ان يعير أبناؤنا فيقال، هذا رهينة وسق، وهذا رهينة وسقين). قال: (فارهنوني نساءكم). قال: (لقد أردت ان تفضحنا وتظهر أمرنا، أنت أجمل النا س ولا نأمنك، وأي امرأة تمتنع منك لجمالك، ولكنا نرهنك من السلاح والحلقة ما ترضى به، ولقد علمت حاجتنا إلى السلاح اليوم). قال كعب: (ان السلاح لوفاء). وأراد أبو نائلة الا ينكر السلاح إذا جاؤوا به. فسكن إلى قوله وقال: (جئ به متى شئت). فرجع أبو نائلة من عنده على ميعاد. فأتى اصحابه فأخبرهم، فأجمعوا أمرهم على أن يأتوه إذا أمسى لميعاده. ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشاء فأخبروه فمشى (معهم). وروى ابن اسحاق والامام احمد بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشى معهم إلى بقيع الفرقد، ثم وجههم وقال: (انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم) وعند ابن سعد: (امضوا على بركة الله وعونه). ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته في ليلة مقمرة مثل النهار، ليلة اربع عشرة من شهر ربيع الاول.


(1) اخرجه مسلم في الموضع السابق في باب قتل كعب بن الاشرف. (*)

[ 28 ]

فمضوا حتى انتهوا إلى حصن ابن الاشرف. وفي الصحيح: فقال محمد بن مسلمة - وفي كتب المغازي أبو نائلة - لاصحابه: (إذا ما رأكم كعب فاني قائل بشعره فأسمه فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه). فهتف أبو نائلة، وكان ابن الاشرف حديث عهد بعرس، فوثب في ملحفة، فأخذت امرأته بناحيتها وقالت: (انك امرؤ محارب وان اصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة). فقال: (انه ميعاد علي وانما هو أخي أبو نائلة لو وجدني نائما لما أيقظني). فقالت: (والله اني لاعرف في صوته الشر). فكلمهم من فوق البيت. وفي رواية: (أسمع صوتا كأنه يقط ر منه الدم). قال: فقال لها كعب: (ان الكريم لو دعي إلى طعنة ليلا لأجاب). ثم نزل إليهم متوشحا بملحفة وهو ينفح منه ريح الطيب. فجاءهم ثم جلس فتحدث معهم ساعة حتى انبسط إليهم. فقالوا: (هل لك يا ابن الاشرف ان نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث فيه بقية ليلتنا هذه ؟) فقال: (ان شئتم). فخرجوا يتماشون فمشوا ساعة. فقال أبو نائلة: (نجد منك ر يح الطيب). قال: (نعم تحتي فلانة من أعطر نساء العرب). قال: (أفتأذن لي أن أشم (رأسك) ؟) قال: نعم. فأدخل أبو نائلة يده في رأس كعب ثم شم يده فقال: (ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط). وانما كان كعب يدهن بالمسك الفتيت بالماء والعنبر حتى يتلبد في صدغيه وكان جعدا جميلا. ثم مشى أبو نائلة ساعة ثم عاد لمثلها (حتى اطمأن إليه وسلسلت يده في شعره) فأخذ بقرون رأسه وقال لاصحابه: (اضربوا عدو الله). فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا ورد بعضها بعضا. ولصق أبو نائلة. قال محمد بن سلمة: (فذكرت مغولا كان في سيفي حين رأيت أسيافنا لا تغني شيئا، فأخذته وقد صاح عدو الله عند أول ضربة صيحة لم يبق حولنا حصن من حصون يهود الا أوقدت عليه نار). قال: (فوضعته في ثنته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته فوقع عدو الله). وعند ابن سعد: فطعنه أبو عبس في خاصرته وعلاه محمد بن مسلمة (بالسيف) وقد أصيب الحارث بن أوس بن معاذ فجرح في رجله، أصابه بعض أسياف القوم. فلما فر غوا حزوا رأس كعب ثم خرجوا يتسترون، وهم يخافون من يهود، الارصاد حتى سلكوا على بني أمية بن زيد، ثم على قريظة، وان نيرانهم في الحصون لعالية، ثم على بعاث، حتى إذا كانوا بحرة العريض تخلف الحارث فأبطأ عليهم فناداهم: (اقرئوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام). فعطفوا عليه فاحتملوه حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما بلغوا بقيع الفرقد كبروا. وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة يصلي، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرهم بالبقيع

[ 29 ]

كبر وعرف ان قد قتلوه. ثم أتوه يعدون حتى وجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم واقفا على باب المسجد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفلحت الوجوه). فقالوا: (ووجهك يا ر سول الله. ورموا برأسه بين يديه. فحمد الله تعالى على قتله. ثم أتوا بصاحبهم الحارث، فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم على جرحه فلم يؤذه، فرجعوا إلى منازلهم. فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلو ه) (1). فخافت اليهود، فلم يطلع عظيم من عظمائهم وخافوا ان يبيتوا كما بيت ابن الاشرف. وعند ابن سعد: فأصبحت اليهود مذعورين فجاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: قتل سيدنا غيلة، فذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم صنيعه، وما كان يحض عليهم ويحرض في قتالهم ويؤذيهم. ثم دعاهم إلى أن يكتبوا بينه وبينهم صلحا (أحسبه). فكان ذلك الكتاب مع علي ر ضي الله تعالى عنه بعد. تنبيهات الاول: قال العلماء رحمهم الله تعالى (في حديث كعب بن الاشرف دليل على جواز قتل من سب سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أو انتقصه أو آذاه، سواء أكان بعهد أم بغير عهد، ولا يجوز ان يقال ان هذا كان غدرا وقد قال ذلك رجل كان في مجلس أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فضرب عنقه. وانما يكون الغدر بعد أمان، وهذا نقض العهد، وهجا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبه. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهده ألا يعين عليه أحدا، فنقض كعب العهد، ولم يؤمنه محمد بن مسلمة ولا رفقته بحال، وانما كلمه في أمر البيع والرهن إلى أن تمكن منه. الثاني: وقع في صحيح مسلم في قول كعب بن الاشرف: (انما هذا محمد بن مسلمة ورضيعه وأبو نائلة) (2). قال القاضي (عياض) قال لنا شيخنا القاضي الشهيد: صوابه أن يقول: (انما هذا محمد بن مسلمة ورضيعه أبو نائلة) أي باسقاط الواو، كذا ذكر أ هل السير أن أبا نائلة كان رضيعا لمحمد بن مسلمة). ووقع في صحيح البخاري: (ورضيعي أبو نائلة) (3). قال: (وهذا له عندي وجه ان صح انه كان رضيعا لكعب. الثالث: وقع في الصحيح ان الذي خاطب كعبا هو محمد بن مسلمة وجل أهل المغازي على أنه أبو نائلة وأومأ الدمياطي إلى ترجيحه، قال الحافظ: ويحتمل بجمع أن يكون


(1) اخرجه البيهقي 3 / 256 والحاكم 3 / 434 وعبد الرزاق (5382) وانظر البداية والنهاية 4 / 139. (2) اخرجه مسلم في باب قتل كعب بن الاشرف في الموضع السابق. (3) في البخاري في كتاب المغازي باب قتل كعب بن الاشرف (4037). (*)

[ 30 ]

كل منهما كلمه في ذلك لان ابا نائلة اخوه من الرضاعة، ومحمد بن مسلمة هو ابن اخت كعب كما رواه عبد الله بن اسحاق الخراساني في فوائده. الرابع: وقع في الصحيح عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار ان محمد بن مسلمة جاء معه برجلين، قال سفيان. وقال غير عمرو: وأبو عبس بن جبر، والحارث بن أو س، وعباد بن بشر. قال الحافظ: فعلى هذا كانوا خمسة وهو أولى من رواية من روى انهم كانوا ثلاثة فقط ويمكن الجمع بأنهم كانوا مرة ثلاثة وفي أخرى خمسة. الخامس: في بيان غريب ما سبق: الاشرف: بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة وفتح الراء وبالفاء. النضير: بالضاد المعجمة وزن عليم. نائلة: بنون وبعد الالف تحتية. طيئ: بفتح الطاء وتشديد التحتية وآخر همزة. اليقين: العلم وزوال الشك. مقرونين: مجعولين قرنا بالشد والاثبات، يقال قرنهما تقرينا أي جعلهما قرنين. كبت: بضم أوله وكسر الموحدة: أذله الله وصرفه عن مراده. أبو وداعة: اسمه الحارث بن صبيرة بضم الصاد المهملة. السهمي: بفتح السين المهملة وسكون الهاء. العيص: بكسر العين المهملة وسكون التحتية وبالصاد المهملة، واد من ناحية ذي المروة على أربع ليال من المدينة. القليب: البئر. فشبب بنساء المسلمين: تقول فيهن وذكرهن بسوء. من لكعب ؟: أي من الذي ينتدب لقتله ؟. يعلق به نفسه: مأخوذ من العلقة والعلاق أي بلغة من الطعام إلى وقت الغذاء يعني ما يسد به رمقه من الغذاء. ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالبناء للمفعول. الجهد: بفتح الجيم وضمها: الطاقة. عباد: بفتح العين المهملة وتشديد الموحدة. ابن بشر: بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة.

[ 31 ]

سلكان: بكسر السين المهملة واسكان اللام. أبو عبس: بفتح العين المهملة وبعد الموحدة الساكنة سين مهملة واسمه: عبد الرحمن ابن جبر، بفتح الجيم وسكون الموحدة والجبر ضد الكسر. من أن نقول: حقه ان يقول، يريد نفتعل قولا نحتال به، قال السهيلي: يعني الكذب أباحه له لانه من خدع الحرب. مابدا لكم، بلا همز: أي ظهر. عنانا: بمهملة وتشديد النون الاولى من العناء وهو التعب. وأيضا: أي وزيادة على ذلك وقد فسره بقوله ولتملنه: بفتح الفوقية والميم وتشديد اللام من الملال وهو السآمة. الوسق: بفتح الواو وكسرها. ارهنوني: ادفعوا إلى شيئا يكون رهنا على الشئ الذي تريدونه. نرهنك: بفتح اوله وثالثه من الثلاثي، ويجوز من الرباعي نرهنك فيضم اوله ويكسر ثالثه. قائل: باللام. بشعره: بفتحتين من اطلاق القول على الفعل. هتف: صاح. محارب: بفتح الراء وكسرها. ينفح: بالفاء والحاء المهملة. المغول: بميم مكسورة فغين معجمة ساكنة فواو مفتوحة قال في الاملاء. الحلقة: السلاح كله وأصله في الدرع، ثم سمي السلاح كله حلقة. اللأمة: بتشديد اللام وسكون الهمزة: قال ابن عيينة كما في الصحيح: يعني السلاح، وقال أهل اللغة الدرع. بعاث: بضم الموحدة وبالعين المهملة بثاء مثلثة. العريض: بعين مهملة فتحتية فضاد معجمة تصغير عرض اسم واد شامي بالحرة الشرقية قرب قناة أبطا بفتح همز أوله وآخره.

[ 32 ]

الباب الثاني عشر في سرية زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه إلى القردة في اول جمادى الاخرة سنة ثلاث وهي اول سرية خرج فيه زيد أميرا. وسببها ان قريشا لما كانت وقعة بدر خافوا طريقهم الذي كانوا يسلكونه إلى الشام، فسلكوا طريق العراق. فخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان بن حرب، ومعه فضة كثيرة، وهي عظم تجارتهم، وخرج صفوان بن أمية بمال كثير نقر فضة وآنية فضة وزن ثلاثين ألف درهم، وأرسل معه أبو زمعة ثلاثمائة مثقال ذهب ونقر فضة، وبعث معه رجال من قريش ببضائع، وخرج معه عبد الله بن أبي ربيعة، وحويطب بن عبد العزي في رجال من قريش. واستأجروا فرات بن حيان. قال ابن اسحاق: من بني بكر بن وائل. وقال محمد بن عمر، وابن سعد وابن هشام: من بني عجل وزاد ابن هشام حليف لبني سهم. فخرج بهم على طريق ذات عرق. فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم، فأرسل ز يد بن حارثة في مائة راكب فاعترضوا لها بالقردة، فأصابوا العير، وأفلت اعيان القوم، وأسر وا رجلين أو ثلاثة، وقدموا بالعير على رسول الله صلى الله عليه وسلم فخمسها، فبلغ الخمس قيمة عشرين ألف درهم، وقسم الباقي على أهل السرية. وكان في الاسارى فرات بن حيان، وكان أسر يوم بدر، فأفلت على قدميه، فكان الناس عليه أحنق شئ. وكان الذي بينه وبين أبي بكر حسنا، فقال له: (أما آن لك أن تقصر ؟. قال: (ان أفلت من محمد هذه المرة لم أفلت أبدا). فقال له أبو بكر رضي الله تعالى عنه: (فأسلم). فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم فتركه رسو ل الله صلى الله عليه وسلم. تنبيهان الاول: ذكر ابن اسحاق هذه السرية قبل سرية كعب بن الاشرف، وذكرها محمد بن عمر، وابن سعد، والقطب بعدها. الثاني: في بيان غريب ما سبق: حارثة: بالحاء المهملة والثاء المثلثة. القردة: كسجدة بالقاف ويقال بالفاء، ماء من مياه نجد. تجار: بكسر الفوقية وتخفيف الجيم، وبضم الفوقية وتشديد الجيم. عظم تجارتهم: بضم العين المهملة واسكان الظاء المعجمة المشالة أي أكثرها.

[ 33 ]

نقر فضة: جمع نقرة بنون مضمومة فقاف ساكنة فراء: القطعة المذابة من الذهب أو الفضة. حويطب: بضم الحاء المهملة وفتح الواو وسكون التحتية وكسر الطاء المهملة وبالموحدة. فرات: بضم الفاء وبالفوقية. ابن حيان: بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية. وأيل: بكسر التحتية. حليف: معاهد. سهم: بلفظ واحد السهام. ذات عرق: بكسر العين المهملة وسكون الراء وبالقاف. أفلت: بالبناء للفاعل.

[ 34 ]

الباب الثالث عشر في سرية ابي سلمة عبد الله بن عبد الاسد رضي الله تعالى عنه إلى قطن في اول المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وسببها ان رجلا من طيئ اسمه الوليد بن زهير بن طريف قدم المدينة زائرا ابنة أخيه زينب، وكانت تحت طليب بن عمير بن وهب، فأخبر ان طليحة، وسلمة ابني خويلد تركهما قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعوانهم لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنهاهم قيس بن الحارث بن عمير. فقال: (يا قوم والله ماهذا برأي، مالنا قبلهم وتر، وما هم نهبة لمنتهب (ان دارنا لبعيدة من يثرب، ومالنا جمع كجمع قريش، مكثت قريش دهرا تسير في العرب تستنصرها، ولهم وتر يطلبونه، ثم ساروا قد امتطوا الابل وقادوا الخيل وحملوا السلاح مع العدد الكثير، ثلاثة آلاف مقاتل سوى أتباعهم) وانما جهدكم ان تخرجوا في ثلاثمائة رجل ان كملوا فتفرون بأنفسكم وتخرجون من بلادكم (ولا آمن من ان تكون الدبرة عليكم) فعصوه. فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا ابا سلمة رضي الله تعالى عنه وقال: (اخرج في هذه السرية فقد استعملتك عليها). وعقد له لواء، وقال: (سر حتى ترد أرض بني اسد بن خزيمة، فأغر عليهم قبل ان تلاقى عليكم جموعهم). وأوصاه بتقوى الله تعالى وبمن معه من المسلمين خيرا. فخرج معه في تلك السرية خمسون ومائة رجل، ومعه الرجل الطائي دليلا، فأغذ السير ونكب بهم عن سنن الطريق، وسار بهم ليلا ونهارا فسبقوا الاخبار وانتهوا إلى ذي قطن: ماء من مياه بني أسد وهو الذي كان عليه جمعهم. فأغاروا على سرح لهم فضموه وأخذوا رعاء لهم مماليك ثلاثة وأفلت سائرهم. فجاؤوا جمعهم فأخبروهم الخبر وحذروهم جمع ابي سلمة، وكثروه عندهم، فتفرق الجمع في كل وجه، وورد أبو سلمة الماء، فوجد الجمع قد تفرق. فعسكر وفرق أصحابه في طلب النعم الشاء. فجعلهم ثلاث فرق. فرقة أقامت معه وفرقتان أغارتا في ناحيتين شتى وأوعز اليهما ألا يمعنوا في الطلب وألا يبيتوا الا عنده ان سلموا، وأمرهم ألا يفترقوا واستعمل على كل فرقة عاملا منهم فآبوا إليه جميعا سالمين قد أصابوا ابلا وشاء ولم يلقوا أحدا. فانحدر أبو سلمة بذلك كله راجعا إلى المدينة ورجع معه الطائي. فلما ساروا ليلة قسم أبو سلمة الغنائم وأخرج صفي رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا وأخرج الخمس وأعطى الطائي الدليل رضاه من المغنم ثم قسم ما بقي بين أصحابه فأصاب كل انسان سبعة أبعرة، وقدم بذلك إلى المدينة ولم يلق كيدا. وذكر أبو عمر، وأبو عبيدة ان مسعود بن عروة قتل في هذه السرية.

[ 35 ]

تنبيه: في بيان غريب ما سبق: عبد الاسد: بسن مهملة. قطن: بفتح القاف والطاء المهملة وبالنون جبل أو ماء بنجد. فيد: بفتح الفاء وسكون التحتية وبالدال المهملة. طليب: بضم الطاء المهملة وفتح اللام وسكون التحتية وبالموحدة، وابوه عمير بوزنه وعين وراء مهملتين. طليحة: بالتصغير وأسلم بعد ذلك. وسلمة: لم يسلم. قيس بن الحارث: لا أعلم له اسلاما. عميرة: بفتح العين المهملة وكسر الميم. الوتر: بكسر الواو وسكون الفوقية: الجناية التي يجنيها الرجل على غيره من قتل أ و نهب أو سبي. النهبة: بضم النون وسكون الهاء وبالموحدة وتاء التأنيث والنهبي بألف التأنيث المقصورة اسم للمنهوب. أغذ السير: بفتح الهمزة والغين والذال المشددة المعجمتين أي أسرع. نكب عن الطريق: بالنون والكاف المخففة وزن نصر وفرح نكبا بالفتح والسكون عدل عنه. السنن: هنا بفتح السين المهملة وبضمها وبضم اوله وفتح ثانيه جهة الطريق ونهجه. السرح: بفتح السين وسكون الراء وبالحاء المهملات: المال السائم. أفلت: بالبناء الفاعل. سائرهم: أي باقيهم. شتي: أي متفرقون يقال شت الشي إذا تفرق.

[ 36 ]

الباب الرابع عشر في بعثه صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أنيس بن أسعد الجهني القضاعي الانصاري السلمي، بفتحتين حليف بني سلمة، من الانصار، رضي الله تعالى عنه إلى سفيان بن خالد (بن نبيح) بعرنة روى أبو داود باسناد حسن، والبيهقي (1) وأبو نعيم عن عبد الله بن أنيس رضي الله تعالى عنه، ومحمد بن عمر عن شيوخه، والبيهقي وأبو نعيم عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب، وعن عروة قال شيوخ محمد بن عمر: خرج عبد الله بن أنيس من المدينة يوم ا لاثنين لخمس خلون من المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا - واللفظ لمحمد بن عمر - (بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ان سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي ثم اللحياني، وكان ينزل عرنة وما والاها في أناس من قومه، وغيرهم يريد ان يجمع الجموع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فضوى إليه بشر كثير من أفناء الناس). قال عبد الله بن أنيس رضي الله تعالى عنه: (دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (انه بلغني ان سفيان بن خالد بن نبيح يجمع لي الناس ليغزوني وهو بنخلة أو بعرنة فأته فاقتله). فقلت: يا رسول الله صفه لي حتى أعر فه فقال: (آية ما بينك وبينه أنك إذا رأيته هبته وفرقت منه ووجدت له قشعريرة وذكرت الشيطان). قال عبد الله وكنت لا أهاب الرجال فقلت: يارسول الله، ما فرقت من شئ قط. فقال: (بلى آ ية ما بينك وبينه ذلك أن تجد له قشعريرة إذا رأيته). قال: واستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقول. فقال: (قل ما بدا لك). وقال: (انتسب لخزاعة). فأخذت سيفي ولم أزد عليه وخرجت أعتزي لخزاعة حتى إذا كنت ببطن عرنة لقيته يمشي ووراءه الاحابيش. فلما رأيته هبته وعرفته بالنعت الذي نعت لي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: صدق الله ورسوله، وقد دخل وقت العصر حين رأيته، فصليت وأنا أمشي أؤمي برأسي ايماء. فلما دنوت منه قال: (من الرجل ؟). فقلت: (رجل من خزاعة سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لاكون معك عليه). قال: (أجل اني لفي الجمع له). فمشيت معه وحدثته فاستحلي حديثي وأنشدته وقلت: (عجبا لما أحدث محمد من هذا الدين المحدث، فارق الاباء وسفه أحلامهم). قال: (لم ألق أحدا يشبهني ولا يحسن قتاله). وهو يتوكأ على عصا يهد الارض، حتى انتهى إلى خبائه وتفرق عنه أصحابه إلى منازل قريبة منه، وهم يطيفون به. فقال: (هلم يا أخا خزاعة فدنوت منه. فقال: (اجلس) فجلست معه حتى إذا هدأ الناس ونام اغتررته. وفي أكثر الروايات انه قال: (فمشيت


(1) اخرجه البيهقي في السنن 3 / 256 وفي الدلائل 4 / 42 وابن حبان (519). (*)

[ 37 ]

معه حتى إذا أمكنني حملت عليه السيف فقتلته وأخذت رأسه. ثم أقبلت فصعدت جبلا فدخلت غارا وأقبل الطلب من الخيل والرجال تمعج في كل وجه وأنا مكتمن في الغار، وضربت العنكبوت على الغار. وأقبل رجل معه ادواته ونعله في يده وكنت خائفا. فوضع ادواته ونعله وجلس يبول قريبا من فم الغار، ثم قال لاصحابه: ليس في الغار أحد، فانصرفوا راجعين، وخرجت إلى الادواة فشربت ما فيها وأخذت النعلين فلبستهما. فكنت أسير الليل وأكمن النهار حتى جئت المدينة، فوجدت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فلما رآني قال: (أفلح الوجه). فقلت: وأفلح وجهك يا رسول الله). فوضعت الرأس بين يديه وأخبرته خبري، فدفع إلى عصا وقال: (تخصر بها في الجنة فان المتخصرين في الجنة قليل). فكانت العصا عند عبد الله بن أنيس حتى إ ذا حضرته الوفاة أوصى أهله أن يدرجوا العصا في أكفانه. ففعلوا ذلك. قال ابن عقبة: فيزعمون ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بقتل عبد الله بن أنيس، سفيان بن خالد، قبل قدوم عبد الله بن أنيس رضي الله تعالى عنه. تنبيهان الاول: تردد الامام محب الدين الطبري رحمه الله تعالى في عبد الله بن أنيس قاتل سفيان بن خالد لا معنى له، لانه هو الجهني بلا تردد، وهو أشهر ذكرا من الخمسة الذين وافقوه في الاسم واسم الاب من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. الثاني: في بيان غريب ما سبق: أنيس: بضم اوله وفتح النون وسكون التحتية. الجهني: بضم الجيم وفتح الهاء وبالنون، القضاعي: بضم القاف وبالضاد المعجمة الساقطة وبالعين المهملة، وجهينة في قضاعة. الحليف: كأمير المحالف. بنو سلمة: بكسر اللام. سفيان: بالحركات الثلاث بعدها فاء. نبيح: بضم النون وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالحاء المهملة. الهذلي: بضم الهاء وفتح الذال المعجمة. عرنة: بضم العين المهملة وفتح الراء والنون فتاء تأنيث موضع بقرب عرفة موقف الحجيج.

[ 38 ]

ضوى إليه: بالضاد المعجمة يضوي. الماضي بالفتح والمستقبل بالكسر ضويا أوى إليه. أفناء الناس: كأحمال: أخلاطهم، يقال للرجل إذا لم يعرف من أي قبيلة هو: من أ فناء القبائل. نخلة: بفتح النون وسكون الخاء المعجمة وباللام وتاء التأنيث اسم مكان. الاية: العلامة. فرقت: بفتح الفاء وكسر الراء فزعت. القشعريرة: انقباض الجلد واجتماعه. أن أقول: بسطت الكلام عليه في سرية كعب بن الاشرف. بدالك: بلا همز أي ظهر لك. اعتزى: بالزاي انتمى. خزاعة: بضم الخاء المعجمة والزاي والعين المهملة: قبيلة كبيرة من العرب. الاحابيش: أحياء من القارة انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشا، وتقدم في أحد مبسوطا. أجل: بالجيم واللام كنعم وزنا ومعنى. الخباء: بكسر الخاء المعجمة وبالموحدة والمد: بيت من بيوت الاعراب، قال أبو عبيد رحمه الله تعالى لا يكون الا من صوف أو وبر ولا يكون من شعر. هلم: اسم فعل بمعنى الدعاء إلى الشئ كما يقال تعال. يا أخا خزاعة: يا واحدا منهم. هدأ الناس: بهمزة مفتوحة في آخره: ناموا وسكنوا. اغتررته: بالغين المعجمة، أي أخذته في غفلة والغرة الغفلة. يمعج: بفتح الفوقية وسكون الميم وفتح العين المهملة وبالجيم، قال في الصحاح المعج سرعة السير. الادواة: بكسر اوله المطهرة. التخصر: بفتح الفوقية والخاء المعجمة وتشديد الصاد المهملة الاتكاء على قصب ونحوه.

[ 39 ]

الباب الخامس عشر في سرية الرجيع كانت في صفر سنة ثلاث. واختلف في سببها وفي عدد رجالها فقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه كما في الصحيح وعروة، وابن عقبة كما رواه البيهقي عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عشرة عيونا إلى مكة ليأتوه بخبر قريش وجزم ابن سعد بأنهم عشرة وسمى منهم سبعة: 1. عاصم بن ثابت بن أبي الاقلح. 2. ومرثد بن أبي مرثد (1) كناز بن (حصين بن يربوع بن طريف الغنوي). 3. وعبد الله بن طارق (حليف بني ظفر). 4. وخبيب بن عدي (2) (احد بني جحجبي بن كلفة بن عمرو بن عوف). 5. وزيد بن الدثنة (3) (بن معاوية اخو بني بياضة بن عمرو بن زريق). 6. وخالد بن البكير (4) (الليثي). 7. ومعتب بن عبيد ويقال ابن عوف. وذكرهم محمد بن عمر رحمه الله تعالى ثم قال: (ويقال كانوا عشرة). انتهى. والظاهر ان الثلاثة كانوا تبعا فلم يحصل الاعتناء بتسميتهم. وذكر ابن اسحاق انهم كانوا ستة وهم (من ذكرنا) ما عدا متعب. وذكر ابن عقبة، وابن اسحاق، ومحمد بن عمر، وابن سعد وغيرهم، ولفظ محمد بن عمر أحسن سياقا.


(1) (مرثد) بن أبي مرثد الغنوي.. صحابي وابوه صحابي واسمه كناز - بنون ثقيلة وزاي - ابن الحصين وهما ممن شهد بدرا قال ابن اسحاق: استشهد مرثد في صفر سنة ثلاث في غزاة الرجيع وجاءت عنه رواية عند احمد بن سنان القطان في مسنده والبغوي والحاكم في مستدركه والطبراني في الاوسط من طريق القاسم بن أبي عبد الرحمن السامي عن مرثد بن أبي مرثد وكان بدريا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان سركم ان تقبل منكم صلاتكم فليؤمكم خياركم) وفي رواية الطبراني: فليؤمكم علماؤكم فانهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم) قال ابن عبد البر قال القاسم السامي في حديثه: حدثني أبو مرثد وهو وهم لان من يقتل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدركه القاسم وانما هو مرسل قلت: الوهم ممن قال عن القاسم حدثني مرثد وانما الصواب انه قال عن مرثد كذا عند جمهور من أخرج الحديث المذكور بالعنعنة والله تعالى أعلم قاله الحافظ في الاصابة 6 / 78. (2) خبيب بن عدي بن مالك بن عامر بن مجدعة بن جحجي بن عوف بن كلفة بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الاوس الانصاري الاوسي شهد بدرا واستشهد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وذكر القيرواني من حلى العلي ان خبيبا لما قتل جعلوا وجهه إلى غير القبلة فوجدوه مستقبل القبلة فأدركوه مرارا ثم عجزوا فتركوه. الاصابة 2 / 103. (3) زيد بن الدثنة - بفتح الدال وكسر المثلثة بعدها نون - ابن معاوية بن عبيد بن عامر بن بياضة الانصاري البياضي.. شهد بدرا وأحدا وكان في غزوة بئر معونة فأسره المشركون وقتلته قريش بالتنعيم انظر الا صابة 3 / 27. (4) خالد بن البكير بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن بكر بن ليث بن عبد مناة الليثي.. حليف بن عدي بن كعب مشهور من السابقين وشهد بدرا وهو أحد الاخوة الاصابة 2 / 86. (*)

[ 40 ]

قال نقلا عن شيوخه: (مشت بنو لحيان من هذيل، بعد قتل سفيان (بن خالد) بن نبيح الهذلي إلى عضل والقارة، وهما حيان، فجعلوا لهم فرائض أن يقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكلموه فيخرج إليهم نفرا من أصحابه يدعونهم إلى الاسلام. قالوا: فنقتل من أردنا ونسير بهم إلى قريش بمكة، فنصيب بهم ثمنا، فانه ليس شئ أحب إليهم من أن يؤتوا بأحد من أصحاب محمد يمثلون به ويقتلونه بمن قتل منهم ببدر. فقدم سبعة نفر من عضل والقارة (وهما حيان إلى خزيمة) مقرين بالاسلام. فقالوا: (يارسول الله، ان فينا اسلاما فاشيا، فابعث معنا نفرا من أصحابك يقرئوننا القرآن ويفقهوننا في الاسلام). فبعث معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة نفر، وأمر عليهم مرثد بن أبي مرثد، ويقال عاصم بن ثابت بن أبي الاقلح. قلت وهو الصحيح، فقد رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فخرجوا مع القوم حتى إذا كانوا بالهدة - وفي رواية بالهدأة بيت عسفان ومكة. قال أبو هريرة وعروة وابن عقبة: فغدروا بهم فنفروا لهم، وفي لفظ: فاستصرخوا عليهم قريبا من مائة رام، وفي رواية في الصحيح في الجهاد: (فنفروا لهم قريبا من مائتي رجل). والجمع واضح بأن تكون المائة الاخرى غير رماة. وذكر أبو معشر في مغازيه ان الصحابة رضي الله تعالى عنهم نزلوا بالرجيع سحرا، فأكلوا تمر عجوة فسقط نواة في الارض وكانوا يسيرون بالليل ويكمنون النهار. فجاءت امرأة من هذيل ترعى غنما فرأت النوي فأنكرت صغرهن، وقالت هذا تمر يثرب، فصاحت في قومها: (قد أتيتم، فاقتصوا آثارهم حتى نزلوا منزلا فوجدوا فيه نوى تمر تزودوه من المدينة فجاءوا في طلبهم فوجدوهم قد ركنوا في الجبل، انتهى. فلم يرع القوم الا بالرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم. فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجأوا إلى فدفد، وفي لفظ قردد، بواد يقال له غران. وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا: (لكم العهد والميثاق ان نزلتم الينا ألا نقتل منكم رجلا، انا والله لا نريد قتلكم، انما نريد ان نصيب منكم شيئا من أهل مكة). فقا ل عاصم: (أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم اني أحمي لك اليوم دينك فاحم لحمي، اللهم اخبر عنا رسولك). قال ابراهيم بن سعد كما رواه أبو داود الطيالسي: (فاستجاب الله تعالى لعاصم فأ خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره وخبر اصحابه بذلك يوم أصيبوا). وفي حديث ا بي هريرة رضي الله تعالى عنه كما في الصحيح: (1) وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم اصيبوا خبرهم، فقاتلوهم فرموهم حتى قتلوا عاصما في سبعة (نفر بالنبل). وبقي خبيب، وزيد، وعبد الله بن طارق كما عند ابن


(1) اخرجه البخاري 7 / 437 (4086). (*)

[ 41 ]

اسحاق. قال ابن اسحاق وغيره: (فلما قتل عاصم أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد (بن شهيد)، وأسلمت بعد ذلك، وكانت قد نذرت حين قتل ابنيها مسافع الجلاس ابني طلحة بن أبي طلحة العبدري، وكان عاصم قتلهما يوم أحد، لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن الخمر في قحفه، وجعلت لمن جاء به مائة ناقة، فمنعته الدبر. وفي حديث ابي هريرة في الصحيح: (وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشئ من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عظيما من عظمائهم يوم بدر)، قال الحافظ: (لعله عقبة بن أبي معيط فان عاصما قتله صبرا باذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن انصرفوا من بدر، وكأن قريشا لم تشعر بما جرى لهذيل من منع الدبر لها من أخذ رأس عاصم، فأرسلت من يأخذه أو عرفوا بذلك ورجوا أن تكون الد بر تركته فيتمكنوا من أخذه). انتهى. فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر يطير في وجوههم ويلدغهم فحمته من رسلهم فلم يقدروا منه على شئ. انتهى. فلما حالت بينهم وبينه، قالوا: دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه، فبعث الله تبارك وتعالى الوادي فاحتمله فذهب به. وكان عاصم رضي الله تعالى عنه قد أعطى الله عهدا ألا يمس مشركا ولا يمسه مشرك، فبر الله عز وجل قسمه، فلم يروه ولا وصلوا منه إلى شئ. وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول حين بلغه خبره: (يحفظ الله تبارك وتعالى العبد المؤمن بعد وفاته كما يحفظه كما يحفظه في حياته). وصعد خبيب، وز يد، وعبد الله الجبل، فلم يقدروا عليهم حتى أعطوهم العهد والميثاق، فنزلوا إليهم، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها فقال عبد الله بن طارق: (هذا أول الغدر والله لا أصحبكم ان لي بهؤلاء القتلى أسوة) فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلهوه، كذا في الصحيح (1). وعند ابن اسحاق: وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعبد الله بن طارق فلانوا ورقو ا ورغبوا في الحياة فأعطوا بأيديهم فأسروهم ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القران، ثم أخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه فقبروه بالظهران، وانطلقوا بزيد وخبيب فباعوهما بمكة، قال والذي باعهما زهير، وجامع الهذليان. قال ابن هشام باعوهما بأسيرين من هذيل (كانا بمكة) وقال محمد بن عمر: بيع الاول بمثقال ذهبا ويقال بخمسين فريضة، وبيع الثاني بخمسين فريضة ويقال اشترك فيه ناس من قريش ودخلوا بهما في شهر حرام في ذي القعدة فحبسوهما حتى خرجت الاشهر الحرم.


(1) أخرجه البخاري في الموضع السابق. (*)

[ 42 ]

ذكر قتل زيد بن الدثنة رضي الله تعالى عنه قال ابن اسحاق وابن سعد: فاشترى زيدا صفوان بن أمية، وأسلم بعد ذلك ليقتله بأبيه أمية بن خلف وحبسه عند ناس من بني جمح ويقال عند نسطاس غلامه. فلما انسلخت الاشهر الحرم بعثه صفوان مع غلامه نسطاس إلى التنعيم واخرجه من الحرم ليقتله، واجتمع رهط من قريش، منهم أبو سفيان بن حرب. فقال أبو سفيان حين قدم ليقتل: (أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا عندنا الان في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك ؟) قال: (والله ما أحب أن محمدا الان في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي). فقال أبو سفيان: (ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب اصحاب محمد محمدا). ثم قتله نسطاس، وأسلم بعد ذلك. وذكر ابن عقبة ان زيدا وخبيبا قتلا في يوم واحد وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع يوم قتلا وهو يقول: (وعليكما السلام). ذكر قصة قتل خبيب بن عدي رضي الله تعالى عنه وما وقع في ذلك من الايات قال أبو هريرة كما في الصحيح (1): (فاشترى خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل). وقال ابن عقبة: (واشترك في ابتياع خبيب، زعموا أبا اهاب بن عزيز، وعكرمة بن أبي جهل، والاخنس بن شريق (2)، وعبيدة بن حكيم بن الاوقص، وامية بن ابي عتبة، وصفوان بن أمية وبنو الحضرمي، وهم ابناء من قتل من المشركين يوم بدر) وقال ابن اسحاق: (فابتاع خبيبا حجير بن ابي اهاب التميمي حليف بني نوفل، وكان اخا الحارث بن عامر لامه). وقال ابن هشام: كان ابن اخته لا ابن اخيه عقبة بن الحارث بن عامر ليقتله بأبيه الحارث. قال أبو هريرة كما في الصحيح: (وكان خبيب بن عدي قتل الحارث يوم بدر). انتهى. فجلس خبيب في بيت امرأة يقال لها ماوية مولاة حجير بن أبي أهاب، واسلمت بعد ذلك فأساؤوا اساءة. فقال لهم: (ما يصنع القوم الكرام هنا بأسيرهم) فأحسنوا إليه بعد. وروى ابن سعد عن موهب مولى الحارث انهم جعلوا خبيبا عنده، فكأنه كان زوج ماوية. قالت ماوية كما عند محمد بن عمر، وموهب كما عند ابن سعد أنهما قالا لخبيب: (ألك حاجة ؟) فقال: (نعم، لا تسقوني الا العذب ولا تطعموني ما ذبح على النصب وتخبروني إذا أرادوا قتلي).


(1) اخرجه البخاري في الموضع السابق (4086). (2) الاخنس بن شريق بن عمرو بن وهب بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العزى بن غيرة بن عوف بن ثقيق الثقفي أبو ثعلبة حليف بني زهرة.. اسمه ابي وانما لقب الاخنس لانه رجع ببني زهرة من بدر لما جاءهم الخبر ان أبا سفيان نجا بالعير فقيل: خنس الاخنس ببني زهرة فسمي بذلك ثم أسلم الاخنس فكان من المؤلفة وشهد حنينا ومات في أول خلافة عمر ذكره أبو موسى عن ابن شاهين. الاصابة 1 / 23. (*)

[ 43 ]

وروى البخاري عن بعض بنات الحارث بن عامر، قال خلف في الاطراف: اسمها زينب، وابن اسحاق ومحمد بن عمر عن ماوية قالت زينب: (ما رأيت أسيرا قط خير ا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ثمرة، وانه لموثق في الحديد، وما كان الا رزقا رزقه الله تعالى خبيبا). وقالت ماوية: (اطلعت عليه من صير الباب وانه لفي الحديد وان في يده لقطفا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه وما أعلم في أرض الله تعالى عنبا يؤكل). زاد محمد بن عمر: كان خبيب يتهجد بالقرآن فكان يسمعه النساء فيبكين ويرفقن عليه. فلما انسلخت الاشهر الحرم، وأجمعوا على قتله قالت ماوية كما عند محمد بن عمر: (فأتيته فأخبرته فوالله ما اكترث بذلك). وقال: ابعثي بحديدة أستصلح بها). قالت: (فبعثت إليه بموسى مع ابي حسين بن الحارث). قال محمد بن عمر: وكانت تحضنه ولم يكن ا بنها. فلما ولى الغلام قلت: (والله ادرك الرجل ثأره، أي شئ صنعت ؟ بعثت هذا الغلا م بهذه الحديدة، فيقتله ويقول: رجل برجل). فلما ناوله الحديدة أخذها من يده ثم قال: (لعمرك أما خافت أمك غدري حين بعثتك بهذه الحديدة ؟) ثم خلى سبيله. فقلت: (يا خبيب انما أمنتك بأمانة الله) فقال خبيب: (ما كنت لاقتله وما نستحل في ديننا الغدر). وفي الصحيح عن أبي هريرة (1): ((فمكث عندهم أسيرا حتى إذا أجمعوا قتله) استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحد بها فأعارته، قالت فغفلت عن صبي لي حتى أتا ه، فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذلك مني، وفي يده الموسى. فقال: (أتخشين أن أقتله ؟ ما كنت لافعل ذلك ان شاء الله). قال الحافظ: والجمع بين الروايتين انه طلب الموسى من كل منهما، وكان الذي أوصله إليه ابن احدهما. واما ابن الذي خشيت عليه حين درج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه، فهذا غير الذي احضر إليه الحديدة. والله تعالى أعلم. فأخرجوه في الحديد حتى انتهوا به إلى التنعيم، وخرج معه النساء والصبيان والعبيد وجماعة من أهل مكة. فلم يتخلف احد اما موتور فهو يريد ان يتشفى بالنظر من وتره، واما غير موتور فهو مخالف للاسلام وأهله. فلما انتهوا به إلى التنعيم أمروا بخشبة طويلة فحفروا لها. فلما انتهو بخبيب إليها قال: (هل انتم تاركي فأصلي ركعتين ؟) قالوا: نعم. فركع ركعتين أتمهما من غير أن يطول فيهما. ثم أقبل على القوم فقال: (أما والله لولا أن تظنوا اني ا نما طولت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة).


(1) أخرجه البخاري (4068). (*)

[ 44 ]

وذكر ابن عقبة رحمه الله تعالى أنه صلى الركعتين في موضع مسجد التنعيم. قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، كما في الصحيح (1): (فكان خبيب رضي الله تعالى عنه أول من سن هاتين الركعتين عند القتل) انتهى. ثم قال خبيب: (اللهم احصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا). قال معاوية بن أبي سفيان: (لقد حضرت مع ابي سفيان، فلقد رأيتني وان أبا سفيان ليضجعني إلى الارض فرقا من دعوة خبيب). وكانوا يقولون ان الرجل إذا دعي عليه فاضطجع لجنبه زالت عنه. وقال حويطب بن عبد العزي: وأسلم بعد ذلك: (لقد رأيتني أدخلت اصبعي في أذني وعدوت هاربا فرقا ان اسمع دعاءه)، وكذلك قال جماعة منهم. فلما صلى الركعتين جعلوه على الخشبة ثم وجهوه إلى المدينة وأوثقوه رباطا، ثم قالوا له: (ارجع عن الاسلام نخل سبيلك). قال: (لا والله ما أحب اني رجعت عن الاسلام وان لي ما في الارض جميعا). قالوا: (أفتحب ان محمدا في مكانك وانت جالس في بيتك ؟) قال: (لا والله ما أحب ان يشاك محمد شوكة وانا جالس في بيتي). فجعلوا يقولون: (ارجع يا خبيب). فقال: (لا أرجع أبدا). قالوا: (أما واللات والعزى) لئن لم تفعل لنقتلنك. فقال: (ان قتلي في الله لقليل). ثم قال: (اللهم اني لا أرى الا وجه عدو الله، انه ليس هنا أحد يبلغ ر سولك عني السلام، فبلغه أنت عني السلام). فلما رفع على الخشبة استقبل الدعاء. وروى محمد بن عمر عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا في اصحابه فأخذته غمية كما كانت تأخذه فلما نزل عليه الوحي سمعناه يقول: (وعليه السلام ورحمة الله وبركاته). ثم قال: (هذا جبريل يقرئني من خبيب السلام). وفي رواية ابي الاسود عن عروة: (فجاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فأخبر أصحابه بذلك). قال ابن عقبة رحمه الله تعالى: فزعموا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك اليوم وهو جالس: (وعليك السلام، خبيب قتلته قريش). ثم دعا المشركون أربعين ولدا ممن قتل آباؤهم ببدر كفارا، فأعطوا كل غلام رمحا وقا لوا: هذا الذي قتل آباءكم، فطعنوه برماحهم طعنا خفيفا فاضطرب على الخشبة، فانقلب فصار وجهه إلى الكعبة، فقال: (الحمد الله الذي جعل وجهي نحو قبلته التي رضي لنفسه) ثم قتلوه رحمه الله تعالى. وفي حديث ابي هريرة: (ثم قام إليه أبو سروعة) - واسمه كما في الصحيح في غزوة بدر عن أبي هريرة، وجزم جماعة من أهل النسب انه أبو سروعة اخو عقبة بن الحارث، وأسلم


(1) اخرجه البخاري (4086). (*)

[ 45 ]

بعد ذلك، - (فقتله) وذكر أبو عمر في الاستيعاب ان أبا صبيرة بن العبدري قتل خبيبا مع عقبة وصوابه أبو ميسرة كما عند ابن اسحاق رحمه الله تعالى. وروى ابن اسحاق بسند صحيح عن عقبة بن الحارث قال: (لانا كنت أضعف من ذلك، ولكن أبا ميسرة العبدري أخذ الحربة فجعلها في يدي، ثم أخذ بيدي وبالحربة. ثم طعنته بها حتى قتلته) وذكر محمد بن ا سحاق، ومحمد بن عمر وغيرهما ان خبيبا رضي الله تعالى عنه حين رأى ما صنعوا به قال: لقد جمع الاحزاب حولي وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمع وكلهم مبدي العداوة جاهدعلي لاني في وثاق مضيع وقد جمعوا أبناءهم ونساءهم وقربت من جذع طويل ممنع وقد خيروني الكفر والموت دونه وقد هملت عيناي من غير مجزع وما بي حذار الموت اني لميت ولكن حذاري حر نار تلفع إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي وما أرصد الاحزاب لي عند مصرعي فذا العرش صبرني على ما يراد بي فقد بضعوا لحمي وقد ياس مطمعي وذلك في ذات الاله وان يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع لعمرك ما آسي إذا مت مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي فلست بمبد للعدو تخشعاولا جزعا اني إلى الله مرجعي وروى البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ان خبيبا رضي الله تعالى عنه قال: فلست أبإلى حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي وذلك في ذات الاله وان يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع وروى الامام احمد بن عمرو بن أمية رضي الله تعالى عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وحده عينا إلى قريش قال: (فجئت خشبة خبيب وانا اتخوف العيون فرقيت - وفي لفظ فصعدت فيها - فحللت خبيبا فوقع إلى الارض فانتبذت غير بعيد، فسمعت وجبة خلفي فالتفت فلم أر خبيبا، وكأنما ابتلعته الارض فلم أر لخبيب أثرا حتى الساعة) وذكر أبو يوسف رحمه الله تعالى في كتاب اللطائف عن الضحاك رحمه الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أ رسل المقداد والزبير في انزال خبيب عن خشبته ودخلا إلى التنعيم فوجدا حوله أربعين رجلا نشاوى فأنزلاه فحمله الزبير على فرسه وهو رطب لم يتغير منه شئ، فنذر بهم المشركون فلما لحقوهم قذفه الزبير فابتلعته الارض فسمي بليع الارض. وذكر القيرواني في حلى العلي ان خبيبا لما قتل جعلوا وجهه إلى غير القبلة فوجدوه مستقبلا لها فأداروه مرارا ثم عجزوا فتركوه. وروى ابن اسحاق عن ابن عباس رضي الله تعالى

[ 46 ]

عنهما قال: (لما اصيبت السرية التي كان فيها مرثد وعاصم بالرجيع قال رجال من ا لمنافقين: (يا ويح هؤلاء المقتولين الذين هلكوا هكذا، لا هم قعدوا في أهليهم ولا هم أدوا رسا لة صاحبهم). فأنزل الله عز وجل في ذلك من قول المنافقين: (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه) (البقرة 204) وهو مخالف لما يقوله بلسانه، (وهو ألد الخصام) (البقرة 205) أي لا يحب عمله ولا يرضاه. (وإذا قيل له اتق الله اخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد) (البقرة 206). كذا ذكر ابن اسحاق ان هذه الايات نزلت في شأن هذه السرية، وذكر غيره انها نزلت في الاخنس بن شريق والله تعالى أ علم. (ومن الناس من يشري نفسه) أي يبيع نفسه في الجهاد (ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد) (البقرة 207) قالوا نزلت هذه الاية في صهيب رضي الله تعالى عنه. تنبيهات الاول: وقع في الصحيح في حديث: (وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر). واعتمد على ذلك البخاري، فذكر خبيب بن عدي فيمن شهد بدرا قال في الفتح وهو اعتماد متجه. وتعقب الحافظ أبو محمد الدمياطي، وتبعه في العيون بأن أهل المغازي لم يذ كر أحد منهم ان خبيب بن عدي ممن شهد بدرا ولا قتل الحارث بن عامر، انما ذكروا ان الذي قتل الحارث بن عامر ببدر هو خبيب بن اساف، وهو غير خبيب بن عدي وهو خزرجي، خبيب بن عدي أوسي. قال الحافظ: (ويلزم من الذي قال ذلك رد هذا الحديث الصحيح، فلولم يقتل خبيب بن عدي الحارث بن عامر، ما كان لاعتناء آل الحارث بن عامر بأسر خبيب معنى، ولا بقتله مع التصريح في الحديث الصحيح انهم قتلوه به. ولكن يحتمل ان يكونوا قتلوا خبيب بن عدي لكون خبيب بن اساف - بهمزة مكسورة وقد تبدل تحتية وبسين مهملة - قتل الحارث بن عامر، على عادتهم في الجاهلية بقتل بعض القبيلة عن بعض، ويحتمل ان يكون خبيب بن عدي شرك في قتل الحارث والعلم عند الله. الثاني: قال أبو هريرة كما في الصحيح: (فكان اول من سن الركعتين عند القتل) وجزم بذلك خلائق لا يحصون. وقدمه في الاشارة ثم قال: وقيل اسامة بن زيد حين أراد المكر ي الغدر به، قلت كذا في نسختين من الاشارة: أسامة، وصوابه زيد بن حارثة والد أسا مة كما في الروض: (قال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدثنا يحيى بن معين قال: أخبرنا يحيى (بن عبد الله) بن بكير قال: حدثنا الليث بن سعد رحمه الله تعالى قال: (بلغني أن زيد بن حارثة ا كترى من رجل

[ 47 ]

بغلا إلى الطائف واشترط عليه المكري ان ينزله حيث شاء قال: فمال به إلى خربة فقال له: انزل، فنزل فإذا في الخربة قتلى كثيرة. قال: فلما أراد ان يقتله قال له: دعني اصلي ر كعتين. قال: صل، فقد صلى هؤلاء قبلك فلم تنفعهم صلاتهم شيئا. قال فلما صليت أتاني ليقتلني. قال فقلت: (يا أرحم الراحمين). قال فسمع صوتا قال: لا تقتله. قال: فهاب ذلك فخرج يطلب احدا فلم ير شيئا، فرجع إلى، فناديت: يا أرحم الراحمين، ففعل ذلك ثلاثا. فإ ذا أنا بفارس على فرس في يده حربة من حديد في رأسها شعلة من نار فطعنه بها فأنفذها من ظهره فوقع ميتا. ثم قال لي: (لما دعوت المرة الاولى يا أرحم الراحمين كنت في السماء السابعة، فلما دعوت المرة الثانية يا أرحم الراحمين كنت في السماء الدنيا فلما دعوت المرة الثالثة يا أرحم الراحمين أتيتك). انتهى. فهذا كما ترى غير متصل فلا يقاوم ما في الصحيح. الثالث: قال السهيلي رحمه الله تعالى: (وانما صار فعل خبيب رضي الله تعالى عنه سنة (حسنة). والسنة انما هي أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله واقرا ره غيره على قول أو فعل لان خبيبا فعلهما في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستحسن ذلك من فعله. الرابع: قال في الروض: (فان قيل: فهل أجيبت فيهم دعوة خبيب ؟ والدعوة على تلك الحال من مثل ذلك العبد مستجابة. قلنا: أصابت منهم من سبق في علم الله ان يمو ت كافرا، ومن اسلم منهم فلم يعنه خبيب ولا قصده بدعائه، ومن قتل منهم كافرا بعد هذه الدعو ة فانما قتلوا بددا غير معسكرين ولا مجتمعين كاجتماعهم في أحد، وقبل ذلك في بدر، وان كا نت الخندق بعد قصة خبيب فقد قتل فيها منهم آحاد متبددون، ثم لم يكن لهم بعد ذلك جمع ولا معسكر غزوا فيه فنفذت الدعوة على صورتها وفيمن أراد خبيب رحمه الله تعالى وحاشا له أن يكره ايمانهم واسلامهم. الخامس: قول سيدنا خبيب: (ذلك في ذات الاله) إلى آخره قال أبو القاسم الرا غب: (الذات تأنيث ذو وهي كلمة يتوصل بها إلى الوصف بأسماء الاجناس والانواع وتضاف إلى الظاهر دون المضمر وتثنى وتجمع ولا يستعمل شئ منها الا مضافا وقد يسبقها لفظ الذات لعين الشئ، واستعملوها مفردة ومضافة وأدخلوا عليها الالف واللام وأجروها مجرى النفس والخاصة (فقالوا ذاته ونفسه وخاصته) وليس ذلك من كلام العرب). وقال القاضي: ذات الشئ نفسه وحقيقته. وقد استعمل أهل الكلام (الذات) بالالف واللام وغلطهم أكثر النحاة وجوزه بعضهم لانها ترد بمعنى النفس وحقيقة الشئ، وجاء في الشعر لكنه شاذ. وقال ابن برهان - بفتح الباء الموحدة - (اطلاق المتكلمين الذات في حق الله تعالى من جهلهم لان ذات تأنيث ذو، وهو جلت عظمته لا يصح له الحاق تأنيث، ولهذا امتنع أن يقال علامة وا ن كان

[ 48 ]

أعلم العالمين). قال: (وقولهم الصفات الذاتية جهل منهم أيضا لان النسب إلى ذ ات دور). وقال التاج الكندي في الرد على الخطيب ابن نباتة (1) في قوله: كنه ذاته، ذات بمعنى صاحبة تأنيث ذو، وليس لها في اللغة مدلول غير ذلك، واطلاق المتكلمين وغيرهم ا لذات بمعنى النفس خطأ عند المحققين. وتعقب بأن الممتنع استعمالها بمعنى صاحبة، أما إذا قطعت عن هذا المعنى واستعملت بمعنى الاسمية فلا محذور كقوله تعالى: (ان الله عليم بذات الصدور) (آل عمران 119) أي بنفس الصدور. وقد حكى المطرزي (2) رحمه الله تعالى ان كل ذات شئ وكل شئ ذات. وقال الامام النووي رحمه الله تعالى في تهذيبه: (مراد الفقهاء بالذات الحقيقية) وهذا اصطلا ح المتكلمين وقد أنكره بعض الادباء عليهم وقال انه لا يعرف في لغة العرب ذات بمعنى الحقيقة (وانما ذات بمعنى صاحبة) وهذا الانكار منكر بل الذي قاله الفقهاء والمتكلمون صحيح فقد قال الامام أبو الحسن الواحدي (في أول سورة الانفال) في قوله تعالى: (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم) قال: (أبو العباس احمد بن يحيى) ثعلب: معنى ذات بينكم أي الحالة التي بينكم فالتأنيث عنده للحالة (وهو قول الكوفيين) وقال الزجاج: معنى ذات بينكم حقيقة وصلكم والمراد بالبين الوصل فالتقدير: فأصلحوا حقيقة وصلكم. قال الواحدي: فذات عنده بمعنى النفس (كما يقال ذات الشئ ونفسه). انتهى. وعلى جواز ذلك مشى الامام البخاري فقال في كتاب التوحيد من صحيحه: (باب ما يذكر في الذات والنعوت) (3). فاستعملها على نحو ما تقدم من أن المراد بها نفس الشئ وحقيقته على طريقة المتكلمين في حق الله تعالى، ففرق بين النعوت والذات واستدل البخاري على ذلك بقول خبيب السابق. وتعقبه السبكي رحمه الله تعالى بأن خبيبا لم يرد با لذات الحقيقة التي هي مراد البخاري، وانما مراده: في سبيل الله أو في طاعته.


(1) عبد الرحيم بن محمد بن اسماعيل بن نباتة الفارقي، أبو يحيى: صاحب الخطب ا لمنبرية. كان مقدما في علوم الادب، واجمعوا على ان خطبه لم يعمل مثلها في موضوعها وسكن حلب فكان خطيبها. واجتمع بالمتنبي في خدمة سيف الدولة الحمداني. وكان سيف الدولة كثير الغزوات، فأكثر ابن نباتة من خطب الجهاد والحث عليه. وكان تقيا صالحا. توفي بحلب. له (ديوان خطب) الاعلام 3 / 347، 348. (2) ناصر عبد السيد ابي المكارم بن علي، أبو الفتح، برهان الدين الخوارزمي المط رزي: أديب، عالم باللغة، من فقهاء الحنفية. ولد في جرجانية خوارزم سنة 528 هجرة ودخل بغداد حاجا سنة 601 وتوفي في خوارزم سنة 610 هجرة كان رأسا في الاعتزال ولما توفي دثي بأكثير من 300 قصيدة من كتبه الايضاح في شرح مقامات الحريري والمصباح في النحو والمعرب في اللغة شرحه ورتبه في كتابه (المغرب في ترتيب المعرب) وغير ذلك... انظر الاعلام 7 / 348. (3) البخاري 13 / 393. (*)

[ 49 ]

قال الكرماني: وقد يجاب بأن غرضه اطلاق الذات في الجملة، قال في الفتح: والاعتراض أقوى من الجواب. واستدل غيره بقوله صلى الله عليه وسلم: (لم يكذب ابراهيم عليه السلام الا ثلاث كذبات ثنتين منهن في ذات الله عز وجل) (1). وفي رواية: (كل ذلك في ذا ت الله تعالى). وبحديث ابي الدرداء رضي الله تعالى عنه: (لا يفقه كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله تعالى (2). رواه برجال ثقات الا أن فيه انقطاعا. بقول حسان بن ثابت: وان أخا الاحقاف إذ قام فيهم يجاهد في ذات الاله ويعدل ونعقب بما تعقب به البخاري بأن المراد بالذات هنا الطاعة أو بمعنى حق أو من أجل فهي كقوله تعالى: (ان تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله) (الزمر 56). وأصرح من ذلك كله حديث ابن عباس مرفوعا: (تفكروا في كل شئ ولا تفكروا في ذات الله (3). فان الطاعة وما ذكر معها لا تأتي هنا. قال في الفتح: (فالذي يظهر جواز اطلاق ذات لا بالمعنى الذي أحدثه المتكلمون ولكنه غير مردود إذا عرف ان المراد به النفس لثبوت لفظ النفس في الكتاب العزيز). قلت حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما صريح بما ذهب إليه المتكلمون. السادس: في بيان غريب ما سبق: الرجيع: بفتح الراء وكسر الجيم وسكون التحتية وبالعين المهملة: وهو ماء لهذيل. العيون: جمع عين، وهو هنا الجاسوس. ثابت: بالثاء المثلثة والموحدة والفوقية. الاقلح: بالقاف والحاء المهملة. مرثد: بفتح الميم وسكون الراء. وفتح المثلثة وبالدال المهملة ابن أبي مرثد اسمه. خبيب: بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالموحدة. الدثنة: بفتح الدال المهملة وكسر الثاء المثلثة وتسكن فنون فتاء تأنيث من قولهم دثن الطائر إذا طاف حول وكره ولم يسقط. ابن البكير: بضم الموحدة وفتح الكاف وسكون التحتية وبالراء. معتب: بضم الميم وفتح العين المهملة وكسر الفوقية المشددة، ويقال بدله مغيث بغين معجمة فتحتية فثاء مثلثة، والاول أصح.


(1) اخرجه البخاري 4 / 171 ومسلم في كتاب الفضائل (154). (2) انظر اتحاف السادة 4 / 527). (3) ذكره العجلوني في كشف الخفا 1 / 371 وعزاه للاصبهاني في ترغيبه وأبي نعيم. (*)

[ 50 ]

لحيان: بفتح اللام وكسرها وبالحاء المهملة وبالنون، وهو ابن هذيل بضم الهاء وفتح الذال المعجمة وسكون التحتية وباللام وهو ابن مدركة بن الياس بن مضر. وذكر الهمذ اني النسابة أن أصل بني لحيان من بقايا جرهم دخلوا في هذيل فنسبوا إليهم. عضل: بفتح العين المهملة والضاد المعجمة وباللام بطن من بني الهون. القارة: بالقاف والراء المخففة بعد الالف فتاء تأنيث بطن من بني الهون أيضا وينسبون إلى الدس أيضا بدال وسين مهملتين. الفرائض: جمع فريضة وهو البعير المأخوذ في الزكاة، سمي فريضة لانه فرض واجب على رب المال، ثم اتسع فيه حتى سمي البعير فريضة في غير الزكاة. مثلت بالقتيل: مثلا من باب قتل وضرب إذا جدعته وظهر آثار فعلك عليه تنكيلا، والتشديد مبالغة. البعث: اسم للمبعوث إليه أي المرسل والموجه من باب تسمية المفعول بالمصدر. النفر: بفتح النون والفاء جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة أو إلى تسعة. الهدة: بفتح الهاء والدال المهملة تشدد وتخفف، المفتوحتين، موضع بين عسفان ومكة. والهدأة لاكثر رواة الصحيح بسكون الدال بعدها همزة مفتوحة، وللكشميهني بفتح الدال وتسهيل الهمزة. عسفان: بضم العين وسكون السين المهملتين وبالفاء قرية جامعة على نحو أربعة برد من مكة. نفروا لهم: خرجوا لقتالهم. استصرخوا عليهم: استغاثوا. أبو معشر: بفتح الميم وسكون العين المهملة وفتح الشين المعجمة وبالراء. وظلوا يكمنون: يستترون. أتيتم: بالبناء للمفعول. اقتص أثره وتقصصه: تتبعه. ركنوا إلى الجبل: من الركون وهو السكون إلى الشئ والميل إليه. لم يرعهم الا بالرجال: لم يبغتهم ويفجأهم. غشوهم: بغين فشين معجمتين.

[ 51 ]

أحس بهم: علم، هذه لغة القرآن، ووقع في بعض نسخ السيرة حس. لجأوا إليه: بالهمزة في آخره: تحرزوا واعتصموا. الفدفد: بفاءين مفتوحتين ودالين مهملتين الاولى ساكنة: وهي الرابية المشرفة. القردد: بقاف فاء ودالين مهملتين وهو الموضع المرتفع. غران: بضم الغين المعجمة وتشديد الراء والنون: واد بن أمج وعسفان منازل بني لحيان. في ذمة الكفر: بكسر الذال المعجمة وتشديد الميم أمانته وعهده. حمى: زيد عمرا إذا أجاره ومنعه. سلافة: بضم السين المهملة وتخفيف اللام وبالفاء بنت سعد بن شهيد بضم الشين المعجمة وفتح الهاء، وصحف من قال سلامة بالميم بدل الفاء. مسافع: بضم الميم وسين مهملة وفاء مكسورة. الجلاس: بضم الجيم وتخفيف اللام وبالسين المهملة. العبدري: بفتح العين المهملة وسكون الموحدة وفتح الدال المهملة وبالراء. قحف الرأس: بكسر القاف وسكون الحاء المهملة وبالفاء أعلى الدماغ. الدبر: بفتح الدال المهملة وسكون الموحدة وبالراء، وهو هنا الزنابير والنحل. الظلة: بضم الظاء المعجمة المشالة وتشديد اللام المفتوحة هي السحابة. حمته: بفتح الحاء المهملة والميم منعته منهم. بعث الله تعالى الوادي أي السيل. صعد الجبل: علاه. الغدر: هو ترك الوفاء بالعهد. الاسوة: بكسر الهمزة وضمها القدوة. القران: بكسر القاف وتخفيف الراء الحبل وهو القرن بفتح القاف والراء. الظهران: بفتح الظاء المعجمة المشالة وسكون الهاء، وهو مر الظهران وهو الذي تسميه العامة بطن مر. دخل بهما: في شهر حرام بالبناء للمفعول. ذو القعدة: بفتح القاف وتكسر شهر كانوا يقعدون فيه عن الاسفار.

[ 52 ]

شرح غريب ذكر قتل زيد وخبيب رضي الله تعالى عنهما جمح: بجيم فميم فحاء مهملة مفتوحات، اغتر وغلب. نسطاس: (بنون مفتوحة وسين وطاء مهملتين وألف وسين مهملة). التنعيم: بفتح اوله والفوقية وسكون النون وكسر العين المهملة وسكون التحتية وبالميم وهو المكان الذي يقال له الان مساجد عائشة سمي بذلك لان عن يمينه جبلا يقال له نعيم وعن شماله جبل يقال له ناعم والوادي نعمان، وهو من الحل بن مر وسرف على فرسخين من مكة نحو المدينة. الرهط: بفتح الراء وسكون الهاء وفتحها وبالطاء المهملة، دون العشرة من الرجال ليس فيهم امرأة ومنها إلى الاربعين رجلا. أنشدك بالله تعالى: بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة أي أسألك به. حجير: بضم الحاء المهملة وفتح الجيم وسكون التحتية وبالراء. اهاب: بكسر اوله وبالموحدة. ابن عزيز: ضد ذليل. الحليف: بفتح الحاء المهملة المعاهد بكسر الهاء. نوفل: بنون مفتوحة فواو ساكنة ففاء مفتوحة فلام. ماوية: بواو مكسورة وتشديد التحتية في رواية يونس بن بكير عن ابن اسحاق، وفي رواية غيره عنه بالراء والتخفيف. تسقوني العذب: أي الماء العذب. النصب: بفتح النون والصاد المهملة والموحدة. القطف: بكسر القاف العنقود. الثمرة: بفتح الثاء المثلثة والميم. صير الباب: بكسر الصاد المهملة وسكون التحتية وبالراء أي شق الباب. يتهجد بالقرآن: أي يصلي به في الليل. يرققني: بتحتية مفتوحة فراء ساكنة فقافين الاولى مكسورة عليه أي برحمه. انسلخت: أي الاشهر الحرم فرغت وخرجت. أجمعوا على قتله: أي عزموا عليه.

[ 53 ]

ما اكترث بذلك: بفوقية فراء فثاء مثلثة أي ما بإلى به ولا يستعمل الا في النفي. بنو الحضرمي: العلاء وعامر وعمرو، وقتل عمرو كافرا في سرية عبد الله بن جحش قتله واقد بن عبد الله. الاستحداد: حلق العانة بالحديد. الموسى: يذكر ويؤنث ويجوز تنوينه وعدم تنوينه. أبو حسين: هو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف. تحضنه: تضمه إليها. أدرك ثأره: لحقه والثأر بالثاء المثلثة وسكون الهمزة يقال ثأرت القتيل وثأرت به إذا قتلت قاتله. لعمرك: بفتح اللام والعين المهملة أي وحياتك. غفل: عن كذا بغين معجمة ففاء مفتوحتين شغل عنه وتلهى. درج الصبي: هو أبو حسين بن الحارث بن عامر. الموتور: بالفوقية الذي قتل له قتيل. وتر وترا: بكسر الواو وفتحها ومعناه هنا قتلت له قتيلا. أما والله: بفتح اوله وتخفيف الميم. الجزع: كالتعب ضد الصبر. أحصهم عددا: بفتح الهمزة وبالحاء والصاد المهملتين أي أهلكهم بحيث لا تبقي من عددهم أحدا. بددا: بفتح الموحدة ودالين مهملتين مفتوحتين أي متباعدين متفرقين عن أهليهم وأوطانهم ويحتمل ان يكون من قولهم بايعته بددا أي معارضة والمعنى عارضهم بقتلهم كما فعلوا بنا، ومن قولهم: مالك به بدة أي طاقة والمعنى خذهم بحولك أخذة رابية، لكنه انما أورده اللغويون منفيا. قال في النهاية: (ويروى بكسر الباء جمع بدة وهي الحصة والنصيب أي اقتلهم حصصا مقسمة لكل واحد منهم حصته ونصيبه (ويروى بالفتح أي متفرقين في القتل واحدا بعد واحد من التبديد). قال: ولا طائل تحت هذا المعنى. وقال في الروض: (فمن رواه بكسر الباء فهو جمع بدة وهي الفرقة والقطعة من الشئ المتبدد ونصبه على الحال من المدعو عليهم، ومن رواه بفتح

[ 54 ]

الموحدة فهو مصدر بمعنى التبدد أي ذوي بدد أي أصابت دعوة خبيب رضي الله تعالى عنه من سبق في علم الله تعالى أن يموت كافرا بعد هذه الدعوة، فانما قتلوا بددا غير معسكرين ولا مجتمعين، وان كانت قصة الخندق بعد قصة خبيب رضي الله تعالى عنه وحاشا لله ان ينكر ايمانهم واسلامهم). لا تغادر: لا تترك. الفرق: بالفاء والراء والقاف: الفزع بلفظه ومعناه. رعي عليهم: بالبناء للمفعول. حويطب: بضم الحاء المهملة وفتح الواو وسكون التحتية وكسر الطاء المهملة وبالموحدة. أخذته غمية: كما كان يأخذه إذا أنزل عليه الوحي. أبو سروعة: بفتح السين المهملة اكثر من كسرها وبسكون الراء وفتح الواو وبالعين المهملة. الاحزاب: جمع حزب وهي الطائفة. والاحزاب الطوائف التي تجتمع على محاربة الانبياء عليهم الصلاة والسلام. ألبوا: أجمعوا. القبائل: جمع قبيلة. مجمع: مكان الاجتماع. مجزع: بالجيم والزاي والعين المهملة من الجزع ضد الصبر. وما بي حذار الموت: أي ليس كلامي هذا خوفا من الموت. تلمع: أي تضئ. الكربة: بالضم اسم من كربه الامر يكربه بالضم كربا إذا أخذ بنفسه والجمع كرب مثل غرفة وغرف. أرصد: أعد. بضعوا: بتشديد الضاد المعجمة وبالعين المهملة قطعوه، ويجوز بالتخفيف. يأس: (لغة في يئس) انقطع رجاؤه. مطمعي: أملي.

[ 55 ]

الذات: هنا بمعنى الطاعة أو السبيل كما ذكره السبكي والكرماني لا بمعنى الحقيقة كما تقدم بسطه. الاوصال: بالصاد المهملة واللام. الاعضاء. الشلو: بكسر الشين المعجمة واسكان اللام وبالواو: العضو من اللحم، قاله أبو عبيدة. وقال الخليل رحمه الله تعالى هو الجسد لقوله في أوصال يعني أعضاء جسد إذ لا يقال أ عضاء عضو. الممزع: بضم الميم الاولى وفتح الثانية والزاي المشددة وبالعين المهملة: المقطع. ما آسي: أي ما أحزن. صعدت: بكسر العين في الماضي وبفتحها في المستقبل. انتبذت: انفردت. الوجبة: بفتح الواو وسكون الجيم وتاء التأنيث المربوطة. حسبه جهنم: كافيه. المهاد: أي بئس ما مهد لنفسه في معاده، يقال مهد لنفسه بالتخفيف والتشديد أي جعل لها مكانا ووطنا ممهدا. يشري نفسه: أي يبيعها بالجنة يبذلها بالجهاد. الحرث: بحاء فراء مهملتين فمثلثة: الزرع. النسل: بنون فسين مهملة فلام: الولد. العزة: بعين مهملة مكسورة فزاي: القوة. شرح غريب شعر حسان رضي الله تعالى عنه وافاه: أشرف عليه. ثم: بفتح المثلثة بمعنى هناك. الحمام: بكسر الحاء وتخفيف الميم نذر الموت. المنسكب: المرسل السائب. لم يؤب: لم يرجع. الصقر: من الجوارح جمعه أصقر (وصقور) وصقورة وقال بعضهم الصقر ما يصيد من الجوارح كالشاهين وغيره. وقال الزجاج يقع الصقر على كل صائد من البزاة والشواهين، وشبه الرجل الشجاع به.

[ 56 ]

السجية: بفتح السين المهملة وكسر الجيم وسكون التحتية: الغريزة والجمع سجايا. المحض: بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وبالضاد المعجمة: بالخالص، وأراده هنا. المؤتشب: بضم الميم وسكون الهمزة وفتح الفوقية وكسر الشين المعجمة وبالموحدة: المختلط، والاشواب من الناس الاوباش، قال في التقريب وهم الضروب المتفرقون وقال في النهاية الاخلاط من الناس والرعاع بضم الراء. قال في المجمل هم السفلة من الناس الحمقى. هاج: تحرك. علات: مشقات. العبرة: الدمعة. النص: بفتح النون وبالصاد المهملة المشددة من النص في السير وهو أرفعه. كهيبة: بضم الكاف وفتح الهاء وسكون التحتية وفتح الموحدة وبتاء التأنيث. قال في الاملاء قبيلة. وفي الروض: (جعل كهيبة كأنه اسم علم لامهم وهذا كما يقال بنو ضوط رى وبنو الغبراء وبنو درزة وهذا كله اسم لمن يسب وعبارة عن السفلة من الناس، وكهيبة من الكهبة وهي الغبرة). الطية: بطاء مهملة مكسورة فتحتية مشددة ما انطوت عليه نيتك من الجهة التي تتوجه إليها. الوعيد: التهديد. لقحت الحرب: ازداد شرها. محلوبها: لبنها. الصاب: العلقم. تمرى: تمشح لتحلب. المعصوصب: بميم مضمومة فعين فصادين بينهما واو مهملات فموحدة وهو هنا الجيش الكثير الشديد. اللجب: بالجيم: الكثير الاصوات.

[ 57 ]

الباب السادس عشر في سرية المنذر بن عمرو (الساعدي) رضي الله تعالى عنه إلى بئر معونة وهي سرية القراء رضي الله تعالى عنهم في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا من الهجرة روى الشيخان والبيهقي عن أنس، والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنهم، والبخاري عن عروة بن الزبير، ومحمد بن اسحاق عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وغيرهما، ومحمد بن عمر عن شيوخه، قال أنس في رواية قتادة كما في الصحيح ان رعلا وذكواه وعصية ونبي لحيان أ توا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعموا انهم قد أسلموا واستمدوه على عدوهم. ورواه البخاري والاسماعيلي في مستخرجه في كتاب الوتر، واللفظ للاسماعيلي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ناسا يقال لهم القراء وهم سبعون رجلا إلى أناس من المشركين بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد فقتلهم قوم مشركون دون اولئك. وقال ابن اسحاق عن مشايخه، وموسى بن عقبة عن ابن شهاب أسماء الطائفتين وان اصحاب العهد بنو عامر، ورأسهم أبو براء عامر بن مالك، وان الطا ئفة الاخرى من بني سليم وكان رأسهم عامر بن الطفيل العامري، وهو ابن اخي أبو براء. فروى ابن اسحاق عن المغيرة بن عبد الرحمن، وعبد الله بن ابي بكر وغيرهما، ومحمد بن عمر عن شيوخه قالوا: قدم عامر بن مالك بن جعفر أبو براء ملاعب الاسنة ا لعامري على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهدى إليه فرسين وراحلتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا أقبل هدية من مشرك) (1). وفي رواية: (اني نهيت عن زبد المشركين) (2). وعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام فلم يسلم ولم يبعد، وقال: (يا محمد اني أرى أمرك هذا حسنا شريفا وقومي خلفي، فلو أنك بعثت معي نفرا من أصحابك لرجوت ان يتبعوا أمرك فانهم ان اتبعوك فما أعز أمرك). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اني أخاف عليهم أهل نجد). فقال عامر: لا تخف اني لهم جار ان يعرض لهم أحد من أهل نجد. وخرج عامر بن مالك إلى ناحية نجد فأخبرهم انه قد أجار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلا تعرضوا لهم. وكان من الانصار سبعون رجلا شببة يسمون القراء. كانوا إذا أمسوا أتوا ناحية من المدينة إلى معلم لهم فتدارسوا القرآن وصلوا حتى إ ذا كان وجه الصبح استعذبوا من الماء وحطبوا من الحطب فجاءوا به إلى حجر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم


(1) اخرجه الطبراني (3 / 216) والبخاري في التاريخ (5 / 304) وذكره المتقي ا لهندي في كنز العمال (14473). (2) اخرجه أبو داود في كتاب الخراج (3057) والترمذي (1577) والطبراني في الكبير 17 / 364 وابن عبد البر في التمهيد 2 / 12. (*)

[ 58 ]

وفي رواية يحتطبون فيبعونه ويشترون به (الطعام) لاهل الصفة وللفقراء. وفي رواية: ومن كان عنده سعة اجتمعوا واشتروا الشاة فأصلحوها فيصبح ذلك معلقا بحجر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أهلوهم يظنون انهم في المسجد، وكان أهل المسجد يظنون انهم في أهليهم (1). وذكر ابن عقبة رحمه الله تعالى أنهم أربعون. وقال أنس كما في الصحيح انهم سبعون كما سيأتي بيان ذلك. فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث معهم كتابا، وأمر عليهم المنذر بن عمرو الساعدي. فخرج المنذر بن عمرو بدليل من بني سليم يقال اله المطلب (السلمي) فخرجوا حتى إذا كانوا على بئر معونة عسكروا بها وسرحوا ظهرهم مع عمرو بن أمية الضمري، والحارث بن الصمة فيما ذكره أبو عمر، وذكر ابن اسحاق وتبعه ابن هشام بدل الحارث المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح. وبعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل في رجال من بني عامر، فلما انتهى عامر إليهم لم يقرأوا الكتاب، ووثب عامر بن الطفيل في رجال من بني عامر على حرام فقتلوه. وفي الصحيح عن أنس (2): (فتقدمهم خإلى حرام بن ملحان ورجل أ عرج قال ابن هشام اسمه كعب بن زيد، زاد البيهقي ورجل آخر من بني فلان. فقال لهما خإ لى حرام بن ملحان: (إذا تقدمكم فكونا قريبا مني فان أمنتوني حين أبلغهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيا، وان قتلوني لحقتما بأصحابكما). فتقدم فأمنوه فبينما هو يحدثهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أومأوا إلى رجل منهم، فأتى من خلفه فطعنه فأنفذه فقال: (الله أكبر فزت ورب الكعبة). ثم قال: (بالدم هكذ ا) فنضحه على وجهه (3). ونجا كعب بن زيد لانه كان في جبل. واستصرخ عامر بن الطفيل عليهم ببني عامر فأبوا ان يجيبوه إلى ما دعاهم وقالوا: لن نخفر جوار أبي براء وقد عقد لهم عقدا وجوارا. فلما أبت بنو عامر أن تنفر مع عامر بن الطفيل استصرخ عليهم قبائل بني سليم: عصية ورعل وذكوان وزعب. فنفروا معه ورأسوه عليهم. فقال عامر بن الطفيل: أحلف بالله ما أقبل هذا وحده. فاتبعوا أثره حتى وجدوا القوم. فلما استبطأوا صاحبهم أقبلوا في أثرهم فلقيهم القوم. والمنذر بن عمرو معهم فأحاطوا بهم في رحالهم. فلما رآهم المسلمون أخذوا سيوفهم ثم قاتلوهم حتى قتلوا من عند آخرهم. وفي رواية قتادة عن أنس: فلما كانوا ببئر معونة قتلوهم


(1) اخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 1 / 36. (2) انظر صحيح البخاري مع الفتح 7 / 446. (2) انظر البخاري الموضع السابق (4092). (*)

[ 59 ]

وغدروا بهم. قال ابن اسحاق: (الا كعب بن زيد أخا بني دينار بن النجار فانهم تر كوه وبه رمق فارتث من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيدا). وقال محمد بن عمر: وبقي المنذر بن عمرو فقالوا له: ان شئت آمناك. فقال: لن أعطي بيدي ولن أقبل لكم أمانا حتى آتي مقتل حرام (ثم برئ مني جواركم، فآمنوه حتى أتى مصرع حرام) ثم برئوا إليه من جوارهم. ثم قاتلهم حتى قتل. فذلك قول رسول الله صلى ا لله عليه وسلم: (أعنق ليموت). وأقبل المنذر بن محمد بن عقبة كما ذكره ابن اسحاق وغيره. وقال ابن عمر: الحارث ابن الصمة، وعمرو بن أمية بالسرح، وقد ارتابا بعكوف الطير على منزلهم (أو قريب من منزلهم) فجعلا يقولان: (قتل والله أصحابنا) فأوفيا على نشز من الارض، فإذا اصحابهما مقتولون وإذا الخيل واقفة. فقال المنذر بن محمد بن عقبة أو الحارث بن الصمة (لعمرو بن امية): (ما ترى ؟) قال: (أرى ان نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره الخبر). فقال الاخر: (ما كنت لأتأخر عن موطن قتل فيه المنذر، ما كنت لتخبرني عنه الرجال). فأقبلا فلقيا القوم فقاتلهم الحارث حتى قتل منهم اثنين، ثم أخذوه أسيرا وأسروا عمرو بن أمية. وقالوا للحار ث: (ما تحب ان نصنع بك ؟ فانا لا نحب قتلك). قال: (أبلغوني مصرع المنذر بن عمرو، وحرام بن ملحان ثم برئت مني ذمتكم). قالوا: (نفعل). فبلغوا به ثم أرسلوه فقاتلهم، فقتل منهم اثنين، ثم قتل، وما قتلوه حتى شرعوا له الرماح فنظموه فيها. وأخبرهم عمرو بن أمية وهو أسير في أيديهم انه من مضر ولم يقاتل، فقال عامر بن الطفيل: (انه قد كان على أمي نسمة فأنت حر عنها). وجز ناصيته. ذكر مقتل عامر بن فهيرة وما وقع في ذلك من الايات روى البخاري من طريق هشام بن عروة قال أخبرني أبي قال: (لما قتل الذين قتلوا ببئر معونة وأسر عمرو بن أمية، قال عامر بن الطفيل لعمرو من هذا ؟ وأشار إلى قتيل فقا ل هذا عامر بن فهيرة قال: لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء حتى أني لانظر إلى السماء بينه وبين الارض ثم وضع). وروى محمد بن عمر عن أبي الاسود عن عروة ان عامر بن الطفيل قال لعمرو بن أمية: هل تعرف أصحابك ؟ قال: نعم، قال: فطاف في القتلى وجعل يسأله عن أنسابهم. فقال: هل تفقد منهم أحدا ؟ قال: أفقد مولى لابي بكر يقال له عامر بن فهيرة فقال: كيف كان فيكم ؟ قال: قلت: كان من أفضلنا ومن أول اصحاب نبينا فقال: ألا اخبرك خبره ؟ وأشار إلى رجل فقال هذا طعنه برمحه ثم انتزع رمحه فذهب بالرجل علوا في السماء حتى ما أراه. وكان الذي طعنه رجل من بني كلاب يقال له: جبار بن سلمى وأسلم بعد ذلك. وذكر أبو عمر في الاستيعاب

[ 60 ]

في ترجمة عامر بن فهيرة ان عامر بن الطفيل قتله، مع ذكره في ترجمة جبار انه هو ا لذي قتل ابن فهيرة والله أعلم. وروى البيهقي عنه انه قال لما طعنته: فزت ورب الكعبة، قلت في قلبي: ما معنى قوله: (فزت) أليس قد قتلته ؟ قال: فأتيت الضحاك بن سفيان الكلابي، فأخبرته بما كان وسألته عن قوله فزت، فقال بالجنة. فقلت ففاز لعمر الله. قال وعرض علي الاسلام فأسلمت و دعاني إلى الاسلام ما رأيت من مقتل عامر بن فهيرة من رفعه إلى السماء علوا. وكتب الضحاك بن سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره باسلامي وما رأيت من مقتل عامر بن فهيرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان الملائكة وارت جثته وأنزل عليين) (1) قال البيهقي رحمه الله تعالى: يحتمل انه رفع ثم وضع ثم فقد بعد ذلك، ليجتمع مع رواية البخاري السابقة عن عروة، فان فيها ثم ضع، فقد رويناه في مغازي موسى بن عقبة في هذه القصة. قال فقال عروة لم يوجد جسد عامر، يروون ان الملائكة وارته. ثم رواه البيهقي عن عائشة موصولا بلفظ (لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء حتى أني لانظر إلى السماء بينه وبين الارض) (2) ولم يذكر فيها ثم وضع. قال الشيخ رحمه الله تعالى: فقويت الطرق وتعددت لمواراته في السماء. وقال ابن سعد: أخبرنا الواقدي حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنهم: قالت: (رفع عامر بن فهيرة إلى السماء ثم لم توجد جثته يروون ان الملائكة وارته، ورواه ابن المبارك عن يونس عن ابن شهاب الزهري عن عروة. ذكر اعلام الله تبارك وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بخبر اصحابه وما نزل في ذلك من القرآن ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم. روى الشيخان والامام احمد والبيهقي عن أنس، والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنهم، والبخاري عن عروة أن ناسا جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ابعث معنا رجالا يعلمونا القرآن والسنة. فبعث إليهم سبعين رجلا من الانصار يقال لها القراء، فتعر ضوا لهم وقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان. قالوا: (اللهم بلغ عنا نبينا - وفي لفظ اخواننا - انا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا) فأخبر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقام ر سول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه فقال: (ان اخوانكم قد لقوا المشركين واقتطعوهم فلم يبق منهم أحد، وانهم قالوا: ربنا بلغ قومنا انا قد رضينا ورضي عنا وأنا رسولهم اليكم أنهم قد ر ضوا ورضي عنهم). قال أنس: فكنا نقرأ أن بلغوا قومنا عنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا وأر ضانا ثم نسخ بعد،


(1) اخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 1 / 37. (2) اخرجه البخاري في الموضع السابق من كتاب المغازي باب غزوة الرجيع. (*)

[ 61 ]

فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين صباحا على رعل وذكوان وبني لحيان وبني عصية الذين عصوا الله ورسوله. وفي رواية عن أنس في الصحيح: (فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا في صلاة الغداة بعد القراءة، وفي رواية بعد الركوع، وذلك بعد القنوت وما كنا نقنت). وفي رواية الامام احمد قال أنس رضي الله تعالى عنه: فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد علي شئ وجده عليهم، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما صلى الغداة رفع يده فدعا عليهم. فلما كان بعد ذلك، إذا أبو طلحة يقول: (هل لك في قاتل حرام ؟) قلت: ماله ؟ فعل الله تعالى به وفعل. قال: مهلا فانه قد أسلم. ذكر من استشهد يوم بئر معونة رضي الله تعالى عنهم 1. عامر بن فهيرة (1): بضم الفاء وفتح الهاء وسكون التحتية وبالراء وتاء التأنيث، (مولى ابي بكر الصديق، أسلم قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الارقم بن أبي الارقم). 2. الحكم بن كيسان (2): الحكم بفتحتين وكيسان بفتح الكاف وسكون التحتية وبالسين المهملة وبالنون مولى بني مخزوم. 3. المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح: المنذر بلفظ اسم الفاعل والدال المعجمة، وأحيحة بمهملتين مصغر. وذكر ابن عائذ انه استشهد ببني قريظة. 4. أبو عبيد ة بن عمرو بن محصن: محصن بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين وبالنون. 5. الحارث بن الصمة: (بن عمرو بن عتيك الانصاري الخزرجي ثم النجاري ولقبه مبذول بن مالك) والصمة بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم. 6. أبي بن معاذ بن أنس بن قيس: أبي بضم أوله وفتح الموحدة وتشديد التحتية. 7. وأخوه أنس: وابن اسحاق وابن عقبة يسميانه أوسا ومحمد بن عمر يقول ان أنسا هذا مات في خلافة عثمان. 8. أبو شيخ بن أبي ثابت: عند ابن اسحاق، وقال ابن هشام أبو شيخ اسمه أبي بن ثابت فعلى قول ابن اسحاق هو ابن أخي حسان بن ثابت وعلى قول ابن هشام هو أخوه.


(1) عامر بن فهيرة مولى ابي بكر الصديق احد السابقين.. وكان ممن يعذب في الله، له ذكر في الصحيح الاصابة 4 / 14. (2) الحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة المخزومي والد ابي جهل.. أسر في أول سر ية جهزها رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة وأميرها عبد الله بن جحش فأسر الحكم المذكور فقدموا به على رسول الله صلى الله عليه وسلم. الاصابة / 2 / 30. (*)

[ 62 ]

9 - 10. حرام بن ملحان: حرام بفتح الحاء والراء المهملتين. وسليم بن ملحان: سليم بالتصغير ابنا ملحان بفتح الميم وكسرها وهو أشهر، واسمه مالك، وهما خالا أ نس بن مالك. 11 - 12. سفيان بن ثابت: سفيان بالحركات الثلاث في السين المهملة وبالفاء ومالك بن ثابت وهما ابنا ثابت من بني النبيت بفتح النون وكسر الموحدة وسكون ا لتحتية انفرد بذكرهما محمد بن عمر. 13. عروة بن أسماء بن الصلت: عروة بضم العين المهملة والصلت بفتح الصاد المهملة وسكون اللام والفوقية. 14. قطبة بن عبد عمرو بن مسعود بن عبد الاشهل: قطبة بضم القاف وسكون الطاء المهملة وبالموحدة والاشهل بالشين المعجمة. 15. المنذر بن عمرو بن خنيس: بضم الخاء المعجمة وفتح النون وسكون التحتية وبالسين المهملة. 16. معاذ بن ماعص بن قيس: ماعص بعين فصاد مهملتين وزن عالم، ذكره محمد بن عمر فيهم. وغيره يقول جرح معاذ ببدر ومات بالمدينة. 17. وأخوه عائذ: بالتحتية والذال المعجمة وقيل مات باليمامة. 18. مسعود بن سعد بن قيس (1): ذكره محمد بن عمر، وأما ابن القداح فقال مات بخيبر. 19. خالد بن ثابت بن النعمان (2): وقيل استشهد بمؤتة. 20. سفيان بن حاطب بن أمية: حاطب بالحاء والطاء المكسورة المهملتين وبالموحدة. 21. سعد بن عمرو بن ثقف: بفتح الثاء المثلثة فقاف ساكنة ففاء، واسمه كعب بن مالك. 22 - 23. وابنه الطفيل، وابن اخيه: سهل بن عامر بن سعد بن عمرو بن ثقف. 24. عبد الله بن قيس بن صرمة بن أبي أنس: صرمة بكسر الصاد المهملة والراء والميم وتاء مربوطة.


(1) مسعود بن عبد سعد بن عامر هو مسعود بن عامر.. جعله أبو عمر اثنين وهو واحد واختلف في تسمية أبيه، الاصابة 6 / 202. (2) خالد بن ثابت بن النعمان بن الحارث بن عبد رزاح بن ظفر الانصاري الظفري.. ا لاصابة 2 / 87. (*)

[ 63 ]

25. نافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي: وفيه يقول عبد الله بن رواحة يرثيه: رحم الله نافع بن بديل رحمة المبتغي ثواب الجهاد صابرا صادق اللقاء إذا ما أكثر القوم قال قول السداد ووقع في بعض نسخ العيون فوات الجهاد بالفاء أخت القاف وهو تصحيف من الناسخ. وهذا ما ذكره أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه ذيل المذيل. وزاد ابن سعد الضحاك ابن عبد عمرو بن مسعود، وهو أخو قطبة. وزاد ابن القداح عمير بن معبد بن الازعر، بالزاي والعين المهملة وسماه ابن اسحاق عمرا. وزاد ابن الكلبي: خالد بن كعب بن عمرو بن عوف. وزاد أبو عمر (النمري في الاستيعاب) سهيل بن عامر بن سعد، قال في العيو ن: (واظنه سهل بن عامر الذي ذكرناه (على انه ذكر ذلك في ترجمتين احداهما في باب سهل والاخرى في باب سهيل) والمختلف في قتله (في هذه الواقعة مختلف في حضوره) فأرباب مغازي متفقون على ان الكل قتلوا الا عمرو بن أمية الضمري، وكعب بن زيد بن قيس فانه جر ح يوم بئر معونة ومات بالخندق). انتهى. ونقل في الاصابة عن عروة ان سهيلا عم سهل أو أخوه. فصح ما قاله أبو عمر النمري. ذكر رجوع عمرو بن أمية الضمري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره خبر أصحابه ورجع عمرو بن أمية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بني عامر ثم من بني كلاب أو من بني سلمة، حتى نزلا معه في ظل هو فيه. وكان مع العامريين عقد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوار، ولم يعلم به عمرو. فسألهما حين نزلا: ممن أنتما ؟ فقالا من بني عامر. فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى انه قد أصاب بهما ثؤرة من بني عامر فيما أصابوا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره الخبر فقال رسول ا لله صلى الله عليه وسلم: (لقد قتلت قتيلين لأدينهما) ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا عمل أبي بر اء قد كنت لهذا كارها متخوفا). فبلغ ذلك أبا براء، فشق عليه اخفار عامر بن الطفيل اياه وما أصاب أ صحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بسببه وجواره. وقال حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه يحرض بني أبي براء على عامر بن الطفيل: بني أم البنين ألم يرعكم وأنتم من ذوائب أهل نجد تهكم عامر بأبي براء ليخفره وما خطأ كعمد ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي فما أحدثت في الحدثان بعدي

[ 64 ]

أبوك أبو الحروب أبو براء وخالك ماجد حكم بن سعد قال ابن هشام: أم البنين (1) بنت عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. وهي أم ابي براء وحكم بن سعد من القين بن جسر. قال ابن اسحاق: فحمل ربيعة بن عامر بن مالك، على عامر بن الطفيل فطعنه بالرمح، فوقع في فخذه فأشواه ووقع عن فرسه، فقال: هذ ا عمل أبي براء، ان أمت فدمي لعمي فلا يتبعن به وان أعش فسأرى رأيي فيما أتى إلى. وقال حسان بن ثابت يبكي قتلى بئر معونة: على قتلى معونة فاستهلي بدمع العين سحا غير نزر على خيل الرسول غداة لاقوا ولاقتهم مناياهم بقدر أصابهم الفناء بعقد قوم تخون عقد حبلهم بغدر فيالهفي لمنذر إذ تولى وأعنق في منيته بصبر فكائن قد أصيب غداة ذاكم من ابيض ماجد من سر عمرو تنبيهات الاول: ذكر أبا براء في الصحابة خليفة بن خياط - بالخاء المعجمة والتحتية المشددة - والبغوي وابن البرقي، والعسكري، وابن نافع، والباوردي - بالموحدة - وابن شاهين، وابن السكن، وقال الدارقطني (2): له صحبة. وروى عمر بن شبة (3) - بفتح الشين المعجمة وتشديد الموحدة - في كتاب الصحابة له عن مشيخة من بني عامر، قالوا: قد م على رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة وعشرون رجلا من بني جعفر، ومن بني بكر، فيهم عامر بن مالك الجعفري، فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (قد استعملت عليكم هذا) وأشار إلى الضحاك بن سفيان الكلابي وقال لعامر بن مالك بن جعفر: (أنت على بني جعفر) وقال للضحا ك: (استوص به خيرا) قال الحافظ رحمه الله تعالى: (فهذا يدل على أنه وفد بعد ذلك مسلما). إذا علمت ذلك فقول الذهبي في التجريد الصحيح: انه لم يسلم، فيه نظر.


(1) ام البنين بنت عيينة بن حصن الفزاري لوالدها صحبة ولها ادراك وتزوجها عثمان وله معها قصة. من طبقات ابن سعد الاصابة 8 / 216. (2) علي بن عمر بن أحمد بن مهدي، أبو الحسن الدارقطني الشافعي: امام عصره في الحديث، وأول من صنف القراءات وعقد لها أبوابا من تصانيفه كتاب (السنن) و (العلل الواردة في الاحاديث النبو ية) و (المجتبى من السنن المأثورة) و (المؤتلف والمختلف) و (الضعفاء) توفي 385. الاعلام 2 / 314. (3) عمر بن شبة (واسمه زيد) بن عبيدة بن ريسطة النميري أبو زيد: شاعر، راوية مؤرخ، حافظ للحديث من أهل البصرة توفي بسامراء له تصانيف منها (كتاب الكتاب) والنسب وأخبار بني نمير وغير ذلك توفي 262 هجرة الاعلام 5 / 47، 48. (*)

[ 65 ]

الثاني: في الصحيح ان القراء كانوا سبعين رجلا وعند ابن اسحاق أربعين قال الحافظ: ووهم من قال انهم ثلاثين، وما في الصحيح هو الصحيح. ويمكن الجمع بأن الاربعين كانوا رؤساء، وبقية العدة كانوا أتباعا وجرى على ذلك في الغرر وزاد أن رواية القليل لا تنافي رواية الكثير وهو من باب مفهوم العدد وكذا قول من قال ثلاثين. الثالث: انفرد المستغفري (1) بذكر عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر الكلابي في الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال الحافظ: (وهو خطأ صريح فان عامرا مات كافرا وقصته معروفة (2) أي كما سيأتي بيان ذلك. وقال في النور: أجمع أهل النقل على أن عامر بن الطفيل مات كافرا وما ذكره المستغفري خطأ). انتهى. الرابع: قول أنس: (ثم نسخ بعد) قال السهيلي: (فثبت هذا في الصحيح وليس عليه رونق الاعجاز. فيقال انه لم ينزل بهذا النظم معجز كنظم القرآن، فان هذا خبر، وا لخبر لا يدخله النسخ. قلنا لم ينسخ منه الخبر وانما نسخ منه الحكم فان حكم القرآن أن يتلى به في الصلاة وألا يمسه الا طاهر، وان يكتب بين اللوحين، وان يكون تعلمه من فروض الكفاية. فكل ما نسخ ورفعت منه هذه الاحكام وان بقي محفوظا فانه منسوخ (فان تضمن حكما جاز أن يبقى ذلك الحكم معمولا به)، وان تضمن خبرا جاز أن يبقى ذلك الخبر مصدقا به وأحكام التلاوة منسوخة عنه). الخامس: وقع في الصحيح في رواية أنس: (دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحا، على رعل ولحيان وعصية (3) إلى آخره. قال الحافظ أبو محمد الدمياطي وتبعه في العيون كذا وقع في هذه الرواية، وهو يوهم ان بني لحيان كانوا ممن أصاب القراء يوم بئر معونة وليس كذلك، وانما أصاب هؤلاء رعل وذكوان وعصية ومن صحبهم من سليم. واما بنو لحيان فهم الذين أصابوا بعث الرجيع. وانما أتى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم كلهم في وقت واحد، فدعا على الذين أصابوا الصحابة في الموضعين دعاء واحدا. وذكر محمد بن عمر ان خبر بئر معونة وخبر أصحاب الرجيع جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة واحدة.


(1) جعفر بن محمد بن المعتز بن محمد بن المستغفر النسفي أبو العباس فقيه له اشتغال بالتاريخ من رجال الحديث كان خطيب نسف (من بلاد ما وراء النهر) وتوفي بها له (الدعوات) في الحديث والتمهيد في التجويد وغير ذلك ورجال الحديث يأخذونه عليه رواية الموضوعات من غير تنبيه. الاعلام 2 / 128. (2) أخرجه البخاري 7 / 446 عن أنس رضي الله تعالى عنه... كان رئيس المشركين عامر بن الطفيل خير - النبي صلى الله عليه وسلم - بين ثلاث خصال فقال: (يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك، أو أغز وك بأهل غطفان بألف وألف) فطعن عامر في بيت فلان فقال: (غدة كغدة البكر...). (3) أخرجه البخاري 7 / 446 (4091). (*)

[ 66 ]

السادس: في بيان غريب ما سبق: بئر معونة: بميم مفتوحة فعين مهملة مضمومة فواو ساكنة فنون فتاء تأنيث، موضع في بلا هذيل بن مكة وعسفان. رعل: بكسر الراء وسكون العين المهملة وباللام، بطن من بني سليم ينسبون إلى رعل بن عوف - بالفاء - ابن مالك بن امرئ القيس بن بهثة بضم الموحدة وسكون الهاء وبالثاء المثلثة فتاء تأنيث. ذكوان: بفتح الذال المعجمة وسكون الكاف وبالواو والالف، بطن من بني سليم أيضا. عصية: بضم العين وفتح الصاد المهملتين وتشديد التحتية فتاء تأنيث: قبيلة. لحيان: بفتح اللام وكسرها وسكون الحاء المهملة وبالتحتية والنون. استمده: طلب منه مده. أبو براء: بفتح الموحدة وبالراء والمد ملاعب الاسنة: وهي الرماح لقب بذلك مبالغة في وصفه بالشجاعة. زبد المشركين: الزبد بفتح الزاي وسكون الباء الرفد والعطاء يقال منه زبده يزبده بالكسر فأما يزبده بالضم فهو اطعام الزبد. قال الخطابي: يشبه ان يكون هذا الحديث (انا لا نقبل زبد المشركين) منسوخا لانه قد قبل هدية غير واحد من المشركين (أهدى له المقوقس مارية والبغلة وأهدى له أكيدر دومة فقبل منهما) وقيل انما رد هديته ليغيظه بردها فيحمله ذلك على الاسلام، وقيل ردها لان للهدية موضعا من القلب ولا يجوز عليه أن يميل بقلبه إلى مشر ك، فردها قطعا لسبب الميل، وليس ذلك مناقضا لقبوله هدية النجاشي والمقوقس وأكيد ر لانهم أهل كتاب). وقال السهيلي في غزوة تبوك: قال صلى الله عليه وسلم: (اني نهيت عن زبد المشر كين) ولم يقل عن هديتهم. لانه انما كره ملاينتهم ومداهنتهم إذا كانوا حربا له لان الزبد مشتق من الز بد كما أن المداهنة مشتقة من الدهن فعاد المعنى إلى معنى اللين والملاينة ووجوب الجد في حربهم والمخاشنة وسيأتي في سيرته صلى الله عليه وسلم في الهدية زيادة على ذلك. ولم يبعد: بفتح أوله وضم العين. رجوت: بضم التاء على المتكلم. نجد: ما أشرف من الارض.

[ 67 ]

أنا لهم جار: أي هم في ذمامي وعهدي وجواري. أن يعرض: بفتح الهمزة. شببة: بفتح الشين المعجمة والموحدتين، جمع شاب وهو من دون الكهولة. استعذبوا الماء: استقوه عذبا. الحجر: بضم الحاء المهملة وفتح الجيم جمع حجرة وهي البيت. المنذر: بالذال المعجمة بلفظ اسم الفاعل. الساعدي: بسين وعين ودال مهملات. من بني سليم: بضم السين المهملة وفتح اللام. عسكروا بها: جمعوا عسكرهم أي جيشهم بها. سرحوا: أرسلوا. الظهر: أي الركاب التي تحمل الاثقال في السفر. حرام: ضد حلال. ملحان: بفتح الميم وكسرها وهو أشهر. عامر بن الطفيل: بن مالك ابن أخي أبي براء مات كافرا. أومأوا: الايماء الاشارة ببعض الاعضاء كالرأس واليد والعين والحاجب، يقال أومأت إليه بالهمز أومئ ووميت لغة فيه ولا يقال أوميت. أنفذه: أي الرمح حتى خرج منه من الجانب الاخر. الفوز: بفاء فواو فزاي: النجاة والظفر بالخير أي فاز بالشهادة. ثم قال بالدم: من اطلاق القول على الفعل وفسره بأنه نضحه على وجهه بنون فضاد معجمة فحاء مهملة مفتوحات أي رشه عليه. استصرخ عليه: استغاث. لن نخفر: بضم النون وكسر الفاء، يقال أخفره إذا نقض عهده وذمامه، رباعي. وخفره ثلاثي إذا أوفى بعهده وحفظه. الجوار: بضم الجيم وكسرها الامان. زعب: بكسر الزاي وسكون العين المهملة وبالموحدة، بطن من سليم ينتسبون إلى زعب.

[ 68 ]

رأسوه: عليهم براء مفتوحة فهمزة مشددة فسين مهملة مضمومة أي شرفوه وعظموا قدره. حتى قتلوا: بالبناء للمفعول. الرمق: بفتح الراء والميم وبالقاف: بقية الحياة. ارتث: بهمزة وصل فان ابتدأت بها ضممتها فثاء وبالبناء للمفعول أي حمل من المعركة رثيثا أي جريحا وبه رمق. برئ من كذا: بفتح الموحدة وكسر الراء وبالهمز، تخلص وتنزه وتباعد. المعنق ليموت: بضم الميم وسكون العين المهملة وكسر النون وبالقاف: أي المتقدم أو المسرع وانما لقب بذلك لتقدمه أو لاسراعه إلى الشهادة. السرح: بسين مفتوحة وحاء مهملتين بينهما راء ساكنة: المال السائم. ارتابا: خافا. عكوف الطير: اقامتها. أوفيا: بفتح أوله وسكون الواو وفتح التحتية: أشرفا. النشز: بفتح النون والشين المعجمة وقد تسكن وبالزاي: المرتفع من الارض. مصرع حرام: مكان صرعه أي قتله. أشرعوا الرماح: أمالوها إليه. نظموه بها: اختلعوه بالرماح. من مضر: بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وبالراء: حي من العرب. النسمة: بفتح النون والميم والسين المهملة بينهما: المراد به الانسان هنا. جز: قطع الناصية والناصية منبت الشعر من مقدم الرأس ويطلق على الشعر وهو المرا د هنا. شرح غريب ذكر مقتل عامر بن فهيرة رضي الله تعالى عنه واعلامه تبارك وتعالى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم علوا في السماء جبار: بفتح الجيم والموحدة المشددة وبالراء. 5 سلمى: بضم السين المهملة وسكون اللام وبالقصر. لعمر الله: أي بقاؤه ودوامه، وهو رفع بالابتداء، والخبر محذوف تقديره لعمر الله قسمي

[ 69 ]

أو ما أقسم به. واللام للتوكيد. فان لم تأت اللام نصبته نصب المصادر: عمر الله وعمرك الله أي باقرارك لله وتعميرك بالبقاء. وارت: أخفت وسترت. الجثة: الجسد قال في المصباح المنير: (الجثة للانسان إذا كان قاعدا أو نائما فا ن كان منتصبا فهو طلل). عليون: اسم لاعلى الجنة. اقتطعوهم: أي حالوا بينهم وبين النجاة. وجد عليه: حزن عليه. الغداة: صلاة الصبح. هل لك في كذا: تقدم تفسيره. مهلا: بفتح الميم وسكون الهاء منصوب بفعل محذوف أي اتئد في أمرك ولا تعجل. شرح غريب ذكر رجوع عمرو بن أمية الضمري رضي الله تعالى عنه القرقرة: بقافين مفتوحتين بعد كل منهما راء، الاولى ساكنة. قناة: بضم القاف وبالنون واد بأرض المدينة الشريفة. سليم: بضم السين المهملة. معه عقد: بفتح العين المهملة أي عهد. جوار: بضم الجيم وكسرها: الذمام والعهد. أمهله: سكنه وأخر أمره. عدا عليه: بالعين المهملة عدوا وعدوا وعداء وعدوانا ظلم وتجاوز الحد. يرى: بضم التحتية يظن. الثؤرة: بضم الثاء المثلثة فهمزة ساكنة والثأر بالهمز ويجوز تخفيفه. الذحل: بفتح الذال المعجمة وبالحاء المهملة واللام الحقد بكسر الحاء المهملة ويجمع أذحال مثل سبب وأسباب ويسكن فيجمع على ذحول مثل فلس وفلوس، يقال ثأرت القتيل إذا قتلت قاتله. أم البنين: هي أم أبي براء واسمها ليلى بنت عامر قاله في الروض. وقال في الاملاء يريد

[ 70 ]

قول لبيد: (نحن بني أم البنين الاربعة) وكانوا نجباء فرسانا. ويقال انهم كانوا خمسة لكن لبيد جعلهم أربعة لاقامة الوزن. يرعكم: بمثناة تحتية مفتوحة فراء مضمومة مهملة يفزعكم. الذوائب: بالذال المعجمة وهي هنا الاعإلى. التهكم: الاستهزاء. عامر بن الطفيل: بضم الطاء المهملة وكسر الفاء وسكون التحتية ثم لام. ليخفره: بضم التحتية (وتسكين الخاء المعجمة وكسر الفاء) أي لينقض عهده. ربيعة: هو ابن أبي براء ذكره الحافظ في الاصابة وذكر ما يدل على اسلامه. المساعي: جمع مسعاة وهي السعي في طلب المجد والمكارم. الحدثان: بكسر الحاء وسكون الدال المهملتين مصدر حدث حدثانا كالوجدان وهو قريب العهد. حكم بن سعد: بحاء مهملة وكاف مفتوحتين لا يعلم له اسلام. القين: بفتح القاف وسكون التحتية وبالنون الحداد والقينة: الامة مغنية كانت أ م لا والماشطة، وكثيرا ما تطلق على المغنية من الاماء. جسر: بفتح الجيم وسكون السين وبالراء المهملتين. أشواه: بهمزة مفتوحة فشين معجمة أي لم يصب المقتل. فلا يتبعن به: بالبناء للمفعول. أتي إلى: بالبناء للمفعول.

[ 71 ]

الباب السابع عشر في سرية محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه إلى القرطاء (وهي بطون من بني بكر من قيس عيلان) وكانوا ينزلون البكرات بناحية ضرية، على رأس تسعة وخمسين شهرا من الهجرة. روى محمد بن عمر بن جعفر بن محمود قال: قال محمد بن مسلمة: خرجت لعشر ليال خلون من المحرم فغبت عشرين ليلة الا ليلة وقدمت المدينة لليلة بقيت من المحرم. وروى محمد بن عمر عن شيوخه، وابن عائذ عن عروة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث محمد بن مسلمة في ثلاثين رجلا ركبانا، فيهم عباد بن بشر، وسلمة بن سلامة بن وقش، والحارث بن خزيمة إلى بني بكر بن كلاب، وأمره أن يسير الليل ويكمن النهار، وان يشن الغارة عليهم حتى إذا كان بالشربة لقي ظعنا فأرسل رجلا من اصحابه يسأل: من هم ؟ فذهب الرجل ثم رجع إليه فقال: قوم من محارب. فنزلوا قريبا منه وحلوا وروحوا ماشيتهم فأمهلهم حتى إذا عطنوا أغار عليهم فقتل نفرا منهم وهرب سائرهم، فلم يطلب من هرب واستاق نعما وشاء ولم يتعرض للظعن. ثم انطلق حتى إذا كان بموضع يطلعه على بني بكر بعث عائذ بن بسر إليهم فأ وفى على الحاضر فأقام. وخرج محمد في اصحابه فشن عليهم الغارة فقتل منهم عشرة واستاقو ا النعم والشاء، ثم انحدر إلى المدينة فما أصبح الا بضرية مسيرة ليلة أو ليلتين، م حدر بالنعم وخاف الطلب فطرد الشاء أشد الطرد فكانت تجري معهم كأنها الخيل حتى بلغ العداسة فأبطأ عليهم الشاء بالربذة فخلفه مع نفر من أصحابه وطرد النعم، فقدم المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووصل بعده الشاء فخمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به ثم فض على اصحابه ما بقي فعدلوا الجزور بعشر من الغنم. وذكر البلاذري والحاكم انها كانت في المحرم سنة ست وان ثمامة بن أثال الحنفي أخذ فيها، وذكر حديث اسلامه. روى الشيخان والبخاري مختصرا ومسلم مطولا وابن اسحاق عن ابي هريرة رضي الله تعالى عنه: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال سيد أهل اليمامة ولا يشعرون من هو حتى أتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أتدرون من أخذتم ؟ هذا ثمامة بن أثال الحنفي، أحسنوا اساره). فربطوه بسارية من سواري المسجد). وروى البيهقي عن ابن اسحاق ان ثمامة كان رسول مسيلمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك وأراد اغتياله، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه تبارك وتعالى أن يمكنه منه، فدخل المدينة معتمرا وهو مشرك فدخل المدينة حتى تحير فيها فأخذ، انتهى. ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله فقال: (اجمعوا ما كان عندكم من طعام فابعثوا به إليه). وأمر بلقحته ان يغدى عليه بها ويراح، فجعل

[ 72 ]

لا يقع من ثمامة موقعا ويأتيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: (ما عندك يا ثمامة ؟) فيقول: (عندي خير يا محمد). وفي لفظ: (أسلم يا ثمامة). فيقول: (ايها يا محمد، ان تقتل تقتل ذا دم وان تنعم تنعم على شاكر وان ترد الفداء فسل منه ما شئت). فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان الغد فقال: (ما عندك يا ثمامة ؟) قال: عندي ما قلت لك. وذكر مثله: فقال رسول ا لله صلى الله عليه وسلم: (أطلقوا ثمامة) فأطلقوه فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: (أ شهد ألا اله الا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، يا محمد والله ما كان على الارض وجه أبغض إلى من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلى، والله ما كان من دين أبغض إ لى من دينك فأصبح دينك أحب الدين كله إلى، والله ما كان من بلد أبغض إلى من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد كلها إلى، وان خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى ؟) فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر. فلما أسلم جاءوه بما كانوا يأتونه به من الطعام وباللقحة فلم يصب من حلابها الا يسيرا فعجب المسلمون من ذلك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (حين بلغه ذلك): (مم تعجبون ؟ أمن رجل أكل اول النهار في معي كافر وأكل في آخر النهار في معي مسلم ؟ ان الكافر يأكل في سبعة أمعاء وان المسلم يأكل في معي واحد). قال ابن هشام رحمه الله تعالى: فبلغني انه خرج معتمرا حتى إذا كان ببطن مكة لبى فكان أول من دخل مكة يلبي. فأخذته قريش فقالوا: لقد اجترأت علينا. فلما قدمو ه ليضربوا عنقه قال قائل منهم: دعوه فانكم تحتاجون إلى اليمامة لطعامكم فخلوه. فقال الحنفي في ذلك: ومنا الذي لبى بمكة معلنا برغم ابي سفيان في الاشهر الحرم وقالوا: أصبوت يا ثمامة ؟ فقال: لا ولكني أسلمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اتبعت خير دين، دين محمد، ووالله لا تصل اليكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم خرج إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا منها شيئا إلى مكة حتى أكلت قريش العلهز. فجاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية قال: (ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين ؟ قال: (بلى). قال: (فقد قتلت الاباء بالسيف والابناء بالجوع). وفي رواية: فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انك تأمر بصلة الرحم وانك قد قطعت أرحامنا). فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه أن يخلي بينهم وبين الحمل، وأنزل الله عز وجل: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) (المؤمنون 76). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: القرطاء: بضم القاف وسكون الراء وبالطاء المهملة وهم قرط بضم القاف وسكون الراء

[ 73 ]

وقريط بفتح الراء وقريط بكسرها بنو عبد بغير اضافة (ابن عبيد) وهو أبو بكر ابن كلاب من قيس عيلان - بعين مهملة وسكون التحتية ذكره أبو محمد الرشاطي رحمه الله تعالى. البكرات: بفتح الموحدة وسكون الكاف فراء فألف فمثناة فوقية جمع بكرة، كذا فيما وقفت عليه من كتب المغازي. قال الصفاني رحمه الله تعالى: (البكرة ماء لبني ذ ؤيب من الضباب وعندها جبال شمخ يقال لها البكرات). وذكر شيئا آخر، والبكران يعني با لموحدة وسكون الكاف وآخره نون بلفظ التثنية موضع بناحية ضرية - بفتح الضاد المعجمة وكسر الراء وفتح التحتية المشددة فتاء - قرية لبني كلاب، وتبعه في المراصد. قال في النور: ولعل ما في العيون بلفظ التثنية وتصحف على الناسخ فذكرها بلفظ الجمع. انتهى. ولم يذكر أبو عبيد البكري في معجمه بحمى ضرية الا بكرة بالافراد. قلت وهو بعيد جدا لتوارد ما وقفت عليه من كتب المغازي. ضرية: بفتح الضاد المعجمة الساقطة وكسر الراء وفتح التحتية المشددة فتاء تأنيث، قرية لبني كلاب. بشر: بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة. وقش: بفتح الواو والقاف وبالشين المعجمة. خزمة: بفتح الخاء المعجمة وسكون الزاي وقيل بفتحها وبه جزم في الاصابة وقيل بالتصغير. يكمن النهار: يستتر فيه ويختفي. ويشن: بفتح التحتية وضم الشين المعجمة وبالنون، يفرق. الغارة: وهي الخيل المغيرة، والغارة الاسم من الاغارة على العدو. الشربة: بشين معجمة فراء موحدة مشددة مفتوحات فتاء تأنيث، اسم موضع. الظعن: بضمتين ويسكن، والظعائن جمع ظعينة قال في النهاية: وهي المرأة في الهو دج ثم قيل للمرأة بلا هودج ثم قيل للهودج بلا امرأة. محارب: بميم مضمومة فحاء مهملة فألف فراء مكسورة فموحدة، بطن من قريش ومن عبد القيس. حلوا: بفتح الحاء المهملة وضم المشددة: نزلوا. روحوا ماشيتهم: بفتح الراء والواو المشددة، أرسلوها للمرعى. أمهلهم: تركهم.

[ 74 ]

عطنوا: بفتح العين والطاء المشددة المهملتين وبالنون، أناخوا الابل وبركوها حول الماء. النعم: بفتح النون والعين المهملة. والشاء: عطف الاخص على الاعم. يعرض: بكسر الراء. أوفى: أشرف. الحاضر: بالحاء المهملة والضاد المعجمة الساقطة المكسورة: القوم النزول على ماء يقيمون به ولا يرحلون عنه. العداسة: بفتح العين والدال المشددة بعد الالف سين مهملات، كذا في نسخة صحيحة من مغازي محمد بن عمر الاسلمي، ولم أر لها ذكرا فيما وقعت عليه من كتب الاماكن والبلدان. الربذة (1): بفتح الراء والموحدة وبالذال المعجمة اسم بلد. البلاذري: بفتح الموحدة والذال المعجمة نسبة إلى البلاذر المعروف. ثمامة: بضم الثاء المثلثة وميمين. أثال: بهمزة مضمومة فثاء مثلثة مخففة وبالصرف. الحنفي: من بني حنيفة. نجد (3): بفتح النون وسكون الجيم موضع مشرف، وهو ضد تهامة (4). لا يشعرون: أي لا يعلمون. اليمامة (5): بفتح التحتية مدينة معروفة باليمن.


(1) الربذة بفتح اوله وثانيه، ودال معجمة مفتوحة: من قرى المدينة، على ثلاثة أميال منها قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز وثلاثمائة بالقرامطة، مراصد الاطلاع 2 / 601. (2) البلاذري: بفتح الباء الموحدة وبعدها لام ألف وضم الذال المعجمة وفي آخرها الراء هذه النسبة إلى البلاذر وهو معروف، الانساب 1 / 423. (3) نجد بفتح اوله وسكون ثانيه، قال النضر: النجد قفاف الارض وصلاييها وما غلظ منها وأشرف، والجماعة النجاد، ولا يكون الا قفا أو صلاية من الارض من ارتفاع من الجبل معترضا بين يديك يرد طرفك عما وراءه. معجم البلدان 5 / 303. (4) انظر مراصد الاطلاع 14 / 283. (5) اليمامة واحد اليمام، وهو طائر، وهو بلد كبير، فيه قرى وحصون ونخل، وكان اسمها أولا جوا، واليمامة هي الزرقاء التي يضرب بها المثل في النظر البعيد. قلع تبع عينيها وصلبها على باب جو، فسميت بها. مراصد الاطلاع 3 / 1483.

[ 75 ]

الاسار: بكسر الهمزة: القيد. السارية: الاسطوانة بضم الهمزة والطاء المهملة. الاغتيال: أن يوصل إليه الشر أو القتل من حيث لا يعلم. تحير: بفتح الفوقية والحاء المهملة والتحتية المشددة وبالراء. اللقحة: بكسر اللام وفتحها: الناقة ذات اللبن. يغدو: يصبح. يراح: يمسي. الحلاب: بكسر الحاء المهملة وهو هنا اللبن. ان تقتل تقتل ذا دم: بدال مهملة على الصحيح أي صاحب يشتفى بقتله ويدرك به قاتله ثأره، فاختصر اعتمادا على مفهوم الكلام. ورواه بعضهم: ذا دم بذال معجمة وفسره بالذمام والحرمة في قومه إذا عقد ذمة وفي له ولم يخفره. وقال القاضي: وكونه بالمهملة أصح لكونه ذا ذمام لم يجز قتله. قال في المطالع: وكان شيخنا القاضي حمله على الذمة أي انتقل من عقدت له ذمة وهذا لا يليق بالحديث. ان تنعم: بضم اوله وكسر ثالثه. الفداء: بكسر الفاء وبالمد والقصر وهو أن تشتري الرجل أو تنقذه بمال. أطلقوا: بفتح الهمزة وكسر اللام. نخل: بفتح النون وسكون الخاء المعجمة، هكذا الرواية أي إلى نخل فيه ماء فاغتسل منه، وذكره ابن دريد بالجيم وهو الماء الجاري. مم تعجبون ؟ أصله مما، حذفت ألف ما الاستفهامية لدخول الجار. المعي كعنب ويمد، المصران (مذكر وقد يؤنث) وتذكيره أكثر. وقوله: والكافر يأكل (في سبعة أمعاء). قال في النهاية والتقريب: هو مثل ضربه لزهد المؤمن وحرص ا لكافر. وهو خاص في رجل بعينه كان يأكل كثيرا فأسلم فقل أكله. بطن مكة: قبل الحديبية، وقيل وادي مكة، وقيل التنعيم. اجترأ عليه: معلنا: بضم الميم وسكون العين المهملة وكسر اللام: مظهرا. برغم فلان: بفتح الموحدة وتثليث الراء (في المصدر) يقال رغم أنفه، كذلك التصق

[ 76 ]

بالرغام وهو (التراب). هذا هو الاصل ثم استعمل في الذل والعجز عن الانتصاف والا نقياد على كره. صبأ: بالهمز. العلهز: بكسر العين المهملة وسكون اللام وكسر الهاء وبالزاي، شئ كانوا يتخذونه في سني المجاعة يخلطون فيه الدم بأوبار الابل ثم يشوونه بالنار ويأكلونه وقيل كانوا يخلطون فيه القردان، ويقال للقراد الضخم علهز. استكان: خضع. تضرعوا: ذلوا وخشعوا.

[ 77 ]

الباب الثامن عشر في سرية عكاشة بن محصن (بن حرثان الاسدي) رضي الله تعالى عنه إلى غمر مرزوق (1)، ماء لبني أسد في شهر ربيع الاول سنة ست روى محمد بن عمر رحمه الله تعالى عن القاسم بن محمد رحمه الله تعالى قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عكاشة بن محصن في أربعين رجلا منهم ثابت بن أقرم (2)، وذكر ابن عائذ أنه كان الامير، وشجاع بن وهب (3)، ويزيد بن رقيش (ابن رئاب بن يعمر) زاد ابن عائذ: ولقيط بن أعصم حليف بني عمرو بن عروة، ثم من بني معاوية بن مالك بن بلي. فخرج سريعا يغذ السير، ونذر القوم بهم، فهربوا من مالهم، فنزلوا علينا بلادهم، فانتهوا إلى الماء. فوجد الدار خلوفا. فبعث شجاع بن وهب طليعة يطلبون خبرا، أو يرون أثرا، فرجع شجاع بن وهب فأخبره أنه رأى أثر نعم قريبا، فتحملوا فأصابوا ربيئة لهم قد نظروا ليلة يسمع الصوت، فلما أصبح قام، فأخذوه وهو نائم، فقالوا: أتخبر عن الناس ؟ قال: وأين الناس ؟ قد لحقوا بعليا بلادهم. قالوا: فالنعم ؟ قال: ما معهم. فضربه أحدهم بسوط في يده فقال: أتؤمنوني على دمي أطلعكم على نعم لبني عم له لم يعلموا بمسيركم إليهم. قالوا: نعم. فآمنوه فانطلقوا معه فأمعن حتى خافوا أن يكون ذلك غدرا منه لهم فقالوا: والله لتصدقنا أو لنضربن عنقك. قال: تطلعون عليهم من هذا الظريب فدنوا فإذا نعم رواتع فأغاروا عليها وأصابوها وهربت الاعراب في كل وجه، ونهى عكاشة عن الطلب. واستاقوا مائتي بعير، فحدروها إلى المدينة، وأرسلوا الرجل. وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يصب منهم أحد ولم يلقوا كيدا. تنبيهات الاول: قول من قال ان ثابت بن أقرم أصيب فيها ليس بشئ فانه استشهد أيام الردة. الثاني: وقع في نسخة أبي الفتح من الاكليل للحاكم بعث سباع بن وهب طليعة.


(1) وردت بلفظ غمرة. قال في المراصد: غمرة منهل من مناهل طريقة مكة فصل ما بين تهامة ونجد. انظر مراصد الاطلاع 24 / 1001. (2) (ثابت) بن أقرم بن ثعلبة بن عدي بن العجلان البلوي حليف الانصار.. ذكره مو سى بن عقبة في البدريين وقال ابن اسحاق في المغازي: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن مروة قال: ثم أخذ الراية يعني في غزاة مؤتة ثابت بن أقرم بعد قتل ابن رواحة فدفعها إلى خالد بن الوليد وكذا رواه ابن مندة من حديث ابي اليسر باسناد ضعيف، الاصابة 1 / 197، 198. (3) شجاع بن وهب ويقال: ابن ابي وهب بن ربيعة بن أسد بن صهيب بن مالك بن كثير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة الاسدي ذكره ابن اسحاق في السابقين الاولين وفيمن هاجر إلى الحبشة وفيمن شهد بدرا وكذا ذكره موسى بن عقبة وابن الكلبي وعروة وقال ابن ابي حاتم: شجاع بن وهب اخو عقبة من المهاجرين الاولين استشهد باليمامة وكنيته أبو وهب. الاصابة 3 / 194.

[ 78 ]

والذي في النسخ منه شجاع بن وهب، ولا وجود لسباع بن وهب في الصحابة. الثالث: في بيان غريب ما سبق: عكاشة: بضم العين المهملة وتشديد الكاف وقد تخفف. محصن: بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين وبالنون. الغمر: بفتح الغين المعجمة وسكون الميم وبالراء. مرزوق: بلفظ اسم المفعول. ثابت: بالثاء المثلثة والموحدة والفوقية. ابن أقرم: بفتح الهمزة وسكون القاف وفتح الراء وبالميم. ابن عايذ: بتحتية وذال معجمة. لقيط بن أعصم: بألف فعين فصاد مهملتين فميم كذا في العيون عن ابن عائذ ولم أر فيما وقفت عليه من كتب الصحابة من اسمه لقيط واسم ابيه أعصم والذي رأيته لقيط بن عصر. يغذ: بضم التحتية وكسر الغين وبالذال المشددة المعجمتين: يسرع. نذز به القوم: بفتح النون وكسر الذال المعجمة وبالراء: علموا. عليا الشئ: بضم العين المهملة أعلاه. الدار: المحل، مجمع البناء. والعرصة: الدارة وقد يذكر. الخلوف: بخاء معجمة فلام مضمومة ففاء الغيب. وفي الكلام حذف تقديره وجد أصحاب الدار خلوفا. طليعة القوم: يبعثون أمام الجيش يتعرفون طلع العدو، وبالكسر أي خبره. الربيئة: براء مفتوحة فموحدة مكسورة فهمزة مفتوحة ممدودة فتاء تأنيث. فآمنوه: بمد الهمزة وفتح الميم المخففة من الامان. أمعن في الطلب: بالغ في الاستقصاء. الظريب: بظاء معجمة مشالة مضمومة فراء مفتوحة فتحتية ساكنة فموحدة، تصغير ظرب بفتح الظاء وكسر الراء وهو ما نتأ من الحجارة وحدد طرفه أو الجبل المنبسط أو الصغير. رواتع: جمع رتوع وهي الدابة الراعية كيف شاءت. لم يلق كيدا: حربا.

[ 79 ]

الباب التاسع عشر في سرية محمد بن مسلمة رضي الله تعالى عنه إلى بني معاوية وبني عوال بذي القصة (1) طريق الربذة في أول ربيع الاخر سنة ست روى محمد بن عمر رضي الله تعالى عنه عن شيوخه قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة في عشرة نفر منهم: أبو نائلة، والحارث بن أوس، وأبو عبس بن جبر (2)، ونعمان بن عصر، ومحيصة بن مسعود، وحويصة أخوه، وأبو بردة بن نيار (3)، ورجلان من مزينة، (ورجل) من غطفان، فوردوا عليهم ليلا. فكمن القوم لمحمد بن مسلمة وأصحا به حتى ناموا، فأحدقوا بهم وهم مائة رجل، فما شعر المسلمون الا بالنبل قد حاطهم، فوثب محمد بن مسلمة ومعه قوس فصاح في أصحابه (السلاح)، فوثبوا فتراموا ساعة من الليل. ثم حملت الاعراب عليهم بالرماح فقتلوا من بقي. ووقع محمد بن مسلمة جريحا، يضرب كعبه فلا يتحرك، وجردوهم الثياب وانطلقوا. فمر رجل (من المسلمين) على القتلى فاسترجع. فلما سمعه محمد بن مسلمة تحرك له، فعرض عليه طعاما وشرابا وحمله حتى ورد به المدينة. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح إلى مصارعهم فلم يجد أحدا، وو جد نعما وشاء فساقه ورجع فخمسه وقسم أربعة أخماسه فيهم. قال محمد بن مسلمة: فلما كانت غزوة خيبر نظرت إلى أحد النفر الذين كانوا ولوا ضربي يوم ذي القصة فلما رآني قال: اني أسلمت وجهي، فقلت: أولى. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: مسلمة: بفتح الميم وسكون السين المهملة وفتح اللام المخففة وبالميم وبتاء تأنيث. معوية: بفتح الميم والعين المهملة وكسر الواو وسكون التحتية وبتاء تأنيث. بنو عوال: بعين مهملة مضمونة فواو مخففة، هم من العرب من بني عبد الله بن غطفان، ووقع في بعض نسخ العيون غزال وهو تصحيف. ذو القصة: بفتح القاف والصاد المهملة وحكى في العيون اعجام الصاد، موضع قريب


(1) ينظر معجم البلدان 4 / 416. (2) أبو عبيس بن جبر بن عمرو بن زيد بن جشم بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الاوس الانصاري الاوسي.. قيل: كان اسمه في الجاهلية عبد العزى وقيل: معبد فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن الاصابة 7 / 126. (3) (هانئ) بن نيار بن عمرو بن عبيد بن كلاب بن دهمان بن غنم بن ذئبان بن هميم بن كاهل بن ذهل بن بلي البلوي أبو بردة بن نيار حليف الانصار خال البراء بن عازب مشهور بكنيته.. الاصابة 6 / 278.

[ 80 ]

من المدينة، بينه وبين المدينة أربعة وعشرون ميلا. الربذة: بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة وبتاء التأنيث موضع قريب من المد ينة الشريفة. أبو نائلة: بالنون وهمزة بعد الالف على صورة التحتية وباللام. أبو عبس: بفتح العين والسين المهملتين وسكون الموحدة بينهما. ابن جبر: بجيم مفتوحة فموحدة ساكنة فراء. عصر: بفتح العين والصاد والراء المهملات، وقيل بكسر العين وقيل بفتحها وسكون الصاد بينهما. محيصة: بميم مضمومة فحاء مهملة فتحتية مشددة فصاد مهملة مفتوحات فتاء تأنيث. حويصة: بالحاء المهملة وزن الذي قبله. أبو بردة: بضم الموحدة. ابن نيار: بنون وتخفيف التحتية وبالراء. مزينة: بضم الميم وفتح الزاي وسكون التحتية وبالنون. غطفان: بفتح العين المعجمة والطاء المهملة والنون بعد الالف. كمن: استتر. أحدقوا بهم: أحاطوا. ما شعر: ما علم. النبل: بفتح النون وسكون الموحدة: السهام العربية، وهي مؤنثة ولا واحد لها من لفظها. بل الواحد سهم فهي مفرد اللفظ مجموعة المعنى. انحاز إلى القوم: تحير إليهم أي مال. الكعب: كل مفصل للعظام، والعظم الناتئ فوق القدم والناشز من جانبها مباشرة.

[ 81 ]

الباب العشرون في سرية ابي عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه إلى ذي القصة أيضا روى محمد بن عمر عن شيوخه رحمهم الله تعالى قالوا: أجدبت بلاد بني ثعلبة وأنمار.. ووقعت سحابة بالمراض إلى تغلمين. فسارت بنو محارب وبنو ثعلبة وأنمار إلى تلك السحابة، وكانوا قد أجمعوا أن يغيروا على سرح المدينة، وسرحها يرعى يومئذ ببطن هيفاء، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح في أربعين رجلا، صلوا المغرب ليلة السبت لليلتين بقيتا من ربيع الاخر سنة ست. فباتوا ليلتهم يمشون حتى وافوا ذا القصة مع عماية ا لصبح، فأغاروا عليهم فأعجزوهم هربا في الجبال، وأخذ رجلا واحدا، ووجد نعما من نعمهم فا ستاقه ورثة من متاع القوم، فقدم به المدينة. وغاب ليلتين، وأسلم الرجل فتركه رسول ا لله صلى الله عليه وسلم وخمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قدم به أبو عبيدة وقسم الباقي عليهم. تنبيه في بيان غريب ما سبق: الجدب: بفتح الجيم وسكون الدال المهملة نقيض الخصب. المراض: بضاد معجمة كسحاب. تغلمين: بفتح الفوقية وسكون الغين المعجمة وفتح اللام والميم وسكون التحتية وبالنون، كذا ألفيته مضبوطا في نسخة صحيحة من مغازي محمد بن عمر الواقدي ولم أجد له ذكرا فيما وقفت عليه من الكتب الاماكن والجبال والمياه. محارب: بضم الميم وكسر الراء وبالموحدة. أجمعوا: اتفقوا. أن يغيروا: يدفعوا الخيل. على السرح: بفتح السين وسكون الراء وبالحاء المهملات: المال الراعي. وافوا: أشرفوا. عماية الصبح: بفتح العين المهملة وتخفيف الميم وبالقصر. هربا: بفتح الهاء والراء وبالموحدة. رثة: بكسر الراء وتشديد الثاء المثلثة وبتاء تأنيث - السقط من متاع البيت من الخلقان.

[ 82 ]

الباب الحادي والعشرون في سرية زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما إلى بني سليم بالجموم

[ 83 ]

الباب الثاني والعشرون في سرية زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما في سبعين ومائة راكب إلى العيص فأخذوا العير وما فيها وأخذوا يومئذ فضة كثيرة لصفوان بن أمية وأسروا ناسا منهم أبو العاص بن الربيع قال ابن اسحاق: لما كان قبل الفتح خرج أبو العاص بن الربيع تاجرا بمال له وأموال لرجال من قريش أبضعوها معه. فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلا لقيته سرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابوا ما معه. وذكر الزهري وتبعه ابن عقبة ان الذين أخذوا هذه العير وأسروا من فيها أبو بصير وأبو جندل وأصحابهما بمنزلهم بسيف البحر، وأنهما لم يقتلا منهم أحدا لصهر أ بي العاص. قال ابن اسحاق، ومحمد بن عمر: انه هرب منهم من السرية. فلما قدمت السرية بما أصابوا من ماله أقبل أبو العاص تحت الليل حتى دخل على امرأته زينب بنت رسول ا لله صلى الله عليه وسلم فاستجار بها فأجارته قال ابن اسحاق ومحمد بن عمر: فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فكبر وكبر الناس معه صرخت زينب من صفة النساء، وعند محمد بن عمر: قامت على بابها فنادت بأعلى صوتها وقالت: أيها الناس اني قد أجرت ابا العاص بن الربيع. قال: فلما سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة أقبل على الناس فقال: (يا أهل الناس هل سمعتم ما سمعت ؟) قالوا: نعم. قال: (أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشئ من ذلك حتى سمعت ما سمعتم، المؤمنون يد على من سواهم يجير عليهم أدناهم) زاد محمد بن عمر: (وقد أجرنا من أجارته). انتهى. قال ابن اسحاق ومحمد بن عمر: ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله، فدخلت عليه زينب فسألته أن يرد على أبي العاص ما أخذ منه فقبل. وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أي بنية أكرمي مثواه ولا يخلصن اليك فانك لا تحلين له). وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السرية الذين أصابوا مال أبي العاص فقال لهم: (ان هذا الرجل منا حيث علمتم وقد أصبتم له مالا، فان تحسنوا وتردوا عليه الذي له فانا نحب ذلك، وان أبيتم فهو فئ الله الذي أفاء عليكم فأنتم أحق به). فقالوا: يارسول الله بل نرده عليه. وعند ابن عقبة: فكلمها أبو العاص في أصحابه الذين أسرهم أبو جندل وأبو بصير وما أخذا لهم. فكلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فزعموا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قام، فخطب الناس وقال: (انا صاهرنا ناسا وصاهرنا أبا العاص فنعم الصهر وجدناه وانه أقبل من الشا م في اصحاب له من قريش فأخذهم أبو جندل وأبو بصير فأسروهم وأخذوا ما كان معهم ولم يقتلوا منهم أحدا وان زينب بنت رسول الله سألتني أن أجيرهم فهل أنتم مجيرون ابا العاص وأصحابه ؟) فقال

[ 84 ]

الناس: نعم. فلما بلغ ابا جندل واصحابه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في أ بي العاص واصحابه الذين كانوا عنده من الاسرى، رد إليهم كل شئ حتى العقال. قال ابن اسحاق ومحمد بن عمر: فردوا عليه كل شئ حتى ان الرجل ليأتي بالدلو ويأتي الرجل بالشنة والادواة حتى ان أحدهم ليأتي بالشظاظ حتى ردوا عليه ماله بأسره لا يفقد منه شيئا. قال ابن هشام: حدثني أبو عبيدة ان أبا العاص بن الربيع لما قدم من الشام ومعه أ موال المشركين قيل له: هل لك أن تسلم وتأخذ هذه الاموال فانها أموال المشركين ؟ فقال أبو العاص: بئس ما أبدأ به اسلامي أن أخون أمانتي. قال ابن هشام: وحدثني عبد الوارث بن سعيد التنوري (1) عن (داود) بن أبي هند (2)، عن أبي عمرو وعامر بن شراحيل الشعبي بنحو من حديث ابي عبيدة عن أبي العاص قلت: هذا سند صحيح، رواه أبو عبد الله الحاكم في الكنى بسند صحيح عن الشعبي رحمه الله تعالى ان المسلمين قالوا لابي العاص: يا أبا العا ص انك في شرف من قريش وأنت ابن عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره، فهل لك ان تسلم وتغنم ما معك من أموال أهل مكة ؟ فقال: بئس ما أمرتموني به أن أفتتح ديني بغدرة. قال ابن اسحاق، ومحمد بن عمر، والشعبي: ثم أحتمل أبو العاص إلى مكة فأدى إلى كل ذي حق حقه. ثم قام فقال: (يا أهل مكة هل بقي لاحد منكم عندي مال لم يأخذه ؟ يا أهل مكة هل أوفيت ذمتي ؟) قالوا: اللهم نعم، فجزاك الله خيرا فقد وجدناك وفيا كريما. قال: (فاني أشهد ألا اله الا الله وان محمدا عبده ورسوله، والله ما منعني من الاسلام عند ه الا أني خشيت أن تظنوا اني انما أردت أن آكل أموالكم فلما أداها الله اليكم وفرغت منها أسلمت). ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة. قال ابن عباس: رد ر سول الله صلى الله عليه وسلم زينب على النكاح الاول لم يحدث شيئا. وفي رواية عنه ردها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ست سنين. وفي رواية بعدها: ستة بالنكاح الاول وفي الرواية: ولم يحدث نكاحا. رواه ابن جرير. تنبيهات الاول: كذا ذكر محمد بن عمر، وابن سعد، والبلاذري، والقطب، والعراقي، وجرى عليه في العيون ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل زيد بن حارثة لاهل هذه العير. واقتضى كلام ابن


(1) عبد الوارث بن سعيد أبو عبيدة التنوري، مولى بني العنر، أحد الحفاظ. روى عن أيوب، ويزيد الرشك، وطبقتهما. وعنه مسدد، وحميد بن مسعدة، وأبو معمر المقعد، وخلق. وكان يضرب المثل بفصاحته، واليه المنتهى في التثبت. الا أنه قدري متعصب لعمرو بن عبيد. وكان حماد بن زيد ينهى المحدثين عن الحمل عنه للقدر. وقال يزيد بن زريع: من أتى مجلى عبد الوارث فلا يقربني. ميزان الاعتدال 2 / 677. (2) داود بن أبي هند، القشيري مولاهم، أبو بكر أو أبو محمد البصري ثقة متقن، كا ن يهم بآخره من الخامسة. مات سنة أربعين. وقيل قبلها. التقريب 1 / 235. (*)

[ 85 ]

اسحاق ان سرية من السرايا صادفت هذه العير لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل السرية لاجلها. الثاني: صرح محمد بن عمر ومن ذكر معه ان هذه السرية كانت سنة ست قبل الحديبية، والا فبعد الهدنة لم تتعرض سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش أصلا، وجزم به الزهري وتبعه موسى بن عقبة كما رواه البيهقي عنهما بأن الذي أخذ هذه العير أبو جندل وأبو بصير وأصحابهما الذين كانوا بسيف البحر لما وقع صلح الحديبية، ولم يكن ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لانهم كانوا منحازين عنه بسيف البحر، وكان لا يمر بهم عير لقريش الا أخذوها، كما سبق ذلك في غزوة الحديبية. وقول ابن اسحاق ان هذه السرية كانت قبل الفتح يشعر بما ذهب إليه الزهري وصوبه في زاد المعاد واستظهر في النور. قلت: ويؤيد قول الزهري قوله صلى الله عليه وسلم فيما ذكره محمد بن اسحاق، ومحمد بن عمر، وغيرهما لزينب: (لا يخلص اليك فانك لا تحلين له). فان تحريم المؤمنات على المشركين انما نزل بعد صلح الحديبية. الثالث: قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (رد رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب على أبي العاص بالنكاح). يأتي الكلام عليه في ترجمة السيدة زينب رضي الله تعالى عنها. الرابع: في بيان غريب ما سبق: العيص: بكسر العين المهملة وسكون التحتية وبالصاد المهملة: واد من ناحية ذي المروة على ليلة منه وعلى أربع من المدينة. الغابة: بفتح الغين المعجمة فألف فموحدة فتاء تأنيث واد في أسفل سافلة المدينة. العير: بكسر العين المهملة: الابل تحمل الميرة ثم غلب على كل قافلة، وهي مؤنثة. أبضعوها معه: بفتح أوله وسكون الموحدة وفتح الضاد المعجمة وضم العين المهملة: دفعوها. قفل: بفتح القاف والفاء واللام: رجع. أبو نصير: بموحدة مفتوحة فصاد مهملة مكسورة فتحتية ساكنة فراء. أبو جندل: بجيم مفتوحة فنون ساكنة فدال مهملة مفتوحة فلام. سيف البحر: بكسر السين المهملة: ساحله. صفة النساء: بضم الصاد المهملة وبالفاء، الموضع المظلل للجلوس. المؤمنون يد على من سواهم: يجير عليهم أدناهم. يجير: بضم الياء وكسر الجيم وسكون التحتية وبالراء، يحمي ويمنع.

[ 86 ]

أدناهم: أقلهم. المثوى: بفتح الميم وسكون الثاء المثلثة وفتح الواو: الاقامة. لا يخلص اليك: لا يطؤك. العقال: بكسر العين المهملة وبالقاف: ما يعقل به البعير. الشنة: بشين معجمة مفتوحة فنون مشددة السقاء البإلى. الادواة: بكسر الهمزة وبالدال المهملة: المطهرة التي يتطهر بها. الشظاظ: بشين معجمة مكسورة فظاءين معجمتين مشالين بينهما ألف، عود معقف في عروة الغرارة. بأسره: بجميعه. التنور: بفتح الفوقية وتشديد النون وبالراء. وأنت ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أراد بهذين العمومة إذ أن جده عبد شمس بن عبد مناف، فيلتقي معه النبي صلى الله عليه وسلم في عبد مناف. الغدرة: بضم الغين المعجمة: الغدر وهو نقض العهد وعدم الوفاء. احتمل: ارتحل.

[ 87 ]

الباب الثالث والعشرون في سرية زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما إلى الطرف في جمادى الاخرة سنة ست روى محمد بن عمر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة إلى الطرف إلى بني ثعلبة بن سعد فخرج في خمسة عشر رجلا، حتى إذا كان بالطرف أصاب نعما وشاء، وهربت الاعراب وخافوا ان يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سار إليهم. فانحدر زيد بن حارثة بالنعم حتى أصبح في المدينة، وخرجوا في طلبه فأعجزهم فقدم بعشرين بعيرا وغاب أربع ليال، ولم يلق كيدا وكان شعارهم أمت أمت. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الطرف: بفتح الطاء وبالراء المكسورة وبالفاء: ماء قريب من المراض دون النخيل على ستة وثلاثين ميلا من المدينة كما في ذيل الصغاني وقال: هو بطريق العراق على خمسة وعشرين ميلا من المدينة، والراضة بالراء والضاد المعجمة كسحاب. الشعار: بكسر الشين المعجمة وبالعين المهملة وبالراء: العلامة التي يتعارفون بها عند القتال. أمت أمت: أمر بالموت والمراد القتال بالنصر بعد الامر بالاماتة مع حصول الغرض للشعار فانهم جعلوا هذه الكلمة علامة بينهم يتعارفون بها لاجل ظلمة الليل.

[ 88 ]

الباب الرابع والعشرون في سرية زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما إلى جذام من أرض حسمى وراء وادي القرى في جمادى الاخرة سنة ست روى ابن اسحاق عمن لا يتهم عن رجال من جذام كانوا علماء بها، ومحمد بن عمر عن شيوخه وموسى بن محمد بن ابراهيم التيمي عن شيخ من بني سعد هذيم كان قديما يخبر عن أبيه، قال ابن اسحاق رحمه الله تعالى ان رفاعة بن زيد الجذامي، لما قدم على قومه من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه يدعوهم إلى الاسلام فاستجابوا له. ثم لم يلبث أن قدم دحية بن خليفة الكلبي من عند قيصر صاحب الروم حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه وقد أجازه وكساه. فلقيه الهنيد بن عوص وابنه عوص (بن الهنيد) كما عند ابن اسحاق فيهما، وقال ابن سعد عارض فيهما: (الهنيد بن عارض وابنه عارض بن الهنيد) الصلعيان - والصليع بطن من جذ ام - فأصابا كل شئ كان مع دحية ولم يتركوا عليه الا سمل ثوب. فبلغ ذلك قوما من بني الضبيب رهط رفاعة بن زيد ممن كان أسلم وأجاب، فنفروا إلى الهنيد وابنه فاقتتلوا واستنقذوا لدحية متاعه. وقدم دحية على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبره، واستسقاه دم الهنيد وا بنه فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة في خمسمائة رجل ورد معه دحية. فكان زيد يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل له من بني عذرة. وقد اجتمعت بطون، منهم: غطفان كلها، ووائل ومن كان من سلامان وسعد بن هذيم حين جاءهم رفاعة بن زيد بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى نزلوا حرة الر جلاء ورفاعة بكراع ربة لم يعلم. وأقبل الدليل العذري بزيد بن حارثة واصحابه حتى هجم بهم مع الصبح على ا لهنيد وابنه ومن كان في محلتهم فأغاروا عليهم وقتلوا فيهم. فأوجعوا وقتلوا الهنيد وابنه. وأغاروا على ماشيتهم ونعمهم ونسائهم فأصابوا من النعم ألف بعير ومن الشاء خمسة آلاف شاة ومن السبي مائة من النساء والصبيان. فلما سمع بنو الضبيب بما صنع زيد بن حارثة ركبوا فيمن ركب. فلما وقفوا على زيد بن حارثة قال حسان بن ملة: (انا قوم مسلمون). فقال زيد بن حارثة: (فاقرأ أم الكتاب). فقرأها حسان فقال زيد: نادوا في الجيش أن يهبطوا إلى ورائهم الذي جاءوا منه فأمسوا في ناديهم. فلما أمسكوا ركبوا الى رفاعة بن زيد فصبحوه وقال له حسان بن ملة: (انك لجالس تحلب المعزى ونساء جذام أسارى قد غرك كتابك الذي جئت به). فدعا رفاعة بجمل فشد عليه رحله وخرج معه أبو زيد (بن عمرو) - وعند ابن سعد أبو يزيد بن عمرو - وجماعة، فساروا

[ 89 ]

ثلاث ليال، فلما دخلوا المدينة وانتهوا الى المسجد دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رآهم ألاح لهم بيده أن تعالوا من وراء الناس فاستفتح رفاعة بن زيد المنطق، فقام رجل من الناس فقال: (يا رسول الله، ان هؤلاء قوم سحرة) فرددها مرتين، فقال رفاعة بن زيد: رحم الله من لم يحذنا في يومه هذا الا خيرا). ثم دفع رفاعة بن زيد كتابه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان كتبه له، فقال: دونك يا رسول الله (قديما كتابه حديثا غدره) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقر أه يا غلام وأعلن). فلما قرأ كتابه استخبرهم فأخبروه بما صنع زيد بن حارثة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كيف أصنع بالقتلى ؟) ثلاث مرار. فقال رفاعة: (أنت يارسول الله أعلم، لا نحرم عليك حلالا ولا نحل لك حراما). فقال أبو زيد بن عمرو: (أطلق لنا يارسول الله من كان حيا، ومن قتل فهو تحت قدمي هذه). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صدق أبو زيد). فقال القوم: فابعث معنا يارسول الله رجلا يخلي بيننا وبين حرمنا وأموالنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انط لق معهم يا علي). فقال علي: (يارسول الله ان زيدا لا يطيعني) قال: (فخذ سيفي هذا). فأخذه. فقال له علي: (ليس لي راحلة يارسول الله). فحملوه على بعير ثعلبة بن عمرو ويقال له مكحال. فخرجوا حتى لقوا رافع بن مكيث الجهني، بشير زيد بن حارثة يسير على ناقة من ابل القوم، فردها على على القوم. ورجع رافع بن مكيث مع علي رديفا حتى لقوا زيد بن حارثة بفيفاء الفحلتين فقال علي: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترد على هؤلاء القوم ما كان بيدك من أسير أو سبي أو مال). فقال زيد: (علامة من رسول الله) فقال علي: (هذا سيفه) فعرفه زيد، فنزل وصاح في ا لناس، فاجتمعوا فقال: (من كان معه شئ من سبي أو مال فليرده، فهذا (رسول) رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد على الناس كافة كل ما كان أخذ لهم حتى كانوا ينزعون المرأة من تحت فخذ الرجل). وروى محمد بن عمر رحمه الله تعالى عن محجن الديلي رضي الله تعالى عنه قال: (كنت في تلك السرية، فصار لكل رجل سبعة أبعرة أو سبعون شاة وصار له من السبي امرأة والمرأتان حتى رد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك كله الى أهله). قال في زاد المعاد: (وهذه السرية كانت بعد الحديبية بلا شك). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: جذام: بجيم مضمومة فذال معجمة فميم، قبيلة بجبال حسمى من معد. حسمى: بحاء مكسورة فسين ساكنة مهملتين، أرض بالبادية غليظة لا خير فيها ينزلها جذام، ويقال آخر ما نضب من ماء الطوفان حسمى فبقيت منه بقية الى اليوم وفيها جبال

[ 90 ]

شواهق ملس الجوانب لا يكاد القتام يفارقها قاله الجوهري في الصحاح. وادي القري: واد كثير القرى. رفاعة: بكسر الراء وبالفاء وبالعين المهملة. يلبث: يمكث. دحية: بفتح الدال المهملة. قيصر: لقب لكل من ملك الروم، واسمه هرقل. هنيهة: بضم الهاء وفتح النون وسكون التحتية. عوض: بكسر العين المهملة وفتح الواو وبالضاد المعجمة. الصليع: بضم الصاد المهملة وفتح اللام وسكون التحتية وبالعين المهملة. سمل ثوب: بسين مهملة فميم فلام: ثوب خلق بال. الضبيب: بضاد معجمة فموحدتين الاولى مفتوحة بينهما تحتية ساكنة. استنقذوه: خلصوه ونجوه. استسقاه دمه: طلب منه الاذن في قتله. يكمن: يستتر. عذرة: بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة، بطن من قضاعة. غطفان: اسم قبيلة. بهراء: بفتح الموحدة وسكون الهاء وبالراء والمد وقد تقصر، قبيلة. الحرة: بفتح الحاء المهملة والراء: أرض ذات حجارة سود نخرة كأنها أحرقت بالنار. الرجلى: بالجيم كسكرى ويمد، الرجلاء أرض خشنة يترجل فيها أو كثيرة الحجارة. كراع ربة: مكان، وربة بفتح الراء وتشديد الموحدة. ملة: باللام وروي مكة بالبيت الحرام. ختر: بخاء معجمة فمثناة فوقية فراء مفتوحات: غدى. ألاح له بيده: لمع بها. سحرة: أي عندهم فصاحة لسان وبيان. يحذنا: (يقال أحذيته أي أعطيته).

[ 91 ]

دونك: (أمامك). أطلق لنا: بهمزة مفتوحة فطاء مهملة فلام مكسورة فقاف. مكحال: بميم مكسورة فكاف ساكنة فحاء مهملة فألف فلام. مكيث: بفتح الميم وكسر الكاف وسكون التحتية وبالثاء المثلثة. فيفاء: بفاءين مفتوحين بينهما تحتية ساكنة. الفحلتين: بفتح الفاء وسكون الحاء المهملة وفتح اللام والفوقية وسكون التحتية وبالنون. لبيد: بضم اللام وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالدال المهملة تصغير لبد. محجن: بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم وبالنون. الديلي: بكسر الدال المهملة وسكون التحتية وباللام.

[ 92 ]

الباب الخامس والعشرون في سرية ابي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وقيل زيد بن حارثة الى بني فزارة بوادي القرى روى الامام احمد ومسلم وابن سعد والاربعة والطبراني عن سلمة بن الاكوع رضي الله تعالى عنه قال: غزونا فزارة وعلينا أبو بكر أمره علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كان بيننا وبين السماء ساعة أمرنا أبو بكر فعرسنا، ثم شن الغارة فورد الماء فقتل من قتل عليه فأنظر الى عنق من الناس فيهم الذراري، فخشيت ان يسبقوني الى الجبل فرميت بسهم بينهم وبين الجبل فلما ر أوا السهم وقفوا فجئت بهم أسوقهم وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع من أدم معها ابنة لها من أحسن العرب. فسقتهم حتى أتيت ابا بكر. فنقلني أبو بكر ابنتها، فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوبا. فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق فقال: (يا سلمة هب لي المرأة). فقلت: (يا رسول الله قد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا). فسكت، حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق ولم أكشف لها ثوبا فقال: (يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك). فقلت: هي لك يارسول الله، قال: فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أهل مكة ففدا بها أسرى (من المسلمين) كانوا في أيدي المشركين. وفي رواية عند أحمد، وابن سعد: وكان شعارنا: أمت أمت قال: فقتلت بيدي سبعة - وعند الطبراني تسعة بتقديم الفوقية - أهل أبيات من المشركين. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: فزارة: بفتح الفاء وبالزاي والراء. أمره: بتشديد الراء، جعله أميرا. التعريس: النزول آخر الليل (للنوم) والاستراحة. شن الغارة: فرقها في كل وجه. العنق من الناس: الطائفة منهم. الذراري: بالذال المعجمة جمع ذرية وهي الاولاد الصغار، وفيها ثلاث لغات أفصحها ضم الذال والثانية كسرها والثالثة فتح الذال مع تخفيف الراء وتجمع على ذريات. القشع: بفتح القاف وكسرها وسكون الشين المعجمة وبالعين المهملة. لله أبوك: إذا أضيف الشئ الى عظيم شريف اكتسب عظما وشرفا كما يقال: بيت الله، وناقة الله، فإذا وجد من الولد ما يحسن موقفه ويحمد فعله قيل: لله أبوك في معر ض المدح والتعجب، أي أبوك لله خالصا حيث أنجب بك وأتى بمثلك.

[ 93 ]

الباب السادس والعشرون في سرية زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما الى وادي القرى في رجب، كما ذكره ابن اسحاق والبلاذري وزاد وقد تجمع بها قوم من مذحج وقضاعة ويقال بل تجمع بها قوم من أفناء مضر، فلم يلق كيدا. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: وادي القرى: بضم القاف وفتح الراء، تقدم. البلاذري: بفتح الموحدة وضم الذال المعجمة. مذحج: بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة، وبالجيم: قبيلة من اليمن. الافناء: بالفاء والنون كأحمال. الاخلاط: للرجل إذا لم يعرف من أي قبيلة. الباب السابع والعشرون في سرية عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما الى دومة الجندل في شعبان سنة ست روى ابن اسحاق، ومحمد بن عمر عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عبد الرحمن بن عوف فقال له: (تجهز فاني باعثك في سرية من يومك هذا أو من الغد ان شاء الله تعالى) (1). قال عبد الله: فسمعت ذلك فقلت لادخلن فلأصلين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغداة ولاسمعن وصيته لعبد الرحمن بن عوف قال: كنت عاشر عشرة رهط من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، وأبو سعيد الخدري (رضي الله تعالى عنهم، وأنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم) إذ أقبل فتى من الانصار فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلس، فقال: يارسول الله أي المؤمنين أفضل ؟ فقال: (أحسنهم خلقا). قال: فأي المؤمنين أكيس ؟ قال: (أكثرهم ذكرا للموت وأحسنهم استعدادا له قبل أن ينزل بهم، أولئك الاكياس). ثم سكت الفتى وأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا معشر المهاجرين: خمس خصال إذا نزلن بكم وأعوذ بالله أن تدركوهن انه لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها الا ظهر فيهم الطاعون والاوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا


أخرجه ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق 3 / 86 وذكره المتقي الهندي في كنز العمال (30289). (*)

[ 94 ]

المكيال والميزان الا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان، ولم يمنعوا الزكا ة من أموالهم الا أمسك الله عنهم قطر السماء ولولا البهائم لم يسقوا، وما نقضوا عهد الله وعهد رسوله الا سلط عليهم عدو من غيرهم فأخذ بعضهم ما كان في أيديهم وما حكم قوم بغير كتاب الله الا جعل بأسهم بينهم). وفي رواية: (الا ألبسهم شيعا وإذاق بعضهم بأس بعض). ثم قال: قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يسير من الليل الى دومة الجندل. وكان رجاله معسكرين بالجرف وكانوا سبعمائة. فقال عبد الرحمن: (أحب يا رسول الله أن يكون آخر عهدي بك وعلي ثياب سفري). فأقعده بين يديه ثم نفض عمامته بيده ثم عممه بعمام (من كرابيس) سوداء. فأرخى بين كتفيه منها أربع أصابع أو نحو ذلك. ثم قال: (هكذ ا يا ابن عوف فاعتم فانه أحسن وأعرف) (1). ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللواء فدفعه إليه، فحمد الله تعالى وصلى على نفسه، ثم قال: (خذه يا ابن عوف اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تنكثوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا فهذا عهد الله وسنة نبيكم فيكم). فأخذ عبد الرحمن اللواء وخرج حتى لحق بأصحابه، فسار حتى قدم دومة الجندل. فلما حل بها دعاهم الى الاسلام فمكث ثلاثة أيام يدعوهم الى الاسلام. وقد كانوا أبوا أول ما قدم ألا يعطوا الا السيف. فلما كان اليوم الثالث أسلم الاصبغ بن عمرو الكلبي. وكن نصرانيا وكان رئيسهم وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقام من أقام منهم على اعطاء الجزية. فكتب عبد الرحمن الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بذلك وانه اراد أن يتز وج فيهم. وبعث الكتاب مع رافع بن مكيث الجهيني فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوج بنت الاصبغ تماضر، فتزوجها عبد الرحمن وبنى بها، ثم أقبل بها وهي أم ابي سلمة بن عبد الرحمن. وذكر ابن اسحاق ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح في سرية الى دومة الجندل كما سيأتي. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: دومة: بدال مهملة مضمومة وتفتح فواو ساكنة فميم فتاء تأنيث ويقال دوماء بالمد. الجندل: بفتح الجيم وسكون النون وفتح الدال وباللام: حصن وقرى من طرف الشام بينها وبين دمشق خمس ليال وبينها وبين المدينة الشريفة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة. أكيس: يقال كاس الرجل في عمله لدنيا أو آخرة كيسا جاد عقله.


(1) ذكره الهيثمي في المجمع 5 / 123 وعزاه للطبراني في الاوسط وقال: اسناده حسن وانظر البداية والنهاية 5 / 220. (*)

[ 95 ]

السنين: جمع سنة وهي الجدب. البأس: بالموحدة والهمز: الحرب. ألبسهم شيعا: خلط أمرهم خلط اختلاف واضطراب لا خلط اتفاق. إذاق بعضهم بأس بعض: ابتلاهم وعرفهم شدته. معسكرون: مجتمعون. الجرف: بجيم مضمومة فراء - قال أبو عبيد البكري، والقاضي، والحازمي - مضمومة أيضا. قال صاحب القاموس بالضم ثم السكون. على ثلاثة أميال من المدينة. الكرابيس: بفتح الكاف جمع كرباس وهي الثوب الخشن، فارسي معرب. أحسن وأعرف: (أفضل وأظهر). غل من المغنم: خان. الغدر: ترك الوفاء. الوليد: بفتح الواو: الصبي. الاصبغ: بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وفتح الموحدة وبالغين المعجمة. مكيث: بميم فكاف فتحتية فثاء مثلثة وزن عظيم. تماضر: بفوقية مضمومة وتخفيف الميم وبعد الالف ضاد معجمة مكسورة فراء، لا ينصرف للعلمية والتأنيث. بنى بها: دخل عليها. وقال ابن السكيت: زفت إليه، وأصله ان الرجل إذا تزوج بن للعرس خباء جديدا وعمره بما يحتاج إليه وبنى له تكريما، ثم كثر حتى كني به عن ا لجماع وهو لغة. قال ابن دريد: بنى عليها وبنى بها والاول أصح.

[ 96 ]

الباب الثامن والعشرون في سرية زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما الى مدين روى ابن اسحاق عن فاطمة بنت الحسن بن علي رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث زيد بن حارثة نحو مدين ومعه ضميرة مولى علي بن أبي طالب وأخ له، قالت: فأصاب سببا من أهل ميناء وهي السواحل وفيها جماع من الناس فبيعوا ففرق بينهم. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يبكون فقال: (مالهم ؟) فقيل: يا رسول الله فرق بينهم فقال: (لا تبيعوهم الا جميعا). قال ابن هشام: أراد الامهات والاولاد. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: مدين: بفتح الميم وسكون الدال المهملة وفتح التحتية وآخره نون: مدينة قوم شعيب عليه السلام وهي تجاه تبوك على بحر القلزم بينهما ست مراحل وهي أكبر من تبوك. ضميرة: بضم الضاد المعجمة وفتح الميم وسكون التحتية وبالراء وتاء التأنيث، كذ ا في سيرة ابن هشام مولى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولم أر له ذكرا فيما وقفت عليه من كتب الصحابة. ميناء: بكسر الميم وسكون التحتية وبالنون. والمد والقصر. جماع الناس: بضم الجيم وتشديد الميم: أخلاطهم وهم الفرق المختلفة من قبائل شتى. فرق: بضم الفاء وكسر الراء المشددة.

[ 97 ]

الباب التاسع والعشرون في سرية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه الى بني سعد بن بكر بفدك في شعبان سنة ست روى محمد بن عمر عن يعقوب بن زمعة رحمهم الله تعالى قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا في مائة رجل الى حي بن سعد بن بكر بفدك. قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر. فسار علي الليل وكمن النهار حتى انتهى الى الغمج، وهو ماء بين خيبر وفدك. فوجدوا به رجلا فقالوا: (ما أنت ؟) فقال: (باغ)، فقالوا: (هل لك علم بما وراءك من جمع بني سعد ؟) قال: (لاعلم لي به) فشددوا عليه، فأقر أنه عين لهم بعثون ا لى خيبر يعرض على يهودها نصرهم على أن يجعلوا لهم من تمرهم كما جعلوا لغيرهم ويقومون عليهم فقالوا له: (فأين القوم ؟) قال: (تركتهم قد تجمع منهم مائتا رجل ورأسهم وبر بن عليم). قالوا: (فسر بنا حتى تدلنا) قال: (على أن تؤمنوني). قالوا: (ان دللتنا عليهم أو على سرحهم آمناك والا فلا أمان لك). قال: (فذاك). فخرج بهم دليلا حتى ساء ظنهم به وأوفى على فدفد وآكام ثم أفضى بهم الى ارض مستوية فإذا نعم كثيرة وشاء فقال: (هذه نعمهم وشاؤهم). فأغاروا عليها. فقال: (أرسلوني). فقالوا: حتى نأمن الطلب. ونذر بهم رعاء النعم وا لشاء فهربوا في جمعهم (وتفرقوا) (1) فقال الدليل: (علام تحبسني ؟ قد تفرقت الاعراب). قال علي: (حتى نبلغ معسكرهم) فانتهى بهم إليه فلم ير أحدا. فأرسلوه وساقوا النعم والشاء وكانت النعم خمسمائة بعير والشاء ألفي شاة. وعزل علي صفي رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوحا تدعى الحفدة ثم عزل الخمس وقسم سائر الغنائم على أصحابه وقدم علي ومن معه المدينة. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: فدك: بفتح الفاء والدال المهملة وبالكاف، قال المجد اللغوي انها على يومين من المدينة وقال القاضي (عياض) يومين وقيل ثلاثة وقال ابن سعد على ست ليال من المدينة قال السيد وأظنه الصواب واستبعد صحته في النور وقال انه سأل بعض أهل المدينة عنها فقال بينهما يومان. يمدوا: بضم التحتية وكسر الميم. الغمج: من المياه ما لم يكن عذبا، وهي بغين معجمة وميم مكسورة وبالجيم. العين: هنا الجاسوس.

[ 98 ]

آمنوه: بمد الهمزة وفتح الميم من الايمان. وبر: بفتح الواو وسكون الموحدة وبالراء. عليم: بضم العين المهملة. أوفى على كذا: أشرف. الفدفد: بفاء ودال ثم فاء ودال مهملة: المكان الصلب الغليظ المرتفع من الارض، والارض المستوية. لقوحا: بفتح اللام وضم القاف المخففة وبالحاء المهملة واحدة اللقاح وهي الحلوب. الحفدة: بفتح الحاء المهملة وكسر الفاء وفتح الدال المهملة وتاء التأنيث وهي السريعة السير.

[ 99 ]

الباب الثلاثون في سرية زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما الى وادي القرى أيضا في رمضان سنة ست قال موسى بن عائذ رحمه الله تعالى: أخبرني الوليد بن مسلم عن عبد الله بن لهيعة عن أبي الاسود عن عروة رضي الله تعالى عنه قال: ارتث زيد بن حارثة من وسط القتلى. وقال محمد بن عمر: حدثنا عبد الله بن جعفر عن عبد الله بن حسين بن حسن بن علي بن أبي طالب قال: خرج زيد بن حارثة رضي الله عنهما في تجارة الى الشام وأبضع معه جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان دون وادي القرى ومعه ناس من اصحابه لقيه نا س كثيرون من بني فزارة من بني بدر فضربوه وضربوا أصحابه حتى ظنوا انهم قد قتلوا، وأخذوا ما معهم. فقدموا المدينة ونذر زيد بن حارثة ألا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزو بني فزارة. فلما استبل من جراحته بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وقال لهم: (اكمنوا النهار وسيروا الليل). فخرج بهم دليل من بني فزارة وقد نذرت بنو بدر، فكانوا يجعلون ناظورا لهم حين يصبحون فينظر على جبل مشرف (على) وجه الطريق الذي يرون أنهم يؤتون منه، فينظر قدر مسيرة يوم، فيقول أسرحوا فلا بأ س عليكم، فإذا أمسوا وكان العشاء أوفى على منظره ذلك فينظر مسيرة ليلة فيقول: ناموا فلا بأس عليكم هذه الليلة. فما كان زيد بن حارثة واصحابه على نحو مسيرة ليلة، أخطأ بهم الطريق دليلهم فأخذ بهم طريقا أخرى حتى أمسوا وهو على خطأ ففرجوا خطاهم، ثم صمدوا لهم في الليل حتى صبحوهم، فأحاطوا بالحاضر، ثم كبر وكبر اصحابه. وخرج سلمة بن الاكوع رضي الله عنه يطلب رجلا منهم حتى قتله وقد كان أمعن في طلبه. وقتل قيس بن المسحر النعمان (وعبيد الله) ابني مسعدة بن حكمة بن مالك بن بدر، وأسر عبد الله بن مسعدة، وأخذت جارية بنت مالك بن حذيفة بن بدر وأمها أم قرفة واسمها فاطمة بنت ربيعة بن بدر وكانت عند حذيفة بن بدر، وهي عجوز كبيرة كانت في بيت شرف من قومها. وكانت العرب تقول: (لو كنت أعز من أم قرفة (ما زدت) لانها كانت تعلق في بيتها خمسين سيفا كلهم لها ذ ومحرم، وكان لها اثنا عشر ولدا كما في الزهر، كنيت بابنها قرفة قتله النبي صلى الله عليه وسلم، وسائر بنيها قتلوا مع طليحة في الردة فلا خير فيها ولا في بنيها. فأمر زيد بن حارثة بقتل أم قرفة لسبها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتلت قتلا عنيفا. قال محمد بن عمر، وابن سعد: ولما قدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك قرع باب النبي صلى الله عليه وسلم فقام إليه عريانا يجر ثوبه حتى أعنقه وقبله فأخبره زيد بما ظفره الله تعالى به.

[ 100 ]

وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بابنة أم قرفة وبعبد الله بن مسعدة، فذ كر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر له جمالها فقال: (يا سلمة هب لي المرأة لله أبوك). فقال: يا رسول الله جارية رجوت ان أفتدي بها امرأة منا في بني فزارة فأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام مرتين أو ثلاثا حتى عرف سلمة انه يريدها فوهبها له، فوهبها النبي صلى الله عليه وسلم لخاله حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن (عمران) بن مخزوم، فولدت له (عبد الرحمن بن حزن). تنبيهان الاول: ذكر ابن اسحاق، ومحمد بن عمر، وابن سعد، وابن عائذ هذه السرية وان أمير ها زيد بن حارثة رضي الله عنهما وتقدم في سرية أبي بكر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بها الى مكة ففدى بها أسر كانوا في أيدي المشركين ولم أر من تعرض لتحرير ذلك. الثاني: في بيان غريب ما سبق: ابن عائذ: بالتحتية والذال المعجمة. الوليد بن مسلم: أحد الاعلام، عالم أهل الشام. ابن لهيعة: عالم مصر وقاضيها. أبو الاسود: اسمه محمد بن عبد الرحمن بن نوفل. ورد: بلفظ الريحان المشموم. مرداس: بكسر الميم وسكون الراء وبالسين المهملة نسب ورد الى جده وهو ورد بن عمرو بن مرداس احد بني سعد بن هذيم، ذكره أبو جعفر بن جرير الطبري فيمن استشهد مع زيد بن حارثة في بعض سراياه الى وادي القرى. أرتث: بضم اوله وسكون الراء وضم الفوقية وبالثاء المثلثة، أي حمل من المعركة رثيثا أي جريحا وبه رمق. وسط: بسكون السين المهملة وفتحها. أبضع معه: (من أبضع الشئ جعله بضاعة). دون: وادي القرى بالقرب منه. فزارة: بفتح الفاء وبالزاي وبعد الالف تاء تأنيث. بدر: بفتح الموحدة وسكون الدال المهملة وبالراء. نذر: ألا يمس رأسه غسل من جنابة الخ. أي لا يأتي امرأته فكني بالغسل عن ذلك.

[ 101 ]

استبل: بكسر اوله وسكون السين المهملة وفتح الفوقية والموحدة واللام المشددة، يقال بل من مرضه يبل بالكسر بلا وبللا وبلولا أي صح منه وكذلك أبل واستبل. نذرت: بفتح النون وكسر الذال المعجمة وفتح الراء: علمت. الناظور: بظاء معجمة مشالة. أوفى: أشرف. صمد له: بفتح الصاد المهملة والميم (أي ثبت واستمر). مسعدة: بفتح الميم وسكون السين وفتح العين والدال المهملات وبتاء تأنيث. حكمة: بفتح الحاء المهملة والكاف والميم وبتاء تأنيث. قيس: بالرفع فاعل. قتل المسحر: بتقديم السين المهملة عند الطبري وبتقديم الحاء المهملة عند غيره وفتح السين ومن الناس من يكسرها. قرفة: بكسرها القاف وسكون الراء وبالفاء وتاء تأنيث. قتلها قتلا عنيفا: أي لم يرفق بها. لخاله حزن: بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي وبالنون. عايذ: بالتحتية والذال المعجمة، وأم فاطمة جدة النبي صلى الله عليه وسلم أم أبيه هي بنت عايذ بن عمرو بن مخزوم. فهذه الخؤولة التي ذكرت.

[ 102 ]

الباب الحادي والثلاثون في سرية عبد الله بن عتيك الى ابي رافع عبد الله ويقال سلام بن أبي الحقيق بخيبر ويقال بحصن له بأرض الحجاز وهو الثابت في الصحيح عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما. قال ابن اسحاق: لما انقضى شأن الخندق وأمر بني قريظة، وكان سلام بن أبي الحقيق - وهو رافع - فيمن حزب الاحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الاوس قبل أحد قد قتلت كعب بن الاشرف في عداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريضه عليه استأذنت ا لخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل سلام بن أبي الحقيق. وهو بخيبر فأذن لهم. وكان مما صنع الله به لرسوله صلى الله عليه وسلم ان هذين الحيين من الانصار: الاوس والخزرج كانا يتصاولا ن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تصاول الفحلين، لا تصنع الاوس شيئا فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غناء الا قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الاسلام. فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها. وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الاوس مثل ذلك. ولما أصابت الاوس كعب بن الاشرف لعداوته لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت الخزرج: والله لا يذهبون بها فضلا علينا أبدا - وكانوا رضي الله عنهم يتنافسون فيما يزلف الى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم - فتذاكروا من رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم في العداوة كابن الاشرف ؟ فذكروا ابن أبي الحقيق وهو بخيبر أو بأرض الحجاز. قال ابن سعد: (قالوا: كان أبو رافع بن أبي الحقيق قد أجلب في غطفان ومن حوله من مشركي العرب وجعل لهم الجعل العظيم لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاستأذن الخزرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله فأذن لهم. فخرج إليه من الخزرج من بني سلمة خمسة نفر: عبد الله بن عتيك، ومسعود بن سنان، وعبد الله بن أنيس الجهني حليف الانصار، وأبو قتادة الحرث بن ربعي، وخزاعي بن أسود. وعند محمد بن عمر، ومحمد بن سعد أسود بن خزاعي، حليف لهم من أسلم. زاد البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما - كما في الصحيح (1) - عبد الله بن عتبة - بضم العين المهملة وسكون الفوقية - فيكونون ستة. وزاد موسى بن عقبة والسهيلي أسعد بن حرام - بالراء - فيكونون سبعة. وأمر عليهم رسول ا لله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عتيك ونهاهم عن أن يقتلوا وليدا أو امرأة. فخرجوا حتى إذا قدموا خيبر أتوا دار ابن أبي الحقيق ليلا - وفي الصحيح من حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه: (وكان أبو رافع يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعين عليه، وكان


(1) في البخاري 7 / 395 كتاب المغازي باب قتل ابي رافع. (*)

[ 103 ]

في حصن له بأرض الحجاز. فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس يسرحهم قال عبد الله بن عتيك لاصحابه: امكثوا أنتم مكانكم فاني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن أدخل فأقبل حتى دنا من الباب. قال ابن عتيك: فتلطفت ان أدخل الحصن ففقدوا حمارا لهم فخرجوا بقبس يطلبونه فخشيت ان أعرف فغطيت رأسي ورجلي فتقنعت وجلست كأني اقضي حاجة. ثم هتف صاب الباب، فدخلت ثم اختبأت، وفي لفظ: فكمنت في مربط حمار ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن في كوة. وفي رواية: فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق الاغاليق على وتد. وكان أبو رافع يسمر عنده، وكان في علالي له. فتعشوا عنده وتحد ثوا حتى ذهبت ساعة من الليل ثم رجعوا الى بيوتهم. وفي رواية فلما ذهب عنه أهل سمره وهد أت الاصوات فلا أسمع حركة خرجت وقمت الى الاقاليد ففتحت باب الحصن. وقلت ان نذر بي القوم انطلقت على مهل ثم عمدت الى أبواب بيوتهم فأقفلتها من ظاهر. ثم صعدت ا لى أبي رافع فجعلت كلما فتحت بابا أغلقته علي من داخل. قلت: ان القوم نذروا بي لم يخلصوا الي حتى أقتله. فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم قد طفئ سراجه (وهو) في وسط عياله لا أدري اين هو من البيت. فقلت: يا أ با رافع فقال: من هذا ؟ فعمدت - وفي لفظ - فأجويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش - أو قال: داهش فلم تغن شيئا، وصاح فخرجت من البيت فما مكثت غير بعيد ثم جئت فقلت: مالك يا أبا رافع ؟ وغيرت صوتي. فقال: (ألا أعجبك ؟ لامك الويل، دخل علي رجل فضربني بالسيف). قال ابن عتيك: فعمدت له أيضا فأضربه أخرى فلم تغن شيئا، فصاح وقام أهله. ثم جئت وغيرت صوتي كهيئة المغيث فإذا هو مستلق على ظهره فأضع ظبة السيف في بطنه ثم انكفئ عليها حتى سمعت صوت العظم فعرفت اني قتلته، ثم خرجت دهشا فجعلت أفتح الابواب بابا بابا حتى انتهيت الى درجة له. وفي لفظ: حتى أتيت السلم اريد ان أنزل. فوضعت رجلي وأنا أرى اني قد انتهيت الى الارض فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت سا قي - وفي رواية فانخلعت رجلي - فعصبتها بعمامة ثم أتيت أصحابي احجل فقلت: (النجاء فقد قتل الله أبا رافع). وفي رواية: فقلت لهم: انطلقوا فبشروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاني لا أبرح حتى أسمع الناعية فجلست على الباب حتى صاح الديك. وفي لفظ: فلما كان وجه الصبح صعد الناعية على السور فقال: أنعى أبا رافع تاجر أهل الحجاز. فقمت أمشي ما بي قلبة، فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فبشرته. وفي رواية فحدثته فقال لي: (ابسط رجلك) فبسطت

[ 104 ]

رجلي فمسها فكأنها لم أشتكيها قط. هذا ما ذكره البخاري في الصحيح من حديث البراء بن عازب، وصرح فيه بأن عبد الله بن عتيك انفرد بقتله. وذكر ابن عقبة وابن اسحاق، ومحمد بن عمر، وابن سعد، وغيرهم خلاف ذلك، أدخلت حديث بعضهم في بعض، قالوا: ان عبد الله بن عتيك واصحابه قدموا خيبر ليلا حين نام أهلها، وأتوا دار ابن ابي الحقيق فلم يدعوا بيتا في الدار الا أغلقوه على أهله (وكان في علية له فأسندوا فيها) حتى قاموا على بابه فاستأذنوا عليه. قال ابن سعد: وقدموا عبد الله بن عتيك لانه كان يرطن باليهودية - وكانت أمه يهودية ارضعته بخيبر - فخرجت إليهم امرأته فقالت: من أنتم ؟ فقالوا: ناس من العرب نلتمس الميرة - وفي لفظ: فقال عبد الله بن عتيك ورطن باليهودية: جئت أبا رافع بهدية - ففتحت لهم وقالت: ذاكم صاحبكم. فادخلوا عليه. قال: فما دخلنا أغلقنا علينا وعليها الحجرة تخوفا أن تكون دونه مجادلة تحول بيننا وبينه. قالت: فصاحت امرأته فنوهت بنا. ولفظ ابن سعد: (فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح فأشاروا إليها بالسيف فسكتت) وابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا، فوالله ما يدلنا عليه في سواد الليل الا بياضه كأنه قبطية ملقاة. قال: ولما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ثم يذكر نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكف يده ولولا ذلك لفرغنا منها بليل. قال: فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبد الله بن أنيس (بسيفه) في بطنه حتى أنفذه وهو يقول: قطني قطني، أي حسبي حسبي. قال: وخرجنا، وكان عبد الله بن عتيك رجلا سئ البصر، فوقع من الدرجة فوثئت يد ه وثئا شديدا - ويقال رجله فيما قال ابن هشام - وحملناه حتى نأتي به منهرا من عيونهم فندخل فيه. وصاحت امرأته فتصايح أهل الدار بعد قتله، فأوقدوا النيران واشتدوا في كل وجه يطلبوننا. وعند ابن سعد أن (الحارث أبا زينب اليهودية التي سمت رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في آثار الصحابة في ثلاثة آلاف يطلبونهم بالنيران فلم يروهم فرجعوا، ومكث القوم في مكانهم يومين حتى سكن الطلب. ثم خرجوا مقبلين الى المدينة). فلما أيس اليهود رجعوا الى صا حبهم فاكتنفوه وهو يفيض بينهم. قال عبد الله بن أنيس: فقلنا كيف لنا بأن نعلم بأن عدو الله قد مات ؟ فقال رجل منا - قال محمد بن عمر: هو الاسود بن خزاعي - أنا أذهب فانظر لكم. قال: فانطلق حتى دخل في الناس. قال: فوجدت امرأته ورجال يهود حوله وفي يدها المصباح تنظر في وجهه وتحدثهم وتقول: (أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك ثم أكذبت نفسي وقلت: أنى ابن عتيك بهذه البلاد) ؟ ثم أقبلت عليه تنظر في وجهه وتحدثهم ثم قالت: (فاظ واله يهود). فما سمعت كلمة كانت الذ الى نفسي منها.

[ 105 ]

ثم جاءنا فأخبرنا الخبر فاحتملنا صاحبنا فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم - زاد بن عقبة، ومحمد بن عمر: وهو على المنبر - فقال: (أفلحت الوجوه) فقالوا: أفلح وجهك يارسول الله. فأخبرناه بقتل عدو الله. واختلفنا عنده في قتله، كلنا يدعيه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هاتوا أسيافكم). فجئناه بها، فنظر الى سيف عبد الله بن أنيس فقال: (هذا قتله، أ رى فيه أثر الطعام) فقال حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه يذكر بقتل كعب بن الاشرف وقتل سلام بن أبي الحقيق: لله در عصابة لاقيتهم يابن الحقيق وأنت يابن الاشرف يسرون بالبيض الخفاف اليكم مرحا كأسد في عرين مغرف حتى أتوكم في محل بلادكم فسقوكم حتفا ببيض ذفف مستبصرين لنصر دين نبيهم مستصغرين لكل أمر مجحف تنبيهات الاول: اختلفوا في وقت خروجهم مت كان فذكرها البخاري قبل غزوة أحد، وقال الزهري: كانت بعد قتل كعب بن الاشرف، ووصله يعقوب بن سفيان في تاريخه. قال ابن سعد: كانت في رمضان سنة ست. وقيل من ذي الحجة سنة خمس، وقدمه في الاشارة، وقيل في ذي الحجة سنة أربع. وقيل في رجب سنة ثلاث والله أعلم. الثاني: وقع في الصحيح: وهو بخيبر، ويقال في حصن له بأرض الحجاز، فيحمل أن حصنه كان قريبا من خيبر في طرف أرض الحجاز. وقال في النور: خيبر من الحجاز. الثالث: في حديث البراء رضي الله تعالى عنه في الصحيح ان عبد الله بن عتبة كا ن فيهم كما تقدم ذكره. قال الحافظ الدمياطي صوابه: عبد الله بن أنيس. وقال في ا لزهر: زعم البخاري ان عبد الله بن عتبة كان معهم ولم أر من قاله غير البخاري حتى قال بعض ا لعلماء في الصحابة: عبد الله بن عتبة اثنان لا ثالث لهما. الاول الذكواني وليس من هؤلاء بشئ‌لانهم قالوا ان كلهم من الانصار. الرابع: عبد الله بن عتبة ذكره بعضهم في الصحابة والاكثرون على أنه تابعي. قلت: ظاهر كلام صاحب الزهر ان البخاري ذكره من عند نفسه، وليس كذلك بل الذي قاله هو البراء بن عازب كما روى البخاري عنه، وكون عبد الله بن عتبة ذكواني لا يخالف قو ل من قال انهم من الانصار لاحتمال انه كان حليفا للانصار. وفي الحديث: (وحليفنا منا)، وعبد الله بن أنيس كان معهم وليس هو من الانصار قطعا بل هو جهني حالفهم. ولم يعرج في الفتح

[ 106 ]

والاصابة على ما ذكره الدمياطي ومغلطاي والصحيح ما في الصحيح لصحة سنده والله تعالى أعلم. وقال ابن الاثير في جامع الاصور انه عبد الله بن عنبة بكسر العين المهملة وفتح النو ن، قال الحافظ في الفتح: (وهو غلط منه فانه خولاني لا أنصاري ومتأخر الاسلام، وهذه القصة متقدمة. والرواية بضم العين المهملة وسكون التاء الفوقية لا بالنون). الخامس: في حديث عبد الله بن عتيك: فانكسرت ساقي، وفي الرواية عنه فانخلعت رجلي ويجمع بينهما بأنها انخلعت من المفصل وانكسرت من الساق. السادس: قول عبد الله بن عتيك: (فأدركت اصحابي قبل أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فبشرته) يحمل على انه لما سقط من الدرجة وقع له جميع ما تقدم، لكنه من شدة ما كان فيه من الاهتمام بالامر ما أحس بالالم وأعين على المشي أولا وعليه ينزل قوله: (فقمت أمشي ما بي قلبة). ثم لما تمادى على المشي أحس بالالم فحمله اصحابه فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح على رجله فزال عنه جميع الالم ببركته صلى الله عليه وسلم. السابع: ذكر ابن عتبة فيمن توجه لقتل ابن أبي الحقيق أسعد بن حرام. قال في الروض: ولا نعرف أحدا ذكره غيره. وفي الاكليل للحاكم عن الزهري انه ذكر فيهم أسعد بن حرام. قال في الزهر: ولما ذكر ابن الكلبي عبد الله بن أنيس قال: هو أسعد بن حرام، فيحتمل ان يكون اشتبه على بعض الرواة عن هذين الامامين يعني الزهري وابن عقبة. قلت: ا لزهري شيخ ابن عقبة فهو متابع له. الثامن: في بيان غريب ما سبق: سلام: اختلف في تشديد لامه وتخفيفها وجزم في الفتح بالتشديد. الحقيق: بضم الحاء المهملة وفتح القاف وسكون التحتية وبقاف اخرى. خيبر: تقدم الكلام عليها في غزوتها. الحجاز: بكسر الحاء المهملة: مكة والمدينة واليمامة ومخالفيها قال الامام الشا فعي: وقال غيره ما بين نجد والسراة. وقال الكلبي: ما حجز بين اليمامة والعروض، وما بين نجد والسراة. حزب: بفتحتين والزاي مشددة: جمع. الاحزاب: الطوائف التي تجتمع على محاربة الانبياء صلى الله عليهم وسلم. يتصاولان: يقال تصاول الفحلان إذا حمل كل منهما على الاخر، وأراد بهذا الكلام أن

[ 107 ]

كل واحد من الاوس والخزرج كان يدفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتفاخران بذلك، فإذا فعل أحدهما شيئا فعل الاخر مثله. الفحل: بفتح الفاء وسكون الحاء المهملة وباللام: الذكر من الابل. الغناء: بغين معجمة فنون كسحاب: النفقة. يزلف: يقرب. أجلب عليه: بفتح اوله وسكون الجيم وفتح اللام والموحدة: جمع ما قدر عليه ممن أطاعه. غطفان: بفتح الغين المعجمة والطاء المهملة وبالفاء وبعد الالف نون: قبيلة نسبت الى جدها. بنو سلمة: بكسر اللام. عتيك: بفتح العين المهملة وكسر الفوقية وسكون التحتية وبالكاف. سنان: بكسر السين المهملة وبالنون.. نيس: بضم أوله وفتح النون وسكون التحتية وسين مهملة. ربعي: بكسر الراء وسكون الموحدة وكسر العين المهملة. خزاعي: بضم الخاء المعجمة وبالزاي وبعد الالف عين مهملة مكسورة فتحتية مشددة. البراء: بفتح الموحدة المخففة وبالمد على المشهور، وحكى أبو عمر الزاهد القصر. الوليد: بفتح الواو وكسر اللام وسكون التحتية والدال المهملة، وهو هنا الصبي. دنوا: قربوا. راح: براء فألف فحاء مهملة: رجع هنا. السرح: بفتح السين وسكون الراء وبالحاء المهملات: المال السائم من ابل وبقر وغنم. القبس: بفتح القاف والموحدة وبالسين المهملة: الشعلة من النار. تقنع ثوبه: بفتح الفوقية والقاف والنون المشددة وبالعين المهملة: تغطى به ليخفي شخصه لئلا يعرف. هتف: بفتح الهاء والفوقية والفاء: ناداه. يا عبد الله: لم يرد اسمه لانه لو كان كذلك لكان قد عرفه، والواقع انه كان مستخفيا منه، فالذي يظهر انه أراد معناه الحقيقي لان الجميع عباد الله تعالى.

[ 108 ]

كمنت: فتح الكاف والميم: اختبأت. الكوة: بفتح الكاف وتضم: النقب في الحائط. وقيل بالفتح غير النافذة وبالضم النافذة. الاغاليق: بغين معجمة بفتح اوله: ما يغلق به الباب والمراد هنا المفاتيح لانه يفتح بها ويغلق وفي رواية في الصحيح بالعين المهملة وهو المفتاح. الوتد: بفتح الواو ويقال فيه الود بفتح الواو وتشديد الدال المهملة. يسمر عنده: بالبناء للمفعول أي يتحدث عنده ليلا. العلالي: بفتح العين المهملة جمع علية بضم العين وفتح اللام. وتشديد التحتية: ا لغرفة. هدأت الاصوات: بالهمز: سكنت. الاقاليد: بالقاف جمع اقليد: وهو المفتاح. نذر: بفتح النون وكسر الذال المعجمة والراء: علم. المهل: بفتح الميم وسكون الهاء وباللام خلاف العجلة. عمدت: بفتح العين المهملة والميم: قصدت. ان القوم: بتخفيف ان وهي شرطية دخلت على فعل محذوف يفسره ما بعده مثل قوله تعالى: (وان أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) (التوبة 6). لم يخلصوا: بضم اللام. الي: بتشديد التحتية. أهويت نحو الصوت: قصدت صاحب الصوت. الدهش: بفتح الدال المهملة وكسر الهاء وبالشين المعجمة: الحيران. لامه الويل: أتى بالويل هنا للتعجب. فأضربه: ذكره بلفظ المضارع مبالغة لاستحضاره صورة الحال وان كان ذلك قد مضى. لم تغن شيئا: أي لم تقتله. ظبة السيف: بضم الظاء المعجمة المشالة وفتح الموحدة المخففة: حده ووقع في غير رواية أبي ذر في الصحيح. ضبيب: بضاد معجمة وموحدتين وزن رغيف. قال الخطابي: هكذا يروى وما أراه محفوظا وانما هو ظبة السيف وهو حده، لان الضبيب لا معنى له هنا لانه سيلان الدم من الفم.

[ 109 ]

قال القاضي عياض: هو في رواية ابي ذر بالصاد المهملة. أرى: بضم اوله: أظن. انخلعت رجله: انقلبت. الحجل: بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم وباللام: أن يرفع رجلا ويقفز على الاخرى، وقد يكون بالرجلين الا انه قفز، وقيل الحجل مشي المقيد. النجاء: بالنصل أي أسرعوا. لا أبرح: لا أذهب. الناعية: مؤنثة. أنعى أبا رافع: كذا ثبت في روايات البخاري. قال ابن التين هي لغية والمعروف أنعو، والنعي خبر الموت والاسم الناعي. القلبة: بقاف فلام فباء موحدة مفتوحات فتاء تأنيث الداء. يدعوا: بفتح الفوقية والدال المهملة: يتركوا. الميرة: بكسر الميم: طعام يمتاره الانسان. الحجرة: بضم الحاء المهملة وسكون الجيم (الغرفة). توه به: رفع ذكره. القبطية: بضم القاف وسكون الموحدة وكسر الطاء المهملة: ثوب من كتان حرير يعمل بمصر نسبة الى القبط على غير قياس فرقا بينه وبين الانسان. قال الخليل: إذا جعلت ذلك اسما قلت قبطية وأنت تريد الثوب بضم القاف وكسرها. قطني: بفتح القاف وسكون الطاء المهملة فنون فتحتية: ومعناه حسبي أي كفايتي. وثئت يده: بفتح الواو وكسر الثاء المثلثة فهمزة مفتوحة ففوقية. قال الحافظ: الصواب: وثئت رجله. قال في الاملاء: يقال وثئت يده إذا أصابه شئ ليس بكسر. وقال بعض اللغويين الوثء انما هو توجع في اللحم لا في العظم. وقال في القاموس: الوثء والوثاءة وصم يصيب اللحم لا يبلغ العظم أو توجع في العظم بلا كسر أو هو الفك. المنهر: بفتح الميم والهاء وسكون النون بينهما. اشتدوا: بالشين المعجمة والفوقية: عدوا. وفي رواية بالمهملة والنون أي علوا. يفيض بينهم: بتحتية ففاء مسكورة فتحتية ساكنة فضاد معجمة ساقطة، في لغة تميم،

[ 110 ]

وفي لغة غيرهم بظاء معجمة مشالة: أي يموت. أكذبت نفسي: بالهمزة والكاف والذال المعجمة والفوقية (ألفاها كاذبة) أنى: بفتح اوله والنون المشددة. فاظ: بفاء فألف فظاء معجمة مشالة في لغة غير تميم وتقدم. اليهود: بفتح الدال المهملة لانه لا ينصرف للعلمية والتأنيث لانه اسم للقبيلة وفيه أيضا وزن الفعل. ألذ: بفتح اوله واللام والذال المعجمة المشددة. أرى: بفتح الهمزة من رؤية العين. العصابة: الجماعة من الناس. البيض الرقاق: وفي لفظ الخفاف والمراد بذلك السيوف. مرحا: المرح بفتح الميم والراء وبالحاء المهملة: النشاط هنا. الاشد: بضم أوله وسكون السين والدال المهملتين. العرين والعرينة: بعين فراء مهملتين فتحتية ساكنة فنون مأوى الاسد يقال: ليث عرينة وليث غابة وأصل العرين جماعة الشجر. المغرف: بضم الميم وسكون الغين المعجمة وكسر الراء وبالفاء: الشجر الملتف الاغصان. ذفف: بذال معجمة مضمومة ففاء مفتوحة مشددة وفاء أخرى: سريعة القتل. المجحف: بضم الميم وسكون الجيم وكسر الحاء المهملة وبالفاء.

[ 111 ]

الباب الثاني والثلاثون في سرية عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه الى أسير أو يسير بن رزام بخيبر في شوال سنة ست لما قتل أبو رافع سلام بن أبي الحقيق أمرت يهود عليهم أسير بن رزام. فقام في يهو د فقال: (والله ما سار محمد الى أحد من يهود ولا بعث أحدا من اصحابه الا أصاب منهم ما أراد، ولكني أصنع ما لم يصنع اصحابي). فقالوا: وما عسيت ان تصنع ؟ قال: (أ سير في غطفان فأجمعهم ونسير الى محمد في عقر داره فانه لم يغز أحد في عقر داره الا أدرك منه عدوه بعض ما يريد). قالوا له: نعم ما رأيت. فسار في غطفان وغيرهم يجمعهم لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجه عبد الله بن رواحة في شهر رمضان ومعه ثلاثة نفر سرا ليكشف له الخبر. فأتى ناحية خيبر فدخل في الحوائط وفرق اصحابه في النطاة والشق والكتيبة، فوعوا ما سمعوا من أسير بن رزام أو غيره، ثم خرجوا بعد مقام ثلاثة أيا م. فرجع الى النبي صلى الله عليه وسلم لليال بقين من شهر رمضان فأخبره بكل ما رأى وسمع، وقدم عليه أيضا خارجة بن حسيل الاشجعي فاستخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما وراءه. فقال: تركت بن ر زام يسير اليك في كتائب يهود، فندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس فانتدب له ثلاثون رجلا. وذكر ابن عائذ ان عبد الله بن عتيك كان فيهم. وروى محمد بن عمر عن عبد الله بن أنيس قال: (كنت فيهم فاستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا عبد الله بن رواحة). قال: (فخرجنا حتى قدمنا خيبر فأرسلنا الى أسير انا آمنون حتى نأتيك فنعرض عليك ما جئنا له. قال: نعم ولي مثل ذلك منكم. قلنا: نعم. فدخلنا عليه فقلنا: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا اليك لتخرج إليه فيستعملك على خيبر ويحسن اليك). فلم يزالوا به حتى خرج معهم. وطمع في ذلك. وشاور يهود فخالفوه في الخروج وقالوا: (ما كان محمد ليستعمل رجلا من بني اسرائيل). قال: (بلى قد مللنا الحرب). فخرج معه ثلاثون رجلا من يهود مع كل رجل رديف من المسلمين. قال ابن اسحاق: وحمل عبد الله بن أنيس أسير بن رزام على بعيره. قال عبد الله بن أنيس: (فسرنا حتى إذا كنا بقرقرة ثبار وندم أسير وأهوى بيده الى سيفي ففطنت له ودفعت بعيري. وقلت: (أ غدرا أي عدو الله ؟) فدنوت منه لانظر ما يصنع، فتناول سيفي فغمزت بعيري وقلت: (هل من رجل ينزل يسوق بنا ؟) فلم ينزل أحد، فنزلت عن بعيري فسقت بالقوم حتى انفرد لي أسير، فضربته

[ 112 ]

بالسيف فقطعت مؤخرة الرجل واندرت عامة فخذه وساقه، وسقط عن بعيره وفي يده مخر ش من شوحط فضربني فشجني مأمومة، وملنا على اصحابه فقتلناهم كلهم غير رجل واحد أعجزنا شدا. ولم يصب من المسلمين أحد. ثم أقبلنا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم). وبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث اصحابه إذا قالوا: (تمشوا بنا الى الثنية لنبحث عن اصحابنا)، فخرجوا معه. فلما أشرفوا على الثنية إذ هم بسرعان اصحابنا فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في اصحابه فانتهينا إليه فحدثناه الحديث فقال: (قد نجاكم الله من القوم الظالمين). قال عبد الله بن أنيس: (فدنوت من النبي صلى الله عليه وسلم فنفث في شجتي فلم تقح بعد ذلك اليوم ولم تؤذني، وكان العظم قد نغل. ومسح وجهي ودعا لي، وقطع لي قطعة من عصاه فقال: (أمسك هذه معك علامة بيني وبينك يوم القيامة أعرفك بها فانك تأتي يوم القيامة متحصرا). فلما دفن عبد اللن بن أنيس جعلت معه على جلده دون ثيابه (1). تنبيهان الاول: ذكر البيهقي وتبعه في زاد المعاد: هذه السرية بعد خيبر. قال في النور: (وهو الذي يظهر فانهم قالوا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا اليك ليستعملك على خيبر، وهذا الكلام لا يناسب ان يقال انها قبل الفتح والله أعلم). قلت: كونها قبل خيبر أظهر، قال في القصة انه سار في غطفان وغيرهم لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بموافقة يهود ذلك، وذلك قبل فتح خيبر قطعا إذ لم يصدر من يهود بعد فتح خيبر شئ من ذلك. وقول الصحابة لاسير بن رزام ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا اليك ليستعملك على خيبر لا ينافي ذلك لان مر ادهم باستعماله المصالحة وترك القتال والاتفاق على أمر يحصل له بذلك والله أعلم. الثاني: في بيان غريب ما سبق: أمرت: بفتح أوله والميم المشددة والراء وسكون حرف التأنيث. أسير: بضم الهمزة وفتح السين وسكون التحتية وبالراء. رزام: براء مكسورة فزاي مخففة وبعد الالف ميم.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 1 / 67. (*)

[ 113 ]

يغز: بتحتية مضمومة فغين معجمة فزاي. عقر الدار: بفتح العين المهملة وضمها: أصلها. غطفان: بفتح الغين المعجمة والطاء المهملة وبالفاء فألف فنون: قبيلة من مضر. الحوائط: جمع حائط وهو هنا البستان. النطاة: بفتح النون وبالطاء المهملة. الشق: بفتح الشين المعجمة أو بكسرها وبالقاف: من حصون خيبر أو موضع لها به حصون من حصونها. الكتيبة: بفتح الكاف وكسر المثناة الفوقية. وقال أبو عبيدة بالثاء المثلثة حصن بخيبر. وعوا ما سمعوا: حفظوه. المقام: بضم الميم. خارجة: بخاء معجمة وبالراء والجيم، ولم أقف له على ذكر فيما وقفت عليه من كتب الصحابة. حسيل: بضم الحاء وفتح السين المهملتين وسكون التحتية وباللام. الاشجعي: بفتح أوله وسكون السين المعجمة وفتح الجيم وبالعين المهملة. الكتائب: بالمثناة الفوقية. ندب الناس: دعاهم. عتيك: بعين مهملة مفتوحة ففوقية مكسورة وتحتية ساكنة وبالكاف. القرقرة: بفتح القافين وبعد كل منهما راء الاولى ساكنة والثانية مفتوحة بعدها تاء تأنيث، وهي في الاصل الضحك إذا استغرب فيه ورجع وهدير البعير. دفعت بعيري: حثثته على سرعة المشي. أغدرا: منصوب بفعل محذوف أي أتريد غدرا ؟ أو تغدر غدرا ؟. مؤخرة الرجل: بضم الميم وسكون الهمزة وتخفيف الخاء المعجمة وشددها بعضهم. وانددت عامة فخذه وساقه: ساقه بالنصب. قال في النور: ولا يجوز جره لانه لا يصح المعنى. المخرش: بميم مكسورة فخاء معجمة ساكنة فراء مفتوحة: عصا معوجة الرأس.

[ 114 ]

شوحط: بفتح الشين المعجمة وسكون الواو وفتح الحاء وبالطاء المهملتين، وهو نوع من شجر الجبال تتخذ منه القسي. المأمومة: الشجة التي بلغت أم الرأس وهي الجلدة التي تجمع الدماغ. أعجزنا: بفتح الجيم والزاي. تقح: بفتح الفوقية وكسر القاف وبالحاء المهملة يقال: قاح الجرح يقيح، وقيح بالتضعيف وتقيح. والقيح مدة يخالطها دم. نغل العظم: من باب تعب فهو نغل بالكسر وقد تسكن للتخفيف. المختصر: اسم فاعل من اختصر العصا إذا أمسكها بيده. واتكأ عليها.

[ 115 ]

الباب الثالث والثلاثون في سرية كرز بن جابر أو سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنهما الى العرنيين. ذكر الامام احمد والشيخان، وابن جرير، وابن عوانة، وأبو يعلى، والاسماعيلي عن أنس، والبيهقي عن جابر (وروى البخاري والبيهقي) عن ابن عمر، وأبو جعفر الطبر ي عن جرير بن عبد الله، والطبراني باسناده عن صالح، ومحمد بن عمر عن سلمة بن الاكوع رضي الله تعالى عنهم، ومحمد بن عمر عن يزيد بن رومان، وابن اسحقاق عن عثمان بن عبد الرحمن رحمهم الله تعالى: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أصاب في غزوة بني محارب وبني ثعلبة عبدا يقال له يسار، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسن الصلاة فاعتقه وبعثه في لقاح له كا نت ترعى في ناحية الحمى فقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر، وفي حديث أنس عند البخاري في الجهاد (1) وفي الديات (2) ان ثمانية من عكل وعرينة وعند ابن جرير وابي عوانة كانوا أربعة من عر ينة وثلاثة من عكل فكان الثامن ليس من القبيلتين فلم ينسب. فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلموا بالاسلام. وفي رواية: فبايعوه على الاسلام وكان بهم سقم. وعند ابي عوانة انه كان بهم هزال شديد وصفرة شديدة وعظمت بطونهم. فقالوا يا رسول الله آونا وأطعمنا. فكانوا في الصفة، فلما صلحوا اجتووا - وفي لفظ - استوخموا المدينة. وعند ابن اسحاق فاستوبأوا وطلحوا. وفي رواية: ووقع بالمدينة الموم وهو البرسام وقالوا: (هذا الوجع قد وقع وان المدينة وخمة وانا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف فابغنا رسلا). قال: (ما أجد لكم الا أن تلحقوا برعاء فيفاء الخبار). وفي رواية: (فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذود). وفي رواية: (فرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتوا ابل الصدقة فيشربوا من ألبانها وأبوالها). فخرجوا فشربوا من ألبانها وأبوالها فلما صحوا ورجعت إليهم أبدانهم وانطوت بطونهم كفروا بعد اسلامهم عدوا على اللقاح فاستاقوها. فأدر كهم مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسار ومعه نفر فقاتلهم فقطعوا يديه ورجليه وغرزوا ا لشوك في لسانه وعينيه حتى مات. وفي رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس عند مسلم: (ثم مالوا على الر عاء فقتلوهم) (3) بصيغة الجمع. ونحوه لابن حبان من رواية يحيى بن سعيد عن أنس، وانطلقوا بالسرح، وفي لفظ: الصريخ عند أبي عوانة: فقتلوا الراعيين وجاء الاخر فقال: قد قتلوا صاحبي وذهبوا بالابل. وعند محمد بن عمر: فأقبلت امرأة من بني عمرو بن عوف على حمار لها


(1) أخرجه البخاري 6 / 177 باب إذا حرق المشرك المسلم (3018). (2) أخرجه البخاري 12 / 239 باب القسامة (6899). (3) أخرجه مسلم في كتاب القسامة 3 / 1296 (9 - 1671). (*)

[ 116 ]

فمرت بيسار تحت شجرة، فلما رأته ومرت به وقد مات رجعت الى قومها فأخبرتهم ا لخبر، فخرجوا حتى جاءوا بيسار الى قباء ميتا. وعند مسلم: (وكان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم شباب من الانصار قريب من عشرين فأرسلهم). وفي رواية: (فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثرهم عشرين فارست سمي منهم: سلمة بن الاكوع كما عند محمد بن عمر، وأبو رهم وأبو ذر الغفاريان، وبريدة بن الحصيب، ورافع بن مكيث وأخوه جندب، وبلال بن الحارث، وعبد الله بن عمرو ابن عوف المزنيان، وجعال بن سراقة الثعلبي، وسويد بن صخر الجهني، وهؤلاء من المهاجرين. فيحتمل أن يكون من لم يسمه محمد بن عمر من الانصار، فأطلق في رواية الانصار تغليبا، أو قيل للجميع أنصار بالمعنى الاعم. واستعمل عليهم كرز بن جابر الفهري. وروى الطبراني وغيره من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه في آثارهم، وسنده ضعيف. والمعروف ان جريرا تأخر قدومه عن هذا الوقت بنحو أربعة أعوام. وبعث معهم قائفا يقوف أثرهم ودعا عليهم فقال: (أعم عليهم الطريق واجعله عليهم أضيق من مسك جمل). فعمى الله عليهم السبل، فأدركوا في ذلك اليوم فأخذوا. فلما ارتفع النهار جئ بهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال محمد بن عمر: فخرج كرز وأصحابه في طلبهم حتى أدركهم الليل فباتوا بالحرة ثم أصبحوا ولا يدرون اين سلكوا فإذا بامرأة تحمل كتف بعير فأخذوها فقالوا: ما هذ ا ؟ قالت: مررت بقوم قد نحروا بعيرا فأعطوني هذه الكتف وهم بتلك المفازة إذا وافيتم عليها رأيتم دخانهم. فساروا حتى أتوهم حين فرغوا من طعامهم. فسألوهم أن يستأسروا فاستأسروا بأجمعهم لم يفلت منهم أحد. فربطوهم وأردفوهم على الخيل حتى قدموا المدينة فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرغابة، فخرجوا بهم نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أنس كما عند ابن عمر: خرجت أسعى في آثارهم مع الغلمان حتى لقي بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرغابة بمجتمع السيول، فأمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها. وفي رواية فسمرهم. وفي رواية فسمر أعينهم. قال أنس كما عند مسلم: (انما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين اولئك لانهم سملوا أعين الرعاء). وفي رواية: (فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا). وفي رواية: (وسمرت أعينهم وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون). قال أنس: (فلقد رأيت أحدهم يكدم الارض بفيه من العطش). وفي رواية: (ليجد بردها مما يجد من الحر والشدة حتى ماتوا ولم يحسمهم) قال أبو قلابة: (فهؤلاء قتلوا وسرقوا وكفروا بعد اسلامهم وحاربوا الله ورسوله).

[ 117 ]

قال ابن سيرين: كانت هذه القصة العرنيين قبل أن تنزل الحدود. وعند ابن عوانة عن ابن عقيل عن أنس انه صلب اثنين وسمل اثنين. قال الحافظ: كذا ذكر ستة فقط فان كان محفوظا فعقوبتهم كانت موزعة. فأنزل الله تبارك وتعالى: (انما جزاء الذين يحا ربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الاخرة عذاب عظيم). (المائدة 33). فلم يسمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عينا ولم يقطع لسانا ولم يزد على قطع اليد والرجل ولم يبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا بعد ذلك الا نهاهم عن المثلة. وكان بعد ذلك يحث على الصدقة وينهى عن المثلة. قال محمد بن عمر وابن سعد: كانت اللقاح خمس عشرة لقحة ذهبوا منها بالحناء. تنبيهات الاول: تقدم ان نفرا من عكل وعرينة بالواو العاطفة من غير شك. قال الحافظ: (وهو الصواب. وهي رواية البخاري في المغازي وان وقع غيرها بأو)، وزعم ابن التين تبعا للداودي أن عرينة هم عكل). قال الحافظ: (وهو غلط بل هما قبيلتان متغايرتان: عكل قبيلة من تيم الرباب بكسر الراء وتخفيف الموحدة: الاولى من عدنان، وعرينة من قحطان في بجيلة وقضاعة. فالذي في بجيلة - وهو المراة هنا - عرينة بن نذير - بفتح النون وكسر الذ ال المعجمة - ابن قسر - بقاف مفتوحة فسين مهملة ساكنة فراء - ابن عبقر، وعبقر أمه بجيلة. وا لعرن حكة تصيب الخيل والابل في قوائمها. ووقع عند عبد الرزاق بسند ساقط ان عكلا وعرينة من بني فزارة وهو غلط لان بني فزارة من مضر، لا يجتمعون مع عكل وعرينة أصلا. الثاني: ذكر ابن اسحاق ان قدومهم كان بعد غزوة ذي قرد، وكانت في جمادى الاخرة سنة ست. وذكرها البخاري بعد الحديبية، وكانت في ذي القعدة منها. وذكر محمد بن عمر انها كانت في شوال منها، وتبعه ابن سعد، وابن حبان وغيرهما. الثالث: اختلف في أمير هذه السرية فقال ابن اسحاق والاكثرون: كرز - بضم الكاف وسكون الراء وزاي - ابن جابر الفهري - بكسر الفاء. وقال موسى بن عقبة ان أميرها سعيد - كذا عنده بزيادة ياء تحتية - والذي ذكره غيره سعد - بسكون العين - ابن زيد الانصاري الا شهلي. قال الحافظ: فيحتمل انه كان رأس الانصار، وكان كرز أمير الجماعة. وذكر بعضهم ا ن أمير هذه السرية جرير بن عبد الله البجلي، وتعقب بأن اسلامه كان بعد هذه السرية بنحو أربع سنين.

[ 118 ]

الرابع: ظاهر بعض الروايات ان اللقاح كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وصرح بذلك في رواية البخاري في المحاربين فقال: الا أن تلحقوا بابل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية: (فأمرهم ان يأتوا ابل الصدقة). والجمع بينهم ان ابل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة، وصادف بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بلقاحه الى المرعى طلب هؤلاء النفر الخروج الى الصحراء لشرب ألبان الابل، فأمرهم ان يخرجوا مع راعيه، فخرجوا معه الى الابل ففعلوا ما فعلوا، وظهر مصداق رسول الله صلى الله عليه وسلم ان المدينة تنفي خبثها. الخامس: احتج من قال بطهارة بول ما أكل لحمه بما في قصة العرنيين من أمره لهم بشرب ألبانها وأبوالها، وهو قول الامام مالك وأحمد، ووافقهم من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان والاصطخري والروياني. وذهب الامام الشافعي والجمهور الى القول بنجاسة الابوال والارواث كلها من مأكول اللحم وغيره. واحتج ابن المنذر بقوله توزن الاشياء على الطهارة حتى تثبت النجاسة. قال: ومن زعم ان هذا خاص بأولئك الاقوام لم يصب إذ الخصائص لا تثبت الا بدليل. قال: وفي ترك أهل العلم بيع الناس أبعار الغنم في أسواقهم واستعمال أبوال الابل في أدويتهم قديما وحديثا من غير نكير دليل ظاهر قال الحافظ: وهو استدلال ضعيف لان المختلف فيه لا يجب انكاره فلا يدل ترك انكاره على جوازه فضلا عن طهارته. وقد دل على نجاسة الابوال حديث ابي هريرة رضي الله تعالى عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((دعوه وهريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء فانما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)). وكان القاضي أبو بكر بن العربي الذي تعلق بهذا الحديث ممن قال بطها رة أبوال الابل، وعورض بأنه أذن لهم في شربها للتداوي. وتعقب بأن التداوي ليس حال ضرور ة بدليل انه لا يجب، فكيف يباح الحرام بما لا يجب ؟ وأجيب بمعنى أنه ليس بحال ضرورة، بل هو حال ضرورة إذا أخبره بذلك من يعتمد على خبره، وما أبيح للضرورة لا يسمى حراما وقد تأوله لقوله تعالى: (وقد فصل لكم ما حرم عليكم الا ما اضطررتم إليه) (الانعام 119) فما اضطر إليه المرء فهو غير محرم عليه كالميتة للمضطر، والله تعالى أعلم. قال الحا فظ: وما تضمنه كلامه من ان الحرام لا يباح ولا الامر واجب غير مسلم فان الفطر في رمضان حرام، ومع ذلك فيباح لامر جائز كالسفر مثلا. واما قول غيره. ولو كان نجسا ما جاز التدا وي به لقوله صلى الله عليه وسلم: (ان الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها). رواه أبو داود من حديث أم سلمة، فجوابه ان الحديث محمول على حالة الاختيار. واما في حالة الضرورة فلا يكون حراما كالميتة للمضطر، ولا يرد قوله صلى الله عليه وسلم في الخبر انها ليست بدواء، انهاداء في سؤال من سأل من التداوي بها فيما رواه مسلم فان ذلك خاص بالخمر ويلتحق بها غيرها من المسكر. والفرق بين المسكر وغيره من النجاسات ان الحديث باستعماله في حالة الاختيار دون غيره

[ 119 ]

ولان شربه يجر الى مفاسد كثيرة لانهم كانوا في الجاهلية يعتقدون ان في الخمر شفاء فجاء الشرع بخلاف معتقدهم. قاله الطحاوي بمعناه. قال الشيخ تقي الدين السبكي: كان في الخمر منفعة في التداوي بها فلما حرمت نزع الله الدواء منها، وأما أبوال الابل فقد روى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ان ر سول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ان في أبوال الابل شفاء للذربة بطونهم). والذرب بذال معجمة فساء المعدة. فلا يقاس ما ثبت ان فيه دواء على ما ثبت نفي الدواء عنه، وبهذا الطريق يحصل الجمع بين ا لادلة والعمل بمقتضاها. السادس: لم تختلف روايات البخاري في ان المقتول راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذكره في الافراد، وكذا مسلم لكن عنده من رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس: (ثم مالوا على الرعاء فقتلوهم) بصيغة الجمع، ونحوه لابن حبان من رواية يحيى بن سعيد بن أنس. فيحتمل أن ابل الصدقة كان لها رعاة فقتل بعضهم مع راعي اللقاح، فاقتصر بعض الرواة على راعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر بعضهم معه غيره. ويحتمل ان يكون بعض الروا ة ذكره بالمعنى فتجوز في الاتيان بصيغة الجمع. قال الحافظ: وهو الراجح لان اصحاب المغازي لم يؤكد أحد منهم انهم قتلوا غير يسار والله تعالى أعلم. السابع: في صحيح مسلم فيمن أرسلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب العرنيين انهم من الانصار، فأطلق الانصار تغليبا، وقيل للجميع أنصار بالمعنى الاعم. الثامن: استشكل القاضي عدم سقيهم بالماء بالاجماع على ان من وجب عليه القتل فاستسقى لا يمنع. وأجاب بان ذلك لم يقع عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم، ولا وقع منه نهي عن سقيهم. قال الحافظ: وهو ضعيف جدا لان النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك وسكوته كا ن في ثبوت الحكم. واجاب النووي بان المحارب المرتد لاحرمة له في سقي الماء ولا غيره، ويدل عليه ان من ليس معه الا ماء طهارته ليس له أن يسقيه للمرتد ويتيمم بل يستعمله ولو مات مطلقا، وقيل ان الحكمة في تعطيشهم لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الابل التي حصل لهم بها الشفاء من الجوع والوخم، ولان النبي صلى الله عليه وسلم دعا بالعطش على من عطش آل بيته، في قصة رواها النسائي، فيحتمل انهم تلك الليلة منعوا ارسال ما جرت به العادة من اللبن الذي كان يراح به الى النبي صلى الله عليه وسلم كل ليلة كما ذكر ابن سعد. التاسع: في رواية: (سمر أعينهم)، بتشديد الميم. وفي رواية بالتخفيف. ولم تختلف روايات البخاري في أنها بالراء ووقع عند مسلم: (فسمل) باللام. قال الخطابي: (السمل) هو فقء العين بأي شئ كان. والسمر لغة في السمل ومخرجهما متقارب وقد يكون من المسمار

[ 120 ]

يريد انهم كحلوا بأميال قد أحميت كما في رواية الصحيح: فكحلهم بها. فهذا يوضح ما تقدم ولا يخالف رواية السمل لانه فقء العين بأي شئ كان. العاشر: في بيان غريب ما سبق: محارب: بضم الميم وبالحاء المهملة وكسر الراء وبالموحدة. يسار: بفتح التحتية والسين المهملة وبالراء. اللقاح: بكسر اللام جمع لقحة بفتح اللام وكسرها وسكون القاف: الناقة ذات اللبن. قال أبو عمر: ويقال لها ذلك الى ثلاثة أشهر. الحمى: بكسر الحاء المهملة وفتح الميم المخففة. عكل: بضم العين المهملة وسكون الكاف بعها لام. عرينة: بعين مهملة فراء فتحتية فنون فهاء تأنيث مصغر. السقم: بفتح السين المهملة وضمها طول مدة المرض. الهزال: بضم الهاء وتخفيف الزاي ضد السمن. عظمت بطونهم: انتفخت. الصفة: بضم الصاد المهملة وتشديد الفاء والمراد ههنا موضع مظلل في آخر المسجد النبوي في شماليه يسكنه الغرباء ممن ليس لهم موضع يأوون إليه ولا أهل. اجتووا المدينة: قال الفزاري لم يوافقهم طعامها. وقال أبو بكر بن العربي: هو بمعنى استوخموا. وقال غيره: داء يصيب الجوف. استوخموا المدينة: لم يوفق هواؤها أبدانهم. طحلوا: بضم الطاء وكسر المهملتين وباللام: أعيوا وهزلوا. الموم: بضم الميم وسكون الواو (وهو) البرسام بكسر الموحدة سرياني معرب، يطلق على اختلال العقل وعلى ورم الرأس وورم الصدر والمراد هنا الاخير. الضرع: بفتح الضاد المعجمة وسكون الراء وبالعين المهملة وهو لذات الظلف كالثد ي للمرأة. ابغنا: اطلب. الرسل: بكسر الراء وسكون السين المهملة وباللام: اللبن. الذود: بفتح الذال المعجمة وسكون الواو وبالدال المهملة وهو (الابل إذا كانت) ما

[ 121 ]

بين الثلاثة الى العشرة، وقيل غير ذلك. فيفاء: بفاءين، الاولى مفتوحة بينهما تحتية ساكنة وبالالف الممدودة موضع، ويقا ل له فيفاء الخبار، كغزال. وفيف من غير اضافة. والخبار: بخاء معجمة مفتوحة فموحدة مخففة. وبعد الالف راء. قال في النهاية: وبعضهم يقول بالحاء المهملة والتحتية المشددة. عدوا عليه: ظلموه. استاقوا: من السوق وهو السير العنيف. السرح: بفتح السين المهملة وسكون الراء وبالحاء المهملة: المال السائم، وسرحتها أرسلتها ترعي. الصريخ: بفتح الصاد وكسر الراء المهملتين وبالخاء المعجمة، فعيل بمعنى فاعل أي صرخ بالاعلام بما وقع منهم. وهذا الصارخ أحد الراعيين. آثارهم: جمع أثر أي: بقية الشئ أي في طلبهم. الاكوع: بفتح اوله وسكون الكاف وفتح الواو وبعين مهملة. أبو رهم: بضم الراء وسكون الهاء. الغفاري: بكسر الغين المعجمة وتخفيف الفاء. أبو ذر: بفتح الذال المعجمة. بريدة: بضم الموحدة وفتح الراء وسكون التحتية وبالدال المهملة. مكيث: بفتح الميم وكسر الكاف وسكون التحتية وبالثاء المثلثة. جعال: بجيم مكسورة فعين مهملة فلام ككتاب. سويد: بضم السين المهملة وفتح الواو وسكون التحتية وبالدال المهملة. كرز: بضم الكاف وسكون الراء فزاي. القايف: بالقاف والتحتية والفاء: الذي يتتبع الاثار ويعرفها ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه والجمع القافة، يقال: قاف الرجل الاثر قوفا من باب قال.. المسك: بفتح الميم وسكون السين المهملة: الجلد. أدركوا: بالبناء للمفعول. الحرة: أرض ذات حجارة سود معروفة بالمدينة وانما ألقوا فيها لانها أقرب الى ا لمكان

[ 122 ]

الذي فعلوا فيه ما فعلوا. الكتف: بفتح الكاف وكسر الفوقية والفاء: وهو عظم عريض يكون في أصل كتف الحيوان من الناس والدواب. الرغابة: بكسر الراء وبالغين المعجمة والموحدة: أرض متصلة بالجرف بضم الجيم والراء كما قاله أبو عبيد البكري والقاضي والحازمي، وقال المجد اللغوي: (واد ر غيب صخم كثير الاخذ واسع كرغب بضمتين) مجتمع الاسيال. سمر: بفتح السين والميم المشددة وبتخفيفها ثم راء. كسمل: بفتح السين والمهملة والميم وباللام: فقأ أعينهم بأي شئ كان. قطع يده ورجله من خلاف: أي احداهما من جانب والاخرى من جانب آخر. نبذ الشئ: طرحه. كدم يكدم: بكسر الدال المهملة وضمها عض بمقدم أسنانه. لم يحسمهم: لم يقطع سيلان دمائهم بالكي. أبو قلابة: بكسر القاف والموحدة. سيرين: بكسر السين المهملة وسكون التحتية وكسر الراء وتحتية وبالنون. المثلة: بضم الميم وسكون المثلثة، ويروى بفتح اوله، ويروى بضمهما معا: وهي ما يفعل من التشويه بالقتلى، وجمعه مثلات بضمتين. وقال أبو عمر: المثلة بالضم فالسكون والمثل بفتح أوله وسكون ثانية قطع أنف القتيل وأذنه. الحناء: بحاء مهملة فنون مشددة.

[ 123 ]

الباب الرابع والثلاثون في بعثه صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري رضي الله تعالى عنه ليفتك بأبي سفيان بن حرب قبل اسلامه. روى البيهقي عن عبد الواحد بن عوف وغيره قالوا ان ابا سفيان قال لنفر من قريش: ألا أحد يغتر محمدا فانه يمشي في الاسواق. فأتاه رجل من الاعراب فدخل عليه منزله فقال: (قد وجدت أجمع الرجال قلبا وأشدهم بطشا وأسرعهم شدا فان أنت قويتني خرجت إليه حتى أغتاله ومعي خنجر مثل خافية النسر، فأسوره ثم آخذ في عير فأسير وأسبق القوم عدوا فاني هاد بالطريق خريت). قال: (أنت صاحبنا). فأعطاه بعيرا ونفقة وقال: (اطو أمرك). فخرج ليلا فسار على راحلته خمسا وصبح ظهر الحرة صبح سادسة. ثم أقبل يسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دل عليه. فعقل راحلته ثم أقبل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مسجد بني عبد الاشهل، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ان هذا ليريد غدرا. والله تعالى حائل بينه وبين ما يريد). فذهب ليجني على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجذبه أسيد بن الحضير بداخلة ازاره، فإذا بالخنجر فسقط في يديه وقال: دمي دمي فأخذ أسيد بلببه فدعته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اصدقني ما أنت ؟) قال: (وأنا آمن). قال: (نعم). فأخبره بأمره وما جعل له أبو سفيان. فخلى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم وقال: (يا محمد والله ماكنت أفرق الرجال فما هو الا أن رأيتك فذهب عقلي وضعفت نفسي، ثم اطلعت على ما هممت به مما سبقت به الركبان ولم يعلمه أحد فعرفت انك ممنوع وأنك على حق وان حزب ابي سفيان حزب الشيطان). فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم. فأقام الرجل أياما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج ولم يسمع له ذكر (1). وروى الامام اسحاق بن راهويه عن عمرو بن أمية رضي الله تعالى عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث معي رجلا من الانصار) - قال ابن هشام هو سلمة بن أسلم بن حريس الله الى ابي سفيان بن حرب وقال: (ان أصبتما فيه غرة فاقتلاه). وقال ابن اسحا ق: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرا بعد مقتل خبيب بن عدي وأصحابه وبعث معه جبار بن صخر الانصاري فخرجا حتى قدما مكة وحبسا جمليهما بشعب من شعاب يأجج. ثم دخلا مكة ليلا فقال جبا ر - أو سلمة - لعمرو: (لو أنا طفنا بالبيت وصلينا ركعتين). فقال عمرو: (ان ا لقوم إذا تعشوا جلسوا بأقنيتهم وانهم ان رأوني عرفوني فاني أعرف بمكة من الفرس الابلق). فقال: (كلا ان


(1) اخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 1 / 68. (*)

[ 124 ]

شاء الله). فقال عمرو: (فأبى أن يطعمني). (قال عمرو): (فطفنا بالبيت وصلينا ثم خرجنا نريد أبا سفيان، فوالله انا لنمشي بمكة إذ نظر الي رجل من أهل مكة فعرفني. قال ابن سعد: هو معاوية بن أبي سفيان. فقال معاوية: (عمرو بن أمية فوالله ان قدمها الا لشر). فأخبر قريشا بمكانه فخافوه وطلبوه وكان فاتكا في الجاهلية وقالوا: (لم يأت عمرو بخير). فحشدوا له وتجمعوا. قال عمرو، (فقلت لصاحبي: (النجاء). فخرجنا نشتد حتى أصعدنا في جبل، وخرجوا في طلبنا حتى إذا علونا الجبل يئسوا منا فرجعنا فدخلنا كهفا في الجبل فبتنا فيه وقد أخذنا حجارة فرضمناها دوننا فلما أصبحنا غدا رجل من قريش. قال ابن سعد: هو عبيد الله بن مالك بن عبيد الله التيمي. قلت: قال ابن اسحاق: هو عثمان بن مالك أو عبد الله. يقود فرسا له ويخلي عليها فغشينا ونحن في الغار، فقلت ان رآنا صاح بنا فأخذنا فقتلنا. قال: ومعي خنجر قد أعددته لابي سفيان فأخرج إليه فأضربه على ثديه ضربة وصاح صيحة فأسمع أهل مكة، وأرجع فأدخل مكاني. وجاءه الناس يشتدون وهو بآخر رمق فقالوا: من ضربك ؟ فقال عمرو بن أمية: وغلبه الموت فمات مكانه ولم يدلل على مكاننا. ولفظ رواية اسحاق بن راهو يه: فما أدركوا منه ما استطاع ان يخبرهم بمكاننا. فاحتملوه فقلت لصاحبي لما أمسينا: النجاء، فخرجنا ليلا من مكة نريد المدينة فمررنا بالحرس وهم يحرسون جيفة خبيب بن عدي، فقال أحدهم: (والله ما رأيت كالليلة اشبه بمشية عمرو بن أمية لولا انه بالمدينة لقلت هو عمرو بن أمية). قال: فلما حاذى الخشبة شد عليها فاحتملها وخرجا شدا، وخرجوا وراءه حتى أتى جرفا بمهبط مسيل يأجج، فرمى بالخشبة في الجرف فغيبه الله تعالى عنهم فلم يقدروا عليه. ولفظ رواية ابن اسحاق: ثم خرجنا فإذا نحن بخبيب على خشبة فقال لي صاحبي: (هل لك ان تنزل خبيبا عن خشبته ؟) قلت: (نعم فتنح عني فان أبطأت فخذ الطريق) فعمدت لخبيب فأنزلته عن خشبته، فحملته على ظهري، فما مشيت به عشرين ذراعا حتى نذر بي الحرس. ولفظ ابن أبي شيبة، واحمد بن عمرو: (فخليت خبيبا، فوقع الى الارض فانتبذت غير بعيد فالتفت فلم أر خبيبا وكأنما الارض ابتلعته فما رئي لخبيب رمة حتى الساعة). قال: (وقلت لصاحبي: (النجاء النجاء حتى تأتي بعيرك فتقعد عليه، وكان الانصاري لا ر جلة له). قال: (ومضيب حتى أخرج على ضجنان، ثم أويت الى جبل فأدخل كهفا فبينا أنا فيه إذ دخل علي شيخ من بني الديل أعور في غنيمة له فقال: (من الرجل ؟) فقلت: (من بني بكر، فمن أنت ؟) قال: (من بني بكر). فقلت: (مرحبا) فاضطجع ثم رفع عقيرته فقال: ولست بمسلم مادمت حيا ولا دان بدين المسلمينا

[ 125 ]

فقلت في نفسي: سيعلم. فأمهلته حتى إذا نام أخذت قوسي فجعلت سيتها في عينه الصحيحة، ثم تحاملت عليه حتى بلغت العظم، ثم خرجت النجاء حتى جئت العرج، ثم سلكت ركوبة حتى إذا هبطت النقيع إذا رجلان من مشركي قريش كانت قريش قد بعثتهما عينا الى المدينة ينظران ويتجسسان، فقلت: (استأسرا). فأبيا فأرمي أحدهما بسهم فأ قتله، واستأسر الاخر، فأوثقته رباطا وقدمت به المدينة، وجعل عمرو يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خبره ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك، ثم دعا له بخير. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: فتك به: يفتك بكسر الفوقية وضمها فتكا بتثليث الفاء وسكون الفوقية قتله على غفلة. يغتر: بفتح التحتية وسكون الغين المعجمة وفتح الفوقية وتشديد الراء: يأخذه غفلة. الشد: بفتح الشين المعجمة وتشديد الدال المهملة: هنا العدو والجري. اغتاله: أخذه من حيث لا يدري وكذلك غاله. الخنجر: بفتح الخاء المعجمة وكسرها وسكون النون وفتح الجيم وبالراء. خافية النسر: بخاء معجمة وبعد الالف فاء مكسورة فتحتية ساكنة فتاء تأنيث: ريشة صغيرة في جناحه، يريد أنه خنجر صغير. النسر: بفتح النون وسكون السين المهملة فراء: طائر معروف والجمع أنسر ونسور. أسوره: بضم الهمزة وفتح السين المهملة وكسر الواو المشددة وبالراء فضمير غائب. عير: بفتح العين المهملة وسكون التحتية وبالراء: جبل بالمدينة كما أخبر بذلك من عرفه، ولا يلتفت لقول من أنكر وجوده بالمدينة. الخريت: بكسر الخاء المعجمة والراء المشددة وسكون التحتية ففوقية مثناة. الحرة: بفتح الحاء المهملة والراء المشددة فتاء تأنيث: أرض ذات حجارة سود نخرة كأنها أحرقت بالنار والجمع حرار، ككلاب، وحرتا المدينة: لابتاها من جانبيها. دل عليه: بضم الدال المهملة وتشديد اللام مبني للمفعول. عبد الاشهل: بشين معجمة. الغدر: بغين معجمة مفتوحة فدال مهملة ساكنة فراء: ضد الوفاء. يجني عليه: يكسب. أسيد: بضم اوله وفتح السين المهملة وسكون التحتية وبالدال المهملة.

[ 126 ]

الحضير: بحاء مهملة مضمومة فضاد معجمة مفتوحة ساكنة فراء. داخلة الازار: طرفه وحاشيته من داخل. بلببه: بموحدتين الاولى مفتوحة. فدعته: بدال مهملة وتعجم فعين مهملة ففوقية مفتوحات: خنقه أشد الخنق. ما أنت ؟ ما صفتك ؟ أو خاطبه خطاب مالا يعقل لان هذا فعل مالا يعقل. آمن: بمد الهمزة وكسر الميم. فأفرق الرجال: أخافهم. حريس: بحاء مهملة فراء فتحتية ساكنة فسين مهملة: قال الزمخشري في المشتبه: كل ما في الانصار حريس فهو بالسين المهملة الا حريش بن جحجبي بجيم مفتوحة فحاء مهملة ساكنة فجيم مفتوحة فموحدة. غرة: بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء فتاء تأنيث: غفلة. جبار: بفتح الجيم وتشديد الموحدة. الشعب: بكسر الشين المعجمة وسكون العين المهملة فموحدة: الطريق في الجبل. يأجج: بتحتية فهمزة فجيمين الاولى مفتوحة وقد تكسر: مكان قرب مكة. الافنية: جمع فناء ككتاب. الوصيلة: بفتح الواو وكسر الصاد المهملة وهو سعة أمام البيت وقيل ما امتد من جوانبه. حشدوا: بالحاء المهملة والشين المعجمة: جمعوا له. النجاء: بالمد وقد تقصر: الاسراع في الذهاب. يخلى عليها: يجر لها الخلا بالخاء المعجمة والقصر: النبات الرطب الرقيق ما دام رطبا. الرمق: بفتح الراء والميم وبالقاف: بقية الحياة، وقد تطلق على القوة. الجرف: بضم الجيم والراء وسكونها: مكان يأكله السيل. انتبذت: بفتح أوله وسكون النون وفتح الفوقية والموحدة وسكون الذال المعجمة: تنحيت. ضجنان: بفتح الضاد المعجمة وسكون الجيم فنون فألف فنون: مكان قرب مكة. الديل: بكسر الدال المهملة وسكون التحتية وباللام.

[ 127 ]

العقيرة: بفتح العين المهملة وكسر القاف وسكون التحتية وبالراء: وأصله ان رجلا قطعت رجله فكان يرفع المقطوعة على الصحيحة ويصبح من شدة وجعها بأعلى صوته فقيل لكل رافع صوته رفع عقيرته. سية القوس: بكسر السين المهملة وفتح التحتية: ما عطف من طرفها والهاء عوض من الواو. العرج: بفتح العين المهملة وسكون الراء والجيم: قرية جامعة على نحو ثلاث من المدينة بطريق مكة. ركوبة: بفتح الراء وضم الكاف وسكون الواو وبالموحدة فتاء تأنيث. النقيع: بفتح النون وكسر القاف وسكون التحتية وبالعين المهملة. العين: الجاسوس و. يتجسسان الاخبار: يتعرفانها.

[ 128 ]

الباب الخامس والثلاثون في سرية أبان بن سعيد بن العاص بن أمية رضي الله تعالى عنه قبل نجد في جمادى الاخرة سنة سبع روى أبو داود في سننه وأبو نعيم في مستخرجه وتمام الرازي في فوائده: موصولات البخاري في صحيحه تعليقا عن ابي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبان بن سعيد على سرية من المدينة قبل نجد، فقدم أبان وأصحابه على النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر بعدما افتتحها. وان حزم خيلهم لليف - وفي رواية الليف قال أبو هريرة: (قلت يارسول الله: لا تقسم لهم) قال أبان: (وأنت بهذا وبر تحدر من رأس ضأن) - وفي رواية: (من رأس ضال). فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبان اجلس)، فلم يقسم لهم (1). تنبيهات الاول: قال الحافظ: لا أعرف هذه السرية. الثاني: وقع في الصحيحين (2) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر بعدما فتحها، فقلت: يا رسول الله أسهم لي ؟). فقال بعض ولد سعيد بن العاص: (لا تسهم له يا رسول الله). فقلت: (هذا قتل ابن قوقل). فقال ابان بن سعيد بن العاص: (واعجبا لوبر تدلي علينا). - وفي رواية: (واعجبا لك وبر تدأدأ من قدوم ضأن ينعي علي قتل رجل أكرمه الله على يدي ومنعه أن يهينني بيده) الحديث. وابن سعيد هذا هو أبان بلا شك، ففي الرواية ان ابا هريرة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسهم له. وفي الرواية الاولى ان ابان هو السائل وان ابا هريرة أشار بمنعه فلذلك قيل وقع في احدى الروايتين ما يدخل في قسم المقلوب. ورجح الامام محمد بن يحيى الذهلي الرواية السابقة ويريد وقوع التصريح فيها بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أبان اجلس) ولم يقسم له. ويحتمل الجمع بينهما بأن يكون أبان نعي عليه بأنه قاتل ابن قوقل وان أبان احتج على ابي هريرة بانه ليس ممن له في الحرب يد ليستحق بها النفل فلا يكون فيه قلب. الثالث: في بيان غريب ما سبق: نجد: بفتح النون وسكون الجيم. أبان: بالصرف وعدمه وجحه ابن مالك.


(1) انظر البداية والنهاية 4 / 207. (2) أخرجه البخاري 7 / 529 كتاب المغازي. (*)

[ 129 ]

خيبر: تقدم الكلام عليها في غزوتها. حزم: بضم الحاء والزاي كما في الفتح وفي اليونينية بسكون الزاي جمع حزام. الليف: بتشديد اللام معروف. المسد: بفتح الميم وبالسين والدال المهملتين: حبل ليف أو من جلود (الابل) والا ول هو المراد هنا. وأنت بهذا المكان: المنزلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أنك لست من أهله ولا من قومه ولا من بلاده. يا وبر: بفتح الواو وسكون الموحدة دابة صغيرة كالسنور وحشية تسمى غنم بني اسرائيل، ونقل أبو علي القالي - بالقاف واللام - عن أبي حاتم ان بعض العرب يسمي كل دابة من حشرات الجبال وبرا. تحدر: تدلى بلفظ الماضي على طريق الالتفات من الخطاب الى الغيبة. من رأس ضأن: بضاد معجمة ساقطة وبعد الهمزة نون: اسم جبل في أرض دوس قوم أبي هريرة، وقيل هو رأس الجبل لانه في الغالب مرعى الغنم. ضال: بضاد معجمة ساقطة ولام مخففة بدل النون من غير همز: قال الخطابي أراد تحقير ابي هريرة وأنه ليس في قدر من يشير بعطاء ولا منع وأنه قليل القدرة على القتال. ابن قوقل: اسمه النعمان بن مالك بن ثعلبة بن أصرم بصاد مهملة وزن أحمد، وقوقل: بقافين مفتوحتين بينهما واو ساكنة وآخره لام وزن جعفر، لقب ثعلبة أو أصرم. واعجباه: بفتح العين المهملة والجيم وبالموحدة والهاء الساكنة: اسم فعل بمعنى أعجب. تدأدأ: بفوقية ودالين مهملتين مفتوحتين بعد كل همزة الاولى ساكنة والثانية مفتوحة أي هجم علينا بغتة. وفي رواية تدارى براء بدل الدال الثانية بغير همز. قدوم: بفتح القاف لاكثر رواة الصحيح وضم الدال المهملة المخففة وسكون الواو، وبالميم: الطرف - بالفاء - ووقع في رواية الاصيلي بضم القاف. تنعى: بفتح الفوقية وسكون النون فعين مهملة مفتوحة: تعيب، يقال نعا فلان على فلان أمرا إذا عابه ووبخه عليه. يهني: بالتشديد، أصله يهنني بنونين فأدغمت احداهما في الاخرى أي لم يقدر موتي كافرا.

[ 130 ]

الباب السادس والثلاثون في سرية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه الى تربة في شعبان سنة سبع قال محمد بن عمر، وابن سعد: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في ثلاثين رجلا الى عجز هوازن بتربة، فخرج عمر معه دليل من بني هلال فكانوا يسيرون الليل ويكمنون النهار، فأتى الخبر الى هوازن فهربوا وجاء عمر الى محالهم فلم يلق منهم أحدا. فانصرف راجعا الى المدينة حين سلك النجدية، فلما كان بذي الجدر قا ل الهلالي لعمر: (هل لك في جمع آخر تركته من خثعم جاءوا سائرين قد أجدبت بلادهم ؟) فقال عمر: (لم يأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم انما أمرني ان أصمد لقتال هو ازن بتربة، وانصرف عمر راجعا الى المدينة. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: تربة: بضم الفوقية وفتح الراء وبالموحدة وتاء التأنيث: واد بقرب مكة على يومين منها يصب في بستان ابن عامر، وقيل في مكان غير ذلك. عجز هوازن: بفتح العين المهملة وضم الجيم وبالزاي: عجز الشئ: آخره، وهوازن: بفتح الهاء وكسر الزاي وبالنون. محالهم: بتشديد اللام المفتوحة جمع محلة وهي منزل القوم. النجدية: نسبة الى نجد وهو اسم للارض التي أعلاها تهامة واليمن وأسفلها العراق والشام. الجدر: بفتح الجيم وسكون الدال المهملة وبالراء: مسرح الغنم على ستة أميال من المدينة بناحية قباء. خثعم: بفتح الخاء المعجمة وسكون الثاء المثلثة وفتح العين. الجدب: بفتح الجيم وسكون الدال المهملة ضد الخصب. أصمد: بضم الميم: أقصد.

[ 131 ]

الباب السابع والثلاثون في سرية أمير المؤمنين ابي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه الى بني كلاب بنجد في شعبان سنة سبع. قال محمد بن عمر رحمه الله تعالى: حدثني احمد بن عبد الواحد، وقال ابن سعد: أخبرنا هاشم بن القاسم (الكناني) قال حدثنا عكرمة بن عمار (1) قال حدثنا اياس بن سلمة بن الاكوع عن أبيه قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وأمره علينا. قال حمزة: فسبينا هوازن، وقال هشام بن القاسم: فسب ناسا من المشركين فقتلناهم، فكان شعارنا: أمت أمت، قا ل: فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات من المشركين. ثم روى ابن سعد من الطريق السالفة عن سلمة القصة السابقة في السرية الى بني فزارة، وقتل أم قرفة بناحية وادي القرى، مع ذكره لها أولا، وتبعه على ذلك في العيون هنا، وشيخه الواقدي اقتصر على ما ذكرناه هنا عن سلمة فسلم من الوهم. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: كلاب: بكسر الكاف وتخفيف اللام. الشعار: بكسر الشين المعجمة وبالعين المهملة. أمت أمت: مرتين: أمر بالموت والمراد به التفاؤل بالنصر بعد الامر بالاماتة مع حصول الغرض للشعار فانهم جعلوا هذه الكلمة علامة يتعارفون بها لاجل ظلمة الليل.


(1) عكرمة بن عمار الحنفي العجلي أبو عمار اليمامي أحد الائمة. عن الهرماس بن زياد ثم عن عطاء وطاووس. وعنه شعبة والسفيانان، ويحيى القطان، وابن المبارك، وابن مهدي وخلق. وثقه ابن معين والعجلي، وتكلم البخاري وأحمد والنسائي في روايته عن يحيى بن أبي كثير، واحمد في اياس بن سلمة. مات سنة تسع وخمسين ومائة (قلت) روايته عن يحيى في (خ) معلقة. الخلاصة 2 / 239.

[ 132 ]

الباب الثامن والثلاثون في سرية بشير بن سعد رضي الله تعالى عنه الى بني مرة بفدك في شعبان سنة سبع قال محمد بن عمر، وابن سعد رحمهما الله تعالى: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشير بن سعد في ثلاثين رجلا الى بني مرة بفدك، فخرج يلقى رعاء الشاء فسأل عن الناس فقالو ا هم في بواديهم - والناس يومئذ شاتون لا يحضرون الماء - فاستاق النعم والشاء وانحدر الى المدينة، فخرج الصريخ فأخبرهم فأدركه الدهم منهم عند الليل، فباتوا يرامونهم بالنبل حتى فنيت نبل أصحاب بشير، واصبحوا فحمل المريون عليهم فأصابوا اصحاب بشير وولى منهم من ولى، وقاتل بشير قتالا شديدا حتى ارتث، وضرب كعبه فقيل قد مات، ورجعوا بن عمهم وشائهم، وكان أول من قدم بخبر السرية ومصابها علبة بن زيد الحارثي. واستمر بشير بن سعد في القتلى فلما أمسى تحامل حتى انتهى الى فدك فأقام عند يهود بها أياما حتى ارتفع من الجرا ح ثم رجع الى المدينة. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: بشير: بموحدة فشين معجمة فتحتية فراء وزن أمير. مرة: بضم الفاء والدال وبالكاف. فدك: بفتح الفاء والدال وبالكاف. البوادي: جمع بادية. الدهم: بفتح الدال المهملة وسكون الهاء وبالميم: العدد الكثير، وجمعه الدهوم بضم الدال. ارتث: بضم أوله وسكون الراء وضم الفوقية وبالمثلثة: حمل من المعركة وثيثا أي جريحا وبه رمق. علبة: بضم العين المهملة وسكون اللام وفتح الموحدة وتاء تأنيث.

[ 133 ]

الباب التاسع والثلاثون في سرية غالب بن عبد الله الليثي الى الميفعة في رمضان سنة سبع. روى ابن اسحاق عن يعقوب بن عتبة رحمه الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم قا ل له مولاه يسار: (يا نبي الله اني قد علمت غرة من بني عبد بن ثعلبة فأرسل معي إليهم). فأرسل معه غالبا في مائة وثلاثين رجلا. قال ابن سعد رحمه الله تعالى: قالوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله الى بني عوال، وبني عبد بن ثعلبة وهم بالميفعة وهي وراء بطن نخل الى النقرة قليلا بناحية نجد (بينها وبين المدينة ثمانية برد). بعثه في مائة وثلاثين رجلا، ودليلهم يسار مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهجموا عليهم جميعا، ووقعوا في وسط محالهم، فقتلو ا من أشرف لهم، واستاقوا نعما وشاء فحدروه الى المدينة ولم يأسروا أحد. تنبيهات الاول: ذكر ابن سعد وتبعه في العيون والمورد ان في هذه السرية قتل أسامة بن زيد ر ضي الله تعالى عنه نهيك بن مرداس الذي قال: (لا اله الا الله)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا شققت عن قلبه فتعلم أصادق هو أم كاذب ؟) (1) الخ وسيأتي الكلام على ذلك في سرية أسامة الى الحرقات. الثاني: خلط البيهقي وتبعه في البداية هذه السرية بالسرية الاتية بالباب (الثاني والاربعون) والصحيح انها غيرها. الثالث: في بيان غريب ما سبق: الميفعة: بميم مكسورة فتحتية ساكنة ففاء مفتوحة فعين مهملة فتاء تأنيث، قال في النور والقياس فيها فتح الميم: اسم موضع. يسار: بتحتية مفتوحة فسين مهملة. بنو عوال: بعين مهملة مضمومة فواو وبعد الالف لام. بنو عبد: بغير اضافة الى معبود. ثعلبة: بالثاء المثلثة. نخل: بفتح النون فخاء معجمة ساكنة فلام: مكان من نجد من أرض غطفان ولا يخالف ذلك قول نصر والحازمي انها بالحجاز. النقرة: بفتح النون وسكون القاف، وقيل بكسر القاف. وسط: بفتح السين المهملة وبسكونها. لم يأسروا: بكسر السين المهملة.


(1) أخرجه احمد في المسند 5 / 207 وابن سعد في الطبقات والطبري في التفسير 5 / 129. (*)

[ 134 ]

الباب الاربعون في سرية بشير بن سعد رضي الله تعالى عنه الى يمن وجبار في شوال سنة سبع قال ابن سعد رحمه الله تعالى: قالوا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جمعا من غطفان بالجناب قد واعدهم عيينة بن حصن الفزاري - أي قبل أن يسلم - ليكون معهم ليزحفوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشير بن سعد فعقدله لواء، وبعث معه ثلثمائة رجل، وخرج معه حسيل بن نويرة دليلا، فساروا الليل وكمنوا النهار حتى أتوا يمن وجبار، وهما نحو الجناب - والجناب: معارض سلاح - وخيبر ووادي القرى، فنزلوا سلاح ثم دنوا من القوم فأصابوا نعما كثيرا ونفر الرعاء فحذروا الجمع وتفرقوا ولحقوا بعليا بلادهم. وخرج بشير بن سعد في أصحابه حتى أتى محالهم، فيجدها وليس فيها أحد، فلقوا عينا لعيينة فقتلو ه، ثم لقوا جمع عيينة وهو لا يشعر بهم فناوشوهم، ثم انكشف جمع عيينة، وتبعهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا منهم رجلين فأسروهما ورجع الصحابة بالنعم وا لرجلين الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلما فأرسلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: بشير: بالموحدة والشين المعجمة وزن أمير. يمن: بفتح الياء آخر الحروف أو ضمها. ويقال أمن بفتح أوله أو ضمه وسكون الميم وبالنون. جبار: بفتح الجيم وبالموحدة والراء اسم موضع وصاحب القاموس يقتضي فتح الجيم. عيينة: بضم العين المهملة وكسرها فتحتية مفتوحة فأخرى ساكنة فنون فتاء تأنيث. حصن: بكسر الحاء وسكون الصاد المهملتين فنون. حسيل: بضم الحاء وفتح السين المهملتين وسكون التحتية وباللام، وقيل بالتكبير. نويرة: بضم النون وفتح الواو وسكون التحتية فراء فتاء تأنيث. سلاح: قال البكري: بكسر السين المهملة وبالحاء المهملة وتبعه في العيون وقال في القاموس كقطام فاقتضى فتح أوله. الرعاء: بكسر الراء.

[ 135 ]

عليا بلادهم: بضم العين المهملة وسكون اللام وبالقصر: نقيض السفلى. محالهم: بفتح الميم والحاء المهملة وكسر اللام المشددة جمع محلة وهي منزل القوم. العين: الجاسوس. ناوشهم: المناوشة في القتال تداني الفريقين وأخذ بعضهم بعضا. انكشف جمعهم: انهزم.

[ 136 ]

الباب الحادي والاربعون في سرية الاخرم بن أبي العوجاء السلمي رضي الله تعالى عنه الى بني سليم في ذي الحجة سنة سبع قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أبي العوجاء السلمي في خمسين رجلا الى بني سليم، فخرج إليهم وتقدمه عين لهم كان معه فحذرهم. فجمعوا له جمعا كثيرا فأتاهم ابن أبي العوجاء وهم معدون له، فدعاهم الى الاسلام. فقالوا: لا حاجة لنا الى ما دعوتنا. فتراموا بالنبل ساعة وجعلت الامداد تأتي حتى أحدقوا بهم من كل ناحية. فقاتل القوم قتالا شديدا حتى قتل عامتهم. وأصيب ابن أبي العوجاء جريحا مع القتلى، ثم تحامل حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم قدموا المدنية في اول يوم من صفر سنة ثمان. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الاخرم: بخاء معجمة فميم. ابن أبي العوجاء: كذا ذكر ابن اسحاق وابن سعد (باثبات لفظ ابن وهو الذي عزاه في الاصابة والتجريد للزهري) وأغرب الذهبي في الكنى فقال (أبو العوجاء) ونقله عن الزهري. سليم: بضم السين المهملة وفتح اللام. العين: هنا الجاسوس معدون: بضم الميم وكسر العين وضم الدال المشددة المهملتين. الامداد: الاعوان والانصار.

[ 137 ]

الباب الثاني والاربعون في سرية غالب بن عبد الله الليثي رضي الله تعالى عنه الى بني الملوح بالكديد في صفر سنة ثمان روى ابن اسحاق والامام احمد وأبو داود من طريق محمد بن عمر، وابن سعد رحمهم الله تعالى عن جندب بن مكيث الجهني رضي الله تعالى عنه، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبد الله الليثي، ليث كلب بن عوف في سرية كنت فيهم، وأمره أن يشن الغارة على بني الملوح بالكديد، وهم من بني ليث. قال: فخرجنا حتى إذا كنا بقديد لقينا الحارث بن البرصاء (الليثي) فأخذناه فقال: انما جئت أريد الاسلام وانما خرجت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا لن يضرك رباط يوم وليلة ان كنت تريد الاسلا م وان يكن غير ذلك فنستوثق منك. قال: فشددناه وثاقا وخلفنا عليه رويجلا منا أسود، يقال له سويد بن منحر، وقلنا ان نازعك فاحتز رأسه. ثم سرنا حتى أتينا الكديد عند غروب الشمس، فكمنا في نا حية الوادي، وبعثني اصحابي ربيئة لهم، فخرجت حتى أتيت تلا مشرفا على الحاضر يطلعني عليهم حتى إذا اسندت فيه وعلوت رأسه انبطحت - وفي رواية: فاضطجعت على بطني - قال: فوالله اني لانظر إذا خرج رجل منهم من خباء له، فقال لامرأته: اني ارى على هذا التل سوادا ما رأيته عليه صدر يومي هذا فانظري الى أوعيتك لا تكون الكلاب جرت منها شيئا. قال: فنظرت، فقالت: والله ما أفقد من أوعيتي شيئا. فقال لامرأته: ناوليني قوسي ونبلي. فناولته قوسه وسهمين معها، فأرسل سهما فوالله ما أخطأ به جنبي - ولفظ ابن اسحاق، وابن سعد: بين عيني - قال: فانتزعته وثبت مكاني. ثم رمى بالاخر فخالطني به - ولفظ ابن اسحاق، وابن سعد: فوضعه في منكبي - فانتزعته فوضعته وثبت في مكاني. فقال لامرأته: والله لو كان ربيئة لقد تحرك بعد، لقد خالطه سهمان لا أبا لك، فإذا أصبحت فابتغيهما لا تمضغهما الكلاب. قال: ثم دخل الخباء، وراحت ماشية الحي من ابلهم وأغنامهم، فلما احتلبوا وعطنو ا واطمأنوا فناموا شننا عليهم الغارة فقتلنا المقاتلة وسبينا الذرية واستقنا النعم والشاء فخرجنا نحدرها قبل المدينة حتى مررنا بابن البرصاء فاحتملناه واحتملنا صاحبنا وخرج صريخ القوم في قو مهم فجاءنا ما لا قبل لنا به، فجاءنا القوم حتى نظروا الينا ما بيننا وبينهم الا الواد ي وهم موجهون الينا إذا جاء الله تعالى بالوادي من حيث شاء بماء يملأ جنبتيه، وأيم الله ما ر أينا قبل ذلك سحابا ولا مطرا فجاء بما لا يستطيع أحد أن يجوزه، فلقد رأيتهم وقوفا ينظرون الينا وقد اسندناها في المشلل (نحدرها) وفي لفظ في المسيل - وفتناهم (فوتا) لا يقدرون فيه على طلبنا، ثم قدمنا

[ 138 ]

المدينة، وروى محمد بن عمر، عن حمزة بن عمرو الاسلمي قال: كنت معهم وكنا بضعة عشر رجلا وكان شعارنا: أمت أمت. تنبيهان الاول: نقل في البداية عن الواقدي انه ذكر هذه القصة باسناد آخر وقال فيه: وكان معه من الصحابة مائة وثلاثون رجلا. والواقدي ذكر ذلك في سرية لغالب غير هذه. الثاني: في بيان غريب ما سبق: الملوح: بميم مضمومة فلام مفتوحة فواو مشددة مكسورة. الكديد: بفتح الكاف وكسر الدال المهملة فتحتية ساكنة فدال مهملة. جندب: بضم الجيم وسكون النون وضم الدال المهملة وفتحها. مكيث: بميم فكاف فتحتية فثاء مثلثة وزن أمير. يشن: يفرق من كل وجه. الغارة: اسم من أغار ثم أطلقت الغارة على الخيل. لقينا: بسكون التحتية. الحارث: بالنصب مفعول لقينا. ابن البرصاء: اسم أبيه مالك. رويجلا: تصغير رجل. الربيئة: بفتح الراء وكسر الموحدة وسكون التحتية وفتح الهمزة وبتاء التأنيث. الحاضر: القوم النزول على ماء يقيمون به ولا يرحلون عنه (ويقال للمناهل المحاضر للاجتماع والحضور عليها) قال الخطابي: ربما جعلوا الحاضر اسما للمكان المحضور يقال نزلنا حاضر بني فلان فهو فاعل بمعنى مفعول. يطلعني: بضم أوله. اسندت: بفتح اوله وسكون السين المهملة وفتح النون وسكون الدال المهملة أي صعدت. الخباء: بكسر الخاء المعجمة وفتح الموحدة وبالمد، بيت من بيوت الاعراب. لا أبا لك: بكسر الكاف هنا، ويذكر للحث على الفعل تارة بمعنى جد في أمرك وشمر لان من له أب اتكل عليه في بعض شأنه، وللمدح تارة أي لا كافي لك غير نفسك، وقد يذكر

[ 139 ]

في معرض الذم (كما يقال لا أم لك) وقد يذكر في معرض التعجب ودفعا للعين كقولهم لله درك وقد تحذف اللام فيقال لا أباك بمعناه. تمضغهما: بضم الضاد المعجمة وفتحها. نحدرها: بضم الدال المعجمة. واحتملنا صاحبنا: هو الرويجل الاسود. أدركنا: بفتح الكاف والضمير في محل النصب. القوم: فاعل. بالوادي: أي بالسيل في الوادي. المشلل: بضم الميم وفتح الشين المعجمة وفتح اللام الاولى. المسيل: موضع سيل الماء. الشعار: العلامة. أمت أمت: تقدم الكلام عليها من سرية ابي بكر.

[ 140 ]

الباب الثالث والاربعون في سرية غالب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه الى مصاب أصحاب بشير بن سعد في صفر سنة ثمان. قال محمد عمر، وابن اسحاق في رواية يونس ومحمد بن سلمة رحمهم الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه ما حصل لبشير بن سعد واصحابه هيأ الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه وقال له: (سر حتى تنتهي الى مصاب اصحاب بشير بن سعد فان أظفرك الله بهم فلا تبق فيهم) (1) وهيأ معه مائتي رجل وعقد له لواء. فقدم غالب بن عبد الله الليثي من الكديد قد ظفره الله عليهم فقال صلى الله عليه وسلم للزبير: (اجلس) وبعث غالب بن عبد الله في مائتي رجل فيهم أسامة بن زيد، وعلبة بن زيد الحارثي وأبو مسعود عقبة بن عمرو، وكعب بن عجرة فلما دنا غالب منهم بعث الطلائع، فبعث علبة بن زيد في عشرة ينظرون الى محالهم، فأوفى على جماعة منهم ثم رجع الى غالب فأخبره الخبر. فأقبل غالب يسير حتى إذا كان منهم بنظر العين ليلا وقد عطنوا وهدأ وا وقام غالب فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: (أما بعد فاني أوصيكم بتقوى الله وحد ه لا شريك له وأن تطيعوني ولا تعصوني ولا تخالفوا لي أمرا فانه لا رأي لمن لا يطاع). ثم ألف بينهم فقال: (يا فلان أنت وفلان، يا فلان أنت وفلان لا يفارق رجل منكم زميله، واياكم ان يرجع الي رجل منكم، فأقول: أين صاحبك ؟ فيقول لا أدري فإذا كبرت فكبروا وجردوا السيوف. فلما أحاطوا بالحاضر كبر غالب فكبروا وجردوا السيوف فخرج الرجال فقاتلوا ساعة ووضع المسلمون فيهم السيف حيث شاءوا. وروى ابن سعد عن ابر اهيم بن حويصة بن مسعود عن أبيه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية مع غالب بن عبد الله الى بني مرة فأغرنا عليهم مع الصبح وقد أوعز الينا أميرنا ألا نفترق وواخى بيننا فقال: لا تعصوني فاني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني) وانكم متى ما عصيتموني فانما تعصون نبيكم. قال: فآخى بيني وبين ابي سعيد الخدري. قال: فأصبنا القوم وكان شعارهم أمت أمت. قال محمد بن عمر: وفي هذه السرية خرج أسامة بن زيد في اثر رجل منهم يقال له نهيك بن مرداس أو مرداس بن نهيك وهو الصواب، فأبعد وقوي المسلمون على الحاضر وقتلوا من قتلوا، واستاقوا نعما وشاء. وذكر ابن سعد ذلك في سرية غالب الى الميفعة. وتفقد


(1) أخرجه ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق 10 / 151. (*)

[ 141 ]

غالب بن اسامة بن زيد، فجاء أسامة بعد ساعة من الليل فلامه الامير لائمة شديدة وقا ل: ألم تر الى ما عهدت اليك ؟ فقال: خرجت في اثر رجل منهم يقال له نهيك جعل يتهكم بي حتى إ ذا دنوت منه قال: (لا اله الا الله). فقال الامير: (أأغمدت سيفك ؟) فقال: (لا والله ما فعلت حتى أوردته شعوب). فقال: بئس ما فعلت وما جئت به تقتل امرءا يقول لا اله الا الله. فندم اسامة وسقط في يده وساق المسلمون النعم والشاء والذرية، وكانت سهمانهم عشرة أبعرة لكل رجل أو عدلها من الغنم وكانوا يحسبون الجزور بعشرة من الغنم. تنبيهان الاول: كذا ذكر ابن اسحاق في رواية يونس ومحمد بن عمر، أن قتلة أسامة لمرداس كانت في هذه الغزوة وسيأتي الكلام على ذلك في سرية أسامة بن زيد الى الحرقات. الثاني: في بيان غريب ما سبق: مصاب: بضم الميم وبالصاد المهملة. بشير: بموحدة وشين معجمة كأمير. فدك: بفتح الفاء والدال المهملة. هيأ: بفتح الهاء التحتية المشددة وبالهمز. الكديد: بفتح الكاف وكسر الدال المهملة الاولى. عللة: بضم العين المهملة وسكون اللام وبالموحدة وتاء التأنيث. عقبة: بالقاف. عجرة: بضم العين المهملة وسكون الجيم وبالراء وتاء التأنيث. الطلائع: جمع طليعة من يبعث ليطلع طلع العدو للواحد والجمع. أوفى: أشرف. الزميل: بفتح الزاي وكسر الميم وسكون التحتية وباللام، وهو هنا الرفيق في السفر الذي يعينك على أمورك. الحاضر: تقدم في الباب الذي قبله. حويصة: بضم الحاء المهملة وفتح الواو وتخفيف التحتية ساكنة وتشديدها مكسورة وبالصاد المهملة. مرة: بضم الميم وفتح الراء المشددة. أوعز إليه: بفتح اوله وسكون الواو وفتح العين المهملة والزاي تقدم. أمت أمت: تقدم الكلام عليه في سرية ابي بكر رضي الله عنه.

[ 142 ]

الباب الرابع والاربعون في سرية شجاع بن وهب الاسدي رضي الله تعالى عنه الى بني عامر بالسي في ربيع الاول سنة ثمان روى محمد بن عمر رحمه الله تعالى عن عمر بن الحكم رحمه الله تعالى قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم شجاع بن وهب في أربعة وعشرين رجلا الى جمع من هوازن بالسي ناحية ركبة من وراء المعدن وهي من المدينة على خمس ليال، وأمره ان يغير عليهم فكان يسير الليل ويكمن النهار حتى صبحهم وهم غارون، وقد أوعز الى اصحابه ألا يمعنوا في الطلب، فأصابوا نعما كثيرا وشاء واستاقوا ذلك حتى قدموا المدينة (واقتسموا الغنيمة) فكانت سهمانهم خمسة عشر بعيرا لكل رجل وعدلوا البعير بعشر من الغنم، وغابت السرية خمس عشرة ليلة. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: شجاع: بضم الشين المعجمة. السي: بكسر السين المهملة ومد الهمزة. ركبة: بضم الراء وسكون الكاف وبالموحدة. المعدن: بفتح الميم وسكون العين وكسر الدال المهملتين وبالنون. غارون: بالغين المعجمة وبعد الالف راء مشددة مضمومة فنون: غافلون. أوعز: بفتح أوله وسكون الواو وفتح العين المهملة والزاي، تقدم. أمعن في طلب العدو: بالغ وأبعد.

[ 143 ]

الباب الخامس والاربعون في سرية كعب بن عمير الغفاري رضي الله تعالى عنه الى ذات أطلاح في شهر ربيع الاول سنة ثمان. قال محمد بن عمر حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن عمير الغفاري في خمسة عشر رجلا حتى انتهوا الى ذات أطلاح من أرض الشام، فوجدوا جمعا من جمعهم كثيرا فدعوهم الى الاسلام فلم يستجيبوا لهم، ورشقوهم بالنبل، فلما رأى ذلك اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلوهم أشد القتال حتى قتلوا، وأفلت منهم رجل جريح في القتلى فلما برد عليه الليل تحامل حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فشق ذلك عليه وهم بالبعث إليهم، فبلغه انهم قد ساروا الى موضع آخر فتركهم. قال محمد بن عمر حدثني ابن أبي سبرة عن الحرث بن فضيل قال: كان كعب بن عمير يكمن النهار ويسير الليل حتى دنا منهم فرآه صيدهم فأخذهم بعلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءوا إليهم على الخيول فقتلوهم. قال ابن عمر: قتلوهم بقضاعة. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: عمير: بعين مهملة مضمومة فميم مفتوحة فتحتية ساكنة فراء. الغفاري: بكسر الغين المعجمة وتخفيف الفاء. أطلاح: بفتح الهمزة وسكون الطاء وبالحاء المهملة وهو من وراء وادي القرى. محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن الزهري يروى عنه. قتلوا: بالبناء المفعول. أفلت: وتفلت وانفلت: أي تخلص ونجا.

[ 144 ]

الباب السادس والاربعون في سرية مؤتة وهي بأدنى البلقاء دون دمشق في جمادى الاولى سنة ثمان قال محمد بن عمر: حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه الى مؤتة في جمادى الاولى سنة ثمان واستعمل زيد بن حارثة، وقال: (ان أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس، فان أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس فان قتل فليرتض المسلمون منهم رجلا فليجعلوه عليهم) (1). قال محمد بن عمر رحمه الله عن عمر بن الحكم عن أبيه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صلى الظهر جلس، وجلس أصحابه حوله، وجاء النعمان بن مهض اليهودي فوقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (زيد بن حارثة أمير الناس فان قتل زيد فجعفر بن أبي طالب، فان أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة فان أصيب عبد الله بن رواحة فليرتض المسلمون رجلا منهم فليجعلوه عليهم). فقال النعمان بن مهض: (يا أبا القاسم ان كنت نبيا فسميت من سميت قليلا أو كثيرا أصيبوا جميعا لان أنبياء بني اسرائيل كانوا إذا استعملوا الرجل على القوم ثم قالوا ان أصيب فلان ففلان فلو سمى مائة أصيبوا جميعا) ثم ان اليهودي جعل يقول لزيد بن حارثة: (اعهد فانك لا ترجع الى محمد ان كان نبيا). قال زيد: (فاشهد انه رسول صادق بار). وعقد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء أبيض ودفعه الى زيد بن حارثة وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير وأن يدعوا من هناك الى الاسلام فان أجابوا والا استعينوا عليهم بالله تبارك وتعالى وقاتلوهم. ذكر طعن الصحابة في امارة زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه روى البخاري عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (بعث النبي صلى الله عليه وسلم بعثا وأمر عليهم اسامة بن زيد (2) فطعن (بعض) الناس في امارته، وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بعد ان حمد الله وأثنى عليه: (قد بلغني انكم قلتم في اسامة، ان تطعنوا في امارته فقد كنتم تطعنون في امارة أبيه من قبل، وأيم الله ان


(1) أخرجه البخاري 7 / 583 (4261). (2) (ع) اسامة بن زيد بن حارثة الكلبي أبو محمد وأبو زيد الامير حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه وابن حاضنته أم أيمن. له مائة وثمانية وعشرون حديثا، اتفقا على خمسة عشر وانفرد كل منهما بحديثين، وعنه ابن عباس وابراهيم بن سعد بن أبي وقاص وعروة وأبو وائل وكثيرون أمره النبي صلى الله عليه وسلم على جيش فيهم أبو بكر وعمر، وشهد مؤتة، قالت عائشة: من كان يحب الله ورسوله فليحب أسامة. توفي بوادي القرى، وقيل بالمدينة سنة أربع وخمسين عن خمس وسبعين سنة الخلاصة 1 / 66. (*)

[ 145 ]

كان لخليقا للامارة وان كان لمن أحب الناس الي وان هذا لمن أحب الناس الي بعده) (1). وروى الامام احمد والنسائي وابن حبان في صحيحه، والبيهقي عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش الامراء وقال: (عليكم زيد بن حارثة فان أصيب زيد فجعفر فأن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة) قال: فوثب جعفر رضي الله عنه وقال: (بأبي أنت وأمي) يا رسول الله ماكنت أرهب أن تستعمل علي زيدا) فقال: (امض فانك لا تدري أي ذلك خير) (2). ذكر مسير المسلمين ووداع رسول الله صلى الله عليه وسلم ووصيته اياهم قال عروة بن الزبير (3): (فتجهز الناس ثم تهيأوا للخروج وهم ثلاثة آلاف. فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا عليهم. فلما ودع عبد الله بن رواحة مع من ودع من أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى، فقالوا: (ما يبكيك يا ابن روا حة ؟) فقال: (أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ آية من كتاب الله عز وجل يذكر فيها النار: (وان منكم الا واردها كان على ربك حتما مقضيا) (مريم 71) فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود ؟) صحبكم الله ودفع عنكم وردكم الينا صالحين). فقال عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه: لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا أو طعنة بيدي حران مجهزة بحربة تنفذ الاحشاء والكبدا حتى يقال إذا مروا على جدثي يا أرشد الله من غاز وقد رشدا قال ابن اسحاق: ثم ان القوم تهيأوا للخروج فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله صلى الله عليه وسلم فودعه ثم قال: فثبت الله ما آتاك من حسن تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا اني تفرست فيك الخير نافله الله يعلم أني ثابت البصر أنت الرسول فمن يحرم نوافله والوجه منك فقد أزرى به القدر هكذا أنشد ابن هشام هذه الابيات وانشدها ابن اسحاق بلفظ فيه اقواء قال ابن


(1) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (4468). (2) أخرجه أحمد في المسنة 5 / 299 والبيهقي في الدلائل 4 / 367 وأبو نعيم في الحلية 9 / 26 وابن سعد في الطبقات 3 / 1 / 32. (3) عروة بن الزبير بن العوام الاسدي، أبو عبد الله المدني، احد الفقهاء السبعة، واحد علماء التابعين. (قال الزهري: عروة بحر لا تكدره الدلاء). قال ابن شؤذب: كان يقرأ كل ليلة ربع القرآن، ومات وهو صائم. الخلاصة 2 / 231. (*)

[ 146 ]

اسحاق: (ثم خرج القوم وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يشيعهم حتى إذا ودعهم وانصرف عنهم قال عبد الله بن رواحة رضي الله عنه: خلف السلام على امرئ ودعته في النخل خير مشيع وخليل وروى محمد بن عمر عن خالد بن يزيد رحمه الله تعالى قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيعا لاهل مؤتة حتى بلغ ثنية الوداع فوقف ووقفوا حوله فقال: (اغزوا باسم الله فقاتلوا عدو الله وعدوكم بالشام وستجدون رجالا في الصوامع معتزلين الناس فلا تعرضوا لهم وستجدو ن آخرين للشيطان في رؤوسهم مفاحص فافلقوها بالسيوف، لا تقتلن امرأة ولا صغيرا ضرعا ولا كبيرا فانيا ولا تقربن نخلا ولا تقطعن شجرا ولا تهدمن بيتا) (1). وروى محمد بن عمر (الواقدي) عن زيد بن ارقم (رفعه) ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أو صيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيرا، اغزوا باسم الله في سبيل الله من كفر بالله لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيتم عدوكم من المشركين فادعوهم الى احدى ثلاث فأيتهن ما أجابوكم ا ليها فاقبلوا منهم وكفوا عنهم الاذى ثم ادعوهم الى التحول من دارهم الى دار المهاجرين فان فعلوا فأخبروهم ان لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فان أبوا أن يتحولوا منها فاخبروهم انهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله (الذي يجري على المؤمنين) ولا يكون لهم في الغنيمة والفئ شئ الا أن يجاهدوا مع المسلمين فان هم أبوا فسلهم الجزية، فان فعلوا فاقبلوا منهم وكفوا عنهم فان هم أبوا فاستعينوا بالله عليهم وقاتلوهم وان حاصرتم أهل حصن أو مدينة فأرادوكم ان تجعلوا لهم ذمة الله وذمة رسوله فلا تجعلوا لهم ذمة الله ولا ذمة رسوله ولكن اجعلوا لهم ذمتكم وذمة آبائكم ان تخفروا ذممكم وذمم أ صحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله). وذكر نحو ما سبق. وروى محمد بن عمر عن عطاء بن مسلم (2) رحمه الله تعالى قال: (لما ودع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة قال ابن رواحة: يا رسول الله مر ني بشئ أحفظه عنك قال: (انك قادم غدا بلدا السجود فيه قليل فأكثر السجود) قال عبد الله بن رواحة: زد ني يا رسول الله. قال: (اذكر الله فانه عون لك على ما تطالب). فقام من عنده حتى إذا مضى ذاهبا رجع فقال: يارسول الله ان الله وتر يحب الوتر فقال: (يا ابن رواحة ما عجزت فلا تعجزن ان


(1) أخرجه البيهقي في السنن 9 / 69. (2) عطاء بن أبي مسلم مولى المهلب بن أبي صفرة أبو أيوب الخراساني نزيل الشام واحد الاعلام عن ابي الدرداء ومعاذ، وابن عباس مرسلا، وروى عن يحيى بن يعمر ونافع وعكرمة وعنه ابن جريج والاوزاعي، ومالك وشعبة وحماد بن سلمة قال عبد الرحمن بن يزيد: كان يحيى الليل. وثقه ابن معين وأبو حاتم. قال ابنه عثمان: مات سنة خمس وثلاثين ومائة، عن خمس وثمانين سنة. قاله أبو نعيم. الخلاصة 2 / 231. (*)

[ 147 ]

أسات عشرا أن تحسن واحدة) (1). قال ابن رواحة: لا أسألك عن شئ بعدها. ذكر رجوع عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه ليصلي الجمعة روى الامام احمد والترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الى مؤتة فاستعمل زيدا وذكر الحديث وفيه: فتخلف ابن رواحة فجمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رآه، فقا ل: (ما منعك ان تغدو مع أصحابك ؟) قال: أردت ان أصلي معك الجمعة ثم ألحقهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو أنفقت ما في الارض جمعيا ما أدركت غدوتهم). وفي لفظ: (لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها) (2). ذكر مسير المسلمين بعد وداع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن اسحاق، ومحمد بن عمر: ثم مضى الناس. قال محمد بن عمر: قالوا: كان ز يد بن أرقم يقول - وقال ابن اسحاق -: حدثني عبد الله بن أبي بكر انه حدث عن زيد بن أرقم قال: (كنت يتيما في حجر عبد الله بن رواحة فلم أر ولي يتيم كان خيرا منه فخرجنا الى مؤتة فكان يردفني خلفه على حقيبة رحله فوالله انه ليسير ليلة إذ سمعته وهو ينشد أبياته هذه: إذا أديتني وحملت رحلي مسيرة أربع بعد الحساء فشأنك أنعم وخلاك ذم ولا أرجع الى أهلي ورائي وآب المسلمون وغادروني بأرض الشام مشتهي الثواء وردك كل ذي نسب قريب الى الرحمن منقطع الاخاء هنالك لا أبالي طلع بعل ولا نخل أسافلها رواء قال: فلما سمعتهن منه بكيت فخفقني بالدرة وقال: (ما عليك يا لكع أن يرزقني ا لله الشهادة فأستريح من الدنيا ونصبها وهمومها وأحزانها وترجع بين شعبتي الرحل). زا د ابن اسحاق: قال ثم قال عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه في بعض شعره وهو يرتجز: يا زيد زيد اليعملات الذبل تطاول الليل هديت فانزل زاد محمد بن عمر: ثم نزل من الليل، ثم صلى ركعتين ودعا فيهما دعاء طويلا ثم قال: يا غلام. قلت: لبيك. قال: هي ان شاء الله الشهادة. قالوا: ولما فصل المسلمون من المدينة سمع العدو بمسيرهم فتجمعوا لهم وقام فيهم شرحبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف،


(1) ذكره السيوطي في الدر 3 / 189 وعزاه لابن عساكر. (2) أخرجه الترمذي (527) وأحمد في المسند 1 / 224 وابن عساكر في تهذيب تاريخ د مشق 7 / 393. (*)

[ 148 ]

وقدم الطلائع أمامه. فلما نزل المسلمون وادي القرى بعث أخاه سدوس بن عمرو في خمسين من المشركين فاقتتلوا وانكشف اصحاب سدوس وقد قتل، فشخص أخوه. ومضى المسلمون حتى نزلوا معان من أرض الشام أ وبلغ الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء فيى مائة ألف من الروم وانضم إليهم مائة ألف أخرى من لخم وجذام وقبائل قضاعة من بلقين وبهراء وبلي عليهم رجل من بلي ثم أحد اراشة يقال له مالك بن رافلة. فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم، وقالوا نكتب ا لى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره بكثرة عدونا فاما أن يمدنا بالرجال واما أن يأمرنا بأمر فنمضي له. فشجع الناس عبد الله بن رواحة فقال: (يا قوم والله ان التي تكرهون للتي خرجتم تطلبو ن الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة وما نقاتلهم الا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فانما هي احدى الحسنيين اما ظهور واما شهادة وليست بشر المنزلتين). فقال الناس: صد ق والله ابن رواحة. فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف، ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون الى قرية يقال لها مؤتة، فالتقى الناس عندها. فتعبأ لهم المسلمون. وروى أبو يعقوب اسحاق بن ابراهيم، ومحمد بن القراب في تاريخه عن برذع بن زيد قال: قدم علينا وفد رسول الله صلى الله عليه وسلم الى مؤتة وعليهم زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، وخرج معهم منا عشرة الى مؤتة يقاتلون معهم. قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاهم أن يأتوا فركبت القوم ضبابة فلم يبصروا حتى أصبحوا على مؤتة. وروى محمد بن عمر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (شهدت مؤتة فلما دنا العدو منا رأينا مالا قبل لاحد به من العدد والعدد والسلاح والكراع والديباج والحرير والذهب فبرق بصري فقال لي ثابت بن أقرم: (يا أبا هريرة كأنك ترى جموعا كثيرة). قلت: نعم. قال: انك لم تشهد معنا بدرا، انا لم ننصر بالكثرة. قال ابن اسحاق: وتعبأ المسلمون للمشركين، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من عذرة يقال له قطبة بن قتادة، وعلى مسيرتهم رجلا من الانصار يقال له عباية بن مالك - (قال ابن هشام) -: ويقال له عبادة بن مالك. ذكر التحام القتال قال ابن عقبة، وابن اسحاق، ومحمد بن عمر: ثم التقى الناس واقتتلوا قتالا شديدا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاط في رماح القوم. ثم أخذها جعفر بن أبي طالب فقاتل بها حتى إذا ألحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعرقبها ثم قاتل القوم حتى قتل فكان جعفر أول رجل من المسلمين عرقب فرسا له في سبيل الله.

[ 149 ]

وروى ابن اسحاق عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: حدثني ابي الذي أرضعني وكان أحد بني مرة بن عوف، وكان في غزوة مؤتة قال: والله لكأني انظر الى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها ثم قاتل حتى قتل وهو يقول: ياحبذا الجنة واقترابها طيبة وباردا شرابها والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها علي إذ لاقيتها ضرابها وهذا الحديث رواه أبو داود من طريق ابن اسحاق ولم يذكر الشعر، وفي حديث أبي عامر رضي الله تعالى عنه عند ابن سعد أن جعفرا رضي الله تعالى عنه لبس السلاح ثم حمل على القوم حتى إذ هم أن يخالطهم رجع فوحش بالسلاح ثم حمل على العدو وطاعن حتى قتل. قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل العلم ان جعفر بن أبي طالب أخذ الواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت فاحتضنه بعضديه حتى قتل رضي الله تعالى عنه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء. ويقال: ان رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه نصفين. وروى البخاري والبيهقي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى ووجدنا في جسده بضعا وستين من طعنة ورمية، وفي رواية عنه قال: (وقفت على جعفر بن أبي طالب يومئذ وهو قتيل فعددت به خمسين من طعنة وضربة ليس منها شئ في دبره). ذكر مقتل عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه روى ابن اسحاق (يحيى بن) عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه الذي أرضعه قال: فلما قتل جعفر أخذ الراية عبد الله بن رواحة، ثم تقدم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد ثم قال: أقسمت يا نفس لتنزلنه طائعة أو لتكرهنه ان أجلب الناس وشدوا الرنة مالي أراك تكرهين الجنة قد طال ما قد كنت مطمئنة هل أنت الا نطفة في شنة وقال أيضا رضي الله تعالى عنه: يا نفس الا تقتلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت وما تمنيت فقد أعطيت ان تفعلي فعلهما هديت

[ 150 ]

يريد صاحبيه زيدا وجعفرا، ثم نزل. فلما نزل أتاه ابن عمر له بعرق من لحم فقال: (شد بهذا صلبك فانك لقيت في أيامك هذه ما لقيت). فأخذه من يده، ثم انتهس منه نهسة ثم سمع الحطمة في ناحية الناس فقال: وأنت في الدنيا ؟ ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه، ثم تقدم فقاتل حتى قتل رضي الله تعالى عنه، ووقع اللواء من يده فاختلط المسلمون والمشركو ن وانهزم بعض الناس، فجعل قطبة بن عامر يصيح: يا قوم يقتل الرجل مقبلا أحسن من أن يقتل مدبرا. قال سعيد بن أبي هلال رحمه الله تعالى: وبلغني ان زيدا وجعفرا وعبد الله بن رواحة ذفنوا في حفرة واحدة. وفي حديث ابي عامر رضي الله تعالى عنه عند ابن سعد ان عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه لما قتل (انهزم المسلمون أسوأ هزيمة رأيتها قط حتى لم أر اثنين جميعا. ثم أخذ اللواء رجل من الانصار ثم سعى به حتى إذا كان أمام الناس ركزه ثم قال: الي أيها الناس. فاجتمع إليه الناس حتى إذا كثروا مشى باللواء الى خالد بن الوليد. فقال له خالد: لا آخذه منك أنت أحق به، فقال الانصاري والله ما أخذته الا لك). ذكر تأمير المسلمين خالد بن الولية بعد قتل امراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهزمه المشركين، واعلام الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتح قال ابن اسحاق: ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم. فقالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد. وروى الطبراني عن ابي اليسر الانصاري رضي الله تعالى عنه قال: أنا دفعت الراية ا لى ثابت بن أقرم لما أصيب عبد الله بن رواحة فدفعت الى خالد. وقال (له ثابت بن أقرم): أنت أعلم بالقتال مني. قال ابن اسحاق: (فلما أخذ الراية خالد بن الوليد دافع القوم وحاشى بهم ثم انحاز وانحيز عنه وانصرف الناس). هكذا ذكر ابن اسحاق انه لم يكن الا المحاشاة والتخلص من أيدي الروم الذين كانوا مع من انضم إليهم أكثر من مائتي ألف والمسلمون ثلاثة آلاف. ووافق ابن اسحاق على ذلك شرذمة. وعلى هذا سمي هذا نصرا وفتحا باعتبار ما كانوا فيه من احاطة العدو وتراكمهم وتكاثرهم عليهم وكان مقتضى العادة أن يقتلوا بالكلية وهو محتمل لكنه خلاف الظاهر من قوله صلى الله عليه وسلم: (حتى فتح الله عليكم) (1). والاكثرون على ان خالدا ومن معه رضي الله تعالى عنهم قاتلوا المشركين حتى هزموهم. ففي حديث ابي عامر عند ابن سعد ان خالدا لما أخذ


(1) أخرجه البخاري 7 / 585 (4262). (*)

[ 151 ]

اللواء (حمل على القوم فهزمهم الله أسوأ هزيمة رأيتها قط. حتى وضع المسلمون أسيافهم حين شاءوا). وروى الطبراني برجال ثقات عن موسى بن عقبة قال: ثم اصطلح المسلمون بعد أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم على خالد بن الوليد المخزومي فهزم الله تعالى العدو وأظهر المسلمين. وروى محمد بن عمر الاسلمي عن عطاف بن خالد لما قتل ابن رواحة مساء بات خالد بن الوليد، فلما أصبح غدا وقد جعل مقدمته ساقته وساقته مقدمته وميمنته ميسرة وميسرته ميمنة، فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيأتهم وقالوا قد جاءهم مدد فرعبوا وانكشفوا منهزمين. قال: فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم. وذكر ابن عائذ في مغازيه نحوه. وروى محمد بن عمر عن الحارث بن الفضل رحمه الله تعالى: لما أخذ خالد بن الوليد الراية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الان حمي الوطيس) (1). وروى القرا ب في تاريخه عن برذع بن زيد رضي الله تعالى عنه قال: اقتتل المسلمون مع المشركين سبعة أيام. وروى الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما وهذا الذي ذكره أبو عامر والزهري، وعروة، وابن عقبة، وعطاف بن خالد، وابن عائذ وغيرهم هو ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أنس: (ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه) (2). وفي حديث ابي قتادة رضي الله تعالى عنه مرفوعا كما سيأتي. ثم أخذ خالد بن الوليد اللواء ولم يكن من الامراء، هو أمر نفسه. ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبعه، ثم قال: (اللهم انه سيف من سيوفك فانصره) (3). فمن يومئذ سمي خالد بن الوليد (سيف الله)، رواه الامام احمد بر جال ثقات ويزيده قوة ويشهد له بالصحة ما رواه الامام احمد، ومسلم، وأبو داود، والبرقاني عن عوف بن مالك الاشجعي رضي الله تعالى عنه قال: (خرجت (مع من خرج) مع زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنهما في غزوة مؤتة ورافقني مددي من المسلمين من اليمن، ليس معه غير سيفه. فنحر رجل من المسلمين جزورا فسأله المددي طائفة من جلد، فأعطاه اياه فاتخذه كهيئة الد رقة، ومضينا ولقينا جموع الروم فيهم رجل على فرس له أشقر، عليه سرج مذهب وسلاح مذهب، فجعل الرومي يغزو المسلمين، فقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرمي فعرقب فرسه بسيفه وخر الرومي فعلاه بسفه فقلته وحاز سلاحه وفرسه. فلما فتح الله تعالى على المسلمين بعث خالد بن الوليد فأخذ منه بعض السلب. قال عوف: فأتيت خالدا وقلت له: أما


(1) أخرجه مسلم 3 / 1398 كتاب الجهاد (76 - 1775) من حديث عباس واحمد في المسند 1 / 207 وعبد الرزاق (9741). (2) أخرجه البخاري (4262). (3) أخرجه البيهقي في الدلائل 4 / 368 وابن أبي شيبة في المصنف 14 / 513. (*)

[ 152 ]

علمت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل ؟ قال: بلى ولكني استكثرته. فقلت لتردنه أو لاعرفنكها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأبى أن يرد عليه. قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقصصت عليه قصة المددي وما فعل خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما صنعت ؟) قال: استكثرته. قال: (رد عليه ما أخذت منه). قال عوف: دونكما يا خالد ألم أف لك ؟ (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وما ذاك ؟) فأخبرته). فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (يا خالد لا ترد عليه هل أنتم تاركون أمرائي لكم صفوة أمرهم وعليهم كدره) (1) ذكر بعض ما غنمه المسلمون يوم مؤتة روى محمد بن عمر، والحاكم في الاكليل عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: أصيب بمؤتة ناس من المسلمين، وغنم المسلمون بعض أمتعة المشركين، وكان فيما غنموا خاتم جاء به رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قتلت صاحبه يومئذ فنفلنيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتقدم حديث عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه. وروى محمد بن عمر، عن خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: (حضرت مؤتة فبارزني رجل منهم يومئذ فأصبته وعليه بيضة له فيها ياقوتة، فلم تكن همتي الا الياقوتة، فأخذتها. فلما رجعنا الى المدينة أتيت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنفلنيها، فبعتها زمن عثمان بمائة دينار فاشتريت بها حديقة نخل). قال في البداية: (وهذ ا يقتضي أنهم غنموا منهم وسلبوا من أشرافهم وقتلوا من امرائهم). وروى البخاري عن خالد رضي الله تعالى عنه قال: (لقد اندقت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف وما ثبت في يدي الا صفيحة يمانية) (2) وهذا يقتضي أنهم اثخنوا فيهم قتلا ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم - إذ كان المسلمون ثلاثة آلاف والمشركون اكثر من مائتي ألف - وهذا وحده دليل مستقل والله أ علم. وقد ذكر ابن اسحاق ان قطبة بن قتادة العذري الذي كان على ميمنة المسلمين حمل على مالك بن رافلة ويقال ابن رافلة، وهو أمير أعراب النصارى، فقتله، وقال قط بة يفتخر بذلك: طعنت ابن رافلة ابن الاراش برمح مضى فيه ثم انحطم ضربت على جيده ضربة فمال كما مال غصن السلم وسقنا نساء بني عمه غداة رقوقين سوق النعم وهذا يؤيد ما نحن فيه لان من عادة أمير الجيش إذا قتل أن يفر أصحابه، ثم انه صرح في شعره بأنهم سبوا من نسائهم، وهذا واضح فيما ذكرناه. وروى الامام أحمد وابن ماجه عن


(1) أخرجه مسلم 3 / 1473 كتاب الجهاد (43 - 1753). (2) أخرجه البخاري 7 / 588 كتاب المغازي (4265). (*)

[ 153 ]

أسماء بنت عميس رضي الله تعالى عنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أصيب جعفر وأصحابه فقال: (ايئتني ببني جعفر). فأتيته بهم فشمهم وذرفت عيناه، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما يبكيك ؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شئ ؟ قال: (نعم أصيبوا هذا اليوم). قالت: فقمت أصيح واجتمع الي النساء وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أهله فقال: (لا تغفلوا عن آل جعفر أن تصنعوا لهم طعاما فانهم قد شغلوا بأمر صاحبهم). وروى البخاري والبيهقي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس يوم أصيبوا قبل أن يأتيه خبرهم فقال: (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله عليهم (1). وروى النسائي والبيهقي عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش الامراء فانطلقوا فلبثوا ما شاء الله، فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنودي: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس ا لى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أخبركم عن جيشكم هذا. انهم انطلقوا فلقوا العدو زيد شهيدا، فاستغفر له ثم أخذ اللواء جعفر فشد على القوم حتى قتل شهيدا، فاستغفر له، ثم أخذه خالد بن الوليد، ولم يكن من الامراء، هو أمر نفسه). ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم انه سيف من سيوفك فأنت تنصره). فمن يومئذ سمي خالد: (سيف الله). وروى البيهقي عن ابن عقبة رحمه الله تعالى قال: (قدم يعلى بن أمية رضي الله تعا لى عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخبر أهل مؤتة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وان شئت أخبرني وان شئت أخبرك، بخبرهم). قال: بل أخبرني يا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأخبره ر سول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم كله فقال: (والذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا واحدا لم تذكره وان أمرهم لكما ذكرت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان الله عز وجل رفع لي الارض حتى رأيت معتركهم ورأيتهم في المنام على سرر من ذهب فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري صا حبيه فقلت: عم هذا ؟ فقيل لي: مضيا وتردد بعض التردد ثم مضى) (2). وروى عبد الرز اق عن ابن المسيب رحمه الله تعالى مرسلا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل جعفر وزيد وابن رواحة في خيمة من در، فرأيت زيدا، وابن رواحة في أعناقهما صدودا، ورأيت جعفرا مستقيما ليس فيه صدود، فسألت أو قيل لي انهما حين غشيهما الموت اعترضا أو كأنهما صدا بوجهيهما، وأما


(1) أخرجه البخاري 2 / 92 واحمد في المسند 3 / 113 والبيهقي في السنن 8 / 154 والحاكم في المستدرك 3 / 42 وابن سعد في الطبقات 4 / 1 / 25. (2) انظر البداية والنهاية 4 / 247. (*)

[ 154 ]

جعفر فانه لم يفعل وان الله تعالى أبدله جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء). وروى البخاري والنسائي عن عامر الشعبي قال: (كان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا حيا عبد الله بن جعفر قال: السلام عليك يا ابن ذي الجناحين) (1). قال ابن اسحاق: (ولما أصيب القوم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما بلغني -: (أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا). قال: ثم صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تغيرت وجوه الانصار وظنوا انه قد كان في عبد الله بن رواحة بعض ما يكرهون ثم قال: (ثم أخذهاعبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا)، ثم قال: (لقد رفعوا الي في الجنة فيما ير ى النائم على سرر من ذهب). فذكر مثل ما سبق. وروى ابن سعد عن أبي عامر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه مصاب أصحابه شق ذلك عليه فصلى الظهر ثم دخل وكان إذا صلى الظهر قام فركع ركعتين ثم أقبل بوجهه على القوم، فشق ذلك على الناس، ثم صلى ا لعصر ففعل مثل ذلك، (ثم صلى المغرب ففعل مثل ذلك) ثم صلى العتمة ففعل مثل ذلك حتى إذا كان صلاة الصبح دخل المسجد ثم تبسم، وكان تلك الساعة لا يقوم إليه انسان من ناحية المسجد حتى يصلي الغداة. فقال له القوم (حين تبسم): (يا نبي الله بأنفسنا أنت لا يعلم الا الله ما كان بنا من الوجد منذ رأينا منك الذي رأينا). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كان الذي رأيتم مني انه أحزنني قتل أصحابي حتى رأيتهم في الجنة اخوانا على سرر متقابلين، ورأيت في بعضهم اعراضا كأنه كره السيف ورأيت جعفرا ملكا ذا جناحين مضرجا بالدماء مصبوغ القوادم) (2). وروى الحكيم الترمذي في الثالث والعشرين بعد المائة من فوائده عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: بعثني خالد بن الوليد بشيرا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم مؤتة. ذكر من استشهد بمؤتة من المسلمين رضي الله تعالى عنهم جعفر بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وعبد الله بن رواحة، ومسعود بن الاسود بن حارثة (بن نضلة)، ووهب بن سعد بن أبي سرح، وعباد بن قيس - عباد بفتح المهملة وتشديد الموحدة، ويقال عبادة بضم أوله وتخفيف الموحدة وزيادة تاء التأنيث - والحارث بن النعمان (بن اساف بن نضلة)، وسراقة بن عمرو بن عطية (بن خنساء) وزاد بن هشام نقلا عن ابن شهاب الزهري: أبا كليب - أو كلاب بكسر الكاف وتخفيف اللام - ابن عمرو بن زيد، وأخاه جابر بن عمرو بن زيد، وعمرو، وعامر ابنا سعد ابن الحارث (بن عباد بن سعد) وز اد الكلبي


(1) أخرجه البخاري 7 / 94 (3709). (2) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 99. (*)

[ 155 ]

والبلاذري: هوبجة بن بجير بن عامر الضبي - هوبجة بفتح الهاء وسكون الواو وفتح الموحدة وبالجيم وتاء التأنيث، وبجير: بضم الموحدة وفتح الجيم وسكون التحتية وبالراء، والضبي بفتح الضاد المعجمة وتشديد الموحدة - ولما قتل فقد جسده، ولا ذكر لهوبجة فيما وقفت عليه من نسخ الاصابة للحافظ ولا للقاموس مع ذكر الذهبي له في التجريد وان له وفادة وهجر ة. وزاد ابن سعد، والعدوي، وابن جرير الطبري: زيد بن عبيد بن المعلى الانصاري. وز اد ابن اسحاق كما في الاصابة، وجزم بن في الزهر: عبد الله بن سعيد بن العاص بن أمية قا ل ابن الاثير: قتل باليمامة في الاكثر، وقال الذهبي الاصح ببدر وقيل باليمامة وقيل بمؤتة. وزاد ابن الكلبي، وابن سعد، والزبير بن بكار: هبار بن سفيان بن عبد الاسد المخزومي، وقا ل عروة، وابن شهاب الزهري وابن اسحاق وابن سعد استشهد بأجنادين، وقال سيف بن عمر: استشهد باليرموك. وزاد ابن عقبة: عبد الله بن الربيع الانصاري، ومعاذ بن ماعص - بالعين والصاد المهملتين، ووقع في نسخة من مغازي موسى بن عقبة أن الذي استشهد بمؤتة أخوه عباد. وقال في البداية بعد ان ذكر جميع من قتل بمؤتة من المسلمين: ((فالمجموع على القولين) اثنا عشر رجلا، وهذا عظيم جدا أن يتقاتل جيشان متعاديان في الدين أحدهما وهو الفئة التي تقاتل في سبيل الله عدتها ثلاثة آلاف، واخرى كافرة عدتها مائتا ألف مقاتل: من الروم مائة ألف، ومن نصارى العرب مائة ألف، يتبارزون ويتصاولون، ثم مع هذا كله لا يقتل من المسلمين سوى اثني عشر رجلا وقتل من المشركين خلق كثير هذا خالد وحده يقول: (لقد اندقت في يدي يومئذ تسعة أسياف وما صبرت في يدي الا صفيحة يمانية). فما ذا ترى قد قتل بهذه الاسياف كلها ؟ دع غيره من الابطال والشجعان من حملة القرآن وهذا مما يدخل في قوله تعالى: (قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء ان في ذلك لعبرة لاولي الابصار (آل عمران 13). ذكر رجوع المسلمين الى المدينة وتلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين لهم قال ابن عائذ رحمه الله تعالى: وقفل المسلمون فمروا في طريقهم بقرية لها حصن كان (أهلها) قتلوا في ذهاب المسلمين رجلا من المسلمين فحاصروهم حتى فتحه الله عليهم عنوة وقتل خالد مقاتليهم. وروى اسحاق عن عروة قال: لما أقبل اصحاب مؤتة تلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه. قال: وجعل الناس يحثون على الجيش التراب ويقولون: يا

[ 156 ]

فرار فررتم في سبيل الله. قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار ان شاء الله تعالى) (1). وروى الامام احمد، وأبو داود، وابن ماجة عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (كنت في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاص الناس وكنت فيمن حاص. وفي رواية: فلما لقينا العدو في أول غادية فأردنا ان نركب البحر فقلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف ؟ ثم قلنا لو دخلنا المدينة (قتلنا)، فقدمنا المدينة في نفر ليلا فاختفينا. ثم قلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرنا إليه، فان كانت لنا توبة والا ذهبنا. فأتيناه قبل صلاة الغداة فخرج فقال: (من القوم ؟). قلنا نحن الفرارون، قال: (بل أنتم الكرارون وأنا فئتكم).. أو قال: (وأنا فئة كل مسلم). قال: فقبلنا يده (2). وروى ابن اسحاق عن أم سلمة (زوج النبي صلى الله عليه وسلم) رضي الله تعالى عنها انها قالت لامرأة سلمة بن هشام بن العاص بن المغيرة: مالي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع المسلمين ؟ قالت: والله ما يستطيع أن يخرج كلما خرج صاح به الناس: يا فرار فررتم في سبيل الله، حتى قعد في بيته فما يخرج، وكان في غزوة مؤتة. وعن خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: (حضرت مؤتة وبرز لي رجل منهم فأصبته وعليه بيضة فيها ياقوتة فلم يكن همي الا الياقوتة فأخذتها. فلما انكشفنا ر جعنا الى المدينة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فنفلنيها، فبعتها زمن عثمان بمائة دينار فاشتريت بها حديقة نخل). رواه البيهقي. قال في البداية: لعل طائفة منهم فروا لما عاينوا كثرة جموع العدو على ما ذكروه مائتي ألف، وكان المسلمون ثلاثة آلاف، ومثل هذه يسوغ الفرار، فلما فر هؤلاء ثبت باقيهم وفتح الله عليهم وتخلصوا من أيدي اولئك وقتلوا منهم مقتلة عظيمة كما ذكره الزهري وموسى بن عقبة والعطاف بن خالد، وابن عائذ، وحديث عوف بن مالك السابق يقتضي أنهم غنموا منهم وسلبوا من أشرافهم وقتلوا من أمرائهم وقد تقدم فيما رواه البخاري أن خالدا ر ضي الله تعالى عنه قال: (اندقت في يدي تسعة أسياف الخ) يقتضي أنهم أثخنوا فيهم قتلا ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم وهذا وحده دليل مستقل.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 1 / 93. (2) أخرجه أبو داود 2 / 52 (2647). والترمذي 4 / 186 (1716). واحمد في المسند 2 / 111 والبيهقي في السنن 9 / 78 وأبو نعيم في الحلية 9 / 57. (*)

[ 157 ]

تنبيهات الاول: مؤتة: بضم الميم وسكون الواو وبغير همز لاكثر رواة الصحيح وبه جزم المبرد، ومنهم من همز وبه جزم ثعلب، والجوهري، وابن فارس، وحكى صاحب الوافي الوجهين. وأما الموتة التي وردت الاستعاذة منها وفسرت بالجنون فهي بغير همز والاولى قرية من قرى البلقاء وهي كورة من أعمال دمشق. الثاني: المعروف بين أهل المغازي أن مسيرة مؤتة كانت سنة ثمان لا يختلفون في ذلك الا ما ذكر خليفة بن خياط - بالخاء المعجمة وتشديد التحتية - في تاريخه أنها سنة سبع. الثالث: وقع في جامع الترمذي في الاستئذان وفي الادب في باب ما جاء في انشاد الشعر ان غزوة مؤتة كانت قبل عمرة القضاء، قال في النور: وهذا غلط لا شك فيه. قلت: وتقدم بيان ذلك مبسوطا في عمرة القضاء. الرابع: عقر جعفر رضي الله تعالى عنه فرسه، رواه أبو داود من طريق محمد بن سلمة عن ابن اسحاق قال عن يحيى بن عباد عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير قال حدثني أبي الذي أرضعني فذكره وقال: ليس هذا الحديث بالقوي. وقد جاء نهي كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (عن تعذيب البهائم وقتلها عبثا) كذا قال أبو داو د: انه ليس بقوي وابن اسحاق حسن الحديث وقد صرح بالتحديث في رواية زياد البكائي فقال: حدثني يحيى بن عباد، ويحيى وأبوه ثقتان، وجهالة اسم الصحابي لا تضر، ورواه أيضا عن ابن اسحاق عبد الله بن ادريس الاودي كما في مستدرك الحاكم فسند الحديث قوي. وانما عقره لئلا يظفر به العدو، فرخص فيه مالك وكره ذلك الاوزاعي والشافعي، واحتج الشافعي بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (من قتل عصفورا فما فوقه بغير حقه يسأله الله تعالى عن قتله). واحتج بنهيه صلى الله عليه وسلم عن قتل الحيوان الا لمأكلة. قال: وأما أن يعقر الفرس من المشركين فله ذلك لان ذلك أمر يجد به السبيل الى قتل من أمر بقتله. الخامس: في رواية سعيد بن أبي هلال كما في الصحيح عن أبي معشر كما في سنن سعيد بن منصور عن نافع عن ابن عمر انه أخبره (انه وقف على جعفر يومئذ وهو قتيل فعددت به خمسين بين طعنة وضربة ليس منها - أو قال فيها - شئ في دبره). وفي رواية عبد الله بن سعيد بن أبي هند الفزاري كما في الصحيح والعمري كما عند

[ 158 ]

ابن سعد عن نافع عن ابن عمر قال: (التمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى في جسده بضع وتسعون من طعنة ورمية). فظهر ذلك التخالف، قال الحافظ: ويجمع بأن العدد قد لا يكون له مفهوم أو بأن الزيادة باعتبار ما وجد فيه من رمي السهام فان ذلك لم يذكر في الرواية الاولى أو الخمسين مقيدة بكونها ليس فيها شئ في دبره أي ظهره، فقد يكون الباقي في بقية جسده، ولا يستلزم ذلك أنه ولى دبره، وانما هو محمول على ان الرمي جاءه من جهة قفاه أو جانبيه، ولكن يريد الاول ان في رواية العمري عن نافع: فوجدنا ذلك فيما أقبل من جسده بعد أن ذكر العدد بضعا وتسعين. ووقع في رواية البيهقي في الدلائل بضع وسبعون - بتقديم السين على الموحدة - وأشار أن بضعا وتسعين بتقديم الفوقية على السين أثبت. السادس: قوله: (فأثابه الله تعالى جناحين في الجنة يطير بهما حيث شاء). أي عوضه الله تعالى جناحين عن قطع يديه في تلك الوقعة حيث أخذ اللواء بيمينه فقطعت، ثم أخذه بشماله فقطعت ثم احتضنه فقتل. وروى البيهقي أحد رواة الصحيح عن البخاري انه قال: يقال لكل ذي ناحيتين جناحان، أشار بذلك الى أن الجناحين ليس على ظاهرهما. وقال السهيلي: ((ومما ينبغي الوقوف عليه في معنى الجناحين انهما) ليسا كما يسبق الى الوهم على مثل جناحي الطائر وريشه، لان الصورة الادمية أشرف الصور وأكملها... فالمراد بالجناحين صفة ملكية وقوة روحانية أعطيها جعفر (كما أعطيتها الملائكة) وقد عبر القرآن عن العضد بالجناح توسعا في قوله تعالى: (وضمم يدك الى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى) (طه 22) وقال العلماء في أجنحة الملائكة انها ليست كما يتوهم من أجنحة الطير ولكنها صفات ملكية لا تفهم الا بالمعاينة. فقد ثبت ان لجبريل ستمائة جناح ولا يعد للطائر ثلاثة أجنحة فضلا عن أكثر من ذلك، وإذا لم يثبت خبر في بيان كيفيتها فيؤمن بها من غير بحث عن حقيقتها). انتهى. قال الحافظ: (وهذا الذي جزم به في مقام المنع والذي نقله عن العلماء ليس صريحا في الدلالة على ما ادعاه ولا مانع من الحمل على الظاهر الا من جهة ما ذكره من المعهو د وهو من قياس الغائب على الشاهد وهو ضعيف وكون الصورة البشرية أشرف الصور لا يمنع من حمل الخبر على ظاهره لان الصورة باقية)، وقد روى البيهقي في الدلائل من مرسل عاصم بن عمر بن قتادة الانصاري ان جناحي جعفر من ياقوت وجاء في جناحي جبريل انهما من لؤلؤ، أخرجه ابن منده في ترجمة ورقة بن نوفل من كتاب المعرفة. السابع: أكثر الاثار تدل على ان المسلمين هزموا المشركين، وفي بعضها ان خالدا انحاز بالمسلمين، وقد تقدم بيان ذلك. قال الحافظ: ويمكن الجمع بأن يكون المسلمون

[ 159 ]

هزموا جانبا من المشركين وخشي خالد ان يتكاثر الكفار عليهم. فقد مر أنهم كانوا أ كثر من مائتي ألف، فانحاز عنهم حتى رجع بالمسلمين الى المدينة. وقال الحافظ ابن كثير في البداية يمكن الجمع بان خالدا لما انحاز بالمسلمين بات ثم أصبح وقد غير بقية العسكر كما تقدم، وتوهم العدو انهم قد جاءهم مدد، حمل عليهم خالد حينئذ فولوا فلم يتبعهم، ورأى الرجوع بالمسلمين مع الغنيمة الكبرى. الثامن: انما رد صلى الله عليه وسلم السلب الى خالد بعد الامر الاول باعطائه للقا تل نوعا من النكير، ودعا له، لئلا يتجرأ الناس على الائمة، وكان خالد مجتهدا في صنيعه ذلك، فأمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتهاده لما رأى في ذلك من المصلحة العامة بعد أن خطأه في رأيه الاول، ويشبه ان يكون النبي صلى الله عليه وسلم عوض المددي من الخمس الذي هو له وأرضى خالدا بالصفح عنه وتسليم الحكم له في السلب. التاسع: في بيان غريب ما سبق: أدنى البلقاء من أرض الشام: أي أقرب. البلقاء: بفتح الموحدة وسكون اللام وبالقاف وألف تأنيث مقصورة كورة ذات قرى ومزارع من أعمال دمشق. لهب: بكسر اللام وسكون الهاء وبالموحدة: بطن من الازد. تلك بصرى: اسمه: (الحارث بن أبي شمر الغساني). عرض له: تصدى له ومنعه من الذهاب. شرحبيل: بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء المهملة وكسر الموحدة: اسم أعجمي لا ينصرف. الغساني: بفتح الغين المعجمة وبالسين المهملة المشددة. قتل صبرا: أمسك حيا ثم رمي بشئ حتى مات. ندب الناس: دعاهم. الجرف: بضم الجيم والراء كما قال الحازمي وأبو عبيد البكري والقاضي وقال ياقوت وتبعه المجد اللغوي بالضم فالسكون: على ثلاثة أميال من المدينة لجهة الشام. رواحة: بفتح الراء وتخفيف الواو وبالحاء المهملة.

[ 160 ]

شرح غريب ذكر طعن بعض الصحابة في امارة زيد بن حارثة وغريب ذكر سير المسلمين قوله تطعنون: بضم العين وفتحها. وأيم الله: من ألفاظ القسم كقولك: لعمر الله، وفيها لغات، وتفتح همزتها وتكسر، وهمزتها همزة وصل وقد تقطع. لخليق: بفتح اللام والخاء المعجمة وكسر اللام الثانية وسكون التحتية وبالقاف أي حقيق وجدير. أرهب: أخاف. ودع الناس: بالرفع فاعل. أمراء: بالنصب مفعول، وبالعكس فان ودعك فقد ودعته والاول أولى لما سيأتي. ودع عبد الله: بالبناء للمفعول. أما والله: بتخفيف الهمزة وتخفيف الميم. الصبابة: بفتح الصاد المهملة: رقة الشوق وحرارته، وهي بالرفع تقديره: ولا لي صبابة. الورود: في الاية (مريم 71) الحضور والموافاة من غير دخول أو الدخول، والعرب تطلق الورود على هذين المعنيين. الصدر: بفتح الصاد والدال المهملتين وبالراء، اسم من قولك صدرت عن البلد أي رجعت. ذات فرغ: بفتح الفاء وسكون الراء وبالغين المعجمة: أي واسعة. تقذف: بالقاف والذال المعجمة والفاء: ترمي. الزبد: بفتح الزاي والموحدة وبالدال المهملة ما يعلو الماء (من الرغوة وكذلك) الدم. حران: بفتح الحاء المهملة والراء المشددة وبالنون: تلهب الجوف. مجهزة: بميم مضمومة فجيم ساكنة فهاء مكسورة وبالزاي فتاء تأنيث: سريعة القتل. الاحشاء: جمع حشا وهو ما في البطن. الجدث: بالجيم والدال المهملة وبالمثلثة: القبر والجمع أجداث واجدث. رشد: بفتح الشين المعجمة وكسرها. نافلة: هبة من الله وعطية منه، والنوافل العطايا والمواهب.

[ 161 ]

أزرى به القدر: قصر به تقول أزريت بفلان إذا قصرت به. خلف السلام: دعاء منه للنبي صلى الله عليه وسلم بالسلامة. ثنية الوداع: تقدم الكلام عليها في شرح غريب الهجرة، وفي هذا دليل على أنها شا مي المدينة. المفاحص: جمع مفحص بفتح الميم والحاء المهملة بينهما فاء ساكنة، وبالصاد المهملة، وهو في الاصل مكان مجثم القطاة لتبيض، يقال فحصت القطاة فحصا من باب نفع حفرت في الارض موضعا لتبيض فيه، فاستعير هنا لتمكن الشيطان منهم. الافحاص: الحفر. الضرع: بفتح الصاد المعجمة والراء والعين المهملة: والضارع بكسر الراء النحيف الضاوي الجسم. الذمة: الامانة. غدا يغدو غدوا من باب قعد: ذهب غدوة وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس. الروحة: بفتح الراء وسكون الواو: وقت لما بين زوال الشمس الى الليل. شرح غريب ذكر مسير المسلمين بعد الوداع أرقم: بفتح أوله وسكون الراء وبالقاف. الحقيبة: بفتح الحاء المهملة وكسر القاف وسكون التحتية وبالموحدة وتاء التأنيث: ما يجعله الراكب وراءه. الحسا: بكسر الحاء وبالسين المهملة والمد. قال في المصباح: اسم موضع. وقال في المراحل: مياه لبني فزارة بين الربذة ونخل يقال لمكانها ذو حس. وقال في الاملاء: الحساء جمع حسي وهو ماء يغور في الرمل وإذا بحث عنه وجد. فشأنك: أمرك. أنعم: جمع نعمة أي احسان. وخلاك ذم بالخاء في خلاك والذال في ذم المعجمتين: فارقك فلست بأهل له. ولا أرجع: مجزوم بالدعاء أي اللهم لا أرجع. آب: بالمد رجع. غادره: تركه.

[ 162 ]

مشتهي الثواء: بضم الميم وسكون الشين المعجمة وفتح الفوقية وكسر الهاء: أي لا أر يد الرجوع، ومن رواه مستنهي بسين مهملة ففوقية فنون فهو مستفعل من النهاية والانتهاء حيث انتهى مثواه، والثواء بالثاء المثلثة فواو فهمزة ممدودة: الاقامة. البعل: بفتح الموحدة وسكون العين المهملة وباللام: الذي يشرب بعروقه من الارض. أسافلها رواء: من رواه بكسر الراء فمعناه ممتنعة من الماء ومن رواه بالرفع فهو ا قواء. خفقني: ضربني. اللكع: بضم اللام: الاحمق والصغير وغير ذلك، والاول والثاني المراد به، كأنه قال: يا صبي. النصب: بنون فصاد مهملة مفتوحتين فموحدة: التعب. شعبتي الراحل: طرفاه المقدم والمؤخر. يا زيد: أي ابن ارقم كما ذكر ابن اسحاق، وقال غيره: بل أراد زيد بن حارثة، ويجوز فيه الضم والنصب، وزيد الثاني بالنصب. اليعملات: بتحتية مفتوحة فعين مهملة ساكنة فميم مفتوحة جمع يعلمة وهي الناقة النجيبة المطبوعة على العمل. الذبل: بذال معجمة مضمومة فموحدة مشددة مفتوحة وباللام جمع ذابل وهي التي أضعفها السير فقل لحمها. قال في النور فسرها بالفرد وفيه نظر. هديت: بضم الهاء وكسر الدال المهملة وفتح الفوقية على الخطاب. معان: بفتح الميم كما في المراحل والقاموس وفي عدة نسخ من معجم ابي عبيد البكري بضم الميم، ونقل عنه في الزهر بباء موحدة بعد الالف وبغير همز، كذا قال، ونص في المراحل على أنه مهموز. لخم: بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة وبالميم. جذام: بضم الجيم وبالذال المعجمة وبعد الالف ميم. قضاعة: بضم القاف وبالضاد المعجمة وبعد الالف عين مهملة. بلقين: (وهم بنو القين من قضاعة). بهراء: بفتح الموحدة وسكون الهاء وبالراء ومد الهمزة. بلي: بفتح الموحدة وكسر اللام وتشديد التحتية.

[ 163 ]

اراشة: (من بلي). رافلة: براء فألف ففاء مسكورة فلام فتاء تأنيث. يمدنا: بضم التحتية وكسر الميم. التخوم: بضم الفوقية والخاء المعجمة جمع تخم بضم الفوقية وسكون الخاء المعجمة: الحد الذي يكون بين أرض وأرض. وقال ابن الاعرابي وابن السكيت: الواحد تخوم (الجمع تخم) كرسول ورسل. مشارف: بفتح الجيم وبالشين المعجمة المخففة وبعد الالف راء مكسورة ثم فاء، وظاهر كلام ابن اسحاق انها غير مؤتة. وقال في الزهر: وليس كذلك بل هما اسمان على مكان واحد. وقال المبرد: المشرفية سيوف نسبت الى المشارف من أرض الشام وهو الموضع الملقب بمؤتة الذي قتل به جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. الضبابة: سحاب رقيق كالدخان. الكراع: وزن غراب، وهو هنا جماعة الخيل خاصة. برق بصره: بكسر الراء تحير فزعا وأصله من برق الرجل إذا نظر الى البرق فدهش بصره وقوي، برق بفتح الراء من البريق أي لمع. ثابت: بالثاء المثلثة فألف فموحدة ففوقية. أقرم: بفتح أوله وسكون القاف. فتعبأ: بفتح الهمزة في آخره. عذرة: بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة وبالراء وتاء تأنيث. قطبة: بضم القاف وسكون الطاء المهملة وبالموحدة. عباية: بفتح العين المهملة وتخفيف الموحدة وبالتحتية آخره. شرح غريب ذكر التحام القتال شاط في رماح القوم: قتل برماحهم. ألحم الرجل واستلحم - بالبناء للمفعول - فيها إذا نشب في الحرب فلم يجد له مخلصا وألحمه غيره فيها ولحم إذا قتل فهو ملحوم ولحيم. اقتحم الانسان: رمى بنفسه في الامر العظيم من غير روية، وقد قيل ان هذا يفعله الفارس من العرب إذا أرهق وعرف أنه مقتول فينزل ويجالد العدو راجلا.

[ 164 ]

عرقب الدابة: قطع عرقوبها وهو الوتر الذي خلف الكعبين بين مفصل القدم وبالساق من ذوات الاربع، وهو من الانسان فويق العقب. العقر: بفتح العين المهملة وسكون القاف وبالراء، وهو هنا ضرب قوائم الدابة وهي قائمة بالسيف. احتضنه بعضديه: أخذه بحضنه، والحضن ما تحت العضد الى أسفل منه. قطعه: بفتح القاف والطاء المهملة المشددة، وقطعه بمعنى واحد. أجلب الناس: أصاحوا. الرنة: بفتح الراء وبالنون المشددة: الصوت بحزن. النطفة: الشئ اليسير جدا من الماء. الشنة: بفتح الشين المعجمة والنون المشددة: السقاء البالي فيوشك أن تهراق النطفة وينخرق السقاء، ضرب ذلك مثلا له لنفسه في جسده. الحمام: بكسر الحاء المهملة وتخفيف الميم. صليت: بفتح الصاد المهملة وكسر اللام وسكون التحتية. أعطيت: بالبناء للمفعول. فعلهما: يعني زيد بن حارثة وجعفرا. العرق: بفتح العين وسكون الراء وبالقاف: العظم بما عليه من بقية اللحم. انتهس: بكسر أوله وسكون النون وفتح الفوقية وبالسين المهملة: أخذ اللحم بمقدم أسنانه. الحطمة: بفتح الحاء وسكون الطاء المهملتين: ازدحام الناس وحطم بعضهم بعضا. ثابت: بثاء مثلثة وموحدة وفوقية. أقرم: بفتح اوله وسكون القاف وبالراء والميم. خاشى بهم: بالخاء والشين المعجمتين فاعل من الخشية أي أبقى عليهم وحذر (فانحاز) يقال: خاشيت فلانا أي تاركته. انحاز: تنحى عن موضعه وانحيز عنه بالبناء للمفعول. الشرذمة: بالكسر القليل من الناس. العطاف: كشداد الذي يكر مرة بعد أخرى.

[ 165 ]

ابن عايذ: بالتحتية والذال المعجمة. الوطيس: شبه التنور أو الضراب في الحرب. والوطيس الذي يطس الناس أي يدقهم وقال الاصمعي: هو حجارة مدورة إذا حميت لم يقدر أحد يطئوها، ولم يسمع هذا الكلام من أحد قبل النبي صلى الله عليه وسلم (وهو من فصيح الكلام) عبر عن اشتباك الحرب وقيامها على ساق. البرقاني: بضم الموحدة فراء فقاف. الاشجعي: (بفتح أوله فشين معجمة فعين مهملة فتحتية). المددي: بدالين مهملتين جمعه أمداد، وهم من أهل اليمن أي الغزاة الذين يمدون جيوش الاسلام. صفو الشئ: خلاصته بفتح الصاد لا غير، فإذا ألحقوا التاء ثلثوا الصاد ومنه لكم صفوة أمرهم يعني أن مقاساة جمع المال وحفظ البلاد ومداراة الناس على الامراء، وللناس أعطيناهم، ثم ما كان من خطأ في ذلك أو غفلة أو سوء فانه على الامراء، والناس منه براء. الكدر: بفتح الكاف والدال المهملة ضد الصفاء. في يدي: بكسر الدال. اندقت: انقطعت. الفيحة: بصاد مهملة مفتوحة ففاء مكسورة فتحتية ساكنة فحاء مهملة: السيف العريض. يمانية: بتخفيف التحتية الثانية وحكي تشديدها. ابن زافلة: بزاي فألف ففاء مكسورة. الاراشة: منسوب الى اراشة بكسر الهمزة وبالشين المعجمة. انحطم: انكسر. الجيد: العنق. السلم: بفتح السين المهملة واللام ضرب من الشجر الواحدة سلمة. رقوقين: قال في الاملاء اسم موضع. قال: ويروى رقوفين بالفاء بعد الواو وقبل التحتية. قلت ولم أجد له ذكرا فيما وقفت عليه من أسماء الاماكن. يعلى: بفتح التحتية وسكون العين المهملة وفتح اللام. منية: بضم الميم وسكون النون وفتح التحتية.

[ 166 ]

المعترك: بضم الميم وسكون العين المهملة وفتح الفوقية والراء وبالكاف: المعر كة بفتح الميم موضع القتال. الازورار: العدول والانحراف. الصدود: الاعراض. الفئة: بكسر الفاء وفتح الهمزة. قال الراغب الطائفة المتضافرة التي يرجع بعضها الى بعض، وقال ابن الاثير في الجامع: الفئة الجماعة الذين يرجع إليهم عن موقف الحر ب، يجتمعون إليهم أي يفيئون إليهم، انتهى. ولا واحد لها من لفظها، وجمعها فئات، وقد تجمع بالواو والنون. حاص الناس: بحاء وصاد مهملتين: جاءوا منهزمين. العكار: الكرار الى الحرب والعطاف نحوها، يقال للرجل يولي عن الحرب ثم يكر راجعا إليها عكر واعتكر.

[ 167 ]

الباب السابع والاربعون في سرية عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه الى ذات السلاسل في جمادى الاخرة سنة ثمان قال ابن عقبة وابن اسحاق، وابن سعد، ومحمد بن عمر رحمهم الله تعالى واللفظ له: (بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جمعا من قضاعة يريدون أن يدنوا الى أطراف مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول سالله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص بعد اسلامه بسنة). وعند ابن اسحاق ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عمرا يستنفر العرب الى الشام، فعقد له لواء أبيض وجعل معه راية سوداء وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والانصار، وأمره ا ن يستعين بمن مر به من العرب: من بلي (1)، وعذرة، وبلقين، وذلك ان عمرا كان ذا رحم فيهم، كانت أم العاص بن وائل بلوية، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتألفهم بعمرو. وفي حديث بريدة عند اسحاق بن راهويه أن أبا بكر قال: (ان عمرا لم يستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم الا لعلمه بالحرب). انتهى. وكان معه ثلاثون فرسا، فكان يكمن النهار ويسير الليل حتى إذا كان على ماء بأرض جذام يقال له السلاسل ويقال السلسل وبذلك سميت الغزوة ذات السلاسل بلغه أن لهم جمعا كثيرا فبعث عمرو رافع بن مكيث الجهني الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره ان لهم جمعا كثيرا ويستمده. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه، وعقد له لواء، وبعث معه سراة المهاجرين كأبي بكر وعمر بن الخطاب، وعدة من الانصار رضي الله تعالى عنهم. وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة أن يلحق بعمرو - فلما أراد أبو عبيدة أن يؤم الناس فقال عمرو: (انما قدمت علي مددا لي وليس لك أن تؤمني وأنا الامير). فقال المهاجرون، (كلا بل أنت أمير اصحابك وهو أمير اصحابه). فقال عمرو: (لا، أنتم مدد لنا). فلما رأى أبو عبيدة الاختلاف وكان رجلا لينا حسن الخلق سهلا هينا عليه أمر الدنيا، يسعى لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده قال: (يا عمرو تعلمن ان آخر شئ عهد الي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: (إذا قدمت على صاحبك فتطاوعا ولا تختلفا، وانك والله ان عصيتني لاطيعنك). وأطاع أبو عبيدة عمرا. فكان عمرو يصلي بالناس. وقال عمرو: (فاني الامير عليك وأنت مددي). قال: (فدونك).


(1) انظر معجم البلدان 1 / 586. (*)

[ 168 ]

وروى الامام احمد عن الشعبي مرسلا قال: (انطلق المغيرة بن شعبة الى أبي عبيدة فقال: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استعملك علينا وان ابن فلان قد اتبع أ مير القوم فليس لك معه أمر). فقال أبو عبيدة: (ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا ان نتطاوع فأنا أطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم وان عصاه عمرو). انتهى. فأطاع أبو عبيدة عمرا فكان عمرو يصلي بالناس، وصار معه خمسمائة، فسار حتى نزل قريبا منهم وهم شاقون، فجمع أصحابه الحطب يريدون ان يوقدوا نارا ليصطلو ا عليها من البرد، فمنعهم، فشق عليهم ذلك، حتى كلمه في ذلك بعض المهاجرين فغا لظه. فقال له عمرو: (قد أمرت أن تسمع لي). قال: نعم. قال: فافعل. وروى ابن حبان، والطبراني برجال الصحيح عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه في غزوة ذات السلاسل فسأله أصحابه أن يوقدو ا نارا فمنعهم. فكلموا أبا بكر رضي الله تعالى عنه، فكلمه فقال: (لا يوقد أحد منهم نارا الا قذفته فيها) (1). وروى الحاكم (2) عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص في سرية فيهم أبو بكر، وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، فلما انتهوا الى مكان الحرب أمرهم عمرو ألا يوقدوا نارا فغضب عمر بن الخطاب وهم أن يأتيه، فنها ه أبو بكر وأخبره ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستعمله الا لعلمه بالحرب. فهدأ عنه، فسار عمرو الليل وكمن النهار حتى وطئ بلاد العدو ودوخها كلها حتى انتهى الى موضع بلغه أنه قد كان به جمع فلما سمعوا به تفرقوا، فسار حتى إذا انتهى الى أقصى بلادهم ولقي في آخر ذلك جمعا ليسو ا بالكثير، فاقتتلوا ساعة وحمل المسلمون عليهم فهزموهم وتفرقوا ودوخ عمرو ما هنالك وأقام أياما لا يسمع لهم بجمع ولا مكان صاروا فيه (الا قاتلهم). وكان يبعث اصحاب الخيل فيأتون بالشاء والنعم فكانوا ينحرون ويأكلون ولم يكن أكثر من ذلك، لم يكن في ذلك غنائم تقسم، كذا قال جماعة. قال البلاذري: فلقي العدو من قضاعة، وعاملة، ولخم، وجذام، وكانوا مجتمعين ففضهم وقتل منهم مقتلة عظيمة وغنم. وروى ابن حبان والطبراني عن عمرو انهم لقوا ا لعدو، فأراد المسلمون ان يتبعوهم فمنعهم. وبعث عمرو عوف بن مالك الاشجعي رضي الله تعالى عنه بشيرا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقفولهم وسلامتهم وما كان في غزاتهم.


(1) ذكره الهيثمي في المجمع 5 / 323، وقال: رواه الطبراني باسنادين ورجال الاول رجال الصحيح. (2) أخرجه الحاكم 3 / 42 في كتاب المغازي وقال: هذا الحديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي. (*)

[ 169 ]

ذكر وصية ابي بكر رضي الله تعالى عنه لرافع بن أبي رافع بن عميرة الطائي رضي الله تعالى عنه روى ابن اسحاق، ومحمد بن عمر، عن رافع رضي الله تعالى عنه قال: (كنت امرءا نصرانيا وسميت سرجس فكنت أدل الناس وأهداه بهذا الرمل، كنت ادفن الماء في بيض النعام بنواحي الرمل في الجاهلية، ثم أغير على ابل الناس فإذا أدخلتها الرمل غلبت عليها، فلم يستطع أحد ان يطلبني فيه حتى أمر بذلك الماء الذي خبأت في بيض النعام فأستخرجه فأشرب منه. فلما أسلمت خرجت في تلك الغزوة التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص الى ذات السلاسل). قال: (فقلت والله لاختارن لنفسي صاحبا). قال: (فصحبت ابا بكر رضي الله تعا لى عنه فكنت معه في رحله. وكانت عليه عباءة فدكية فكان إذا نزلنا بسطها، وإذا ركبنا لبسها ثم شكها عليه بخلال له. وذلك الذي يقول أهل نجد - حين ارتدوا كفارا - نحن نبايع ذا العباءة). قال: (فلما دنونا من المدينة قافلين قلت: يا أبا بكر رحمك الله، انما صحبتك لينفعني الله تعالى بك، فانصحني وعلمني). قال: (لو لم تسألني ذلك لفعلت. آمرك ا ن توحد الله تعالى ولا تشرك به شيئا وان تقيم الصلاة وان تؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت وتغتسل من الجنابة ولا تتأمرن على رجلين من المسلمين أبدا). قال: (قلت يا أبا بكر: أما ما أمرتني به من توحيد الله عز وجل فاني والله لا أشرك به أحدا أبدا، وأما الصلاة فلن أتركها أبدا ان شاء الله تعالى، وأما الزكاة فان يكن لي مال اؤدها ان شاء الله تعالى، واما رمضان فلن أتركه ابدا ان شاء الله تعالى، واما الحج فان أستطع أحج ان شاء الله تعالى، واما الجنابة فسأغتسل منها ان شاء الله تعالى، واما الامارة فاني رأيت الناس يا أبا بكر لا يصيبون هذا الشرف وهذه المنزلة عند الناس الا بها فلم تنهاني عنها) ؟. قال: (انك استنصحتني فجهدت لك نفسي وسأخبرك عن ذلك ان شاء الله، ان الله عز وجل بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بهذا الدين، فجاهد عليه حتى دخل الناس فيه ط وعا وكرها، فلما دخلوا فيه أجارهم الله من الظلم، فهم عواذ الله وجيرانه وفي ذمته وأمانته، فايا ك ان تخفر ذمة الله في جيرانه فيتبعك الله تعالى في خفرته فان أحدكم يخفر في جاره فيظل ناتئا عضله غضبا لجاره أن أصيبت له شاة أو بعير فالله أشد غضبا لجاره). وفي لفظ: (فالله من وراء جاره). قال: ففارقته على ذلك، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر على الناس قدمت عليه فقلت له: يا أبا بكر ألم تك نهيتني عن أن أتأمر على رجلين من المسلمين ؟ قال: (بلى وأنا الان أنهاك عن ذلك). فقلت له: (فما حملك على أن تلي أمر الناس ؟) قال: (اختلف

[ 170 ]

الناس وخشيت عليهم الهلاك). وفي رواية: (الفرقة ودعوا الي فلم أجد بدا من ذلك). ذكر احتلام عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه روى محمد بن عمر، عن أبي بكر بن حزم رحمه الله تعالى قال: (احتلم عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه حين قفلوا في ليلة باردة كأشد ما يكون البرد، فقال لاصحابه: ما ترون ؟ قد والله احتلمت فان اغتسلت مت. فدعا بماء وتوضأ وغسل فرجه وتيمم، ثم قام وصلى بالناس، فلما قدم عمرو على رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله عن صلاته فأخبره وقال: والذي بعثك بالحق اني لو اغتسلت لمت، لم أجد بردا قط مثله، وقد قال الله تعالى: (ولا تقتلوا انفسكم ان الله كان بكم رحيما) (النساء 29). فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يبلغنا انه قال له شيئا. وروى أبو داود عن عمرو نحوه وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب ؟) (1). ذكر قصة عوف بن مالك الاشجعي رضي الله تعالى عنه في الجزور روى البيهقي من طريق ابن اسحاق قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب (2) قال: حدثت عن عوف بن مالك. ومن طريقين عن سعيد بن أبي أيوب (3) وابن لهيعة (4) عن يزيد بن أبي حبيب عن ربيعة بن لقيط (5) أخبره عن مالك بن هرم أظنه عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه واللفظ لابن اسحاق، قال: (كنت في الغزاة التي بعث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص، وهي غزوة ذات السلاسل، فصحبت أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فمررت بقوم وهم على جزور قد نحروها وهم لا يقدرون على أن يبعضوها. وكنت امرءا (لبقا) جازر ا. فقلت


(1) أخرجه أبو داود (334) واحمد في المسند 4 / 203 والبيهقي في السنن 1 / 225 والدلائل 4 / 402 والحاكم في المستدرك 1 / 117 والدارقطني 1 / 178. (2) يزيد بن أبي حبيب مولى شريك بن الطفيل الازدي أبو رجاء المصري عالمها عن عبد الله بن الحارث بن جزء، وأبي الخير اليزني، وعطاء وطائفة. وعنه يزيد بن أبي أنيسة وحيوة بن شريح، ويحيى بن أيوب وخلعه قال ابن يونس: كان حليما عاقلا، وقال الليث: يزيد عالمنا وسيدنا. وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث مات سنة ثمان وعشرين ومائة الخلاصة 3 / 167. (3) سعيد بن أبي أيوب الخزاعي مولاهم أبو يحيى بن مقلاص بكسر الميم، وسكون القاف وآخره صاد مهملة المصري. عن جعفر بن ربيعة ويزيد بن أبي حبيب. وعنه ابن جريج، وابن وهب، وثقه ابن معين. وقال ابن يونس: توفي سنة احدى وستين ومائة. الخلاصة 1 / 374. (4) عبد الله بن لهيعة بن عقبة المصري الفقيه أبو عبد الرحمن قاضي مصر ومسندها. وروى عن عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، والاعرج، وخلق. وعنه الثوري، والاوزاعي، وشعبة وماتوا قبله، والليث وهو أكبر منه، وابن المبارك، وخلق. وثقه احمد وغيره. وضعفه يحيى القطان وغيره. مات سنة أربع وسبعين ومائة طبقات السيوطي 107. (5) ربيعة بن لقيط، ذكره أبو الحسن العسكري في الافراد، انظر أسد الغابة 3 / 217. (*)

[ 171 ]

لهم: أتعطوني منها عشيرا على أن أقسمها بينكم ؟ قالوا: نعم. فأخذت الشفرة فجز أتها مكاني وأخذت جزءا، فحملته الى اصحابي فاطبخناه وأكلناه. فقال لي أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما: اني لك هذا اللحم يا عوف ؟ فأخبرتهما. فقالا: والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا. ثم قاما يتقيآن ما في بطونهما منه. فلما قفل الناس (من ذلك السفر). كنت أول قادم على رسول الله صلى الله عليه وسلم - وفي رواية مالك بن هرم: ثم أبردوني في فيج لنا فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئته وهو يصلي في بيته فقلت: السلام عليك يا رسو ل الله ورحمة الله وبركاته. فقال: (أعوف بن مالك ؟) فقلت: نعم، بأبي أنت وأمي. فقال: (أصاحب الجزور ؟) ولم يزدني على ذلك شيئا. وليس في رواية مالك بن هرم انهما أكلا، بل ذكر لابي بكر فيها. زاد محمد بن عمر: ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أخبرني). فأخبرته بما كان من سيرنا وما كان بين أبي عبيدة بن الجراح وعمرو بن العاص ومطاوعة ابي عبيدة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يرحم الله ابا عبيدة بن الجراح) (1). وروى ابن حبان، والطبراني عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه ان الجيش لما رجعوا ذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم منعي لهم من ايقاد النار ومن اتباعهم العدو فقلت: يا رسول الله اني كرهت ان يوقدوا نارا فيرى عدوهم قلتهم وكرهت ان يتبعوهم فيكون لهم مدد فيعط فوهم عليهم. فحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره. وروى البخاري عن ابي عثمان النهدي رحمه الله تعالى، موقوفا عليه، ومسلم والاسماعيلي والبيهقي عنه قال: سمعت عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه يقول: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم على جيش ذي السلاسل، وفي القوم ا بي بكر، وعمر، فحدثت نفسي انه لم يبعثني على أبي بكر وعمر الا لمنزلة عنده. قال: فأتيته حتى قعدت بين يديه وقلت: يا رسول الله من أحب الناس ؟ قال: (عائشة). قلت: اني لست أ سألك عن أهلك. قال: (فأبوها). قلت: ثم من ؟ قال: (عمر). قلت: ثم من ؟ حتى عد رهطا. قلت في نفسي لا أعود أسأل عن هذا، وفي رواية الشيخين: فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم (2). تنبيهات الاول: السلاسل بسينين مهملتين الاولى مفتوحة على المشهور الذي جزم به أبو عبيد البكري، وياقوت، والحازمي، وصاحب القاموس، والسيد وخلق لا يحصون، والثانية مكسورة واللام مخففة. وقال ابن الاثير بضم السين الاولى. وقال في زاد المعاد بضم السين وفتحها لغتان كذا قال. وصاحب القاموس مع اطلاعه لم يحك في الغزوة الا الفتح. وعبارته: (السلسل


(1) اخرجه البيهقي في الدلائل 4 / 402 وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق 1 / 50. (2) أخرجه البخاري 5 / 6 ومسلم في كتاب الفضائل (7) واحمد في المسند 4 / 203 والبيهقي في السنن 6 / 170. (*)

[ 172 ]

كجعفر وخلخال الماء العذب أو البارد كالسلاسل بالضم). ثم قال: (وتسلسل الماء جرى في حدور... والسلسلة اتصال الشئ بالشئ، والقطعة الطويلة من السنام، ويكسر، وبا لكسر دائر من حديد ونحوه. والسلاسل رمل يتعقد بعضه على بعض وينقاد.. وثوب مسلسل فيه وشئ مخطط، وغزوة ذات السلاسل هي وراء وادي القرى). وقال النووي في التهذيب: أظن ان ابن الاثير استنبطه من صحاح الجوهري من غير نقل عنده فيه ولا دلالة في كلامه. قلت وعبارة الجوهري: (وماء سلسل وسلسال سهل الدخول في الحلق لعذوبته وصفائه، والسلاسل بالضم مثله، ويقال معنى يتسلسل انه إذا جرى أو ضربته الريح يصير كالسلسلة). وقال ابن اسحاق وجمع: (هو ماء بأرض جذام وبه سميت الغزوة). وقال أبو عبيد البكري: (ذات السلاسل بفتح اوله على لفظ جمع سلسلة رمل بالبادية). انتهى. فعلى هذا سمي المكان بذلك لان الرمل الذي كان به كان بعضه على بعض كالسلسلة. وأغرب من قال: سميت الغزوة بذلك لان المشركين ارتبط بعضهم الى بعض مخافة ان يغزوا. الثاني: ذكر الجمهور ومنهم ابن سعد انها كانت في جمادى الاخرة سنة ثمان. وقيل كانت سنة سبع، وبه جزم ابن أبي خالد في صحيح التاريخ. الثالث: نقل النووي في تهذيبه، والحافظ في الفتح عن الحافظ ابي القاسم بن عساكر انه نقل الاتفاق، على انها كانت بعد غزوة مؤتة الا ابن اسحاق قال قبلها قال الحافظ: وهو قضية ما ذكر عن ابن سعد وابن أبي خالد. قلت: أما انه قضية ما ذكر عن ابن سعد فغير واضح فان ابن سعد قال: كانت في جمادى الاخرة سنة ثمان، وذكر في غزوة مؤتة انها كانت في جمادى الاولى سنة ثمان. واما ما نقل عن ابن اسحاق فالذي في رواية زياد البكائي تهذيب ابن هشام عن ابن اسحاق تأخر غزوة ذات السلاسل عن مؤتة بعدة غزوات وسرايا، ولم يذكر انها كانت قبل مؤتة فيحتمل انه نص على ما ذكره ابن عساكر في رواية غير زياد. الرابع: ليس في تأمير رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرا على ابي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما تفضيله عليهما بل السبب في ذلك معرفته بالحرب كما ذكر ذلك أبو بكر لعمر كما في حديث بريدة، فان عمرا كان أحد دهاة العرب، وكون العرب الذين أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستعين بهم أخوال أبيه كما ذكر في القصة فهم أقرب اجابة إليه من غيره. وروى البيهقي عن أبي معشر عن بعض شيوخه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (اني لاؤمر الرجل على القوم وفيهم من هو خير منه لانه أيقظ عينا وأبصر بالحرب) (1).


(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 4 / 400. (*)

[ 173 ]

الخامس: في حديث بريدة ان عمر أراد ان يكلم عمرا لما منع الناس أن يوقدوا نار ا. وفي حديث عمرو ان أبا بكر كلم عمرا في ذلك. ويجمع بين الحديثين بأن أبا بكر سلم لعمرو أمره ومنع عمر بن الخطاب من كلامه، فلما ألح الناس على أبي بكر في سؤاله سأله حينئذ فلم يجبه ويحتمل ان منع ابي بكر لعمر بن الخطاب كان بعد سؤال ابي بكر لعمر و. السادس: قال في الروض: (انما كره أبو بكر وعمر رضي الله عنهما أجرة مجهولة لان العشير واحد الاعشار على غير قياس. أو بمعنى العشر (كالثمين بمعنى الثمن) ولكنه عاملهم عليه قبل اخراج الجزور من جلدها وقبل النظر إليها أو يكونا كرها أجر الجزار على كل حال واله أعلم. السابع: في بيان غريب ما سبق: قضاعة: بضم القاف وبالضاد المعجمة والعين المهملة. السراة: بفتح السين المهملة جمع سري بفتح أوله وكسر الراء وهو الشريف أو ذو المروءة والسخاء. بلي: بفتح الموحدة وكسر اللام وتشديد التحتية. عذرة: بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة وبالراء. بلقيس: بفتح الموحدة وسكون اللام وفتح القاف وسكون التحتية وبالسين والنون يعني بني القيس وهو من شواذ التخفيف وهم من بني أسد، وإذا نسبت إليهم قلت قيسي ولا تقل بقليس. كمن النهار: استتر فيه واختفى. رافع: بالراء والفاء. مكيث: بفتح الميم وكسر الكاف وسكون التحتية وبالثاء المثلثة. الجهني: بضم الجيم وفتح الهاء وبالنون. المددي: منسوب الى المدد وجمعه أمداد وهم الغزاة الذين يمدون جيوش الاسلام. الشيمة: بكسر الشين المعجمة: الغريزة والطبيعة والجبلة التي خلق عليها الانسان. يصطلون: يستدفئون، والاصطلاء: افتعال من صلا النار والتسخن بها.

[ 174 ]

قذف الشئ: رماه. بريدة: بضم الموحدة وفتح الراء وسكون التحتية. هدأ عنه: بفتح الهاء والدال المهملة والهمز: سكن. دوخ البلاد: بفتح الدال المهملة وتشديد الواو وبالخاء المعجمة: قهر واستولى. عاملة: بعين مهملة وبعد الالف ميم مكسورة حي من قضاعة. فضهم: بفتح الفاء والضاد المعجمة الساقطة المشددة أي فرق جمعهم وكسرهم. قفل: بفتح القاف والفاء واللام: رجع. والقفول بضم القاف والفاء: الرجوع. سرجس: بفتح السين المهملة وسكون الراء وكسر الجيم وبالسين المهملة: اسم أعجمي لا ينصرف. الرحل: بفتح الراء وسكون الحاء المهملة وباللام، وهو هنا منزل الشخص ومسكنه وبيته الذي فيه أثاثه ومتاعه. العباية: بالمثناة التحتية والعباة والعبا ممدودين: كساء معروف. فدكية: من عمل فدك بفتح الفاء والدال المهملة وبالكاف. شكها: انتظمها. الخلال: بالخاء المعجمة وزن كتاب: العود يخلل به الثوب والاسنان وخللت الرداء خلا من باب قتل ضممت طرفيه بخلال. جهدت لك نفسي: أي (بذلت وسعي). العواذ: بضم العين المهملة وتشديد الواو وبالذال المعجمة: وهو (جمع العائذ) الملتجئ والمستجير. الذمة: العهد والامان. تخفر: بضم الفوقية وسكون الخاء المعجمة وكسر الفاء وبالراء: تنقض العهد يقال أخفرته نقضت عهده. وخفرته أخفره بكسر الفاء وأخفره بالضم خفارة مثلثة أجرته من ظالم فأنا خفير، أمنته ومنعته وبالعهد وفيت له فهو من الاضداد. يظل: بفتح التحتية والظاء المعجمة المشالة: يصير.

[ 175 ]

ناتئا: منتفخا مرتفعا. عضله: منعه ظلما، وعضل عليه ضيق وبه الامر اشتد. لهيعة: بفتح اللام وكسر الهاء وسكون التحتية وفتح العين المهملة فتاء تأنيث. ابن أبي حبيب: بالحاء المهملة. لقيط: بفتح اللام وكسر القاف وسكون التحتية وبالطاء المهملة. هرم: بفتح الهاء وكسر الراء. الجزور: بفتح الجيم وضم الزاي وسكون الواو وبالراء الابل خاصة تقع على الذكر والانثى الا أن اللفظ مؤنثة والجمع جزر بضمتين. بعضوها: بعاضا أي أجزاء. ابن حبان: بكسر الحاء المهملة وبالموحدة. النهدي: بفتح النون المشددة وسكون الهاء وبالدال المهملة.

[ 176 ]

الباب الثامن والاربعون في سرية ابي عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه يرصد عيرا لقريش عند محمد بن عمر، وابن سعد، ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله ومن معه لحي من جهينة بالقبلية مما يلي ساحل البحر وتعرف بسرية الخبط وسرية سيف البحر. قال جمهور ائمة المغازي كانت في رجب سنة ثمان. روى عن البخاري من طرق عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، ومسلم من طرق أخر عنه، وابن اسحاق عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال جابر رضي الله تعالى عنه، (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثمائة راكب، زاد محمد بن عمر وابن سعد، والقطب من المهاجرين والانصار فيهم عمر بن الخطاب) (1). انتهى. قال جابر: وأمر علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ابا عبيدة بن الجراح نرصد عيرا لقريش، وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره، فكنا ببعض الطريق، وفي رواية فأقمنا بالساحل نصف شهر ففني الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش فجمع فكن مزود تمر، وكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا، وفي رواية فكان يعطينا قبضة قبضة، ثم صار يعطينا تمرة تمرة حتى فني. قيل كيف كنتم تصنعون بها ؟ قال: كنا نمصها كما يمص الصبي (الثدي)، ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنا الى الليل. وفي رواية وهب بن كيسان قلت لجابر ما تغني عنكم تمرة، قال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت. وفي حديث عبادة بن الصامت: فقسمها يوما بيننا فنقصت تمرة عن رجل فوجدنا فقدها ذلك اليوم فأصابنا جوع شديد وكنا نضرب بعصينا الخبط ثم نبله بالماء. وفي رواية عبادة بن الوليد (2) بن عبادة ابن الصامت، رضي الله تعالى عنهما، وكان قوت كل منا في كل يوم تمرة فكان يمصها ثم يصرها في ثوبه، وكنا نخبط بقسينا ونأكل حتى تقرحت أشداقنا. فأقسم أخطأها رجل منا يوما فان انقلب به تنعشه، فشهدنا له انه لم يعطها فأعطيها فقام فأخذها، انتهى. زاد محمد بن عمر: حتى ان شدق أحدهم بمنزلة مشفر البعير. انتهى. فمكثنا على ذلك أياما، وعند ابي بكر، ومحمد بن الحسن بن علي المقري عن جابر: كنا نأكل الخبط ثلاثة أشهر. انتهى. حتى قال قائلهم: لو لقينا عدوا ما كان بنا حركة إليه لما نالنا من الجهد.


(1) اخرجه البخاري في كتاب المغازي (61 / 43). (2) عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت الانصاري المدني. عن جده، وابيه، وابي ايوب وجابر. وعنه يحيى بن سعيد، وعبيد الله بن عمرو. وثقه أبو زرعة والنسائي. الخلاصة 2 / 33. (*)

[ 177 ]

وفي مغازي محمد بن عمر، والغيلانيات: قال قيس بن سعد بن عبادة (1): من يشتري مني تمرا بجزور أنحرها هاهنا وأوفيه الثمن بالمدينة ؟ فجعل عمر بن الخطاب يقول: واعجباه لهذا الغلام لا مال له يدين في مال غيره. فوجد قيس رجلا من جهينة فقال قيس: بعني جزورا وأوفيك ثمنه من تمر المدينة. قال الجهني: والله ما أعرفك من أنت ؟ قال: أنا قيس بن سعد بن عبادة بن دليم. قال الجهني: ما أعرفني بنسبك ان بيني وبين سعد خلة سيد أهل يثرب، فابتاع منه خمس جزائر كل جزور بوسق من تمر، واشترط عليه البدوي تمر ذخرة من تمر آل دليم، فقال قيس: نعم. قال الجهني: أشهد لي. فأشهد له نفرا من الانصار ومعهم نفر من المهاجرين. فقال عمر بن الخطاب: لا أشهد، هذا يدان ولا مال له انما المال لابيه. فقال الجهني: والله ما كان سعد ليخني بابنه في شقة من تمر وأرى وجها حسنا وفعلا شريفا. فأخذ قيس الجزر فنحرها لهم في مواطن ثلاثة كل يوم جزورا. فلما كان اليوم الرابع نهاه أميره وقال: تريد ان تخفر ذمتك ولا مال لك. وفي حديث جابر عن الشيخين: نحر ثلاث جزائر ثم نحر ثلاث جزائر ثم ثلاث جزائر ثم ان أبا عبيدة نهاه. وروى محمد بن عمر عن رافع بن خديج (2) رضي الله تعالى عنه ان ابا عبيدة قال لقيس: عزمت عليك الا تنحر، أتريد ان تخفر ذمتك ولا مال لك ؟ فقال قيس: يا أبا عبيدة أترى أبا ثابت وهو يقضي ديون الناس ويحمل الكل ويطعم في المجاعة لا يقضي عني شقة من تمر لقوم مجاهدين في سبيل الله ؟ فكاد أبو عبيدة يلين له وجعل عمر يقول اعزم عليه فعز م عليه وأبى عليه أن ينحر فبقيت جزوران فقدم بهما قيس المدينة يتعاقبون عليهما. وبلغ سعد بن عبادة ما كان أصاب الناس من المجاعة فقال: (ان يكن قيس كما أعرف فسوف ينحر القوم) انتهى. قال جابر: وانطلقنا على ساحل البحر فألقى الينا البحر دابة يقال لها العنبر، وفي لفظ حوتا لم نر مثله كهيئة الكثيب الضخم، وفي رواية مثل الضريب الضخم فأتيناه فأكلنا منها. وفي لفظ منه نصف شهر. وفي رواية عند البخاري ثماني عشرة ليلة. وفي رواية عند مسلم شهرا، ونحن ثلاثمائة حتى سمنا وادهنا من ودكه حتى ثابت منه أجسادنا وصلحت ولقد رأيتنا


(1) قيس بن سعد بن عبادة الانصاري الخزرجي أبو الفضل، صحابي له ستة عشر حديثا اتفقا على حديث، وانفرد البخاري له بطرف من حديث آخر. وعنه عبد الرحمن بن أبي ليلى وأبو تميم الجيشاني. قال أ نس: كان قيس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرطة من الامير. وقال عمرو بن دينار: كان إذا ركب الحمار خطت رجلاه في الارض. مات في خلافة معاوية بالمدينة. وله في الجود حكايات. الخلاصة 2 / 356. (2) رافع بن خديج بن رافع بن عدي بن يزيد بن جشم بن حارثة الاوسي، صحابي شهد أحدا وما بعدها، له ثمانية وسبعون حديثا. اتفقا على خمسة. وانفرد (م) بثلاثة. وعنه ابنه رفاعة، وبشير بن يسار وسليمان بن يسار وطاؤس. قال خليفة: مات سنة أربع وسبعين. الخلاصة 1 / 314. (*)

[ 178 ]

نغترف من وقب عينيه بالقلال: الدهن وأخرجنا من عينيه كذا وكذا قلة ودك ونقطع منه القدر كالثور أو كقدر الثور. وأمر أبو عبيدة بضلع من أضلاعه فنصب. وفي رواية: ضلعين فنصبا، ونظر الى أطول رجل في الجيش - أي وهو قيس بن سعد بن عبادة فيما يظنه الحافظ - وأطول جمل فحمله عليه ومر من تحته راكبا فلم يصبه أو يصبهما. وتزودنا من لحمه وسائق، وفي رواية ابي حمزة الخولاني: وحملنا منه ما شئنا من قديد وودك في الاسقية انتهى. قال جابر: فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا له ذلك فقال: (زرق أخرجه الله تعالى لكم، فهل معكم من لحمه شئ فتطعمونا ؟) قال: فأرسلنا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله، وفي رواية: فأتاه بعضهم بعضو منه فأكله. وفي رواية ابي حمزة الخولاني ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو نعلم انا ندركه لم يروح لاجبنا لو كان عندنا منه) (1). وفي مغازي محمد بن عمر، والغيلانيات: فلما قدم قيس بن سعد بن عبادة لقيه أبوه فقال: ما صنعت في مجاعة القوم حيث أصابتهم ؟ قال: نحرت، قال أصبت ثم ماذا ؟ قال: نحرت. قال: أصبت ثم ماذا ؟ قال: نهيت. وفي الصحيح عن ابي صالح ذكوان السما ن ان قيس بن سعد بن عبادة قال لابيه. وفي مسند الحميدي عن أبي صالح عن قيس قلت لابي: كنت في الجيش فجاعوا. قال: أنحرت ؟ قال: نحرت. قال ثم جاعوا قال: أنحرت ؟ قا ل: نهيت. وفي مغازي محمد بن عمر، والغيلانيات قال: من نهاك ؟ قال: أبو عبيدة بن الجراح. قال: ولم ؟ قال: زعم انه لا مال لي وانما المال لابيك. قال: لك أربعة حوائط أدنى حائط منها تجد منه خمسين وسقا. وكتب بذلك كتابا وأشهد ابا عبيدة وغيره. وقدم الجهني مع قيس فأو فاه أوسقه وحمله وكساه. وعند ابن خزيمة عن جابر قال: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل قيس فقال: (ان الجود لمن شيمة أهل ذلك البيت). انتهى. وجاء سعد بن عبادة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من يعذرني من ابن الخطاب يبخل علي ابني (2). تنبيهات الاول: قال جماعة من أهل المغازي: كانت هذه السرية سنة ثمان. قال في زاد المعا د، والبداية والنور: وفيه نظر لما رواه الشيخان من حديث جابر رضي الله تعالى عنه ا ن


(1) اخرجه احمد في المسند 3 / 311 عبد الرزاق (8668). (2) ذكره العراقي في تخريجه على الاحياء 3 / 246 وقال: اخرجه الدارقطني وفيه من ر واية ابي حمزة الحميري عن جابر ولا يعرف اسمه ولا حاله. (*)

[ 179 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهم يرصدون عيرا لقريش، وظاهر هذا الحديث ان هذه السرية كانت قبل الهدنة بالحديبية، فانه من حين صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا لم يكن ليرصد لهم عيرا بل كان زمن أمن وهدنة الى حين الفتح. ويبعد ان تكون سرية الخبط على هذا الوجه اتفقت مر تين مرة قبل الصلح ومرة بعده. قلت وسيأتي في الثالث من كلام الحافظ ما يروي الغليل. الثاني: قال في الهدي: قول من قال انها كانت في رجب وهم غير محفوظ، إذ لم يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه غزا في الشهر الحرام ولا أغار فيه ولا بعث فيه سرية، وقد عير المشركون المسلمين بقتالهم في أول رجب في قصة العلاء بن الحضرمي، وقالوا: استحل محمد الشهر الحرام، وأنزل الله تعالى في ذلك: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله) (البقرة 217) ولم يثبت نسخ هذا بنص يجب المصير إليه ولا أجمعت الامة على نسخه. قال (البرهان) في النور: وهو كلام حسن مليح لكنه على ما اختاره من عدم نسخ القتال في الشهر الحرام وسلفه عطاء وأهل الظاهر وشيخه ابي ا لعباس بن تيمية وهو خلاف ما عليه المعظم. وقوله في قصة العلاء بن الحضرمي صوابه عمرو بن الحضرمي اخو العلاء، والعلاء ليس صاحب هذه السرية بل صاحبها وأميرها عبد الله بن جحش. الثالث: قال في الفتح: لا يغاير ما في الصحيح ان هذه السرية بعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم لترصد عيرا لقريش، وما ذكره ابن سعد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثهم لحي من جهينة وان ذلك كان في شهر رجب لامكان الجمع بين كونهم يتلقون عيرا لقريش ويقصدون حيا من جهينة، ويقوي هذا الجمع ما عند مسلم من طريق عبيد الله بن مقسم عن جابر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا الى أرض جهينة، فذكر القصة. لكن تلقي عير قريش ما يتصور ان يكون في الوقت الذي ذكره ابن سعد في رجب سنة ثمان لانهم حينئذ كانوا في الهدنة بل قتضي ما في الصحيح ان تكون هذه السرية في سنة ست، أو قبلها قبل الهدنة يحتمل ان يكون لقيهم العير ليس لمحاربتهم بل لحفظهم من جهينة. ولهذا لم يقع في شئ من طرق الخبر انهم قاتلوا احدا بل أنهم أقاموا نصف شهر وأكثر في مكان واحد والله تعالى أعلم. الرابع: وقع في رواية ابي حمزة الخولاني عن جابر عن ابن ابي عاصم في كتاب الاطعمة ان أمير هذه السرية قيس بن سعد بن عبادة. قال الحافظ: والمحفوظ ما اتفقت عليه روايات الصحيحين انه أبو عبيدة بن الجراح. وكان أحد الرواة ظن من صنيع قيس بن سعد في تلك الغزاة ما صنع من نحر الابل التي نحرها انه كان أمير السرية وليس كذلك. الخامس: ظاهر قول جابر: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا فخرجنا وكنا ببعض الطريق فني

[ 180 ]

الزاد الخ). انه كان لهم زاد بطريق العموم وزاد بطريق الخصوص. فلما فني الذي بطريق العموم اقتضى رأى ابي عبيدة ان يجمع الذي بطريق الخصوص لقصد المساواة بينهم ففعل فكان جميعه مزودا واحدا. ووقع عند ملسلم في رواية الزبير عن جابر: (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر علينا ابا عبيدة نتلقى عيرا لقريش وزودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره. فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة (1)). وظاهره مخالف لهذه الرواية. ويمكن الجمع بأن الزاد العام كان قدر جراب. فلما تعدد وجمع أبو عبيدة الزاد الخاص اتفق انه صار قدر جراب، ويكون كل من الراويين ذكر ما لم يذكر الاخر. واما تفرقة ذلك تمرة تمرة، فكان في ثاني الحال. وقد روى البخاري في الجهادمن طريق وهب بن كيسان عن جابر: (خرجنا ونحن ثلاثمائة نحمل زادنا على رقابنا ففني ز ادنا حتى كان الرجل منا يأكل (كل يوم) تمرة). واما قول عياض: (يحتمل انه لم يكن في أزوادهم تمر غير الجراب المذكور) فمردود لان حديث جابر الذي صدر به البخاري صريح في ان الذي اجتمع من أزوادهم كان مزود تمر. ورواية ابي الزبير صريحة في ان النبي صلى ا لله عليه وسلم زودهم جرابا من تمر فيصح ان التمر كان معهم من غير الجراب. وأما قول غيره يحتمل ان يكون تفرقته عليهم تمرة تمرة كان من الجراب النبوي صلى الله عليه وسلم قصدا للبركة، وكان يفرق عليهم من الازواد التي اجتمعت أكثر من ذلك فبعيد من ظاهر السياق، بل في رواية هشام بن عر وة عند ابن عبد البر. فقلت أزوادنا حتى كان يصيب الرجل منا التمرة. السادس: في رواية وهب بن كيسان عن جابر: (فأكل منه القوم ثماني عشرة ليلة). وفي رواية عمرو بن دينار: (فأكلنا منه نصف شهر). وفي رواية ابي الزبير: (فأقمنا عليها شهرا). ويجمع بين هذا الاختلاف بأن الذي قال: ثماني عشرة، ضبط ما لم يضبط غيره أو أن من قال نصف شهر ألغى الكسر الزائد وهو ثلاثة أيام، ومن قال شهرا جبر الكسر وضم بقية المدة التي كانت قبل وجدانهم الحوت إليها. ورجح النووي رواية ابي الزبير لما فيها من الزيادة. قال ابن التين: احدى الروايتين وهم. ووقع في رواية الحاكم: اثنا عشر يوما، وهي شاذة وأشذ منها رواية الخولاني: أقمنا قبلها ثلاثا. ولعل الجمع الذي ذكرته أولى. السابع: لا تخالف رواية ابي حمزة الخولاني رواية ابي الزبير في لحم الحوت لان رواية ابي حمزة تحمل على ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك ازديادا منه بعدأن أحضروا له منه ما ذكر، أو قال ذلك قبل أن يحضروا له منه، وكان الذي أحضروه معهم لم يروح فأكل منه صلى الله عليه وسلم.


(1) اخرجه مسلم 3 / 1535 (17 - 1935). (*)

[ 181 ]

الثامن: وقع في آخر صحيح مسلم من طريق عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: خرجت أنا وأبي نطلب العلم. فذكر الحديث، وفيه فرأينا جابر بن عبد الله في سجده. الحديث. وفيه سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة بطن بواط. الحديث. وفيه سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (عسى الله أن يطعمكم). فأتينا سيف البحر، فزجر البحر زجرة فألقى دابة، فأورينا على شقها النار فاطبخنا واشتوينا وأكلنا وشبعنا. قال جابر: فدخلت أنا وفلان حتى عد خمسة في فجاج عينها ما يرانا أحد، وأخذنا ضلعا من أضلاعها فقومناه ود عونا أعظم رجل في الركب وأعظم جمل في الركب وأعظم كفل في الركب فدخل تحته ما يطأطئ رأسه. قال الحافظ رحمه الله تعالى: وظاهر سياقه ان ذلك وقع في غزوة لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن يمكن حمل قوله: فأتينا سيف البحر على انه معطوف على شئ محذوف تقديره: فبعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فأتينا الخ، فتتحد مع القصة التي في صحيح البخاري. التاسع: في بيان غريب ما سبق: يرصد: بفتح التحتية. العير: بكسر العين المهملة وبالراء الابل تحمل الميرة ثم غلب على كل قافلة الحي الواحد من أحياء العرب يقع على بني أب كثروا أم قلوا، وعلى شعب يجمع القبائل من ذلك. جهينة: بضم الجيم وفتح الهاء وسكون التحتية وفتح النون فتاء تأنيث. القبلية: بفتح القاف والموحدة. ساحل البحر: شاطئه وهو جانبه. الخبط: بفتح الخاء المعجمة والموحدة ما سقط من ورق الشجر إذا خبط بالعصا لتعلفه الابل. سيف البحر: بكسر السين المهملة وسكون التحتية وبالفاء جانبه. عبادة: بضم العين المهملة وتخفيف الموحدة. الصامت: بلفظ اسم الفاعل. الجراب: بكسر الجيم، قال في التقريب: وقد تفتح. المزود: بكسر الميم وعاء التمر من أدم.

[ 182 ]

يقوتنا: بفتح الفوقية وضم القاف والتخفيف من الثلاثي، وبضم التحتية والتشديد من التقويت ومنعه ابن السكيت - بكسر السين المهملة والكاف المشددة وسكون التحتية فتاء. العصي: بضم العين وكسر الصاد المهملتين جمع عصا. يمصها: بفتح الميم وحكي ضمها. تخبط: الشجرة تضربها فيتحات ورقها فتأكله (الابل). القسي: بكسر القاف جمع قوس. تقرحت: تجرحت من خشونة الورق وحرارته. الشدق: بفتح الشين المعجمة وكسرها وسكون الدال المهملة وبالقاف جانب الفم. فأقسم: أحلف. أخطأها: فاتته ومعناه انه كان للتمر قاسم يقسمه بينهم، فيعطي كل انسان تمرة كل يوم، فقسم في بعض الايام ونسي انسانا فلم يعطه تمرته وظن انه أعطاه فتنازعا في ذ لك، فذهبنا معه وشهدنا له ان لم يعطها فأعطيها بعد الشهادة. فنعشه: فرفعه وتقيمه من شدة الضعف والجهد أو معناه تشد جانبه في دعواه وتشهد له. مشفر البعير: بكسر الميم كالجحفلة من الفرس وهو لذي الحافر كالشفة للانسان. ناله: أصابه. الجهد: بفتح الجيم - وتضم - وبالدال: المشقة، وقيل بالفتح المشقة وبالضم الطا قة. الغيلانيات: أجزاء من الحديث منسوبة لابن غيلان من المحدثين. الجزور: بفتح الجيم من الابل خاصة يقع على الذكر والانثى والجمع جزر بضمتين. شقة من تمر: (أي قطعة تشق منه). دليم: بضم الدال المهملة وفتح اللام وسكون التحتية وبميم. أما: بفتح الهمزة وتخفيف الميم. يخني به بضم التحتية وسكون المعجمة وبالنون يسلمه. فعلا: بكسر الفاء وسكون العين. وفي نسخة من العيون فعالا بفتح الفاء أي الكرم ولهذا وصفه بالمفرد فقال شريفا. ولو أراد الفعال بكسر الفاء الذي هو جمع فعل لقال ريفة. خديج: بخاء معجمة فدال مهملة فتحتية فجيم وزن عظيم.

[ 183 ]

عزم عليه: أمره أمر جد بكسر الجيم. أخفره: إذا نقض عهده واختفره إذا وفى له بالعهد والمراد الاول. الذمة: بكسر الذال المعجمة تفسر تارة بالعهد والامان وتارة بالضمان. أبو ثابت: بثاء مثلثة وموحدة: كنية سعد بن عبادة. الكل: بفتح الكاف وتشديد اللام: وهو الاعياء ثم استعمل في كل ضائع وأمر ثقيل. الدابة: بالدال المهملة وتشديد الموحدة: كل حيوان في الارض ويطلق على الذكر والانثى. العنبر: بلفظ المشموم: حوت كبير بليغ طوله خمسون ذراعا فأكثر. الحوت: اسم جنس لجميع السمك وقيل مخصوص بما عظم منها. الكثيب: بفتح الكاف وكسر الثاء المثلثة: التل من الرمل. الظرب: بفتح الظاء المعجمة المشالة وكسر الراء وبالموحدة: الجبل الصغير. الضخم: بفتح الضاد وسكون الخاء المعجمتين: العظيم. الودك: بفتح الواو والدال المهملة: الشحم. ثابت: بثاء مثلثة وموحدة ففوقية: رجعت. الوقب: بفتح الواو وسكون القاف والموحدة: النقرة التي تكون فيها الحدقة. القلال: بكسر القاف جمع قلة: وهي هنا (الحب العظيم). القدر: بكسر القاف وفتح الدال المهملة: جمع قدرة بفتح فسكون: وهي القطعة من اللحم ومن غيره. الثور: بالثاء المثلثة: الذكر من البقر، والانثى ثورة والجمع ثيران وأثوار وثيرة مثل عنبة. الضلع: بكسر الضاد المعجمة وسكون اللام تؤنث، وجمعها أضلع وضلوع وهي عظام الجنبين. وقوله بضلعين فنصبا، الوجه فنصبتا، وكأنه أوله بعظمين أو عضوين. ونحو ذلك وان التأنيث غير حقيقي فيجوز التذكير. لم يروح: لم ينتن. المجاعة: والمجوعة بفتح الجيم من الجوع ضد الشبع. نهيت: بالبناء للمفعول. ذكوان: بفتح الذال المعجمة.

[ 184 ]

الحوائط: جمع حائط وهو هنا البستان. أوفى: بمعنى أتم. يجذ: يقال جذذت التمر وغيره قطعته وهذا زمن الجذاذ. الشيمة: بكسر الشين المعجمة: الغريزة والطبيعة والجبلة. يبخل علي ولدي (أي رماه بالبخل). الهدنية: بضم الهاء وسكون الدال المهملة وبضمها: الصلح والموادعة بين المتماريين. الغليل: بفتح الغين المعجمة. العطشان. مقسم: بكسر الميم وسكون القاف وفتح السين المهملة. الكفل: بكسر الكاف وسكون الفاء وباللام هنا: الكساء الذي يحويه راكب البعير على سنامه لئلا يسقط.

[ 185 ]

الباب التاسع والاربعون في سرية ابي قتادة الانصاري رضي الله تعالى عنه الى خضرة ووقعة ابن أبي حدرد في شعبان سنة ثمان. روى ابن اسحاق، والامام احمد، ومحمد بن عمر عن عبد الله بن أبي حدرد الاسلمي رضي الله تعالى عنه قال: تزوجت ابنة سراقة بن حارثة النجاري وقد قتل ببدر، فلم أصب شيئا من الدنيا كان أحب الي من نكاحها، وأصدقها مائتي درهم، فلم أجد شيئا أسوقه إليها، فقلت: على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم المعول. فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: (كم سقت إليها ؟) فقلت: مائتي درهم يا رسول الله. فقال: (سبحان الله والله لو كنتم تغترفونه من ناحية بطحان - وفي رواية - (لو كنتم تغترفون الدراهم من واديكم هذا ما زدتم). فقلت: يا رسول الله أعني على صداقها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما وافقت عندنا شيئا أعينك به ولكن قد أجمعت ان أبعث أبا قتادة في أربعة عشر رجلا في سرية فهل لك أن تخرج فيها ؟ فاني أرجو أن يغنمك الله مهر امرأتك). فقلت: نعم (1). وعند اسحاق: فلبثت أياما ثم أقبل رجل من بني جشم حتى نزل بقومه وبمن معه الغابة يريد ان يجمع قيسا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ذا اسم وشر ف في جشم. فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلين من المسلمين فقال: (اخرجوا الى هذا الرجل حتى تأتوني منه بخبر وعلم). وقدم لنا شارفا عجفاء يحمل عليها أحدنا فوالله ما قامت به (ضعفا) حتى دعمها الرجال من خلفها بأيديهم حتى استقلت وما كادت، ثم قال: (تبلغوا عليها واعتقبوها). وفي حديث محمد بن عمر، واحمد واللفظ للاول: فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف فكنا ستة عشر رجلا بأبي قتادة وهو أميرنا. فبعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الى غط فان نحو نجد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيروا الليل واكمنوا النهار وشنوا الغارة ولا تقتلوا النساء والصبيان). قال: فخرجنا حتى جئنا ناحية غطفان. وفي حديث احمد: فخرجنا حتى جئنا الحاضر ممسين، فلما ذهبت فحمة العشاء قال محمد بن عمر قال: وخطبنا أبو قتادة وأوصانا بتقوى الله تعالى وألف بين كل رجلين وقال: (لا يفارق كل رجل زميله حتى يقتل أو يرجع الي فيخبرني خبره، ولا يأتين رجل فأسأله عن صاحبه فيقول لا علم لي به، وإذا كبرت فكبروا، وإذا حملت فاحملوا ولا تمعنوا في الطلب).


(1) اخرجه احمد في المسند 3 / 448، والبيهقي في السنن 7 / 235، والحاكم في المستدرك 2 / 178، وذكره الهيثمي في المجمع 4 / 282. (*)

[ 186 ]

فأحطنا بالحاضر، فسمعت رجلا يصرخ: يا خضرة، فتفاءلت وقلت: لاصيبن خيرا ولاجمعن الي امرأتي، وقد أتيناهم ليلا. قال: فجرد أبو قتادة سيفه وكبر، وجردنا سيوفنا وكبرنا معه فشددنا على الحاضر وقاتلنا رجالا، وإذا أنا برجل طويل قد جرد سيفه وهو يمشي القهقرى، مرة يقبل علي بوجهه، ومرة يدبر عني بوجهه، كأنه يريد أن يستطردني فأتبعه، ثم يقول: يا مسلم هلم الى الجنة فأتبعه، ثم قال: ان صاحبكم لذو مكيدة أمره هذا الامر، وهو يقول الجنة الجنة، يتهكم بنا، فعرفت انه مستقتل فخرجت في أثره وناديت أين صاحبي ؟ لا تبعد فقد نهانا أميرنا عن أن نمعن في الطلب فأدركته وملت عليه فقتلته، وأخذت سيفه، وقد جعل زميلي يناديني أين تذهب ؟ اني والله ان ذهبت الى ابي قتادة فسألني عنك أخبرته. قال: فلقيته قبل أبي قتادة. فقلت: أسأل ا لامير عني ؟ قال: نعم وقد تغيظ علي وعليك. وأخبرني انهم قد جمعوا الغنائم وقتلوا من أشرافهم. فجئت أبا قتادة فلامني فقلت: قتلت رجلا كان من أمره كذا وكذا وأخبرته بقوله كله. ثم سقنا النعم وحملنا النساء وجفون السيوف معلقة بالاقتاب، فأصبحت وبعيري مقطور بامرأة كأنها ظبي. فجعلت تكثر الالتفات خلفها وتبكي، فقلت: الى أي شئ تنظرين ؟ قالت: انظر وا لله الى رجل لئن كان حيا لاستنقذنا منكم. فوقع في نفسي انه هو الذي قتلت. فقلت: قد والله قتلته، وهذا والله سيفه معلق بالقتب. قالت: فألق الي غمده. فقلت: هذا غمد سيفه. قالت: فشمه ان كنت صادقا. قال: فشمته فطبق. قال: فبكت ويئست. وفي حديث ابن اسحاق: قال عبد الله بن أبي حدرد: فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف حتى إذا جئنا قريبا من الحاضر (عشيشية) مع غروب الشمس كمنت في ناحية وأمرت صاحبي فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم، وقلت لهما: إذا (سمعتماني قد) كبرت وشددت في ناحية العسكر فكبرا وشدا معي. قال: فوالله انا لكذلك ننتظر غرة القوم أو أن نصيب منهم شيئا غشينا الليل فذهبت فحمة العشاء، وكان راعيهم قد أبطأ عليهم حتى تخوفوا عليه. فقام صاحبهم رفاعة بن قبس فأخذ سيفه فجعله في عنقه ثم قال: والله لاتبعن أثر راعينا هذا فلقد أصابه شر. فقال بعض من معه. نحن نكفيك فلا تذهب. فقال: والله لا يذهب الا أنا. فقالوا: ونحن معك. قال: والله لا يتبعني أحد منكم. وخرج حتى مر بي، فلما أمكنني نفحته بسهم فوضعته في فؤداه فوالله ما تكلم ووثبت إليه فاحتززت رأسه وشددت في ناحية العسكر وكبرت وشد صاحباي وكبرا. فوالله ما كان الا النجاء ممن فيه عندك عندك بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خف معهم من أموالهم واستقنا ابلا عظيمة وغنما كثيرة.

[ 187 ]

وعند محمد بن عمر عن جعفر بن عمر: وقالوا: غابوا خمس عشرة ليلة وجاءوا بمائتي بعير وألف شاة وسبوا سبيا كثيرا وجمعوا الغنائم فأخرجوا الخمس فعزلوه وعدل البعير بعشرين من الغنم. وروى الامام احمد والشيخان وأبو داود عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية قبل نجد فخرجت فيها فغنمنا ابلا وغنما كثيرة فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرا فنفلنا أميرنا بعيرا بعيرا كل انسان، ثم قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقسم علينا غنيمتنا فأصاب كل رجل منا اثنا عشر بعيرا بعد الخمس، وما حاسبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي أعطانا صاحبنا ولا عاب عليه ما صنع. وفي رواية نفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعير ا بعيرا فكان لكل انسان ثلاثة عشر بعيرا (1). قال عبد الله بن أبي حدرد: فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجئت برأس رفا عة أحمله معي فأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم من تلك الابل ثلاثة عشرة بعيرا فدخلت بزوجتي ورزقني الله خيرا كثيرا. وروى محمد بن عمر عن عبد الله بن أبي حدرد قال: أصابنا في وجهنا أربع نسوة فيهن فتاة كأنها ظبي، بها من الحداثة والحلاوة شئ عجيب، وأطفال وجوار، فاقتسمنا السبي وصارت تلك الجارية الوضيئة لابي قتادة فجاء محمية بن جزء الزبيدي فقال: يا رسول الله ان أبا قتادة قد أصاب في وجهه هذا جارية وضيئة، وقد كنت وعدتني جارية من أول فيئ يفئ الله به عليك. فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أبي قتادة. فقال: (هب لي الجارية). فقال: نعم يا رسول الله: فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعها الى محمية بن جزء الزبيدي. تنبيهان الاول: جعل في العيون سرية أبي قتادة الى خضرة غير سرية عبد الله بن أبي حدرد التي سأل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم الاعانة على مهر امرأته. وجعلهما محمد بن عمر (سرية) واحدة. الثاني: في بيان غريب ما سبق: خضرة: بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين: أرض لمحارب بنجد. حدرد: بمهملات وزن جعفر.


(1) اخرجه البخاري 7 / 653 كتاب المغازي (4338) ومسلم 3 / 1368 (37 - 1749) وأبو داود واحمد في المسند 2 / 10 - 62. (*)

[ 188 ]

سراقة: بضم السين المهملة. حارثة: بالحاء المهملة والثاء المثلثة. أسوقه إليها: أي أمهرها اياه. سبحان الله: أتى هنا التسبيح للتعجب. بطحان: بضم الموحدة وسكون الطاء وبالحاء المهملتين، وقيل بفتح اوله وكسر ثانيه، وحكي فتح الاول وسكون الثاني: واد بالمدينة. أجمعت: عزمت. لبثت: بفتح اللام وكسر الموحدة وبالثاء المثلثة: مكثت. جشم: بضم الجيم وفتح الشين المعجمة. الغابة: بالغين المعجمة وبالموحدة: واد أسفل المدينة. الشارف: المسن من الدواب. العجفاء: بالمد: المهزولة. دعمها الرجال: بدال فعين مهملتين: قوموها بأيديهم. غطفان: بفتح الغين المعجمة والطاء المهملة وبالفاء. شن الغارة: فرقها من كل وجه. الحاضر: القوم النزول على ماء يقيمون به ولا يرحلون عنه. فحمة العشاء: يقال للظلمة التي بين صلاتي العشاء. الزميل: العديل الذي حمله مع حملك على البعير، وقد زاملني عادلني، والزميل أ يضا الرفيق في السفر الذي يعينك على أمورك، وهو الرديف أيضا. فصرخ رجل منهم: يا خضرة: (ياء) حرف نداء، وخضرة منادى. ووقع في العيون ما خضرة. قال في النور: (أي من خضرة)، وتقع (ما) مكان (من)، و (من) مكان (ما). ولكن الاكثر على اطلاق (من) على من يعقل، و (ما) على ما لا يعقل). انتهى. قلت: والذي وقفت عليه من كتب المغازي: يا خضرة كما ذكرته أولا. القهقرى: الرجوع الى خلف. وفي النهاية: المشي الى خلف من غير أن يعيد وجهه الى جهة مشيه. استطرده: خادعه ليمسكه من طراد الصيد.

[ 189 ]

قبل أبي قتادة: بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهته. جفون السيوف: بضم الجيم والفاء وأغمادها، واحدها جفن بفتح الجيم وسكون الفاء. شام السيف: سله وأغمده أيضا من الاضداد. طبق: بطاء مهملة فموحدة مشددة فقاف: ساوى. الغرة: بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء: الغفلة. نفحه بسهم: بفتح النون والفاء وبالحاء المهملة: رماه به. عندك عندك: بمعنى الاغراء. فعدل: بالبناء للمفعول. البعير: بالرفع: نائب فاعل. وضيئة بمد الهمزة المفتوحة: حسنة جميلة. محمية: بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الميم الثانية وتخفيف التحتية. جزء: بفتح الجيم وسكون الزاي وبالهمزة. الزبيدي: بضم الزاي وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالدال المهملة. عشيشية: تصغير عشية. بطن: هو دون القبيلة.

[ 190 ]

الباب الخمسون في سرية ابي قتادة رضي الله تعالى عنه أيضا الى بطن اضم في أول شهر رمضان قبل فتح مكة قال محمد بن عمر: لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم التوجه الى مكة بعث أبا قتادة الحارث بن ربعي رضي الله تعالى عنه في ثمانية نفر الى بطن اضم ليظن ظان ان رسول الله صلى الله عليه وسلم توجه الى تلك الناحية ولأن تذهب بذلك الاخبار. وروى محمد بن اسحاق ومحمد بن عمر، وابن سعد، وابن أبي شيبة، والامام احمد والترمذي وحسنه، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والخرائطي في مكارم الاخلاق، والطبراني، وأبو نعيم، والبيهقي في دلائلهما رحمهم الله تعالى، عن عبد الله بن أبي حدرد، والطبراني عن جندب البجلي، وابن جرير عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، وابن أبي حاتم عن الحسن، وعبد الرزاق، وابن جرير عن قتادة رضي الله تعالى عنه، قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الى اضم (في نفر من المسلمين) أميرنا أبو قتادة الحارث بن ربعي وفينا محلم بن جثامة الليثي وأنا، فخرجنا حتى إذا كنا ببط ن اضم مر بنا عامر بن الاضبط الاشجعي على قعود له ومعه متيع له ووطب من لبن. قال: فلما مر بنا سلم علينا بتحية الاسلام فأمسكنا عنه، وحمل عليه ملحم بن جثامة فقتله لشئ كان بينه وبينه وسلبه بعيره ومتيعه. فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر نزل فينا: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلام لست مؤمنا تبغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة) (النساء 94). فانصرف القوم ولم يلقوا جمعا حتى انتهوا الى ذي خشب. فبلغهم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه الى مكة فأخذوا على يين حتى لحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم بالسقيا (1). فقال النبي صلى الله عليه وسلم لمحلم: (أقتلته بعد ما قال آمنت بالله ؟). وفي حديث ابن عمر، والحسن: فجاء محلم في بردين، فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أقتلته بعد ما قال اني مسلم ؟) قال: يا رسول الله انما قالها متعوذا. قال (أفلا شققت عن قلبه ؟) قال: لم يا رسول الله ؟ قال: (لتعلم أصادق هو أم كاذب). قال: وكنت عالما بذلك يا رسول الله. هل قلبه ا لا مضغة من لحم ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انما كان ينبئ عنه لسانه). وفي رو اية: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ما في قلبه تعلم ولا لسانه صدقت). فقال: استغفر لي يا رسول الله. فقال: (لا غفر الله لك). فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه. فما مضت سابعة حتى مات (2).


(1) انظر مراصد الاطلاع 2 / 72. (2) ذكره السيوطي في الدر 2 / 201، وعزاه لابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن الحسن. (*)

[ 191 ]

وفي حديث ابن اسحاق: فما لبث ان مات فحفر له أصحابه، فأصبح وقد لفظته الارض، ثم عادوا وحفروا له فأصبح وقد لفظته الارض الى جنب قبره. قال الحسن: لا أدري كم قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كم دفناه مرتين أو ثلاثا. وفي حديث جندب وقتادة: أما ذلك فوقع ثلاث مرات، كل ذلك لا تقبله الارض، فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له فقال: (ان الارض تقبل من هو شر من صاحبكم ولكن الله تعالى (يريد أن) يعظكم فأ خذوا برجليه فألقوه في بعض الشعاب وألقوا عليه الحجارة. وتقدم في غزوة حنين حكومته صلى الله عليه وسلم بين عيينة بن حصن، والاقرع بن حابس في دم عامر بن الاضبط. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: اضم: بكسر الهمزة وفتح الضاد المعجمة وبالميم: واد وجبل بالمدينة بينه وبينها ثلاثة برد. محلم: بميم مضمومة وحاء مهملة مفتحة فلام مكسورة مشددة وبالميم. جثامة: بجيم مفتوحة فثاء مثلثة مشددة وبعد الالف ميم مفتوحة وبتاء تأنيث. عامر بن الاضبط: بضاد معجمة ساكنة وموحدة مفتوحة فطاء مهملة: تابعي كبير لانه لم ير النبي صلى الله عليه وسلم ويقال له مخضرم. الوطب: بفتح الواو وسكون الطاء المهملة وبالموحدة: زق اللبن خاصة. فتبينوا: من التبين، قال في الكشاف: (وهما من التفعل بمعنى الاستفعال أي اطلبوا بيان الامر (وثباته) ولا تقتحموه من غير روية). وقرأ حمزة والكسائي: فتثبتوا من التثبت والتأني. ألقى اليكم السلام: حياكم بتحية الاسلام، وقرأ نافع، وابن عامر، وحمزة: السلم بغير ألف أي الاستسلام والانقياد وفسر به السلام أيضا. عرض الدنيا: ما كان من مال قل أو كثر. ذو خشب: بضم الخاء والشين المعجمتين وبالموحدة: واد على ليلة من المدينة. يين: بتحتانيتين، الاولى مفتوحة والثانية ساكنة وبالنون، وضبطه الصغاني بفتح التحتانيتين: واد به عين من أعراض المدينة. السقيا: بضم السين المهملة وسكون القاف: قرية في جامعة من عمل الفرع.

[ 192 ]

الباب الحادي والخمسون في بعث اسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما الى الحرقات روى الامام احمد، وابن أبي شيبة، والشيخان، وأبو داود، والنسائي عن أسامة بن ز يد رضي الله تعالى عنهما، وابن جرير عن السدي، وابن سعد عن جعفر بن برقان الحضرمي رجل من أهل اليمامة قال أسامة رضي الله تعالى عنه: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الحرقة من جهينة. قال: فصبحناهم، وكان رجل منهم - قال السدي - يدعى مرداس بن نهيك، انتهى. إذ ا أقبل القوم كان من أشدهم علينا وإذا أوبروا كان حاميتهم، فهزمناهم، فغشيته أنا ورجل من الانصار. وقال السدي. وكان مع مرداس غنيمة له وجمل أحمر، فلما رآهم آوى الى كهف جبل وتبعه أ سامة. فلما بلغ مرداس الكهف وضع غنمه. ثم أقبل إليهم. قال أسامة: فلما غشينا - قال السدي - قال: السلام عليكم. قال أسامة في رواية: فرفعت عليه السيف. فقال: لا اله الا الله - زاد السدي - محمد رسول الله. قال أسامة: فكف الانصاري وطعنته برمحي حتى قتلته، أي رفع عليه السيف فلما لم يتمكن منه طعنه بالرمح. قال السدي: فشد عليه أسامة من أجل جمله وغنيمته. قال أسامة: فلما قدمنا بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي ر واية: فوقع في نفسي من ذلك. وعند محمد بن عمر: قال أسامة: فلما أصبت الرجل وجدت في نفسي من ذلك موجدة شديدة حتى رأيتني ما أقدر على أكل الطعام حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلني واعتنقني. وقال السدي: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أسامة أحب أن يثني عليه خيرا ويسأل عنه أصحابه. فلما رجعوا لم يسألهم عنه، فجعل القوم يحدثون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون: (يا رسول سالله لو رأيت أسامة، ولقيه رجل فقال الرجل لا اله الا الله فشد عليه فقتله). وهو يعرض عنهم. فلما أكثروا عليه رفع رأسه الى أسامة وقال: (يا أسامة أقتلته بعد أن قال لا اله الا الله ؟) وفي رواية: (فكيف تصنع بلا اله الا الله ؟) قال السدي: (كيف أنت ولا اله الا الله ؟) قال أسامة: قلت يارسول الله انما قالها خوفا من السلاح. وفي رواية: انما كان متعوذ ا من القتل. قال: (أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم ؟) قال السدي: فنظرت إليه (1)، وعن ابن سعد: (فتعلم أصادق هو أم كاذب ؟) وعن ابن اسحاق: (فو الذي بعثه بالحق ما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت الا يومئذ) وفي رواية: (حتى تمنيت اني لم أسلم قبل ذلك اليوم) وعن ابن اسحاق: (وأني لم أقتله) وعن ابن سعد، قال أسامة: (لا أقاتل أحدا يشهد أن لا اله الا الله) وعن ابن اسحاق قلت: انظرني يا رسول الله اني أعاهد الله أن لا أقتل رجلا يقول لا اله ا لا الله. قال: (تقول بعدي يا أسامة). قال قلت: بعدك. قال السدي: فأنزل الله تعالى خبر هذا وأخبر


(1) أخرجه البخاري 5 / 183، ومسلم في كتاب الايمان (159)، وانظر البداية والنهاية 4 / 222. (*)

[ 193 ]

انما قتله من أجل جمله وغنمه فذلك حين يقول: (تبتغون عرض الحياة الدنيا) فلما بلغ (فمن الله عليكم) يقول: فتاب الله عليكم. فحلف أسامة ان لا يقاتل رجلا يقول لا اله الا الله بعد ذلك وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه. وروى ابن أبي حاتم رضي الله تعالى عنهما قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لاهل مرداس بديته ورد ماله إليهم. تنبيهات الاول: قال الحافظ ليس في قول اسامة تعشيا الخ قد يدل على أنه كان أمير الجيش كما هو ظاهر قول البخاري (باب بعث أسامة بن زيد الى الحرقات) وقد ذكر أهل المغازي سرية غالب بن زيد وسرية غالب بن عبد الله الليثي الى الميفعة في رمضان سنة سبع وقالوا: ان أسامة قتل الرجل في هذه السرية. قال: ثبت ان أسامة كان أمير الجيش فالذي صنعه البخاري هو الصواب، لانه ما أمر الا بعد قتل أبيه بغزوة مؤتة، وذلك في رجب سنة ثمان، وان لم يثبت انه كان أميرها رجح ما قاله أهل المغازي. وقال في موضع آخر: هذه السرية يقال لها سرية غالب بن عبيد الله، وكانت في رمضان سنة سبع فيما ذكره ابن سعد عن شيخه، وكذا ذكره ابن اسحاق في المغازي، قال: حدثني شيخ من أسلم عن رجال من قومه قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبيد الله الى أرض بني مرة وبها مرداس بن نهيك حليف لهم من بني الحرقة فقتله أسامة فهذا يبين السبب في قول أسامة (بعثنا الى الحرقات (من جهينة والذي يظهر ان قصة الذي قتل ثم مات فدفن ولفظته الارض غير قصة أسامة لانه عاش بعد ذلك دهرا طويلا) وترجم البخاري في المغازي (باب بعث النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد الى الحرقات من جهينة) فجرى الداود ي في شرحه على ظاهره فقال فيه (تأمير من لم يبلغ) وتعقب من وجهين: أحدهما انه ليس فيه تصريح بأن أسامة كان الامير، إذ يحتمل ان يكون جعل الترجمة باسمه لكونه وقعت له تلك الواقعة لا لكونه كان الامير الخ ما ذكره الحافظ قد قال بعض الشراح الصحيح ما ذكره أهل المغازي مخالفا لظاهر ترجمة البخاري أن أميرها أسامة ولعل المصير الى ما في البخاري فهو الراجح بل الصو اب انتهى. وروى ابن جرير عن السدي قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها أسامة بن زيد فذكر القصة وروى ابن سعد عن جعفر بن برقان قال: حدثنا الحضرمي رجل من أهل اليمامة قال: بلغني ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أسامة بن زيد على جيش فذكر القصة.

[ 194 ]

الثاني: قال النووي الفاعل في قوله: (أقالها) هو القلب ومعناه: انك انما كلفت العمل بالظاهر وما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس لك طريق الى معرفة ما فيه، فأنكر عليه العمل بما ظهر من اللسان فقال: (أفلا شققت عن قلبه لتنظر هل كانت فيه حين قالها واعتقدها أو لا)، والمعنى انك إذا كنت لست قادرا على ذلك فاكتف منه باللسان. الثالث: قال الخطابي لعل أسامة تأول قوله تعالى: (فلم يك أن ينفعهم ايمانهم لما رأوا بأسنا) ولذلك عذره رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يلزمه دية ولا غيرها. وقال الحافظ: لعله حمل نص النفع على عمومه دنيا وأخرى، وليس ذلك المراد للفر ق بين المقامين انه في مثل تلك الحالة ينفعه نفعا مقيدا بأن يجب الكف عنه حتى يختبر أمره هل قال ذلك خالصا من قلبه أو خشية من القتل، وهذا الخلاف ما لو هجم عليه الموت (ووصل خروج الروح الى الغرغرة، وانكشف الغطاء فانه إذا قالها لم تنفعه بالنسبة لحكم ا لاخرة) وهو المراد من الاية. الرابع: قول الخطابي: لم يلزمه دية ولا كفارة فتوقف فيه الداودي وقال: لعله سكت عنه لعلم السامع أو كان قبل نزور آية الدية والكفارة. وقال القرطبي: لا يلزم من السكوت عدم الوقوع، لكن فيه بعد، لان العادة جرت بعد م السكوت عن مثل ذلك ان وقع، قال: يحتمل انه لم يجب عليه شئ، لانه كان مأذونا من أجل القتل فلا يضمن ما أتلفه من نفس ولا مال كالخاتن والطبيب، ولأن المقتول كان من ا لعدو ولم يكن له ولي من المسلمين يستحق ديته. قال: وهذا يتمشى على بعض الاراء الخ ما ذكره وتقدم عن ابن عباس ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر لاهل مرداس بدية. الخامس: قول أسامة: (حتى تمنيت اني لم أكن أسلم قبل ذلك اليوم) أي ان اسلامي كان ذلك اليوم، لان الاسلام يجب ما قبله فتمنى ان يكون ذلك الوقت أول دخوله في الاسلام ليأمن من جريرة تلك الفعلة ولم يرد به تمنى انه لا يكون مسلما قبل ذلك. قال القرطبي: وفيه اشعار بأنه كان استصغر ما سبق له قبل ذلك من عمل صالح في مقابلة هذه الفعلة لما سمع من الانكار الشديد، وانما أورد ذلك على سبيل المبالغة. السادس: في بيان غريب ما سبق: الحرقات: بضم الحاء المهملة وفتح الراء والقاف والفوقية بطن من جهينة نسبة ا لى الحرقة واسمه جهيش بن عامر بن ثعلبة بن مودعة الحضرمي بن جهينة، قال ابن الكلبي: سمي بذلك لوقعة كانت بينهم وبين مرة بن عوف بن سعد فأحرقوهم بالسهام لكثرة من حرقو ا منهم.

[ 195 ]

برقان: بضم الموحدة وسكون الراء وبالقاف. الحضرمي: بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء. صبحنا القوم: هجمنا عليهم صباحا قبل أن يشعروا بنا. مرداس: بكسر الميم. نهيك: بفتح النون وكسر الهاء وسكون التحتية وهذا القول جرى عليه ابن الكلبي وجزم به ابن بشكول، قال ابن عبد البر: مرداس بن عمرو الفدكي وبه جزم أبو الفضل بن طاهر. حاميتهم: ناصرهم ومانعهم. فغشينا: بفتح الغين وكسر الشين المعجمتين: لحقنا به حتى تغطى بنا. (أنا ورجل من الانصار): قال الحافظ: لم أقف على اسم الانصاري. غنيمة له: بالتصغير. آوى: لجأ الكهف. انظرني: أخرني.

[ 196 ]

الباب الثاني والخمسون في سرية خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه الى العزى قال ابن سعد: ثم سرية خالد بن الوليد الى العزى لخمس ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان، وكانت بيتا بنخلة. قال ابن اسحاق وابن سعد: وكان سدنتها وحجابها بني شيبان من بني سليم حلفاء بني هاشم، وكانت أعظم أصنام قريش وجميع كنانة. وذلك ان عمرو بن لحي كان قد أخبرهم ان الرب يشتي بالطائف عند اللات ويصيف عن العزى، فعظموها وبنوا لها بيتا وكان يهدون إليها كما يهدون للكعبة. وروى البيهقي عن أبي الطفيل رضي الله تعالى عنه: وكانت بيتا على ثلاث سمرات. انتهى. قال محمد بن عمر، وابن سعد: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة خا لد بن الوليد الى العزى ليهدمها. فخرج في ثلاثين فارسا من أصحابه. قال ابن اسحاق: فلما سمع سادنها السلمي بسير خالد إليها علق عليها سيفه وأسند في الجبل الذي هي فيه وهو يقول: ياعز شدي شدة لا شوى لها على خالد ألقي القناع وشمري يا عز ان لم تقتلي المرء خالدا فبوئي باثم عاجل أو تنصري قال أبو الطفيل، ومحمد بن عمر، وابن سعد: فأتاها خالد فقطع السمرات وهدمها ثم رجع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: (هل رأيت شيئا ؟) قال: لا. قال: (فانك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها). فرجع خالد وهو متغيظ. فلما رأت السدنة خالدا انبعثوا في الجبل وهم يقولون: يا عزى خبليه، يا عزى عوريه ولا تموتي برغم، فخرجت إليه (امرأة عجوز) سوداء عريانة ثائرة الرأس، زاد أبو الطفيل: تحثو التراب على رأسها ووجهها. فضربها خالد وهو يقول: ياعز كفرانك لا سبحانك اني رأيت الله قد أهانك فجزلها اثنتين، ثم رجع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: (نعم، تلك العزى قد يئست ان تعبد ببلادكم أبدا) (1). تنبيهان الاول: ذكر ابن اسحاق ومن تابعه هذه السرية بعد سرية خالد الى بني جذيمة، وذكرها محمد بن عمر، وابن سعد، والبلاذري، وجرى عليه في المورد والعيون، وجزم به في ا لاشارة قبلها. وارتضاه في الزهر، وقال ان في الاول نظر من حيث ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد وجد على خالد في أمر بني جذيمة ولا يتجه ارساله بعد ذلك في بعث. والذي ذكره غير واحد،


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 110 - 111. (*)

[ 197 ]

منهم الواقدي وتلميذه محمد بن سعد ان سرية خالد الى العزى كانت لخمس ليال من شهر رمضان، وسرية خالد الى بني جذيمة كانت في شوال سنة ثمان. قلت: ان صح ما ذكره ابن اسحاق من كون سرية خالد لهدم العزى بعد سرية بني جذيمة فوجهه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي عليه وعذره في اجتهاده. الثاني: في بيان غريب ما سبق: العزي: بضم العين المهملة وفتح الزاي. نخلة: بلفظ الشجرة. السدنة: بفتح السين والدال المهملتين وبالنون: الخدمة. الحجاب: البوابون. شيبان: بفتح الشين المعجمة وسكون التحتية. سليم: بضم السين المهملة وفتح اللام. كنانة: بكسر الكاف. لحي: بضم اللام وفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية. يشتي: بضم التحتية وفتح الشين المعجمة والفوقية المشددة. السمرات: بفتح السين المهملة وضم الميم جمع سمرة: بفتح السين وضم الميم وفتح الراء وتاء التأنيث. أسند في الجبل: ارتفع. لا شوى لها: لا بقيا لها. القناع: بكسر القاف. باء: رجع. انبعثوا: ذهبوا. خبليه: الخبال بالفتح: الجنون والفساد، وأصله من النقصان، ثم صار الهلاك خبا لا. الرغم: يقال رغم انفه بفتح الراء وكسرها رغما، لصق بالرغام بالفتح: وهو الترا ب ذبلا. جزلها: بفتح الجيم والزاي المشددة: قطعها. أن تعبد: بالبناء للمفعول.

[ 198 ]

الباب الثالث والخمسون في سرية عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه لهدم سواع في شهر رمضان سنة ثمان في غزوة الفتح قال محمد بن عمر، وابن سعد: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص الى سواع: صنم هذيل بن مدركة، وكان على صورة امرأة ليهدمه. قال عمرو: فانتهيت إليه وعنده السادن. فقال: ما تريد ؟ فقلت: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهدمه. قال: لا تقدر على ذلك. قلت: لم ؟ قال: تمنع. قلت: حتى الان أنت على الباطل ويحك، وهل يسمع أو يبصر ؟ قال: فدنوت منه فكسرته، وأمرت اصحابه فهدموا بيت خزانته فلم نجد فيه شيئا. ثم قلت للسادن كيف رأيت ؟ قال: أسلمت لله تعالى. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: سواع: بسين مضمومة وعين مهملتين بينهما ألف سمي سواع بن شيث بن آدم عليه السلا م قال الجوهري (وسواع اسم صنم) كان لقوم نوح عليه السلام ثم صار لهذيل كان برهاط - بضم الراء: قرية جامعة على ثلاثة أميال من مكة ساحل البحر - يحجون إليه. هذيل: بضم الهاء وفتح الذال المعجمة وسكون التحتية وباللام. السادن: بسين ودال مكسورة مهملتين وبالنون: الخادم. الخزانة: بكسر الخاء المعجمة.

[ 199 ]

الباب الرابع والخمسون في سرية سعد بن زيد الاشهلي رضي الله تعالى عنه الى مناة وهو بالمشلل لست بقين من رمضان سنة ثمان في فتح مكة قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة سعد بن زيد الاشهلي الى مناة وكانت (بالمشلل) للاوس والخزرج وغسان. فلما كان يوم الفتح بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن زيد الاشهلي لهدمها فخرج في عشرين فارسا حتى انتهى إليها وعليها سادن. فقال السادن: ما تريد ؟ قال: هدم مناة. قال: أنت وذاك. فأقبل سعد يمشي إليها وتخرج إليه امر أة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها. فقال السادن: مناة دونك بعض غضباتك ويضربها سعد بن زيد الاشهلي فقتلها. ويقبل الى الصنم معه أصحابه فهدموه. ولم يجد في خزانتها شيئا وانصرف راجعا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الاشهلي: بالشين المعجمة والهاء واللام والتحتية. مناة: بفتح الميم. المشلل: بضم الميم وفتح الشين المعجمة فلام مفتوحة مشددة ثم لام أخرى: من ناحية البحر وهو الجبل الذي يهبط منه الى قديد. ثائرة: بثاء مثلثة: أي منتشرة الشعر. السادن: الخادم.

[ 200 ]

الباب الخامس والخمسون في بعثه صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه الى بني جذيمة من كنانة وكانوا أسفل مكة على ليلة بناحية يلملم في شوال سنة ثمان وهو يوم الغميصاء وذلك في غزوة الفتح روى ابن اسحاق عن ابي جعفر محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم، ومحمد ابن عمر عن ابن سعد قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد - حين افتتح مكة - داعيا ولم يبعثه مقاتلا، وبعث معه ثلاثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والانصار (ومعه قبائل من العرب) سليم بن منصور، ومدلج بن مرة فوطئوا بني جذيمة (بن عامر بن عبد مناة بن كنانة) فلما رآه القوم أخذوا السلاح فقال خالد: ما أنتم ؟ قالوا: مسلمون قد صلينا وصدقنا وبنينا المساجد في ساحاتنا وأذنا فيها. قال: فما بال السلاح عليكم ؟ قالوا: (ان بيننا وبين قوم من العرب عداوة فخفنا ان تكونوا هم فأخذنا السلاح). فقال خالد: ضعوا السلاح فان الناس قد أسلموا. فقال رجل من بني جذيمة يقال له جحدم: (ويلكم يا بني جذيمة انه خالد، والله ما بعد وضع السلاح الا الاسار وما بعد الاسار الا ضرب الاعناق، والله لا أضع سلاحي أبدا). فأ خذه رجال من قومه فقالوا: (يا جحدم أتريد أن تسفك دماءنا ان الناس قد أسلموا ووضعت الحرب أوزارها وأمن الناس). فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه ووضع القوم السلاح لقول خالد. وروى الامام احمد، والبخاري، والنسائي عن ابن عمر رضي الله عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالدا الى بني جذيمة فدعاهم الى الاسلام فلم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا فجعلوا يقولون صبأنا صبأنا فجعل خالد يقتل منهم ويأسر ودفع الى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يوم (أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره). قال ابن عمر: (فقلت والله لا أقتل أسيري ولا يقتل أحد من اصحابي أسيره). قال أبو جعفر محمد بن علي رضي الله عنهم: فلما وضعوا السلاح أمرهم خالد عند ذلك فكتفوا ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل منهم. وعند ا بن سعد أنهم لما وضعوا السلاح قال لهم: استأسروا فاستأسر القوم فأمر بعضهم فكتف بعضا وفرقهم في أصحابه. فلما كان السحر نادى خالد: من كان معه أسير فليدافه. والمدا فة الاجهاز عليه بالسيف. فأما بنو سليم فقتلوا من كان في أيديهم. وأما المهاجرون والانصار فأرسلوا أساراهم. قال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم انه حدث عن ابراهيم بن جعفر المحمودي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأيت كأني لقمت لقمة من حيس فالتذ ذت طعمها فاعترض في حلقي منها شئ حين ابتلعتها فأدخل علي يده فنزعه). فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه:

[ 201 ]

يا رسول الله هذه سرية من سراياك تبعثها فيأتيك منها بعض ما تحب ويكون في بعضها اعتراض فتبعث عليا فيسهله. قال ابن اسحاق: ولما أبى جحدم ما صنع خالد قال: يا بني جذيمة ضاع الضرب قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه. قال: وحدثني أهل العلم انه انفلت رجل من القوم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل أنكر عليه أحد ؟) قال: نعم، قد أنكر عليه رجل أبيض ربعة فنهمه خالد فسكت عنه، وأنكر عليه رجل آخر طويل مضطرب فراجعه فاشتدت مراجعتهما. فقا ل عمر بن الخطاب: يا رسول الله: أما الاول فابني عبد الله وأما الاخر فسالم مولى أ بي حذيفة. قال عبد الله بن عمر في حديثه السابق: (فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرنا ذلك له فرفع يديه وقال: (اللهم اني أبرأ اليك مما صنع خالد). مرتين. رواه الامام احمد وا لبخاري والنسائي. قال أبو جعفر محمد بن علي رضي الله عنهم: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ابن أبي طالب رضوان الله عليه فقال: (يا علي اخرج الى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم واجعل أمر ا لجاهلية تحت قدميك). فخرج علي حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الاموال حتى انه لودى لهم ميلغة الكلب، حتى إذا لم يبق شئ من دم ولا مال الا وداه بقيت معه بقية من المال، فقال لهم علي حين فرغ منهم: (هل بقي لكم مال لم يؤد اليكم ؟) قالوا: لا. قال: فاني أعطيكم من هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لا يعلم ومما لا تعلمون). ففعل ثم رجع الى رسو ل الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر فقال: (أصبت وأحسنت). ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة شاهرا يديه حتى انه ليرى ما تحت منكبيه يقول: (اللهم اني أبرأ اليك مما صنع خالد بن الويد) (1). ثلاث مرات. وروى ابن اسحاق عن ابن ابي حدرد الاسلمي، وابن سعد عن عبد الله بن عصام (المزني) عن أبيه، والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهم قال ابن أبي حدرد: كنت يومئذ في خيل خالد بن الوليد. وقال عصام: لحقنا رجلا فقلنا له: كافر أو مسلم ؟ فقال: ان كنت كافرا فمه ؟ قلنا له: ان كنت كافرا قتلناك. قال: دعوني أقضي الى النسوان حاجة. وقال ابن عباس: فقال اني لست منهم اني عشقت امرأة فلحقتها فدعوني انظر إليها نظرة ثم اصنعوا بي ما بدا لكم. وقال ابن ابي حدرد: فقال فتى من بني جذيمة - وهو في سني وقد جمعت يداه الى عنقه برمة ونسوة مجتمعات غير بعيد منه - يا فتى. فقلت ما تشاء ؟ قال، هل أنت آخذ بهذه الرمة فقائدي الى هؤلاء النسوة حتى أقضي اليهن حاجة، ثم تردني بعد فتصنعوا بي ما بدا لكم ؟


(1) اخرجه البخاري 4 / 122، والنسائي 8 / 237، وأحمد في المسند 2 / 151، والبيهقي في السنن 9 / 115. (*)

[ 202 ]

قال: قلت: والله ليسير ما طلبت. فأخذت برمته فقدته بها حتى أوقفته عليهن. قال عصام: فدنا الى امرأة منهن. وقال: (سفيان) فإذا امرأة كثيرة النحض - يعني اللحم -. وقا ل ابن عباس: فإذا امرأة طويلة أدماء فقال: اسلمي حبيش على نفد من العيش أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم بحلية أو ألفيتكم بالخوانق ألم يك أهلا أن ينول عاشق تكلف ادلاج السرى والودائق فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معاأثيبي بود قبل احدى الصفائق أثيبي بود أن يشحط النوى وينأى لأمر بالحبيب المفارق زاد ابن اسحاق، ومحمد بن عمر رحمهما الله تعالى: فاني لا ضيعت سر أمانة ولا راق عيني عنك بعدك رائق سوى أن ما نال العشيرة شاغل عن الود الا ان يكون التوامق قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر البيتين الاخيرين منها له. انتهى. ولفظ حديث ابن عباس: أما كان حقا أن ينول عاشق، أو أدركتكم بالخوانق. فقالت: نعم وأنت فحيت سبعا وعشرا وترا وثمانيا تترى. قال ابن ابي حدرد: ثم انصرفت به فضربت عنقه. وقال عصام: فقربناه فضربنا عنقه، فقامت المرأة إليه حين ضربت عنقه فأكبت عليه فما زالت تقبله حتى ماتت عليه. وقال ابن عباس: فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبره الخبر فقال: (أما كان فيكم رجل رحيم ؟) (1). ذكر رجوع خالد بن الوليد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وانكار عبد الرحمن بن عوف على خالد بن الوليد رضي الله عنهما روى محمد بن عمر، وأبو النيسابوري في الشرف، والحاكم في الاكليل، وابن عساكر عن سلمة بن الاكوع رضي الله عنه قال: قدم خالد بن الوليد على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما صنع ببني جذيمة ما صنع وقد عاب عبد الرحمن بن عوف على خالد ما صنع. قال: يا خالد، أخذ ت بأمر الجاهلية في الاسلام، قتلتهم بعمك الفاكه. وأعانه عمر بن الخطاب على خالد، فقا ل خالد: أخذتهم بقتل أبيك، وفي لفظ: فقال: انما ثأرت بأبيك. فقال عبد الرحمن: كذبت والله لقد قتلت قاتل أبي، وأشهدت على قتله عثمان بن عفان. ثم التفت الى عثمان فقال: أ نشدك الله هل علمت اني قتلت قاتل أبي ؟ فقال عثمان: اللهم نعم. ثم قال عبد الرحمن: ويحك يا خالد ولو لم أقتل قاتل أبي أكنت تقتل قوما مسلمين بأبي في الجاهلية ؟ قال خالد: ومن أخبرك أنهم


(1) اخرجه البيهقي في الدلائل 5 / 118، والطبراني في الكبير 11 / 370. (*)

[ 203 ]

أسلموا ؟ فقال: أهل السرية كلهم يخبرونا انك قد وجدتهم بنوا المساجد وأقروا بالا سلام، ثم حملتهم على السيف. قال: جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أغير عليهم. وعند ابن اسحاق (وقد قال بعض من يعذر خالدا انه) قال: ما قاتلت حتى أمرني بذلك عبد الله بن حذافة لسهمي وقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم عن الاسلام، انتهى. فقال عبد الرحمن: كذبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وغالظ عبد الرحمن قال ابن اسحاق: فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى. فأعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خالد وغضب عليه وقال: (يا خالد ذر لي أصحابي، متى ينكأ المرء ؟ ينكأ المرء ولو كان لك أحد ذهبا تنفقه قيراطا قيراطا في سبيل الله لم تدرك غدوة أو روحة من غدوات أو روحات عبد الرحمن) (1). وعند ابن اسحاق: غدوة رجل من أصحابي. وروى البخاري عن ابي سعيد الخدري - بالخاء المعجمة المضمومة وسكون الدال المهملة - رضي الله عنه قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شئ فسبه خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أصحابي فان أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصفه) (2). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: جذيمة: بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة وبالتحتية. كنانة: بكسر الكاف ونونين فتاء تأنيث. يلملم: بفتح التحتية واللامين واسكان الميم بينهما وبالميم في آخره. الغميصاء: بضم الغين المعجمة وفتح الميم وسكون التحتية وبالصاد المهلمة. موضع في بادية العرب قرب مكة كان يسكنه بنو جذيمة بن عامر. سليم: بضم السين المهملة وفتح اللام. ملج: بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر اللام وبالجيم. ما أنتم: قال في النهر: الظاهر انه سألهم عن صفتهم: أي مسلمون أنتم أم كفار ؟ ولهذا أتى بما، ولو أراد غير ذلك لقال: من أنتم ؟ وانه استعمل (ما) فيمن يعقل وهو شائع. جحدم: بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة وبالدال (المهملة). الاسار: بكسر الهمزة وهو القيد. وضعت الحرب أوزارها: كناية عن الانقضاء، والمعنى على حذف مضاف، والتقدير


(1) اخرجه ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق 5 / 103، وذكره المتقي الهندي في الكنز (33497). (2) اخرجه البخاري في كتاب المناقب (3673) واحمد في المسند 3 / 11، والبيهقي في السنن 1 / 203. (*)

[ 204 ]

حتى تضع الحرب أثقالها، فأسند الفعل الى الحرب مجازا وسمى السلاح وزرا لثقله على لابسه. صبأنا: من دين الى دين يصبأ مهموز بفتحتين: خرج، فهو صابئ، وأرادوا هنا دخلنا في دين محمد. كتف بعضهم بعضا. عرضهم على السيف: قتلهم. الدف: بالدال المهملة وتعجم وبالفاء المشددة: الاجهاز على الاسير - بكسر الهمزة وسكون الجيم وبالزاي - الاسراع في قتله. الحيس: خلط الاقط بالتمر والسمن يعجن حتى يندر النوى منه وربما يجعل فيه السويق، والاقط شئ يعقد من اللبن. الربعة من الرجال: بفتح الراء وسكون الموحدة وتفتح: المعتدل أي بين الطول والقصر. نهمه: بنون مفتوحة فهاء فميم: زجره. اجعل أمر الجاهلية تحت قدميك: ودى لهم قتلاهم: أعطاهم ديات قتلاهم لانهم قتلوا خطأ. ميلغة الكلب: بميم مفتوحة فتحتية ساكنة فلام فغين معجمة: شئ يحفر من خشب ويجعل فيه الماء ليلغ الكلب في أي يشرب. المنكب: كمسجد مجتمع رأس العضد والكتف. أبو حدرد: بمهملات كجعفر. مه: اسم فعل بمعنى اكفف. ما بدا له: بغير همز: ظهر. الرمة: بضم الراء وفتح الميم المشددة: قطعة حبل بالية والجمع رمم ورمام وأصله ان رجلا دفع الى رجل بحبل في عنقه فقيل لكل من دفع شيئا بجملته دفعه برمته. النحض: (المكتنز من) اللحم. أدماء: بدال مهملة وبالمد: سمراء. اسلمي: دعا لها بالسلامة. حبيش: بضم الحاء المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالشين المعجمة: ترخيم

[ 205 ]

حبشية. النفد: والنفاد مصدر نفد الشئ كسمع نفادا ونفدا فني وذهب، وقال في الاملاء: على أنفد عيش، يريد على تمامه. حلية: بحاء مهملة مفتوحة فلام ساكنة فمثناة تحتية فتاء تأنيث، قال في الصحاح: مأسدة بناحية اليمن. الخوانق: بفتح الخاء المعجمة وتخفيف الواو وبعد الالف نون مكسورة وبالقاف: قال نصر: موضع عند طرف أجأ ملتقى الرمل والجلد. الادلاج: سير الليل. السرى: بضم السين المهملة وفتح الراء: جمع سرية بضم السين وفتحها: الذهاب في الليل. الودائق: جمع وديقة بفتح الواو وكسر الدال المهملة وسكون التحتية وبالقاف وتاء التأنيث: وهي شدة الحر في الظهيرة. الصفائق: بصاد مهملة مفتوحة ففاء فألف تحتية مكسورة وبالقاف: الحالات. الشحط: بشين معجمة مفتوحة فحاء ساكنة فطاء مهملتين هنا البعد يقال شحط المزار. النوى: بفتح النون: القصد والوجه الذي ينويه المسافر من قرب أو بعد وهي مؤنثة لا غير. ينأى: يبعد. راق: ماء الحجب كذا في نسختين من الاملاء ولم أفهمه. التوامق: بفوقية مفتوحة فواو فألف فميم مضمومة فقاف: الحب. تترى: بفوقيتين: الاولى مفتوحة والثانية ساكنة أي تتوالى. أثأر: بالهمز ويجوز تخفيفه يقال ثأرت القتيل وثأرت من باب نفع إذا قتلت قاتله.

[ 206 ]

الباب السادس والخمسون في سرية ابي عامر الاشعري رضي الله تعالى عنه الى أوطاس بين غزوة حنين وغزوة الطائف روى الجماعة عن ابي موسى الاشعري رضي الله تعالى عنه، وابن اسحاق عن رجاله عن سلمة بن الاكوع، وابن هشام عمن يثق به من أهل العلم، ومحمد بن عمر، وابن سعد عن رجالهم ان هوازن لما انهزموا يوم حنين ذهبت فرقة منهم فيهم رئيسهم مالك بن عوف النصري فلجأوا الى الطائف فتحصنوا وصارت فرقة فعسكروا بمكان يقال له أوطاس: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الى هذه سرية وأمر عليهم ابا عامر الاشعري رضي الله تعالى عنه. ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة الى الطائف فحاصرها، وتقدم ذلك في غزوة الطائف. قال أبو موسى رضي الله تعالى عنه: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عامر الاشعري على جيش الى أوطاس فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد وهزم الله تعالى أصحابه. قال أبو موسى بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ابي عامر، قال سلمة بن الاكو ع رضي الله تعالى عنه، وابن هشام رحمه الله تعالى: لما نزلت هوازن عسكروا بأوطاس عسكرا عظيما وقد تفرق منهم من تفرق وقتل من قتل وأسر من أسر فانتهينا الى عسكرهم، فإذا هم ممتنعو ن، فبرز رجل معلم يبحث للقتال، فبرز له أبو عامر فدعاه الى الاسلام ويقول اللهم اشهد عليه فقال الرجل: اللهم لا تشهدوا علي. فكف عنه أبو عامر فأفلت ثم أسلم بعد فحسن اسلامه فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رآه يقول: (هذا شريد ابي عامر). وقال ابن هشام: ورمى ابا عامر أخوان: العلاء وأوفى ابنا الحارث من بني جشم بن معاوية فأصاب احدهما قلبه والاخر ركبته قتلاه. قال أبو موسى: رمي أبو عامر في ركبته رماه جشمي. وعند ابن عائذ، والطبراني بسند حسن عن ابي موسى رضي الله تعالى عنه: قتل ابن دريد بن الصمة ابا عامر. قال ابن اسحا ق: اسمه سلمة ولم أر له اسلاما. وفي حديث سلمة ان العاشر ضرب ابا عامر فأثبته قال سلمة: فاحتملناه وبه رمق. وقال أبو موسى: فانتهيت الى ابي عامر فقلت له: يا أبا عامر من رماك ؟ فأشار الى ا بي موسى وقال: ذاكه قاتلي الذي رماني. وفي حديث سلمة بن الاكوع ان ابا عامر أعلم ابا موسى ان قاتله صاحب العصابة الصفراء. قال أبو موسى: فقصدت له فلحقته فلما رآني ولى فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي ألا تثبت ؟ فكف فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته. ثم قلت لابي عامر: قتل الله صاحبك. قال: فانزع هذا السهم فنزعته، فنزا منه الماء. فقال: يا ابن أخي أقرئ النبي صلى الله عليه وسلم

[ 207 ]

السلام وقل له استغفر لي. قال أبو موسى: واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرا ثم مات. وفي حديث سلمة: وأوصى أبو عامر الى ابي موسى ودفع إليه الراية وقال: ادفع فرسي وسلاحي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاتلهم أبو موسى حتى فتح الله تعالى عليه وانهزم المشركون بأوطاس وظفر المسلمون بالغنائم والسبايا، وقتل قاتل ابي عامر وجاء بسلاحه وتركته وفرسه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ان ابا عامر أمرني بذلك. وفي حديث ابي موسى رضي الله تعالى عنه: (فرجعت فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم في بيته وهو على سرير مرمل وعليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره وجنبيه فأخبرته بخبرنا وخبر ابي عامر، وقال: قل له: استغفر لي، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فتوظأ ثم رفع يديه فقال: (اللهم اغفر لعبيد ابي عامر) ورأيت بياض ابطيه ثم قال: (اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس). فقلت: ولي فاستغفر فقال: (اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما) (1). تنبيهات الاول: أوطاس: بفتح اوله وسكون الواو وبالطاء والسين المهملتين. قال القاضي: هو واد في ديار هوازن وهو موضع قرب حنين. قال الحافظ: وهذا الذي قاله ذهب إليه بعض أهل السير والراجح ان وادي أوطاس غير وادي حنين ويوضح ذلك ما ذكره ابن اسحاق ان الو قعة كانت في وادي حنين وان هوازن لما انهزموا صارت طائفة منهم الى الطائف وطائفة الى نخيلة وطائفة الى أوطاس. قال أبو عبيد البكري رحمه الله تعالى: أوطاس واد في ديار هوازن وهناك عسكروا هم وثقيف ثم التقوا بحنين. الثاني: أبو عامر اسمه عبيد - بالتصغير - ابن سليم - بضم السين وفتح اللام - ابن حضار - بحاء مهملة مفتوحة وتشديد الضاد المعجمة الساقطة وبعد الالف راء - ابن حرب بن عنز - بفتح العين المهملة وسكون النون وبالزاي - ابن بكر بفتح الموحدة وسكون الكاف - ابن عامر بن عذرة - بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة - ابن وائل - بكسر التحتية - ابن ناجية - بالنون والجيم والتحتية - ابن الجماهر - بالجيم والميم وكسر الهاء - ابن الاشعر، وهو عم ابي موسى. وقال ابن اسحاق هو ابن عمه. قال الحافظ: والاول أشهر. الثالث: اختلف في اسم الجشمي الذي رمى ابا عامر فقال ابن اسحاق: زعموا انه سلمة بن دريد بن الصمة فهو الذي رمى ابا عامر بسهم فأصاب ركبته. وعند ابن عائذ،


(1) أخرجه البخاري 4 / 41، ومسلم 4 / 1944 (165 - 2498). (*)

[ 208 ]

والطبراني في الاوسط بسند حسن من وجه آخر عن أبي موسى الاشعري قال: لما هزم الله المشركين يوم حنين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل الطلب ابا عامر الا شعري وأنا معه، فقتل ابن دريد أبا عامر فعدلت إليه فقتلته وأخذت اللواء. الرابع: قال الحافظ في الفتح كما رأيته بخطه ان ابن اسحاق ذكر ان أبا عامر لقي يوم أوطاس عشرة اخوة فقتلهم واحدا واحدا حتى كان العاشر، فحمل عليه أبو عامر وهو يد عوه الى الاسلام ويقول: اللهم اشهد عليه فقال الرجل: اللهم لا تشهد علي. فكف عنه أبو عامر ظنا منه انه أسلم، فقتله العاشر ثم أسلم بعد، فحسن اسلامه فكان النبي صلى الله عليه وسلم يسميه (شهيد ابي عامر). ثم قال الحافظ: وهذا مخالف لحديث الصحيح في ان ابا موسى قتل قاتل ابي عامر، وما في الصحيح أولى بالقبول، ولعل الذي ذكره ابن اسحاق شرك في قتله. قلت: وما نقله الحافظ عن ابن اسحاق ليس في رواية البكائي، وانما زاده ابن هشام عن بعض من يثق به ولم يذكر ان العاشر قتل أبا عامر أصلا بل قال: ورمى أبا عامر أخوان: العلاء وأوفى ابنا الحارث بن جشم بن معاوية فأصاب أحدهما قلبه والاخر ركبته فقتلاه. ثم ظهر لي ان الحافظ لم ير اجع السيرة وانما قلد القطب في المورد فانه ذكره كذلك. وجزم محمد بن عمر، وابن سعد بأن العاشر لم يسلم وانه قتل ابا عامر وتقدم ذلك في القصة. وفي خط الحافظ (شهيد) بلفظ شهيد المعركة والذي رأيته في نسخ السيرة (الشريد) بعد الشين المعجمة راء فتحتية فدال مهملة. الخامس: قول ابن هشام: (وولى الناس أبا موسى) يخالفه ما تقدم في القصة عن أ بي موسى كما في الصحيح ان أبا عامر استخلفه، وكذا في حديث سلمة بن الاكوع وبه جزم ا بن سعد. السادس: في بيان غريب ما سبق: مالك بن عوف: بالفاء. النضري: بالنون والضاد المعجمة. عسكروا: اجتمعوا. دريد: بمهملات تصغير أدرد. الصمة: بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم. قتل: بالبناء للمفعول. برز رجل: ظهر.

[ 209 ]

الشديد: الطويل. العلاء: بفتح العين. وأوفى: لم أر لهما اسلاما. جشم: بضم الجيم وفتح الشين المعجمة. فأثبته: بقطع الهمزة أي أثبت السهم. الرمق: بفتحتين وبالقاف: بقية الحياة. اختلفا ضربتين: ضرب كل واحد منهما الاخر في غير الموضع الذي ضرب فيه. تستحي: بكسر الحاء المهملة، وفي رواية تستحيي بسكونها وزيادة تحتية مكسورة: أي خجل. نزا منه الدم: سال. وقل له استغفر لي: بلفظ الطلب يعني ان ابا عامر سأل أبا موسى ان يسأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر له. سرير مرمل: بضم الميم الاولى وفتح الثانية بينهما راء ساكنة، وفي رواية بفتح الراء والميم الثانية مشددة أي منسوج بحبل ونحوه وهي حبال الحصر التي يضفر بها الاسرة. وعليه فراش: نقل السفاقسي عن ابي الحسن وأظنه ابن بطال أو القابسي انه قال: ا لذي أحفظه في هذا: ما عليه فرلاش، قال ان (ما) سقطت هنا وقال ابن التين: أنكر قوله: (وعليه كونه رقد على غير فراش كما في قصة عمر انه لا يكون على سريره دائما فراش. قلت ويؤيد قول ابي الحسن قول ابي موسى: قد أثر رمال السرير بظهره وجنبيه. والله تعالى أعلم. مدخلا: بضم الميم وفتحها وكلاهما بمعنى المكان والمصدر. كريما: حسنا.

[ 210 ]

الباب السابع والخمسون في سرية الطفيل بن عمرو (الدوسي) رضي الله تعالى عنه الى ذي الكفين في شوال سنة ثمان. قال ابن سعد: قالوا لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير الى الطائف بعث الطفيل بن عمرو الى ذي الكفين صنم من خشب كان لعمرو بن حممة الدوسي، يهدمه، وأمره ان يستمد قو مه ويوافيه بالطائف، فخرج سريعا الى قرية فهدم ذا الكفين وجعل يحيي النار في وجهه ويحرقه ويقول: يإذا الكفين لست من عبادكا ميلادنا أقدم من ميلادكا اني حشوت النار في فؤادكا وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعا فوافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالطائف بعد مقدمه بأربعة أيام وقدم بدبابة ومنجنيق وقال: (يا معشر الازد من يحمل رايتكم ؟) فقال الطفيل: من كان يحملها في الجاهلية النعمان بن الرازية اللهبي. قال: (أصبتم). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الطفيل: بضم الطاء وفتح الفاء وسكون التحتية. ذو الكفين: بلفظ تثنية كف الانسان وخفف في الشعر للوزن. حممة: بضم الحاء المهملة وفتح الميمين. الدوسي: بفتح الدال وسكون الواو وبالسين المهملتين. الدبابة: بدال مهملة مفتوحة فموحدة مشددة فألف فموحدة فتاء تأنيث: آلة من آلات الحرب يدخل فيها الرجال فيدبون بها الى الاسوار لينقبوها. الازد: بفتح أوله وسكون الزاي. الرازية: براء فألف فزاي مكسورة فتحتية. اللهبي: بفتح اللام.

[ 211 ]

الباب الثامن والخمسون في سرية قيس بن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنهما لصداء ناحية اليمن قال ابن اسحاق لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة سنة ثمان بعث قيس بن سعد بن عبادة الى ناحية اليمن وأمره ان يطأ صداء، فعسكر بناحية قناة في أربعمائة من المسلمين. فقدم رجل من صداء فسأل عن ذلك البعث فأخبر به فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقا ل: (يا رسول الله جئتك وافدا على من ورائي فاردد الجيش فأنا لك بقومي). فردهم من قناة وخرج الصدائي الى قومه، فقدم منهم بعد ذلك خمسة عشر (رجلا) فأسلموا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انك مطاع في قومك يا أخا صداء). فقال: بل الله هداهم. ثم وافاه في حجة الوداع بمائة منهم. وهذا الرجل هو الذي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ان يؤذن ثم جاء بلال ليقيم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان أخا صداء هذا أذن ومن أذن فهو يقيم) (1). واسم أخا صداء هذا زياد بن الحارث، نزل مصر. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: صداء: بضم الصاد وفتح الدال المهملتين وبالمد: حي من العرب. الجعرانة: بكسر الجيم وسكون العين المهملة وتخفيف الراء (أو كسر العين المهملة) وتشديد الراء. يطأ صداء: أي يدخل أرضهم. عسكر: جمع عسكرة. قناة: بفتح القاف وبالنون واد بالمدينة. أنا لك بقومي: أتكفل لك بقومي أي بمجيئهم مسلمين. وفي رواية: وأنا لك باسلام قومي وطاعتهم.

[ 212 ]

الباب التاسع والخمسون في سرية عيينة بن حصن الفزاري رضي الله تعالى عنه الى بني تميم في المحرم سنة تسع وكانوا فيما بين السقيا وأرض بني تميم. وسبب ذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا من بني سعد هذيم على صدقاتهم وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يأخذ العفو ويتوقى كرائم اموالهم. فخرج بشر بن سفيان الكعبي الى بني كعب، فأمر بجمع مواشي خزاعة ليأخذ منها الصدقة، فحشرت عليهم خزاعة الصدقة في كل ناحية فاسكثرت ذلك بنو تميم فقالوا: ما لهذا يأخذ أموالكم منكم بالباطل ؟ فشهر وا السيوف، فقال الخزاعيون: نحن قوم ندين بدين الاسلام وهذا أمر ديننا. فقال التميميون: لا يصل الى بعير منها أبدا. فهرب المصدق وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر، فوثبت خزاعة على التميميين فأخرجوهم من محالهم وقالوا: لولا قرابتكم ما وصلتم الى بلادكم، ليدخلن علينا بلاء من محمد صلى الله عليه وسلم حيث تعرضتم لرسوله تردونه عن صدقات أموالنا فخر جوا راجعين الى بلادهم. فقال صلى الله عليه وسلم: (من لهؤلاء القوم ؟) فانتدب أول الناس عيينة بن حصن الفزاري فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في خمسين فارسا من العرب ليس فيهم مهاجري ولا أنصا ري فكان يسير الليل ويكمن النهار فهجم عليهم في صحراء قد حلوا (بها) وسرحوا مواشيهم. فلما ر أوا الجمع دلوا. فأخذ منهم أحد عشر رجلا ووجد في المحلة احدى وعشرين امرأة كذا في العيون. وقال محمد بن عمر وابن سعد وتبعهما في الاشارة والمورد احدى عشرة امرأة وثلاثين صبيا. فجلبهم الى المدينة فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبسوا في دار رملة بنت الحارث. فقدم فيهم عدة من رؤسائهم كما سيأتي في الوفود في وفد بني تميم. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: هذيم: بضم الهاء وفتح الذال المعجمة وسكون التحتية. يأخذ العفو: ما فضل عن النفقة. كرائم أموالهم: نفائسها وخيارها. خزاعة: أبو حي من الازد سموا به لانهم تخزعوا أي تقطعوا عن قومهم وأقاموا بمكة. الحشر: الجمع مع سوق، والمراد هنا أنهم جمعوا ماشيتهم لتؤخذ منها الزكاة. شهروا السيوف: أخرجوها من أغمادها. المحلة: بفتح الميم والحاء المهملة وتشديد اللام المفتوحة. حبسوا: بالبناء للمفعول. رملة بنت الحارث بلفظ واحدة الرمل: صحابية رضي الله تعالى عنها.

[ 213 ]

الباب الستون في بعثه صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عوسجة رضي الله تعالى عنه الى بني حارثة بن عمرو في صفر سنة تسع. روى أبو سعيد النيسابوري في الشرف، وأبو نعيم في الدلائل من طريق محمد بن عمر عن شيوخه: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عوسجة (الى بني حارثة بن عمرو) يدعوهم الى الاسلام. فأخذوا الصحيفة فغسلوها ورقعوا بها أسفل دلوهم، وأبوا ان يجيبوا فرفع ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (مالهم ؟ ذهب الله بعقولهم). فهم الى اليوم أهل رعدة وعجلة وكلام مختلط وأهل سفه. قال محمد بن عمر: قد رأيت بعضهم عييا لا يحسن يبين الكلام. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: عوسجة: بفتح العين والسين المهملتين بينهما واو، وبالجيم. الرعدة: بكسر الراء اسم من رعد بضم العين، وارتعد اضطرب. العي: بكسر العين المهملة عدم الافصاح بالكلام.

[ 214 ]

الباب الحادي والستون في سرية قطبة بن عامر بن حديدة رضي الله تعالى عنه الى خثعم بناحية بيشة قريبا من تربة في صفر سنة تسع. قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قطبة بن عامر بن حديدة في عشرين رجلا ا لى (حي من) خثعم، قال محمد بن عمر بناحية تبالة، وقال ابن سعد بناحية بيشة. وأمره ان يشن الغارة عليهم، فخرجوا على عشرة أبعرة يتعقبونها. فأخذوا رجلا فسألوه فاستعجم عليهم، وجعل يصيح بالحاضر ويحذرهم فضربوا عنقه. ثم أمهلوا حتى نام الحاضر فشنوا عليهم الغارة فاقتتلوا قتالا شديدا حتى كثر الجراح في الفريقين جميعا، وقتل قطبة من قتل منهم وساقوا النعم والشاء والنساء الى المدينة. وجاء سيل أتي فحال بينهم وبينه فما يجدون إليه سبيلا. وكانت سهمانهم أربعة (أبعرة) والبعير يعدل بعشر من الغنم بعد أن أخرج الخمس. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: قطبة: بضم القاف وسكون الطاء المهملة وبالموحدة. خثتم: بفتح الخاء المعجمة وسكون الثاء المثلثة وفتح العين المهملة. بيشة: بكسر الموحدة وسكون التحتية وفتح الشين المعجمة وبتاء تأنيث. وحكى الجوهري، الهمز (بئشة) (1). تربة: بضم الفوقية وفتح الراء وبالموحدة وتاء تأنيث. تبالة (2): بفتح الفوقية وبالموحدة المخففة: بلد باليمن حصينة. شن الغارة وأشنها: فرق الجماعة من كل وجه. استعجم عليهم: سكت لم يعلمهم بالامر. الحاضر: القوم النزول على ماء يقيمون به ولا يرحلون عنه.


(1) وبيشة: من عمل مكة مما يلي اليمن من مكة على خمس مراحل، وبها من النخل والفسيل شئ كثير، وفي وادي بيشة موضع مشجر كثير الاسد، قال السمهري: وأنبئت ليلى بالغريين سلمت علي، ودوني طخفة ورجامها فان التي أهدت، على نأي دارها، سلاما لمردود عليها سلامها عديد الحصى والاثل من بطن بيشة وطرفائها، ما دام فيها حمامها معجم البلدان 1 / 628. (2) تبالة بالفتح، قيل: تبالة التي جاء ذكرها في كتاب مسلم بن الحجاج: موضع ببلاد اليمن وأظنها غير تبالة الحجاج بن يوسف، فان تبالة الحجاج بلدة مشهورة من أرض تهامة في طريق اليمن. قال المهلبي: تبالة في الاقليم الثاني، عرضها تسع وعشرون درجة، وأسلم أهل تبالة وجرش من غير حرب فأقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيدي أهلهما على ما أسلموا عليه. معجم البلدان 1 / 11110.

[ 215 ]

الباب الثاني والستون في سرية الضحاك بن سفيان الكلابي رضي الله تعالى عنه الى بني كلاب. قال محمد بن عمر، وابن سعد سنة تسع. وقال الحاكم في آخر سنة ثمان، وقال محمد بن عمر الاسلمي في صفر. وقال ابن سعد في ربيع الاول وجرى عليه في المورد والاشارة. قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا الى القرطاء عليهم الضحاك بن سفيان الكلابي ومعه الاصيد بن سلمة بن قرط، فلقوهم بالزج زج لاوة بنجد فدعوهم الى الاسلام فأبوا فقاتلوهم فهزموهم. فلحق الاصيد أباه سلمة، وسلمة على فرس له في غدير بالزج فدعا أباه الى الاسلام وأعطاه الامان، فسبه وسب دينه، فضرب الاصيد عرقوبي فرس أبيه، فلما وقع الفرس على عرقوبيه ارتكز سلمة على رمحه في الماء، ثم استمسك به حتى جاءه أحدهم فقتل سلمة ولم يقتله ولده. تنبيهان الاول: يشتبه بأصيد هذا أصيد بن سلمية الاسلمي أسلم هو وأبوه. ولم يذكر في التجريد تبعا لخلط ابن شاهين الاول، والصواب التفرقة كما سيأتي بيان ذلك في الوفود. الثاني: في بيان غريب ما سبق: القرطاء: بضم القاف وفتح الراء والطاء المهملة، تقدم الكلام عليها في سرية محمد بن سلمة إليها. الاصيد: بالصاد والدال المهملتين بينهما تحتية وزن أحمد، وهو في اللغة الملك ومن رفع رأسه كبرا والاسد. الزج: بضم الزاي وتشديد الجيم كما في المراصد والصحاح والنهاية والقاموس ووقع في العيون بالزاي والخاء المعجمة وهو سبق قلم وصوابه بالزاي المعجمة والجيم. لاوة: بفتح اللام والواو ولم أجد لها ذكرا فيما وقفت عليه من كتب الاماكن. ارتكز على رمحه: أثبته في الارض واستمسك به.

[ 216 ]

الباب الثالث والستون في سرية علقمة بن مجزز المدلجي رضي الله تعالى عنه الى الحبشة قال ابن سعد في شهر ربيع الاخر (سنة تسع) وقال محمد بن عمر الاسلمي، والحاكم: في صفر. قال ابن سعد: قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ناسا من الحبشة تراآهم أهل الشعيبة في ساحل جدة بناحية مكة في مراكب. فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علقمة بن مجزز في ثلثمائة فانتهى الى جزيرة في البحر، وقد خاض إليهم في البحر فهربوا منه، فلما رجع تعجل بعض القوم الى أهليهم فأذن لهم. وروى ابن اسحاق عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علقمة بن مجزز. قال أبو سعيد الخدري وأنا فيهم حتى إذا بلغنا رأس غزاتنا أن كنا ببعض الطريق أذن لطائفة من الجيش واستعمل عليهم عبد الله بن حذافة السهمي. وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت فيه دعابة. فنزلوا ببعض الطريق وأوقدوا نارا يصطلون عليها ويصطنعون. فقال: عزمت عليكم الا تواثبتم في هذه النار. فقام بعضهم فتحجز وا حتى ظن انهم واثبون فيها. فقال لهم: اجلسوا انما كنت أضحك معكم. فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه) (1). وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فاستعمل عليهم رجلا من الانصار وأمرهم ان يسمعوا له ويطيعوا فأغضبوه في شئ فقال: اجمعوا لي حطبا، فجمعوا له، ثم قال: أوقدوا نارا. فأوقدوا نارا ثم قال: ألم يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسمعوا لي وتطيعوا ؟ قالوا: بلى. قال: فادخلواها. فنظر بعضهم الى بعض وقالوا: انا فرر نا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار. فكان كذلك حتى سكن غضبه، وطفئت النار. فلما رجعوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فقال: (لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا). وقال: (لا طاعة في معصية الله انما الطاعة في المعروف) (2) رواه الشيخان. ورجع علقمة بن مجزز هو وأصحابه ولم يلق كيدا. تنبيهان الاول: قول سيدنا علي رضي الله تعالى عنه: واستعمل عليهم رجلا من الانصار (وهم من بعض الرواة وانما هو سهمي).


(1) أخرجه ابن ماجة 2 / 955 (2863)، وابن حبان (1552)، وابن سعد في الطبقات 2 / 1 / 118، وذكره السيوطي في الدر 2 / 177. (2) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (4340)، واحمد في المسند 1 / 124، والبيهقي في الدلائل 4 / 312، وذكره السيوطي في الدر المنثور 2 / 177. (*)

[ 217 ]

الثاني: في بيان غريب ما سبق: علقمة (1): بعين مهملة فلام فقاف فميم فتاء تأنيث. مجزز: بميم مضمومة فجيم مفتوحة فزايين معجمتين الاولى مكسورة ثقيلة. المدلجي: نسبة الى بني مدلج قبيلة من كنانة. الشعيبة: بضم الشين المعجمة وفتح العين المهملة وسكون التحتية وفتح الموحدة فتاء تأنيث. جدة: بضم الجيم وتشديد الدال المهملة. حذافة: بضم الحاء المهملة وبالذال المعجمة. السهمي: بفتح السين المهملة وسكون الهاء. الدعابة: بضم الدال وبالعين المهملتين وبالموحدة: المزاح. عزمت عليكم: أمرتكم أمرا جدا. تحجزوا: شمروا ثيابهم الى موضع حجزهم وهو موضع معقد الازار. تراآهم: نظروهم ورأوهم. كيدا: حربا.


(1) علقمة بن مجزز بجيم وزايين معجمتين الاولى مكسورة ثقيلة - ابن الاعور بن جعدة بن معاذ بن عتوارة بن عمر بن مدلج الكناني المدلجي.. انظر الاصابة 4 / 267. (*)

[ 218 ]

الباب الرابع والستون في سرية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه الى الفلس صنم لطيئ ليهدمه في شهر ربيع الاخر سنة تسع. قالوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في خمسين ومائة رجل أو مائتين كما ذكره ابن سعد من الانصار على مائة بعير وخمسين فرسا، ومعه راية سوداء ولواء أبيض الى الفلس ليهدمه فأغاروا على أحياء من العرب وشنوا الغارة على محلة آل حاتم مع الفجر، فهدموا الفلس وخربوه وملأوا أيديهم من السبي والنعم والشاء وكان في ا لسبي سفانة أخت عدي بن حاتم، وهرب عدي الى الشام، ووجد في خزانة الفلس ثلاثة أسياف: رسوب والمخذم - كان الحارث بن أبي شمر قلده اياهما - وسيف يقال له اليماني وثلاثة أدر ع. واستعمل علي على السبي أبا قتادة واستعمل على الماشية والرقة عبد الله بن عتيك. فلما نزلوا ركك اقتسموا الغنائم وعزلوا للنبي صلى الله عليه وسلم صفيا رسوبا والمخذم، ثم صار له بعد السيف الاخر، وعزل الخمس، وعزل آل حاتم فلم يقسمهم حتى قدم بهم المدينة. ومر النبي صلى الله عليه وسلم بأخت عدي بن حاتم، فقامت إليه وكلمته أن يمن عليها فمن عليها فأسلمت وخرجت الى أخيها فأشارت عليه بالقدوم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم عليه. وذكر ابن سعد في الوفود ان الذي أغار وسبى ابنة حاتم خالد بن الوليد. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الفلس: بالفاء واللام والسين المهملة، قال في المراصد: بضم اوله وسكون ثانيه وضبطه بعضهم بالفتح وسكون اللام. قلت وضبطه بعضهم بضم أوله وسكون ثانيه وجزم به في العيون والمورد. شن الغارة: فرق الجيش في كل وجه. المحلة: بفتح الميم مكان ينزل فيه القوم. سفانة: بفتح السين المهملة وتشديد الفاء وبعد الالف نون مفتوحة فتاء تأنيث. وجد: بالبناء للمفعول. في خزانته: بكسر الخاء المعجمة. رسوب: بفتح الراء وضم السين المهملة وسكون الواو وبالموحدة. المخذم: بكسر الميم وسكون الخاء وبالذال المعجمتين وبالميم.

[ 219 ]

شمر: بكسر الشين المعجمة وسكون الميم وبالراء. الرقة: بكسر الراء وفتح القاف المخففة وبتاء التأنيث: الفضة والدراهم المضروبة منها. وأصل اللفظة الورق وهي الدراهم المضروبة خاصة فحذفت الواو وعوض عنها بالهاء. عتيك: بالكاف بوزن كثير. ركك: بفتح الراء والكاف الاولى. قال في المراصد: محلة من محال سلمى أحد جبلي طيئ. وقال الاصمعي: اسم ماء، ووقع في كثير من نسخ السيرة غير مصروف فكأنه أريد به اسم البقعة.

[ 220 ]

الباب الخامس والستون في سرية عكاشة بن محصن رضي الله تعالى عنه الى الجباب أرض عذرة وبلي في شهر ربيع الاخر سنة تسع. كذا ذكر ابن سعد ولم يزد وتبعه في العيون والمورد. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الجباب: بكسر الجيم وبموحدتين بينهما ألف. عذرة: بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة: بطن من قضاعة بضم القاف وبالضاد المعجمة والعين المهملة. بلي: بفتح الموحدة وكسر اللام وتشديد التحتية: قبيلة من قضاعة. الباب السادس والستون في سرية خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه الى أكيدر بن عبد الملك روى البيهقي عن ابن اسحاق قال: حدثني يزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر، والبيهقي عن عروة بن الزبير، ومحمد بن عمر عن شيوخه قالوا: لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلا الى المدينة من تبوك بعث خالد بن الوليد في أربعمائة وعشرين فارسا في رجب سنة تسع الى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل. وكان أكيدر من كندة وكان نصرانيا. فقال خالد: كيف لي به وسط بلاد كلب وانما أنا في أناس يسيرين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انك ستجده (ليلا) يصيد البقر فتأخذه فيفتح الله لك دومة فان ظفرت به فلا تقتله وائت به الي فان أ بى فاقتله). فخرج إليه خالد بن الوليد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين في ليلة مقمرة صائفة وهو على سطح له ومعه امرأته الرباب بنت أنيف بن عامر الكندية. فصعد أكيدر على ظهر الحصن من الحر، وقينة تغنيه، ثم دعا بشراب. فأقبلت البقر الوحشية تحك بقرونها باب ا لحصن فأشرفت امرأته فرأت البقر فقالت ما رأيت كالليلة في اللحم. قال: وما ذاك ؟ فأخبرته فأشرف عليها، فقالت امرأته: هل رأيت مثل هذا قط ؟ قال: لا. قالت: فمن يترك هذا ؟ قال: لا أحد، قال أكيدر: والله ما رأيت بقرا جاءتنا ليلة غير تلك الليلة، ولقد كنت أضمر لها الخيل، إ ذا أردت أخذها شهرا، ولكن هذا بقدر. ثم ركب بالرجال وبالالة فنزل أكيدر وأمر بفرسه فأسرج وأمر بخيله فأسرجت وركب معه نفر من أهل بيته، معه أخوه حسان ومملوكان له، فخرجوا من حصنهم بمطاردهم. فلما فصلوا من الحصن وخيل خالد تنظر إليهم لا يصول منها فرس ولا يجول،

[ 221 ]

فساعة فصل أخذته الخيل، فاستأسر أكيدر وامتنع حسان وقاتل حتى قتل وهرب المملوكا ن ومن كان معه من أهل بيته، فدخلوا الحصن، وكان على حسان قباء من ديباج مخوص بالذهب، فاستلبه خالد. وقال خالد لاكيدر: هل لك ان أجيرك من القتل حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن تفتح لي دومة ؟ فقال أكيدر: نعم. فانطلق به خالد حتى أدناه من الحصن. فنادى أكيدر أهله ان افتحوا باب الحصن، فأرادوا ذلك، فأبى عليهم مضاد أخو أكيدر، فقال أكيدر لخالد: تعلم والله أنهم لا يفتحون لي ما رأوني في وثاقك فخل عني فلك الله والامانة ان أفتح لك الحصن ان أنت صالحتني على أهلي. قال خالد: فاني أصالحك فقال أكيدر: ان شئت حكمتك وان شئت حكمتني. فقال خالد: بل نقبل منك ما أعطيت. فصالحه على ألفي بعير وثمانمائة رأس وأربعمائة درع وأربعمائة رمح، على ان ينطلق به وبأ خيه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحكم فيهما حكمه. فلما قاضاه خالد على ذلك خلى سبيله، ففتح باب الحصن، فدخله خالد وأوثق مضادا أخا أكيدر، وأخذ ما صالح عليه من الابل والرقيق والسلاح. ولما ظفر خالد بأكيدر وأخيه حسان أرسل خالد عمرو بن أمية الضمري بشيرا وأرسل معه قباء حسان. قال أنس وجابر: رأينا قباء حسان أخي أكيدر حين قدم به الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويتعجبون منه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتعجبون من هذا ؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا) (1). ثم ان خالدا لما قبض ما صالحه عليه أكيدر عزل النبي صلى الله عليه وسلم صفيه له قبل أن يقسم شيئا من الفيئ، ثم خمس الغنائم بعد. قال محمد بن عمر: كان صفي رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا أو أمة أو سيفا أو درعا أو نحو ذلك. ثم خمس خالد الغنائم بعد، فقسمها بين أصحابه. قال أبو سعيد الخدري: أصابني من السلاح درع وبيضة وأصابني عشر من الابل. وقال واثلة بن الاسقع: أصابني ست فرائض، وقال عبد الله بن عمرو بن عوف المازني: كنا مع خالد بن الوليد أربعين رجلا من بني مزينة وكانت سهماننا خمس فرائض لكل رجل مع سلاح يقسم علينا دروع ورماح. قال محمد بن عمر: انما أصاب الواحد ستا والاخر عشرا بقيمة الابل. ثم ان خالدا توجه قافلا الى المدينة ومعه أكيدر ومضاد. وروى محمد بن عمر عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: رأيت أكيدر حين قدم به خالد وعليه صليب من ذهب وعليه الديباج ظاهرا.


(1) أخرجه ابن ماجة (157) واحمد في المسند 3 / 209، والحديث أخرجه البخاري 10 / 303 (5836).

[ 222 ]

فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم سجد له، فأومأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده: لا لا مرتين. وأهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم هدية فيها كسوة، قال ابن الاثير: وبغلة وصالحه على الجزية. قال ابن الاثير: وبلغت جزيتهم ثلاثمائة دينار وحقن دمه ودم أخيه وخلى سبيلهما. وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فيه أمانهم وما صالحهم عليه، ولم يكن في يد النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ خاتم فختم الكتاب بظفره. قال محمد بن عمر حدثني شيخ من أهل دومة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب له هذا الكتاب: (بسم الله الرحمن الرحيم): هذا كتاب من محمد رسول الله لاكيدر حين أجاب الى الاسلام، وخلع الانداد والاصنام مع خالد بن الوليد سيف الله في دومة الجندل وأكنافها: أن لنا الضاحية من الضحل والبور والمعامي وأغفال الارض والحلقة (والسلاح) والحافر والحصن ولكم الضامنة من النخل والمعين من المعمور بعد الخمس ولا تعدل سارحتكم ولا تعد فاردتكم ولا يحظر عليكم النبات تقيمون الصلاة لوقتها وتؤتون الزكاة بحقها، عليكم بذلك عهد الله والميثاق، ولكم بذلك الصدق والوفاء، شهد الله تبارك وتعالى ومن حضر من المسلمين) (1). وقال بجير بن بجرة الطائي يذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد: (انك ستجده يصيد البقر). وما صنعت البقر تلك الليلة بباب الحصن تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: تبارك سائق البقرات اني رأيت الله يهدي كل هاد فمن يك حائدا عن ذي تبوك فانا قد أمرنا بالجهاد قال البيهقي بعد ان أورد هذين البيتين من طريق ابن اسحاق وزاد غيره وليس في روايتنا: فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يفضض الله فاك) (2). فأتى عليه تسعون سنة فما تحرك له ضرس. وروى ابن منده وابن السكن وأبو نعيم، كلهم عن الصحابة، عن بجير بن بجرة قال: كنت في جيش خالد بن الوليد حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أكيدر دو مة فقال له: (انك تجده يصيد البقر). فوافقناه في ليلة مقمرة وقد خرج كما نعته رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذناه فلما أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشدته أبياتا، فذكر ما سبق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يفضض الله فاك). فأتت عليه تسعون سنة وما تحرك له سن.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 54. (2) أخرجه البيهقي في الدلائل 5 / 251، وذكره ابن حجر في المطالب (4065)، وابن كثير في البداية والنهاية 5 / 17. (*)

[ 223 ]

تنبيهات الاول: أكيدر: بضم الهمزة وفتح الكاف وسكون التحتية وكسر الدال المهملة وبالراء، هو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن. الثاني: روى البيهقي عن موسى بن بكير عن سعيد بن أوس العبسي - بالموحدة - من بلال بن يحيى رحمه الله تعالى قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر على المهاجرين الى دومة الجندل، وبعث خالد بن الوليد على الاعراب معه وقال: (انطلقوا فانكم ستجدون أكيدر دومة يقنص الوحش فخذوه أخذا وابعثوا به الي ولا تقتلوه وحاصروا أهلها) (1). الحديث. ورواه ابن منده من طريق بلال بن يحيى عن حذيفة موصولا. قلت: وذكر ابي بكر في هذه السرية غر يب جدا لم يتعرض له أحد من أئمة المغازي التي وقفت عليها فالله أعلم. الثالث: في بيان غريب ما سبق: رومان: برائة مضمومة كعثمان. فقل: بفتح القاف والفاء واللام: رجع. دومة: بضم الدال المهملة وفتحها وسكون الواو فيهما. الجندل: (الصخر العظيم). كندة: بكاف مكسورة فميم ساكنة فدال مهملة فتاء تأنيث ويقال: كندي لقب ثور ا بن عفير، أبو حى من اليمن لانه كند أباه النعمة ولحق بأخواله والكند القطع. وسط بلاد كعب - محركة ما بين طرفيها فإذا سكنت كانت ظرفا. الرباب: براء فموحدتين بينهما ألف: اسم امرأة لشبهها بالرباب وهو السحاب ا لابيض. أنيف: (بضم اوله وفتح النون وسكون التحتية وبالفاء تصغير أنف). القينة: بقاف مفتوحة فمثناة تحتية فنون: الامة المغنية أو أعم. أضمر لها الخيل وضمرها: أن يظاهر عليها بالعلف حتى تسمن ثم لا تعلف الا قوتا لتخف. أسرج له: بالبناء للمفعول. حسان: قتل على شركه. المطارد: بميم مفتوحة مطرد كمنبر: رمح قصير يطعن به.


(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 5 / 253، والحاكم 4 / 519. (*)

[ 224 ]

فصل: بفتح الفاء والصاد المهملة واللام: خرج. استأسر: (أسل نفسه أسيرا). المخوص: بضم الميم وفتح الخاء المعجمة والواو المشددة وبالصاد المهملة: المنسوج فيه الذهب وقيل فيه طريق من ذهب مثل خوص النخل. مضاد: (بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وبالدال المهملة المشددة بعد ألف). قدم به: بالبناء للمفعول. المناديل: جمع منديل بفتح الميم وكسرها: الذي يتمسح به. الصفي: بصاد مهملة مفتوحة ففاء، ما يختار من الغنيمة قبل القسم. واثلة: بواو فألف فمثلثة فلام فمثناة. الاسقع: بهمزة فسين مهملة فقاف فعين مهملة. الفرائض: جمع فريضة وهي هنا البعير المأخوذ في الزكاة سمي فريضة لانه فرض واجب على رب المال ثم اتسع فيه حتى سمي البعير فريضة في غير الزكاة. المازني: نسبة الى مازن أبو قبيلة. ومزينة كجهينة: قبيلة والنسبة إليها مزني. خلع بفتحات: نزع وترك. الانداد: جمع ند وهو المثل. الاكناف: جمع كنف وهو ما أحاط بالشئ. الضاحية: ما ظهر من البلاد. الضحل: بضاد معجمة فحاء مهملة فلام: المكان الذي يقل به الماء. البور: بموحدة مضمومة فواو فراء: الارض قبل أن تصلح للزرع أو التي تجم سنة لتز رع من قابل. الحلقة: بحاء مهملة مفتوحة فلام ساكنة فقاف فتاء تأنيث: الدرع. الحافر: المراد به هنا الخيل. الحصن: بحاء مكسورة فصاد ساكنة مهملتين: كل موضع حصين لا يوصل الى جوفه. الضامنة من النخل: ما يكون في القرية أو ما أطاف به منها سورا للمدينة. المعين: بفتح الميم وكسر العين المهملة: الظاهر الجاري. لا تعدل: (سارحتكم: لا تمنع من المرعى).

[ 225 ]

والسارحة بسين فراء فحاء مهملات: المال من النعم. لا تعد (فاردتكم أي لا تعد مع غيرها فتضم إليها ثم تصدق). والفاردة المنفردة في المرعى. لا يحظر عليكم النبات: (أي لا تمنعون من الزرع). بجير: كزبير. بجرة: بضم الموحدة وسكون الجيم. تبارك: تقدس وتنزه. فض الله فاه: بفاء فضاد معجمة: كسره وفرقه. ابن منده: بميم مفتوحة فنون ساكنة فدال مهملة فتاء. ابن السكن: بسين مهملة فكاف مفتوحتين فنون. خيل رسول الله: فرسان خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

[ 226 ]

الباب السابع والستون في بعثه صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنهما لهدم الطاغية. روى البيهقي عن عروة، ومحمد بن عمر عن شيوخه، وابن اسحاق عن رجاله، قالوا: ان عبد ياليل بن عمرو، وعمرو بن أمية أحد بني علاج الثقفيان لما قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وفد ثقيف وأسلموا قالوا: أرأيت الربة ماذا نصنع فيها ؟ قال: اهدموها. قالوا: هيهات لو تعلم الربة أنا أوضعنا في هدمها قتلت أهلنا. قال عمر بن الخطاب: ويحك يا عبد ياليل ما أجمعك انما الربة حجر لا تدري من عبده ممن لم يعبده. قال عبد ياليل: انا لم نأتك يا عمر. وقالوا: يا رسول الله اتركها ثلاث سنين لا تهدمها. فأبى. فقالوا: سنتين فأبى، فقالوا سنة. فأبي، فقالوا: شهرا واحدا. فأبى أن يوقت لهم وقتا، وانما يريدون ترك الربة خوفا من سفائهم والنساء والصبيان، وكرهوا أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الاسلام. وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعقبهم من هدمها. وقالوا: يا رسول الله اترك أنت هدمها فانا لا نهدمها أبدا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا أبعث أبا سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة يهدمانها). فذكروا الحديث (1). فقال الوفد وأخبروا قومهم خبرهم وخبر الربة. فقال شيخ من ثقيف قد بقي في قلبه شرك بعد: فذاك والله مصداق ما بيننا وبينه، فان قدر على هدمها فهو محق ونحن مبطلون، وان امتنعت ففي النفس من هذا بعد شئ. فقال عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه: (منتك والله نفسك الباطل وغرتك الغرور الربة، والله ما تدري من عبدها ومن لم يعبدها). وخرج أبو سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة وأصحابهما لهدم الربة. فلما دنوا من الطائف قال المغيرة لابي سفيان: تقدم أنت على قومك. وأقام أبو سفيان بماله بذي الهرم، ودخل المغيرة في بضعة عشر رجلا يهدمون الربة. فلما نزلوها عشاء باتوا، ثم غدوا على الربة يهدمونها. فقال المغيرة لاصحابه الذين قدموا معه: (لاضحكنكم اليوم من ثقيف). فاستكفت ثقيف كلها: الرجال والنساء والصبيان حتى خرج العواتق من الحجال حزنا يبكين على الطاغية، لا يرى عامة ثقيف أنها مهدومة ويظنون انها ممتنعة. فقام المغيرة بن شعبة واستوى على رأس الدابة ومعه البعول، وقام معه بنو معتب دريئة بالسلاح مخافة أن يصاب كما فعل عمه عروة بن مسعود. وجاء أبو سفيان وصمم على ذلك فأخذ الكرزين وضرب المغيرة


(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 5 / 302، وانظر البداية والنهاية 5 / 33. (*)

[ 227 ]

بالكرزين ثم سقط مغشيا عليه يركض برجليه فارتج أهل الطائف بصيحة واحدة وقالوا: أسعد الله المغيرة قد قتلتم الربة. زعمتم ان الربة لا تمتنع، بل والله لتمنعن، وفرحوا حين رأوه ساقطا، وقالوا: من شاء منكم فليقترب وليجتهد على هدمها فوالله لا يستطاع أبدا. فوثب المغيرة بن شعبة وقال: قبحكم الله يا معشر ثقيف انما هي لكاع، حجارة ومدر، فا قبلوا عافية الله تعالى ولا تعبدوها ثم انه ضرب الباب فكسره ثم سورها وعلا الرجال معه فما زالوا يهدمونها حجرا حجرا حتى سووها بالارض، وجعل السادن يقول: ليغضبن الاساس فليخسفن بهم. فلما سمع بذلك المغيرة حفر أساسها فخربه حتى أخرجوا ترابها وانتزعوا حليتها وكسوتها وما فيها من طيب وذهب وفضة وثيابها. فبهتت ثقيف فقالت عجوز منهم: أسلمها الرضاع، لم يحسنوا المصاع. وأقبل أبو سفيان والمغيرة واصحابهما حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليها وكسوتها وأخبروه خبرهم، فحمد الله تعالى على نصر نبيه واعزاز دينه، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم مال الطاغية من يومه، وسأل أبو المليح بن عرو ة بن (مسعود بن معتب الثقفي) رسول الله صلى الله عليه وسلم ان (يقضي) عن أبيه عروة دينا كان عليه من مال الطاغية. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم). فقال له قارب بن الاسود، وعن الاسود يا رسول الله فاقضه، وعروة والاسود أخوان لاب وأم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان الاسود مات مشر كا). فقال قارب: يا رسول الله لكن تصل مسلما ذا قرابة، يعني نفسه، انما الدين علي وانما انا الذي أ طلب به، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان ان يقضي دين عروة والاسود من مال الطاغية. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الطاغية: هي اللات. ياليل: بتحتيتين وبينهما لام مكسورة وآخره لام. علاج: بكسر العين المهملة وبالجيم. أرأيت: أخبرني. الربة: بفتح الراء. أوضعنا: بفتح اوله وسكون الواو وفتح الضاد المعجمة الساقطة وسكون العين المهملة: أسرعنا. ذو الهرم: بفتح الهاء وسكون الراء: مال كان لعبد المطلب أو لابي سفيان بالطائف. استكف: اجتمع.

[ 228 ]

المعول: بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح الواو وباللام: الفأس التي يكسر بها الحجارة. معتب: بضم الميم وفتح العين المهملة وكسر الفوقية المشددة وبالموحدة. الكرزين: والكرزن: بفتح الكاف وكسرها: الفأس. والكرزم بالميم: لغة. يركض: يضرب الارض برجله. ارتج: (افتعل من الرج وهو الحركة الشديدة). لكاع: بفتح اللام والكاف وكسر العين المهملة على البناء: لئيمة. المدر: بفتح الميم والدال المهملة وبالراء: جمع مدرة: وهو التراب المتلبد. السادن: بسين مهملة فألف فدال مهملة فنون. الخادم. بهت: بضم الموحدة وكسر الهاء وبالفوقية. هذه اللغة الفصحى ويجوز ان تفتح الموحدة وتكسر الهاء أي دهش وتحير. أبو المليح: بفتح الميم وكسر اللام وسكون التحتية وبالحاء المهملة. قارب: بالقاف وكسر الراء وبالموحدة. الحمق: بضمتين وتسكن الميم: قلة العقل.

[ 229 ]

الباب الثامن والستون في بعثه صلى الله عليه وسلم ابا موسى الاشعري ومعاذ بن جبل رضي الله تعالى عنهما قبل حجة الوداع الى اليمن. روى البخاري من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى الاشعري، ومن طريق طارق بن شهاب كلاهما عن أبي موسى، ومن طريق عبد الملك بن عمير عن أبي بردة مرسلا. قال أبو موسى: أقبلت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الاشعريين أ حدهما عن يميني والاخر عن شمالي كلاهما يسأل العمل والنبي صلى الله عليه وسلم يستاك، فقال: (ما تقول يا أبا موسى ؟ أو قال: (يا عبد الله بن قيس ؟) قال: فقلت: والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في نفسيهما وما شعرت أنهما يطلبان العمل. قال: فكأني انظر الى سواكه تحت شفتيه وقد قلصت. قال: (لن يستعمل على عملنا من يريده ولكن اذهب أنت يا أبا موسى، أو قال: يا عبد الله بن قيس). قال أبو موسى: فبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعإذا الى اليمن. قال أبو بريد ة: بعث كل منهما على مخلافه. قال: واليمن مخلافان، وكانت جهة معاذ العليا وجهة ابي موسى السفلى. قا ل أبو موسى: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ادعوا الناس وبشرا ولا تنفرا ولا تعسرا وتطاوعا ولا تختلفا). قال أبو موسى: يا رسول الله افتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن، قا ل: البتع وهو من العسل ينبذ ثم يشتد، والمزر وهو من الذرة والشعير ينبذ ثم يشتد. قال: وكان رسو ل الله صلى الله عليه وسلم قد أعطي جوامع الكلم وخواتمه. قال: (أنهي عن كل مسكر أسكر عن الصلاة). وفي رو اية: فقال: (كل مسكر حرام) (1). قال: فقدمنا اليمن وكان لكل واحد منا قبة نزلها على حدة. قال أبو بردة: فانطلق كل واحد منهما الى عمله، وكان كل واحد منهما إذا سار في أرضه، وكان قريبا من صاحبه أحدث به عهدا فسلم عليه، فسار معاذ في أرضه قريبا من صاحبه ابي موسى فجاء يسير على بغلته حتى انتهى إليه فإذا هو جالس وقد اجتمع إليه الناس وإذا رجل عنده قد جمعت يداه الى عنقه فقال له معاذ: يا عبد الله بن قيس أيم هذا ؟ قال: هذا يهودي كفر بعد اسلامه، أ نزل وألق له وسادة فقال: لا أنزل حتى يقتل فأمر به فقتل. قال: انما جئ به لذلك فانزل. قا ل: ما أنزل حتى يقتل، ثم نزل. فقال: يا عبد الله كيف تقرأ القرآن ؟ قال: (أتفوقه تفوقا. قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ ؟ قال: أنام أول الليل فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم فأقرأ ما كتب الله لي فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي).


(1) أخرجه البخاري في كتاب المغازي (4344). (*)

[ 230 ]

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه الى اليمن: (انك ستأتي قوما من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم الى أن يشهدوا ألا اله الا الله وان محمدا رسول الله فان هم أطاعوا لك بذاك فأخبرهم ان الله عز وجل قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فان هم طاعوا لك بذلك فأخبرهم ان الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فان هم طاعوا لك بذلك فاياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فانه ليس بينها وبين الله حجاب) (1). رواه الشيخان، وروى البخا ري عن عمرو بن ميمون أحد كبار التابعين المخضرمين رحمه الله تعالى أن معإذا لما قدم اليمن صلى بهم الصبح فقرأ سورة النساء فلما قرأ: (واتخذ الله ابراهيم خليلا) (النساء 125) قال رجل من القوم: لقد قرت عين أم ابراهيم. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: العمل: بعين مهملة فميم مفتوحتين فلام: القيام بالامور، والعامل للرجل القائم عنه في ملكه وعمله، ومنه قيل للذي يستخرج الزكاة: عامل. شعرت: بشين معجمة مفتوحة فعين مهملة تفتح وتكسر فراء: علمت. قلصت: بقاف مفتوحة فلام فصاد مهملة: ارتفعت. المخلاف: بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وبالفاء المكسورة: الاقليم والرستاق بضم الراء وسكون السين المهملة وفتح الفوقية، بلغة أهل اليمن. يسرا ولا تعسرا وبشرا، ولا تنفرا: الاصل أن يقال: بشرا ولا تنذرا، وآنسا ولا تنفرا، فجمع بينهما ليعم البشارة والنذارة والتأنيس والتنفير، فهو من باب المقابلة (المعنوية) قاله الطيبي. قال الحافظ: ويظهر لي ان النكتة في الاتيان بلفظ البشارة وهو الاصل وبلفظ التنفير وهو اللازم، وأتى بالذي بعده على العكس للاشارة الى أن الانذار لا ينفى مطلقا بخلاف التنفير فاكتفى بما يلزم عن الانذار وهو التنفير فكأنه قال: ان أنذرتم فليكن بغير تنفير كقوله تعالى: (فقولا له قولا لينا) (طه 44). تطاوعا: كونا متفقين في الحكم. ينبذ: يطرح. يشتد: بشين معجمة: يقوى.


(1) أخرجه البخاري 2 / 158، ومسلم في كتاب الايمان (10). (*)

[ 231 ]

المزر: بكسر الميم وسكون الزاي فراء: نبيذ الشعير. جوامع الكلم وخواتمه: يأتي الكلام على ذلك في الخصائص. أسكر عن الصلاة: ألهى عنها بعد صحوه. قبة على حدة: بحاء مكسروة فدال مفتوحة مخففة: أي جانب متميز عن صاحبه. أحدث به عهدا: أي في الزيادة. جمعت يداه الى عنقه: (أي قيدت). أيم هذا: بفتح التحتية والميم وبغير اشباع أي أي شئ هو ؟ وأصلها أيما وأي استفهامية وما بمعنى شئ، فحذفت الالف تخفيفا. وضم أبو ذر الهروي التحتية في روايته. الوسادة: بكسر الواو: المتكأ. أتفوقه: بفتح اوله والفوقية والفاء والواو المشددة وبالقاف: أي اقرأه شيئا بعد شئ في آناء الليل والنهار، بمعنى القراءة مرة واحدة، بل أفرق قراءته على أوقات، مأخوذ من فواق الناقة وهو الحلب ثم تترك ساعة حتى تدر ثم تحلب. جزئي من النوم: بضم الجيم وسكون الزاي، بعدها همزة مكسورة فتحتية، أي أنه جزأ الليل أجزاء جزءا للنوم وجزءا للقراءة والقيام. فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي: بهمزة قطع، وكسر السين من غير فوقية في (أحتسب) في الموضعين في غير رواية أبي ذر، وبهمزة وصل وفتح السين وسكون الموحدة. وفي رواية ابي ذر عن الحموي والمستملي بصيغة الماضي فيهما. كرائم الاموال: نفائسها أي احذر أخذ نفائس أموالهم. قرت عين (أم ابراهيم: أي سرت بذلك وفرحت).

[ 232 ]

الباب التاسع والستون في بعث خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه الى بني عبد المدان، كذا عند ابن سعد في السرايا وهم من بني الحارث بن كعب بنجران في شهر ربيع الاخر أو جمادى الاولى سنة عشر. قالوا: بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وأمره ان يدعوهم الى الاسلام قبل أن يقاتلهم، ثلاثة أيام. فان استجابوا فاقبل منهم وان لم يفعلوا فقاتلهم. فخرج إليهم خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه، ويدعون الى الاسلام ويقولون: (أيها الناس، اسلموا تسلموا). فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه. فأقام فيهم خالد بن الوليد يعلمهم شرائع الاسلام وكتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. ثم كتب خالد بن الوليد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بسم الله الرحمن الرحيم، لمحمد النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم (من خالد بن الوليد) السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، فاني احمد اليك الله الذي لا اله الا هو. أما بعد يا رسول الله صلى الله عليك، فانك بعثتني الى بني الحارث بن كعب، وأمرتني إذا أتيتهم ألا أقاتلهم ثلاثة أيام وأن ادعوهم الى الاسلام فان أسلموا قبلت منهم وعلمتهم معالم الاسلام وكتاب الله وسنة نبيه، وان لم يسلموا قاتلتهم. واني قدمت عليهم فدعوتهم الى ا لاسلام ثلاثة أيام كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبعثت فيهم ركبانا ينادون: يا بني الحارث أسلموا تسلموا. فأسلموا ولم يقاتلوا، واني مقيم بين أظهرهم آمرهم بما أمرهم الله به وأنهاهم عما نهاهم الله عنه، واعلمهم معالم الاسلام وسنة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يكتب الي رسول الله صلى الله عليه وسلم (والسلام عليك يا رسول الله ورحمته وبركاته). فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد ا لنبي رسول الله الى خالد بن الوليد. سلام عليك فاني أحمد اليك الله الذي لا اله الا هو، أما بعد فان كتابك جاءني مع رسولك يخبر ان بني الحارث بن كعب قد أسلموا وشهدوا ان لا اله الا الله وان محمدا عبده ورسوله، قبل أن تقاتلهم، وأجابوا الى ما دعوتهم إليه من الاسلام وان قد هداهم الله بهداه، فبشرهم وأنذرهم وأقبل وليقبل معك وفدهم، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: عبد المدان: (المدان): كسحاب صنم بنجران. (نجران): كفعلان: موضع باليمن فتح سنة عشر، سمي بنجران بن زيد بن سبأ. الركبان: جمع لراكب البعير خاصة. يضربون: يسيرون سراعا غازين.

[ 233 ]

الباب السبعون في سرية المقداد بن الاسود رضي الله عنه الى أناس من العرب روى البزار والدارقطني في الافراد، والطبراني والضياء في المختارة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وابن أبي شيبة، وابن جرير عن سعيد بن جبير رحمه الله تعا لى، قال ابن عباس: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد بن الاسود، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: (أشهد ألا اله الا الله وحده لا شر يك له). فأهوى إليه المقداد فقتله. فقال له رجل من أصحابه: (قتلت رجلا يشهد ألا اله الا الله، لاذكرن ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله ان رجلا شهد أن الا اله الا الله فقتله المقداد. فقال: (يا مقداد أقتلت رجلا يقول لا اله الا الله فكيف لك بلا اله الا الله غدا ؟). فأنزل الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل) (النساء 94). قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد: (كان رجلا مؤمنا يخفي ايمانه مع قوم كفار، فأظهر ايمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفي ايمانك بمكة). وقال سعيد بن جبير: فنزلت هذه الاية: (ولا تقولوا لمن ألقى اليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا) يعني الغنيمة. تنبيهات الاول: تقدم في قصة أسامة قتله لمرداس: بن نهيك. الثاني: اختلف في سبب هذه الاية. (أخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لحق ناس من المسلمين رجلا معه غنيمة له فقال: السلام عليكم. فقتلوه وأخذوا غنيمته، فنزلت: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا) الى قوله: (عرض الحياة الدنيا) قال: تلك الغنيمة. قال: قرأ ابن عباس (السلام). واخرج ابن أبي شيبة واحمد والطبراني والترمذي وحسنه وعبد بن حميد وصححه وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: (مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسوق غنما له، فسلم عليهم، فقالوا: ما سلم علينا الا ليتعوذ منا،

[ 234 ]

فعمدوا له فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الاية: (يا أ يها الذين آمنوا إذا ضربتم...) (الاية). وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة واحمد وابن جرير والطبراني وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن عبد الله بن أبي حدرد الاسلمي قال: (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الى اضم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم الحرث بن ربعي أبو قتادة، ومحلم بن جثامة بن قيس الليثي، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن اضم، مر بنا عامر بن ا لاضبط الاشجعي على قعود له، معه متيع له وقطب من لبن، فلما مر بنا سلم علينا بتحية الا سلام، فأمسكنا عنه وحمل عليه محلم بن جثامة لشئ كان بينه وبينه، فقتله وأخذ بعيره ومتاعه، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا...) (الاية). وأخرج ابن اسحاق وعبد الحميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبغوي في معجمه من طريق يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي حدرد الاسلمي عن أبيه نحوه، وفيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أقتلته بعدما قال: آمنت بالله ! ؟ فنزل القرآن). واخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم محلم بن جثامة مبعثا، فلقيهم عامر بن الاضبط، فحياهم بتحية الاسلام، وكانت بينهم احنة في الجاهلية، فر ماه محلم بسهم فقتله، فجاء الخبر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء محلم في بردين، فجلس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ليستغفر له فقال: (لا غفر الله لك). فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت به ساعة حتى مات ودفنوه، فلفظته الارض، فجاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم، فذكروا ذلك له فقال: (ان الارض تقبل من هو شر من صاحبكم ولكن الله أراد أن يعظكم، ثم صرحوه في جبل وألقوا عليه الحجارة، فنزلت: (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم...) (الاية).

[ 235 ]

الباب الحادي والسبعون في بعثه صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد الى همدان ثم بعثه عليا رضي الله تعالى عنهما. روى البيهقي في السنن والدلائل والمعرفة عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد الى أهل اليمن يدعوهم الى الاسلام. قال البراء فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد فأقمنا ستة أشهر ندعوهم الى الاسلام فلم يجيبوا. ثم ان النبي صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب مكان خالد وأمره أن يقفل خالدا وقال: (مر اصحاب خالد من شاء منهم ان يعقب معك فليعقب ومن شاء فليقبل). قال البراء: فكنت فيم عقب مع علي. فلما دنونا من القوم خرجوا الينا فصلى بنا علي ثم صفنا صفا واحدا ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت همدان جميعا. فكتب علي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم باسلامهم. فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه وقال: (السلام على همدان) (1) مرتين. رواه البخاري مختصرا. وعنده عن البراء قال: فغنمت أواق ذو ات عدد). وروى الترمذي وقال حسن غريب عن البراء رضي الله تعالى عنه قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الى اليمن جيشين وأمر عليا على أحدهما وعلى الاخر خا لد بن الوليد. وقال: (إذا كان قتال فعلي رضي الله تعالى عنه الامير). قال: فافتتح علي حصنا فغنمت أواقي ذوات عدد، وأخذ علي منه جارية، قال: فكتب معي خالد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم - الذي في جامع الترمذي (بشئ منه) قال الترمذي: يعني النميمة - يخبره. قال: فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ الكتاب رأيته يتغير لونه فقال: (ما ترى في رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله تعالى ورسوله ؟) فقلت: أعوذ بالله من غضب الله تعالى وغضب رسوله، انما أنا رسول. فسكت (2). وروى الامام أحمد، والبخاري والاسماعيلي، والنسائي عن بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنه قال: (أصبنا سبيا فكتب خالد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ابعث الينا من يخمسه). وفي السبي وصيفة هي من أفضل السبي. فبعث رسول الله صلى الله عليه سلم عليا الى خالد ليقبض منه الخمس، وفي رواية: ليقسم الفيئ، فقبض منه فخمس وقسم، واصطفى لي سبية، فأصبح وقد اغتسل ليلا. وكنت أبغض عليا بغضا لم أبغضه أحدا، وأحببت رجلا من قريش لم أحبه الا لبغضه عليا. فقلت لخالد: ألا ترى الى هذا ؟ وفي رواية: فقلت: يا أبا الحسن


(1) أخرجه البيهقي في السنن 2 / 366، وفي الدلائل 5 / 369، والبخاري 7 / 663 (4349). (2) أخرجه الترمذي 4 / 180 (1704). (*)

[ 236 ]

ما هذا ؟ قال ألم تر الى الوصيفة فانها صارت في الخمس ثم صارت في آل محمد ثم في آل علي فوقعت بها. فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت له ذلك) (1). وفي رواية: فكتب خالد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ابعثني، فبعثني، فجعل يقرأ الكتاب وأقول صدق، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم قد احمر وجهه فقال: (من كنت وليه فعلي وليه). ثم قال: (يا بريدة أتبغض عليا ؟) فقلت: نعم. قال: (لا تبغضه فان له الخمس أكثر من ذلك). وفي رواية: (والذي نفسي بيده لنصيب علي في الخمس أفضل من وصيفة وان كنت تحبه فازدد له با). وفي رواية: (لا تقع في علي فانه مني وأنا منه وهو وليكم بعدي) (2). قال بريدة: فما كان في الناس أحد أحب الي من علي. تنبيهات الاول: قال ابن اسحاق وغيره: غزوة علي بن أبي طالب الى اليمن مرتين قال في العيون: ويشبه أن تكون هذه السرية الاولى، وما ذكره ابن سعد هي السرية الثانية كما سيأتي. الثاني: قال الحافظ: كان بعث علي بعد رجوعهم من الطائف وقسمة الغنائم بالجعرانة. الثالث: قال الحافظ أبو ذر الهروي: انما أبغض بريدة عليا لانه رآه أخذ من المغنم فظن انه غل. فلما أعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم انه أخذ أقل من حقه أحبه. قال الحافظ: وهو تأويل حسن لكن يبعده صدر الحديث الذي رواه أحمد، فلعل سبب البغض كان لمعنى آخر وزال، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بغضه. الرابع: استشكل وقوع علي رضي الله تعالى عنه على الجارية وأجيب باحتمال أنها كانت غير بالغ، ورأى ان مثلها لا يستبرأ كما صار إليه غيره من الصحابة، أو انها كانت حاضت عقب صيرورتها له ثم طهرت بعد يوم وليلة ثم وقع عليها، أو كانت عذراء. الخامس: استشكل أيضا قسمته لنفسه، وأجيب بان القسمة في مثل ذلك جائزة ممن هو شريكه فيما يقسمه كالامام إذا قسم بين الرعية وهو منهم فكذلك ممن نصبه الامام فانه مقامه. السادس: في بيان غريب ما سبق: همدان: بسكون الميم وبالدال المهملة قبيلة معروفة. قال الائمة الحفاظ: وليس في


(1) اخرجه البخاري في كتاب النكاح (5210). (2) اخرجه احمد في المسند 5 / 356، وذكره الهيثمي في المجمع 9 / 128، والمتقي ا لهندي في الكنز (42942).

[ 237 ]

الصحابة ولا تابعيهم ولا أتباع الاتباع أحد من البلدة التي هي بفتح الميم وبالذال المعجمة. البراء: بفتح الموحدة وتخفيف الراء. عازب: بعين مهملة فألف فزاي مكسورة وبالموحدة: ضد متزوج. أمره: بتخفيف الميم من الامر. يقفل خالدا: بضم التحتية وسكون القاف وكسر الفاء يرجعه ويرده. يعقب: بضم التحتية وفتح العين المهملة وتشديد القاف: يرجع. أواق: مثل جوار، وفي لفظ أواقي بتحتية مشددة وتخفف. ذوات عدد: (أي كثيرة). بريدة: بضم الموحدة وفتح الراء وسكون التحتية وبالدال المهملة. الحصيب: بحاء مضمومة فصاد مفتوحة مهملتين فتحتية ساكنة فموحدة. الوصيفة: بواو فصاد مهملة فتحتية ففاء: الخادم. السبية: بفتح السين المهملة وكسر الموحدة وسكون التحتية فهمزة: الجارية من السبي. من كنت وليه فعلي وليه: قال الحافظ لهذا اللفظ طرق يقوي بعضها بعضا. وهو وليكم بعدي: (أي يلي أمركم).

[ 238 ]

الباب الثاني والسبعون في سرية علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه الى اليمن المرة الثانية. قال محمد بن عمر، وابن سعد (1) رحمهما الله تعالى واللفظ للاول: قالوا -: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا الى اليمن في رمضان وأمره ان يعسكر بقناة فعسكر بها حتى تتام أصحابه. فعقد له رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء وأخذ عمامته فلفها مثنية مربعة فجعلها في رأس الرمح ثم دفعها إليه وعممه بيده عمامة ثلاثة أكوار وجعل له ذراعا بين يديه وشبرا من ورائه وقال له: (امض ولا تلتفت). فقال علي: يا رسول الله ما أصنع ؟ قال: (إذا نزلت بساحتهم فلا تقاتلهم حتى يقا تلوك وادعهم الى أن يقولوا لا اله الا الله محمد رسول الله، فان قالوا نعم فمرهم بالصلاة فان أجابوا فمرهم بالزكاة فان أجابوا فلا تبغ منهم غير ذلك، والله لان يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس أو غربت). فخرج علي في ثلاثمائة فارس فكانت خيلهم أول خيل دخلت تلك البلاد. فلما انتهى الى أدنى الناحية التي يريد من مذحج فرق اصحابه فأتوا بنهب وغنائم وسبايا نساء وأطفالا ونعما وشاء وغير ذلك. فجعل علي على الغنائم بريدة بن الحصيب الاسلمي فجمع إليه ما أصابوا قبل أن يلقى لهم جمعا. ثم لقي جمعهم، فدعاهم الى الاسلام فأبوا ورموا أصحا به بالنبل والحجارة. فلما رأى انهم لا يريدون الا القتال صف أصحابه ودفع اللواء الى مسعود بن سنان السلمي فتقدم به، فبرز رجل من مذحج يدعو الى البراز، فبرز إليه الاسود بن خزاعي فقتله الاسود وأخذ سلبه. ثم حكل عليهم علي واصحابه فقتل منهم عشرين رجلا فتفرقوا وانهزمو ا وتركوا لواءهم قائما وكف علي عن طلبهم، ثم دعاهم الى الاسلام فأسرعوا وأجابوا. وتقدم نفر من رؤسائهم فبايعوه على الاسلام وقالوا: نحن على من وراءنا من قومنا وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله تعالى. وجمع علي ما أصاب من تلك الغنائم، فجزأها خمسة أجزاء فكتب في سهم منها لله ثم أقرع عليها، فخرج أول السهمان سهم الخمس وقسم علي رضي الله تعالى عنه على اصحابه بقية المغنم، ولم ينفل أحدا من الناس شيئا، وكان من كان قبله يعطون خيلهم الخاص دون غيرهم من الخمس ثم يخبرون رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فلا يرد ه عليهم فطلبوا ذلك من علي فأبى وقال: الخمس أحمله الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى فيه رأيه. وأقام فيهم يقرئهم القرآن ويعلمهم الشرائع. وكتب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا مع


(1) اخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 1 / 122. (*)

[ 239 ]

عبد الله بن عمرو بن عوف المزني يخبره الخبر. فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوافيه الموسم، فانصرف عبد الله بن عمرو بن عوف الى علي بذلك فانصرف علي راجعا. فلما كان بالفتق تعجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره الخبر وخلف على اصحابه والخمس أبا رافع، فوافى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قد قدمها للحج، وكا ن في الخمس ثياب من ثياب اليمن أحمال معكومة ونعم وشاء مما غنموا، ونعم من صدقة أموالهم. فسأل اصحاب علي أبا رافع ان يكسوهم ثيابا يحرمون فيها فكساهم منها ثوبين ثوبين. فلما كانوا بالسدرة داخلين خرج علي ليتلقاهم ليقدم بهم، فرأى على اصحابه الثياب فقال لابي رافع: ما هذا ؟ فقال: (كلموني ففرقت من شكايتهم وظننت ان هذا ليسهل عليك وقد كان من قبلك يفعل هذا بهم). فقال: (قد رأيت امتناعي من ذلك ثم أعطيتهم وقد أمرتك أن تحتفظ بما خلفت فتعطيهم). فنزع علي الحلل منهم. فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم شكوه، فدعا عليا، فقال: (ما لاصحابك يشكونك ؟) قال: ما أشكيتهم، قسمت عليهم ما غنموا وحبست الخمس حتى يقدم عليك فترى فيه رأيك. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: واحتفر قوم بئرا باليمن فأ صبحوا وقد سقط فيها أسد، فنظروا إليه، فسقط انسان بالبئر فتعلق بآخر وتعلق الاخر بآخر حتى كانوا في البئر أربعة فقتلهم الاسد، فأهوى إليه رجل برمح فقتله. فتحاكموا الى علي رضي الله تعالى عنه. فقال: ربع دية وثلث دية ونصف دية ودية تامة: للاسفل ربع دية من أجل انه هلك فوقه ثلاثة، وللثاني ثلث دية لانه هلك فوقه اثنان وللثالث نصف دية من أجل انه هلك فوقه واحد، وللاعلى الدية كاملة. فان رضيتم فهو بينكم قضاء وان لم ترضوا فلا حق لكم حتى تأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقضي بينكم. فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قصوا عليه خبرهم، فقال: (أنا أقضي بينكم ان شاء الله تعالى). فقال بعضهم: يا رسول الله ان عليا قد قضى بيننا. قال: (فيم قضى ؟) فأخبروه، فقال: (هو كما قضى به). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: يعسكر: يجمع عسكره أي جيشه. قناة: بفتح القاف وتخفيف النون وبعد الالف تاء تأنيث: واد من أودية المدينة. ثلاثة أكوار: جمع كورة: العمامة وهي ادارتها. امض: بهمزة وصل. الساحة: عرصة الدار والمراد هنا: المكان. مذحج: بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة وبالجيم: قبيلة من اليمن.

[ 240 ]

أدنى الناحية: أقربها. النهب: بفتح النون: غنائم (وغنائم) بدل من نهب فهو مجرور بالفتحة. جمع إليه: بالبناء للمفعول. السبي: بسين مهملة مفتوحة فموحدة ساكنة فتحتية: الحمل من بلد لاخر. الشاء: بالمد جمع كثرة للشاة، وأما جمع القلة فشياه. النبل: بفتح النون وسكون الموحدة: السهام العربية. مسعود بن سنان الاسلمي: نسب أسلميا ولذا فرق بينهما ابن الاثير، وقال في الاصابة والنور لعله اسلمياف حليفا لبني سلمة بكسر اللام من الانصار. برز: ظهر بعد اختفائه. البراز: بفتح الموحدة ثم راء: الخروج. ابن خزاعي: (بضم الخاء المعجمة وبالزاي فألف فعين مهملة مكسورة فتحتية). السلب: بالتحريك ما يؤخذ من القتيل. كف عنه: بفتح الكاف والفاء المشددة. على من وراءنا: بفتح الميم. جزأها: بفتح الهمزة بعد الزاي. السهمان: بضم السين المهملة: جمع سهم وهو الحظ. ابن عوف: بالفاء. المزني: بضم الميم وفتح الزاي وبالنون فتحتية. يوافيه: (يأتيه). الموسم: اجتماع الناس للحج. الفتق: بفاء ومثناة مضمومة فقاف. مكان بالطائف. معكومة: مشدودة. النعم: بفتح النون والعين المهملة وقد تكسر عينه: الابل والشاء أو خاص الابل. السدرة: (موضع قرب المدينة). ففرقت من شكايتهم: بفاء مفتوحة فراء مكسورة فقاف: فزعت. شكايتهم: بكسر الشين المعجمة أي ذكر ما بهم من مرض أو غيره. ما أشكيتهم: أي ما أزلت شكايتهم أي ما يشكونه.

[ 241 ]

الباب الثالث والسبعون في سرية بني عبس ذكر ابن سعد في الوفود ان بني عبس وفدوا وهم تسعة. فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية لعير قريش، وذكر ابن الاثير ان فيهم ميسرة بن مسروق وأنه لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، في حجة الوداع، ويأتي ان شاء الله تعالى في الوفود لذلك زيادة. الباب الرابع والسبعون في بعثه صلى الله عليه وسلم سرية الى رعية السحيمي (1) رضي الله عنه قبل اسلامه. روى ابن أبي شيبة، والامام احمد بسند جيد عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليه كتابا في أديم أحمر، فأخذ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقع به دلوه. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فلم يدعوا له سارحة ولا رائحة ولا أهلا ولا مالا الا أخذوه، وانفلت عريانا على فرس له ليس عليه سترة حتى انتهى الى ابنته وهي متزوجة في بني هلال وقد أسلمت وأسلم أهلها. وكان مجلس القوم بفناء بيتها، فدار حتى دخل عليها من وراء البيت. فلما رأته ألقت عليه ثوبا وقالت: مالك ؟ قال: (كل الشر نزل بأبيك، ما ترك له رائحة ولا سارحة ولا أهل ولا مال. قالت: دعيت الى الاسلام ؟. قال: أين بعلك ؟ قالت: في الابل. فأتاه. قال: مالك ؟ قال: كل الشر نزل بي ما تركت لي رائحة ولا سارحة ولا أهل ولا مال وأنا أريد محمدا قبل أن يقسم أهلي ومالي. قال: فخذ راحلتي برحلها. قال: لا حاجة لي فيها. قال فخذ قعود الراعي. وزوده ادواة من ماء. قال: وعليه ثوب إذا غطى به وجهه خرجت استه وإذا غطى استه خرج وجهه وهو يكره ان يعرف حتى انتهى الى المدينة فعقل راحلته. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان بحذائه حيث يقبل. فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح قال: يارسول الله ابسط يدك أبايعك، فبسطها. فلما أراد ان يضرب عليها قبضها إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا ويفعله. فلما كانت الثالثة قال: (من أنت ؟) قال: أنا رعية السحيمي. قال: فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم عضده ثم رفعه ثم قال: (يا معشر المسلمين هذا رعية السحيمي الذي بعثت


(1) انظر ترجمته في الاصابة 2 / 208. (*)

[ 242 ]

إليه كتابي فرقع به دلوه). فأخذ يتضرع إليه. قلت: يا رسول الله أهلي ومالي. قال: (أما مالك فقد قسم، وأما أهلك فمن قدرت عليه منهم). فخرج فإذا ابنه قد عرف الراحلة وهو قائم عندها فرجع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هذا ابني. قال: (يا بلال أخرج معه فسله أبوك هو ؟ فإذا قال نعم فادفعه إليه). فخرج إليه فقال: أبوك هذا ؟ قال: نعم. فرجع الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما رأيت أحدا منهما استعبر لصاحبه. قال: (ذاك جفاء الاعراب) (1). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: رعية: بكسر الراء وسكون العين المهملتين وبالتحتية فتاء تأنيث، وقال الطبري بالتصغير. السحيمي: بمهملتين: مصغر.


(1) أخرجه أحمد في المسند 5 / 286. (*)

[ 243 ]

الباب الخامس والسبعون في بعثه صلى الله عليه وسلم ابا امامة صدي بن عجلان رضي الله عنه الى باهلة. عن أبي امامة رضي الله تعالى عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم الى قومي أدعوهم الى الله عز وجل وأعرض عليهم شرائع الاسلام. فأتيتهم وقد سقوا ابلهم وجلبوها وشربوا. فلما رأوني قالوا: مرحبا بالصدي بن عجلان. وأكرموني وقالوا: بلغنا انك صبوت الى هذ ا الرجل. فقلت: لا ولكن آمنت بالله ورسوله وبعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم اليكم أعرض عليكم شرائع الاسلام. فبينا نحن كذلك إذ جاءوا بقصعتهم فوضعوها واجتمعوا حولها يأكلونها وقالو ا: هلم يا صدي. قلت: ويحكم انما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم الا ما ذكيتم كما قال الله تعالى. قالوا: وما قال ؟ قلت: نزلت هذه الاية: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) (المائدة 3) الى قوله: (وان تستقسموا بالازلام)، فجعلت أدعوهم الى الاسلام فكذبوني وزبروني وأنا جائع ظمآن قد نزل بي جهد شديد. فقلت لهم: ويحكم ايتوني بشربة من ماء فاني شديد العطش. قالوا: لا ولكن ندعك تموت عطشا. قال: فاغتممت وضر بت برأسي في العمامة ونمت في حر شديد، فأتاني أت في منامي بقدح فيه شراب من لبن لم ير الناس ألذ منه فشربته حتى فرغت من شرابي ورويت وعظم بطني. فقال القوم: أتاكم رجل من أشرافكم وسراتكم فرددتموه فاذهبوا إليه وأطعموه من الطعام والشراب ما يشتهي. فأ توني بالطعام والشراب فقلت: لا حاجة لي في طعامكم ولا شرابكم، فان الله تعالى أطعمني وسقاني، فانظروا الى الحال التي أنا عليها. فأريتهم بطني فنظروا فأسلموا عن آخر هم بما جئت به من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو أمامة: ولا والله ما عطشت ولا عرفت عطشا بعد تيك الشربة، رواه الطبراني من طريقين احداهما سندها حسن.

[ 244 ]

الباب السادس والسبعون في سرية جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه الى ذي الخلصة. روى الشيخان عن جرير رضي الله تعالى عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (ألا تريحني من ذي الخلصة ؟) وكان بيتا لخثعم وبجيلة فيه نصب تعبد، تسمى الكعبة اليمانية. قال جرير: فنفرت في مائة وخمسين راكبا من أحمس وكانوا اصحاب خيل، وكنت لا أثبت على الخيل، فضرب في صدري حتى رأيت أثر أصابعه في صدري وقال: (اللهم ثبته على الخيل واجعله هاديا مهديا). قال: فأتيناه فكسرناه وحرقناه وقتلنا من وجدنا عنده. وبعثت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يبشره يكني أبا أرطأة. فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله (والذي بعثك بالحق) ما جئتك حتى تركناها كأنها جمل أجرب. قال: (فبرك رسول الله صلى الله عليه وسلم على خيل أحمس ورجالها خمس مرات). قال جرير: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا لنا ولأحمس، فما وقعت عن فرس بعد (1). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: ذو الخلصة: محركة وبضمتين: بيت كان يدعى الكعبة اليمانية لخثعم كان فيه صنم اسمه الخلصة. ألا: بمعنى هلا. تريحني: أي تدخلني في الراحة وهي الرحمة. خثعم: بفتح الخاء المعجمة وسكون الثاء المثلثة وفتح العين المهملة فميم. بجيلة: (كسفينة حي باليمن من معد). نصب: بضمتين: كل ما عبد من دون الله. تعبد: بضم الفوقية وسكون العين المهملة وفتح الموحدة. الكعبة: كل بيت مربع. اليمانية: منسوبة الى اليمن، محركة. نفرت: بنون ففاء فراء: ذهبت.

[ 245 ]

أحمس: تقدم تفسيره. لا أثبت على الخيل: (لا أتماسك عليها). أبو أرطأة: (الارطاة واحدة، الارطي: وهو ضرب من الشجر يذبغ به). كأنها جمل أجرب: أي معد. الجرباء الارض: المقحوطة. برك: دعا بالبركة: وهي النماء والزيادة والسعادة.

[ 246 ]

الباب السابع والسبعون في بعثه صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وخالد بن سعيد بن العاص الى اليمن رضي الله عنهما. روى محمد بن رمضان بن شاكر في مناقب الامام الشافعي رحمه الله تعالى قال: (وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، وخالد بن سعيد بن العاص الى اليمن وقال: (إذا اجتمعتما فعلي الامير وان افترقتما فكل واحد منكما أمير) (1). فاجتمعا. وبلغ عمرو بن معد يكرب. فابتدره علي مكانهما. فأقبل على جماعة من قومه. فلما دنا منهما قال: دعوني حتى آتي هؤلاء القوم فاني لم أسم لاحد قط الا هابني. فلما دنا منهما نادى: أنا أبو ثور وأنا عمر وبن معد يكرب. فابتدره علي وخالد وكلاهما يقول لصاحبه: خلني واياه ويفديه بأمه وأبيه. فقال عمرو إذ سمع قولهما: الغرب تفزع بي وأراني لهؤلاء جزرا. فانصرف عنهما. وكان عمرو فارس العرب مشهورا بالشجاعة وكان شاعرا محسنا). وروى محمد بن عثمان بن أبي شيبة من طرق قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن سعيد بن العاص الى اليمن وقال له: (ان مررت بقرية فلم تسمع إذانا فاسبهم) (2). فمر بيني زبيد فلم يسمع إذانا فسباهم. فأتاه عمرو بن معديكرب فكلمه فيهم فوهبهم له، فوهب له عمرو سيفه الصمصامة فتسلمه خالد ومدح عمرو خالدا في أبيات له.


(1) أخرجه الطبراني في الكبير 4 / 14. (2) ذكره المتقي الهندي في كنز العمال (11441). (*)

[ 247 ]

الباب الثامن والسبعون في بعثه صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد رضي الله عنه الى خثعم. روى الطبراني برجال ثقات عن خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه الى أناس من خثعم، فاعتصموا بالسجود فقتلهم فوداهم رسول الله صلى الله عليه وسلم نصف الدية ثم قال: (أنا برئ من كل مسلم أقام مع المشركين لا تراءى ناراهما) (1). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: خثعم: تقدم الكلام عليها غير مرة. لا تراءى ناراهما: (لا تتراءى ناراهما). الباب التاسع والسبعون في بعثه صلى الله عليه وسلم عمرو بن مرة الجهني رضي الله عنه الى ابي سفيان بن الحارث قبل اسلامه. عن عمرو بن مرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جهينة ومزينة الى أبي سفيان ابن الحارث بن عبد المطلب وكان منابذا للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما ولوا غير بعيد قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: يارسول الله بأبي أنت وأمي علام تبعث (هؤلاء) قد كادا يتفانيان في الجاهلية أدركهم الاسلام وهم على بقية منها. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بردهم حتى وقفوا بين يديه. فعقد لعمرو بن مرة على الجيشين على جهينة ومزينة وقال: (سيروا على بركة الله). فساروا الى أبي سفيان بن الحارث. فهزمه الله تعالى وكثر القتل في أصحا به. فلذلك يقول أبو سفيان بن الحارث: (......) (2).


(1) أخرجه الطبراني في الكبير 4 / 134. (2) بياض بالاصل لم نستطع تكملته. (*)

[ 248 ]

الباب الثمانون في سرية اسامة بن زيد بن حارثة رضي الله عنهم الى أبنى وهي بأرض الشراة بناحية البلقاء. وذلك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام بعد حجته بالمدينة بقية ذي الحجة، والمحرم، وما زال يذكر مقتل زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، ووجد عليهم وجدا شديدا. فلما كان يوم الاثنين لاربع ليال بقين من صفر سنة احدى عشرة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لغزو الروم وأمرهم بالجد، ثم دعا من الغد يوم الثلاثاء لثلاث بقين من صفر أسامة بن زيد فقال: (يا أسامة سر على اسم الله وبركته حتى تنتهي الى (موضع) مقتل أبيك فأو طئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش فأغر صباحا صباحا على أهل أبنى وحرق عليهم وأسرع السير تسبق الاخبار فان أظفرك الله فأقلل اللبث فيهم وخذ معك الادلاء وقدم العيون والطلائع أمامك). فلما كان يوم الاربعاء لليلتين بقيتا من صفر بدئ برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فحم وصدع. فلما أصبح يوم الخميس عقد لاسامة لواء بيده. ثم قال: (اغز بسم الله في سبيل الله فقاتل من كفر بالله، اغزوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدا ولا امرأة ولا تتمنوا لقاء العدو فانكم لا تدرون لعلكم تبتلون بهم ولكن قولوا: اللهم أكفناهم بما شئت واكفف بأسهم عنا، فان لقوكم قد جلبوا وضجوا فعليكم بالسكينة والصمت ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم وقولوا: اللهم ا نا نحن عبيدك وهم عبادك، نواصينا ونواصيهم بيدك وانما تغنيهم أنت واعلموا ان الجنة تحت البارقة). فخرج أسامة رضي الله تعالى عنه بلوائه (معقودا)، فدفعه الى بريدة بن الحصيب الاسلمي، وعسكر بالجرف فلم يبق أحد من (وجوه) المهاجرين الاولين والانصار الا انتدب في تلك الغزوة منهم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وأبو الاعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله تعالى عنهم في رجال آخر ين من الانصار، عدة مثل قتادة بن النعمان، وسلمة بن أسلم بن حريش. فاشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ذلك، ثم وجد من نفسه راحة فخرج عاصبا رأسه فقال: (أيها الناس انفذوا بعث أسامة) ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رجل من المهاجرين. كان أشدهم في ذلك قولا - عياش بن أبي ربيعة (المخزومي) رضي الله تعالى عنه: (يستعمل هذا الغلام على المهاجرين). فكثرت المقالة، وسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بعض ذلك فرده على من تكلم به، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب غضبا شديدا. وخرج يوم السبت عاشر المحرم سنة احدى عشرة وقد

[ 249 ]

عصب رأسه بعصابة وعليه قطيفة ثم صعد المنبر فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: (أما بعد أيها الناس فما مقالة (قد بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ولئن طعنتم في امارتي أسامة لقد طعنتم في امارتي أباه من قبله، وأيم الله كان للامارة لخليقا وا ن ابنه من بعده لخليق للامارة وان كان لمن أحب الناس الي وانهما لمخيلان لكل خير فاستوصوا به خير ا فانه من خياركم) (1). ثم نزل فدخل بيته، وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ويمضون الى العسكر بالجرف، ودخلت أم أ يمن رضي الله تعالى عنها فقالت: (يا رسول الله لو تركت أسامة يقيم في معسكره حتى تتماثل فان أسامة خرج على حالته هذه لم ينتفع بنفسه). فقال: (أنفذوا بعث اسامة). فمضى الناس الى المعسكر فباتوا ليلة الاحد. ونزل أسامة يوم الاحد ورسول الله صلى الله عليه وسلم ثقيل مغمور، وهو اليوم الذي لدوه فيه، فدخل عليه وعيناه تهملان، وعنده الناس والنساء حوله فطأطأ عليه أسامة فقبله والنبي صلى الله عليه وسلم لا يتكلم فجعل يرفع يديه الى السماء ثم يضعها على أسامة كأنه يدعو له. ورجع اسامة الى معسكره. ثم دخل يوم الاثنين وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم مفيقا وجاءه أسامة فقال له: (اغد على بركة الله). فودعه اسامة وخرج الى معسكره لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مفيقا. ودخل أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال: (يا رسول الله أصبحت مفيقا بحمد الله واليوم يوم ابنة خارجة فأذن لي). فأذن له فذهب الى السنح. وركب اسامة الى العسكر وصاح في أصحابه باللحوق بالعسكر، فانتهى الى معسكره وأمر الناس بالرحيل وقد متع النهار. فبينا هو يريد أن يركب أتاه رسول امه أم أيمن يخبره ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يموت فأقبل الى المدينة وأقبل عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح فانتهوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجود بنفسه فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك اليوم. ودخل المسلمون الذي عسكروا بالجرف الى المدينة ودخل بريدة بن الحصيب باللواء معقودا فغرزه عند باب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما بويع لابي بكر أمر بريدة أن يذهب باللواء الى بيت اسامة ليمضي لوجهه وألا يحله حتى يغزوهم وقال لاسامة: (أنفذ في وجهك الذي وجهك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم). وأمر الناس بالخروج، فعسكروا في موضعهم الاول، وخرج بريدة باللواء. فلما ارتدت العرب كلم أبو بكر في حبس أسامة فأبى.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 1 / 136، وذكره المتقي الهندي في كنز العمال (30266). (*)

[ 250 ]

ومشى أبو بكر الى أسامة في بيته فكلمه في أن يترك عمر وأن يأذن له في التخلف ففعل. وخرج ونادى مناديه عزمت لا يتخلف عن أسامة من بعثه من كان انتدب معه في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاني لن أوتى بأحد أبطأ عن الخروج معه الا ألحقته به ماشيا. فلم يتخلف عن البعث أحد. وخرج أبو بكر يشيع أسامة فركب من الجرف لهلال ربيع الاخر في ثلاثة آلاف فيهم ألف فارس، وسار أبو بكر الى جنبه ساعة وقال: (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، اني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - يوصيك، فانفذ لامر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاني لست آمرك ولا أنهاك عنه انما أنا منفذ لامر أمر به (رسول الله صلى الله عليه وسلم) - فخرج سريعا فوطئ بلادا هادية لم يرجعوا عن الاسلام جهينة وغيرها من قضاعة. حتى نزل وادي القرى، فسار الى أبنى في عشرين ليلة. فقدم له عين له من بني عذرة يدعى حريثا، فانتهى الى أبنى، ثم عاد فلقي أسامة على ليلتين من أبنى فأخبره ان الناس غارون ولا جموع لهم، وحثهم على السير قبل اجتماعهم. فسار الى ابني وعبأ اصحابه ثم شن عليهم الغارة فقتل من أشرف له وسبى من قدر عليهم، وحرق بالنار منازلهم وحرثهم ونخلهم فصارت أعاصير من الدواخين وأجال الخيل في عرصاتهم، وأقاموا يومهم ذلك في تعبئة ما أصابوا من الغنائم. وكان اسامة على فر س أبيه سبحة وقتل قاتل ابيه في الغارة، وأسهم للفرس سهمين وللفارس سهما وأخذ لنفسه مثل ذلك. فلما أمسى أمر الناس بالرحيل ثم أغذ السير فورد وادي القرى في تسع ليال ثم بعث بشيرا الى المدينة بسلامتهم ثم قصد بعد في السير فسار الى المدينة ستا حتى رجع الى المدينة ولم يصب أحد من المسلمين. وخرج أبو بكر في المهاجرين وأهل المدينة يتلقونهم سرورا بسلامتهم، ودخل على فرس ابيه سبحة واللواء أمامه يحمله بريدة بن الحصيب حتى انتهى الى باب المسجد فدخل فصلى ركعتين ثم انصرف الى بيته. وبلغ هرقل وهو بحمص ما صنع أسامة فبعث رابطة يكونون بالبلقاء فلم تزل هناك حتى قدمت البعوث الى الشا م في خلافة ابي بكر وعمر رضي الله عنهما. تنبيهان الاول: ذكر محمد بن عمر، وابن سعد ان أبا بكر رضي الله عنه كان ممن أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم - بالخروج مع أسامة الى أبنى، وجرى عليه في المورد وجزم به في العيون، والاشارة، والفتح في مناقب زيد بن حارثة. وأنكر ذلك الحافظ أبو العباس بن تيمية فقال في كتابه الذي رد فيه على ابن المطهر الرافضي: (لم ينقل أحد من أهل العلم ان النبي صلى الله عليه وسلم - أرسل أبا بكر وعثمان في جيش أسامة، فقد استخلفه يصلي بالمسلمين مدة مرضه الى أن مات وكيف يتصور ان يأمره بالخروج في الغزاة وهو يأمره بالصلاة بالناس ؟) وبسط الكلام على

[ 251 ]

ذلك. فقلت: وفيما ذكره نظر من وجهين أولهما قوله: لم ينقل أحد من أهل العلم الخ فقد ذكره محمد بن عمر، وابن سعد وهما من أئمة المغازي: ثانيهما قوله: وكيف يرسل أ با بكر في جيش أسامة ؟ الخ ليس بلازم، فان ارادة النبي صلى الله عليه وسلم - بعث جيش أسامة كان قبل ابتداء مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم - فلما اشتد به المرض استثنى ابا بكر وأمره بالصلاة بالناس. وقال ابن سعد: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء العجلي قال: حدثنا المعمري عن نافع عن ابن عمر ان رسول الله صلى الله عليه وسلم - بعث سرية فيها أبو بكر وعمر واستعمل عليهم أسامة بن زيد، وكان الناس طعنوا فيه أي في صغره، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم - الخ فذكر الحديث. الثاني: في بيان غريب ما سبق: أبنى: بضم الهمزة وسكون الموحدة وفتح النون فألف مقصورة. الشراة: بفتح الشين المعجمة والراء المخففة: جبل. البلقاء: بفتح الموحدة وسكون اللام وبالقاف والمد. أغر: بقطع الهمزة وكسر الغين المعجمة وبالراء: فعل أمر. تسبق: بالجزم، جواب شرط محذوف وحرك بالكسر طلبا للخفة. اللبث: بفتح اللام وسكون الموحدة: الاقامة. العيون: جمع عين وهو الجاسوس. الاربعاء: بتثليث الموحدة والافصح الكسر. بدئ: بالبناء للمفعول وهمز آخره أي ابتدئ. حم: بتشديد الميم والبناء للمفعول. صدع: بضم الصاد وكسر الدال المشددة وبالعين المهملات أي حصل له صداع في رأسه أي وجع ما. فلما أصبح يوم الخميس: يجوز في (يوم) النصب على الظرفية والرفع على أنه فاعل أصبح. عسكر: جمع عسكره أي جيشه. الجرف: بضم الجيم والراء وبالفاء موضع على ثلاثة أميال من المدينة. انتدب: أسرع الخروج. بريدة: بضم الموحدة وفتح الراء.

[ 252 ]

الحصيب: بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين وبالموحدة. حريش: بفتح الحاء المهملة وكسر الراء وسكون التحتية وبالشين المعجمة. عصب: بتشديد الصاد المهملة. المقالة: بتخفيف اللام. القطيفة: كساء له خمل. وأيم الله: من ألفاظ القسم كقولك لعمرو الله، وفيها لغات كثيرة وتفتح همزتها وتكسر، وهمزتها همزة وصل وقد تقطع. الخليق: بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام وسكون التحتية وبالقاف أي حقيق وجدير. لمخيلان: بفتح الميم وكسر الخاء المعجمة وسكون التحتية: أي لمظنة كل خير. أنفذوا: بقطع الهمزة. وكسر الفاء. المعسكر: بفتح الكاف: الموضع الذي فيه العسكر. لدوه: بفتح اللام - الدواء - الذي يصب من أحد جانبي الفم، وهما لديداه ولددته فعلت به ذلك. طأطأ: بهمزة ساكنة بعد الطاء الاولى وهمزة مفتوحة بعد الطاء الثانية. وأمر الناس بالرحيل: الناس منصوب مفعول أمر وفاعله عائد على أسامة. كلم أبو بكر: بالبناء للمفعول. شن عليهم الغارة: فرق عليهم الرجال من كل وجه. حرق: بتشديد الراء. أعاصير: جمع اعصار وهو ريح يثير الغبار ويرتفع الى السماء كأنه عمود. التعبئة: بفتح الفوقية وسكون العين المهملة وكسر الموحدة وفتح الهمزة فتاء تأنيث. سبحة: بفتح السين المهملة وسكون الموحدة. أغذ السير: بفتح الهمزة والغين والذال المعجمتين: أسرع. وادي القري: بضم القاف وفتح الراء والقصر. حمص: مدينة معروفة من مشارق الشام لا تنصرف للعجمية والتأنيث والعلمية. الرابطة: براء فألف فموحدة فطاء مهملة فتاء تأنيث: الجماعة الذين يحفظون من وراءهم من العدو.

[ 253 ]

الباب الحادي والثمانون في ذكر بعض ما فتحه - صلى الله عليه وسلم - من البلاد البحرين: روى عبد الرزاق عن جعفر محمد بن علي بن الحسين قال: ان أبا أسد جاء الى النبي - صلى الله عليه وسلم - بسبي من البحرين، فنظر النبي - صلى الله عليه وسلم - الى امرأة منهن تبكي، قال: (ما شأنك ؟) قالت: باع ابني، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أبعت ابنها ؟) قال: نعم، قال: فيمن ؟ قال: في بني عبس، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (اركب أنت بنفسك، فأت به (1) والله سبحانه وتعالى أعلم والحمد لله رب العالمين حمدا طيبا كثيرا).


(1) ذكره الزيلعي في نصب الراية 4 / 24، وعزاه للبيهقي في المعرفة في كتاب السير. (*)

[ 254 ]

جماع أبواب بعض الوفود إليه - صلى الله عليه وسلم - وبارك عليه الباب الاول في بعض فوائد سورة النصر قال ابن اسحاق: لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف، وبايعت ضربت إليه وفود العرب من كل وجه، قال ابن هشام رحمه الله تعالى: حدثني أبو عبيدة ان ذلك في سنة تسع وأنها كانت تسمى سنة الوفود. قال ابن اسحاق رحمه الله تعالى: وانما كانت العرب تربص بالاسلام أمر هذا الحي من قريش وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم -، وذلك أن قريشا كانوا امام الناس وهاديتهم، وأهل البيت والحرم (وضريح ولد اسماعيل بن ا براهيم عليهما السلام) وقادة العرب لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم - وخلافه، فما افتتحت مكة، ودانت له قريش، ودوخها الاسلام، عرفت العرب انه لا طاقة لهم بحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم - ولا عداوته، فدخلوا في دين الله كما قال الله عز وجل - أفواجا يضربون إليه من كل وجه. وفي صحيح البخاري عن عمرو بن سلمة رضي الله عنه قال: (وكانت العرب تلوم باسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه فانه ان ظهر عليهم فهو نبي صادق. فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم باسلامهم وبدر أبي قومي باسلامهم). وذكر الحديث. وقد أفرد الحافظ العلامة الشيخ برهان الدين البقاعي رحمه الله تعالى الكلام على تفسير سورة النصر اعلاما بتمام الدين اللازم عن مدلول اسمها، اللازم عن موت النبي - صلى الله عليه وسلم - اللازم عنه العلم بأنه ما برز الى عالم الكون والفساد الا لاعلاء كلمة الله تعالى واد حاض كلمة الشيطان، اللازم عنه انه - صلى الله عليه وسلم - خلاصة الوجود وأعظم عبد للمولى الودود وعلى ذلك دل أيضا اسمها على التوديع وحال نزولها وهو أيام التشريق من سنة حجة الوداع. ((بسم الله) الذي له الامر كله فهو العليم الحكيم، (الرحمن) الذي أرسلك رحمة للعالمين، فعمهم بعد نعمة الايجاد بأن بين لهم اقامة معاشهم ومعادهم بك طريق النجاة وغاية البيان بما أنزل عليك من معجز القرآن الذي من سمعه فكأنما سمعه من الله. (لرحيم) الذي خص من أراده بالاقبال به الى حزبه وجعله من أهل قربه (بلزوم الصراط المستقيم) لما دلت التي قبلها على ان الكفار قد صاروا الى حال لا عبرة لهم فيه ولا التفات إليهم، ولا خوف

[ 255 ]

بوجه منهم ما دام الحال على المتاركة كأنه قيل فهل يحصل نصر عليهم وظفر بهم (بالمعاركة) فأجاب بهذه الصورة بشارة للمؤمنين ونذارة للكافرين. ولكنه لما لم يكن ذلك بالفعل الا عام حجة الوداع يعني بعد فتح مكة بسنتين كان كأنه لم يستقر الفتح الا حينئذ، فلم ينزل سبحانه هذه السورة الا في ذلك الوقت وقبل منصرفه من غزوة حنين قبل ذلك. فقال تعالى: (جاء)) ولما كانت المقدرات متوجهة من الازل الى أوقاتها المعينة لها، يسوقها إليها سائق القدرة فتقرب منها شيئا فشيئا كانت كأ نها آتية إليها فلذلك حصل التجوز بالمجئ عن الحصول فقال): (جاء) أي استقر وثبت في المستقبل لمجئ وقته المضروب له في الازل، (وزاد عليه في تعظيمه بالاضافة ثم بكونها الى ا سم الذات فقال): (نصر الله) أي الملك الاعظم الذي لا مثل له ولا أمر لاحد معه على جميع الناس في كل أمر تريده، ولما كان النصر درجات وكان قد أشار سبحانه بمطلق الاضافة إليه ثم بكونها الى الاسم الاعظم الى أن المراد أعلاها صرح به فقال: (والفتح) اي الذي نزلت سورته بالحديبية مبشرة بغلبة حزبه الذي أنت قائدهم وهاديهم ومرشدهم (لا سيما) على مكة التي بها بيته ومنها ظهر دينه، وبها كان أصله وفيها مستقر عموده وعز جنوده، فذل بذلك جميع العرب، (وقالوا: لا طاقة لنا بمن أظفره الله بأهل الحرم) ففروا بهذا الذل حتى كان ببعضهم هذا الفتح، ويكون بهم كلهم فتح جميع البلاد، وللاشارة الى الغلبة على جميع الامم ساقه تعالى في اسلوب الشرط ولتحققها عبر عنه ب‍ (X إذا). (ورأيت الناس): أي العرب كانوا حقيرين عند جميع الامم فصاروا بك هم الناس وصار سائر أهل الارض لهم أتباعا (يدخلون) شيئا فشيئا محددا دخولهم مستمرا (وفي دين الله) أي شرع من لم تزل كلمته هي العليا في حال الخلق بقهره لهم على الكفر (الذي لا يرضاه لنفسه عاقل ترك الحظوظ) وفي حال طواعيتهم بقشره لهم على الطاعة وعبر عنه بالدين الذي معناه الجزاء لان العرب كانوا لا يعتقدون القيامة التي لا يتم الجزاء بها. (أفواجا) أي قبائل وزمرا، زمرا وجماعات كثيفة كالقبيلة بأسرها، أمة بعد أمة، في خفة وسرعة ومفاجأة ولين، واحدا واحدا أو نحو ذلك، لانهم قالوا: أما إذا ظفر بأهل ا لحرم، وقد كان الله تعالى أجارهم من أصحاب الفيل (الذين لم يقدر أحد على ردهم) فليس لنا به يدان (فتبين من هذا القياس المنتج هذه النتيجة البديهية بقصة أصحاب الفيل ما رتبه ا لله الا ارهاصا لنبوته وتأسيسا لدعوته فألقوا بأيديهم وأسلموا قيادهم حاضرهم وباديهم). ولما كا ن التقدير: فقد سبح الله تعالى نفسه بالحمد بابعاد نجس الشرك عن جزيرة العرب بالفعل قال: (فسبح) أي نزه أنت بقولك وفعلك (بالصلاة وغيرها) موافقة لمولاك لما فعل تسبيحا ملبسا (بحمد)

[ 256 ]

أي بكمال (ربك) (الذي أنجز لك الوعد باكمال الدين وقمع المعتدين) المحسن اليك بجميع ذلك لان كله لكرامتك والا فهو عزيز حميد على كل حال تعجبا (لتيسير الله على هذا الفتح ما لم يخطر بالبال) وشكرا لما أنعم به سبحانه عليه من أنه أراه تمام ما أر سل لاجله ولان كل حسنة يعملها أتباعه له مثلها. (ولما أمره صلى الله عليه وسلم بتنزيهه عن كل نقص ووصفه بكل كمال مضافا الى الر ب، أمره بما يفهم منه العجز عن الوفاء بحقه لما له من العظمة المشار إليها بذكره مرتين بالاسم الاعظم الذي له من الدلالة على العظم والعلو الى محل الغيب الذي لا مطمع في دركه مما تتقطع الاعناق دونه فقال: (واستغفره) أي اطلب غفرانه انه كان غفارا، ايذانا بأنه لا يقدر أحد أن يقدره حق قدره لتقتدي بك أمتك في المواظبة على الامان الثاني لهم، فان الامان الا ول الذي هو وجودك بين أظهرهم قد دنا رجوعه الى معدنه في الرفيق الاعلى والمحل الاقدس، وكذا فعل صلى الله عليه وسلم يوم دخل مكة مطأطئا رأسه حتى انه ليكاد يمس واسطة الرحل تواضعا لله تعالى واعلاما لاصحابه ان ما وقع انما هو بحول الله تعالى، لا بكثرة من معه من الجمع وانما جعلهم سببا لطفا منه بهم، ولذلك نبه من ظن منهم أو هجس في خاطره ان للجمع مدخلا فيما وقع من الهزيمة في حنين أولا وما وقع بعد من النصرة بمن ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم وهم لا يبلغون ثلاثين نفسا. ولما أمر بذلك فأرشد السياق الى أن التقدير: وتب إليه، علله مؤكدا لاجل استبعاد من يستبعد مضمون ذلك من رجوع الناس في الردة ومن غيره بقوله (انه) أي المحسن اليك بخلافته لك في امتك، ويجوز ان يكون التأكير دلالة ما تقدم من ذكر الجلالة مرتين على غاية العظمة والفوت على الادراك بالاحتجاب بأردية الكبرياء والعزة والتجبر والقهر، مع أن المألوف أن من كان علي شئ من ذلك بحيث لا يقبل عذرا ولا يقبل نادما. (كان) أي لم يزل (توابا) أي رجاعا لمن ذهب به الشيطان من أهل رحمته. فهو الذي رجع بأنصارك عما كانوا عليه من الاجتماع على الكفر والاختلاف بالعداوات، فأيدك بدخولهم في الدين شيئا فشيئا حتى اسرع بهم بعد سورة الفتح الى أن دخلت مكة في عشرة آلاف، وهو أيضا يرجع بك الى الحال التي يزداد بها ظهور رفعتك في الرفيق الاعلي، ويرجع بم تخلخل من أمتك في دينه بردة أو معصية دون ذلك (الى ما كان عليه من الخير ويسير بهم أحسن سير). (فقد رجع آخر السورة الى أولها بأنه لولا تحقق وصفه بالتوبة لما وجد الناصر الذي وجد به الفتح، والتحم مقطعها أي التحام بمطلعها، وعلم أن كل جملة منها مسببة عما قبلها، فتوبة الله تعالى على عبيده نتيجة توبة العبد باستغفاره الذي هو طلب المغفرة بشر وطه، وذلك ثمرة اعتقاده الكمال في ربه تبارك وتعالى، وذلك ما دل عليه اعلاؤه لدينه وفسره للداخلين فيه

[ 257 ]

على الدخول مع أنهم أشد الناس شكائم وأعلاهم همما وعزائم وقد كانوا في غاية الاباء له والمغالبة للقائم به، وذلك هو فائدة الفتح الذي هو آية النصر وقد علم أن بالاية الاخيرة من الاحتباك ما دل بالامر بالاستغفار (على الامر) بالتوبة وبتعليل الامر بالتوبة على تعليل الامر بالاستغفار). انتهى ما أوردته من كلام الشيخ برهان الدين البقاعي، وتأتي بقيته في الوفاة النبو ية ان شاء الله تعالى. تنبيهات الاول: هذه السورة مدنية بلا خلاف، والمراد بالمدني ما نزل بعد الهجرة ولو بمكة على المعتمد. وروى البزار، وأبو يعلى، والبيهقي في الدلائل عن أبن عمر رضي الله عنهما قال: نزلت هذه السورة (إذا جاء نصر الله والفتح على رسول الله صلى الله عليه وسلم أوسط أيام التشريق فعرف انه الوداع، فأمر بناقته القصواء فرحلت، ثم فخطب خطبته المشهورة. الثاني: روى مسلم والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: آخر سورة نزلت (إذا جاء نصر الله والفتح). وروى الترمذي والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: آخر سورة نزلت سورة المائدة والفتح. قال الشيخ في الاتقان: يعني: (إذا جاء نصر الله والفتح). قال الحافظ: والجمع بينهما ان آخر آية النصر نزولها كاملة بخلاف براءة. قلت: ولفظ حديث ان عمر، وعند الطبراني: آخر سورة نزلت من القرآن جميعا: (إذا جاء نصر الله والفتح). الثالث: سئل عن قول الكشاف ان سورة النصر نزلت في حجة الوداع أيام التشريق فكيف صدرت ب‍ (X إذا) الدالة على الاستقبال ؟ وأجاب الحافظ بضعف ما نقله، وعلى تقدير صحته فالشرط لم يكتمل بالفتح لان مجئ الناس أفواجا لم يكن كمل، فبقية الشرط مستقبل. وقد أورد الطيبي السؤال وأجاب بجوابين أحدهما ان (إذا) قد ترد بمعنى إذ كما في قوله تعالى: (وإذا رأوا تجارة أو لهوا) (الجمعة 11) الاية. ثانيهما ان كلام الله تعالى قديم. قال الحافظ: وفي كل من الجوابين نظر لا يخفى. الرابع: قال الحافظ ابن كثير: (والمراد بالفتح ههنا فتح مكة قولا واحدا فان أحياء العرب كانت تتلوم باسلامها فتح مكة يقولون (دعوه وقومه) فان ظهر عليهم فهو نبي. فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجا فلم تمض سنتان حتى استوثقت جزيرة ا لعرب ايمانا ولم يبق من سائر قبائل العرب الا مظهر الاسلام). قلت: قد حكى غير واحد ا لخلاف في أن المراد فتح مكة أو فتح سائر البلاد.

[ 258 ]

الخامس: في بيان غريب ما سبق: تربص: بمثناة فوقية فراء فموحدة مشددة مفتوحات فصاد مهملة مضمومة: تنتظر. القادة: بقاف فألف فدال مهملة فهاء: الاشراف الذين يقودون الناس بتبعهم لهم. نصبت الحرب: بنون فصاد مهملة فموحدة فمثناة فوقية: جدت فيه. دوخها الاسلام: بدال مهملة فواو فخاء معجمة: استولى عليها. بدر: بموحدة فدال مهملة مفتوحات: عاجل. تلوم: بفوقية فلام فميم مفتوحات: تنتظر. برز: بموحدة فراء فزاي مفتوحات: ظهر بعد خفاء. الكون: بكاف مفتوحة فواو ساكنة فنون: الوجود والاستقرار. أدحضه: بهمزة فدال فحاء مهملتين فضاد معجمة: أبطله. قسره: بقاف فسين مهملة فراء مفتوحات: قهره وغلبه. اليدان: القوة. المعدن: بميم مفتوحة فعين مهملة ساكنة فدال مهملة مكسورة فنون: مركز كل شئ والموضع الذي يستخرج منه جواهر الارض كالذهب والفضة والنحاس. الرفيق الاعلى: جماعة الانبياء يسكنون أعلى عليين. واسطة الرحل: وسطه. هجس: بهاء فجيم فسين مهملة: خطر بباله. التحم: بفوقية فحاء مهملة فميم مفتوحات: اشتبك فلم يوجد له مخلص. المقطع: بميم مفتوحة فقاف ساكنة فطاء مهملة مفتوحة فعين مهملة مصدر قطع إذا أبان. الشكائم: بشين معجمة جمع شكيمة، يقال فلان شديد الشكيمة: إذا كان عزيز النفس أبيا قويا، وأصله من شكيمة اللجام فان قوتها تدل على قوة الفرس. الاباء: بهمزة مكسورة فموحدة: شدة الامتناع. الاحتباك: (الشد والاحكام). المطالع: بميم فطاء مهملة فألف فلام فعين مهملة: جمع مطلع بفتح اللام وكسرها مصدر طلع إذا ظهر. واسم لموضع الطلوع. النتيجة: بنون مفتوحة ففوقية مكسورة فتحتية ساكنة فجيم. العزائم: بعين مهملة فزاي مفتوحتين فألف فهمزة مكسورة فميم: الامور الواجبة.

[ 259 ]

الباب الثاني في تحمله صلى الله عليه وسلم للوفود واجازتهم ومعنى الوفد وفيه أنواع الاول: في تحمله صلى الله عليه وسلم للوفود: عن جندب بن مكيث رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قد م عليه الوفد لبس أحسن ثيابه وأمر أصحابه بذلك، فرأيته وقد قدم عليه وفد كندة وعليه حلة يما نية، وعلى أبي بكر وعمر مثله) رواه محمد بن عمر الاسلمي، وأبو نعيم في المعرفة، وأبو الحسن بن الضحاك. وعن عروة بن الزبير رحمه الله تعالى ان (ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يخرج فيه للوفود حضرمي طوله أربعة أذرع وعرضه ذراعان وشبر، فهو عند الخلفاء قد خلق فطووه بثوب يلبسونه يوم الاضحى والفطر). رواه ابن سعد. الثاني: في اجازتهم: الثالث: في معنى الوفد: قال في الصحاح: (وفد فلان على الامير، أي ورد رسولا فهو وافد والجمع وفد مثل صاحب وصحب، وجمع الوفد أوفاد ووفود، والاسم الوفادة، وأو فدته أنا الى الامير أي أرسلته). وقال في المصباح: (وفد على القوم وفدا من باب وعد، ووفودا فهو وافد وقد يجمع على وفاد ووفد وعلى وفد مثل صاحب وصحب، وجمع الوفد أوفاد ووفود). وقال في النهاية: (الوفد القوم يجتمعون ويردون البلاد واحدهم وافد، وكذلك الذين يقصدون الامراء لزيارة واسترفاد وانتجاع وغير ذلك. تقول: وفد يفد فهو وافد، وأوفدته فوفد، وأوفد على الشئ فهو موفد (إذا أشرف). وقال في المورد: الوفد الجماعة المختارة من القوم ينتقونهم للقاء العظماء. الرابع: قال الحافظ: (عقد ابن سعد في الترجمة النبوية من الطبقات بابا للوفو د وكاد يستوعب ذلك بتخلص حسن، وكلامه أجمع ما يكون في ذلك. ولم يقع له قصة نافع بن زيد الحميري مع أن ابن سعد ذكر وفد حمير) انتهى كلام الحافظ. قلت: قد ذكرت ما ذكر ه ابن سعد مع زيادة وفود كثيرة لم تقع له، ورتبت جميع ذلك على الحروف ليسهل الكشف على من أراد شيئا من ذلك. ولمحمد بن عمر الاسلمي شيخ ابن سعد كتاب الوفود وفيه فوائد لم يلم بها ابن سعد. الخامخس: وفد جماعة قبل سنة تسع. قال في البداية: (فيجب التمييز بن السابق من هؤلاء الوافدين على زمن الفتح ممن يعد وفوده هجرة، وبين اللاحق لهم بعد الفتح (ممن وعد الله خيرا وحسنى) قال الله سبحانه وتعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل

[ 260 ]

أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى). (الحديد 10). تنبيهان الاول: اختلف في ابتداء الوفود عليه صلى الله عليه وسلم فقيل بعد رجوعه من الجعر انة في آخر سنة ثمان وما بعدها، وقال ابن اسحاق: بعد غزوة تبوك، وقال ابن هشام: كانت سنة تسع تسمى سنة الوفود. الثاني: في بيان غريب ما سبق: جندب: بجيم مضمومة فنون ساكنة فدال مهملة مضمومة وتفتح. مكيث: بفتح الميم وكسر الكاف وسكون التحتية وبالثاء المثلثة. كندة: تقدم تفسيره. الحلة: بضم الحاء المهملة، يأتي الكلام عليها. حضرمي: بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة فراء فميم: نسبة الى حضرموت. خلق: بخاء معجمة فلام فقاف مفتوحات: بلي.

[ 261 ]

الباب الثالث في وفد أحمس على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن سعد رحمه الله تعالى: قدم قيس بن غربة (1) الاحمسي في مائتين وخمسين رجلا من أحمس فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أنتم ؟) فقالوا: نحن أحمس الله، وكان يقال لهم ذلك في الجاهلية. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وأنتم اليوم لله). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال: (أعط ركب بجيلة وابدأ، بالاحمسيين). ففعل. وعن طارق بن شهاب رضي الله تعالى عنه قال: قدم وفد بجيلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اكتبوا البجليين وابدأوا بالاحمسيين). فتخلف رجل من قيس، قال: حتى انظر ما يقول لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال فدعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمى مرات: (اللهم جد عليهم، اللهم با رك فيهم). وفي رواية: قدم وفد أحمس ووفد قيس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ابدأوا بالاحمسيين قبل القيسيين). ثم دعا لاحمس فقال: (اللهم بارك في أحمس وخيلها ورجالها) سبع مرات (2)، رواه الاما م احمد. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: أحمس: بألف فمهملة فميم فسين مهملة، تقدم في بجيلة.


(1) قيس بن غربة بفتح المعجمة والراء بعدها موحدة ضبطه ابن الاثير وقيل بكسر الزا ي بعدها مثناة تحتانية ثقيلة الاحمسي... ذكره ابن السكن في الصحابة وقال: هو والد عروة بن قيس الذي روى عنه أبو وائل. الاصابة 5 / 262. (2) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 2 / 78. (*)

[ 262 ]

الباب الرابع في وفد أزد شنوءة على رسول الله صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد رحمه الله تعالى عن منير بن عبد الله الازدي قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم صرد بن عبد الله الازدي في وفد من الازد بضعة عشر رجلا، فنزلوا على فروة بن عمرو فحباهم وأكرمهم وأقاموا عنده عشرة أيام فأسلموا، وكان صرد أفضلهم، فأمر ه رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه، وأمره ان يجاهد بهم من يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن. فخرج صرد يسير بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى نزل بجرش وهي يو مئذ مدينة حصينة مغلقة، وبها قبائل من اليمن قد تحصنوا بها، وقد ضوت إليهم خثعم فدخلوها معهم حين سمعوا بمسير المسلمين إليهم. فدعاهم الى الاسلام، فأبوا، فحاصرهم شهرا أو قريبا منه، وكان يغير على مواشيهم فيأخذها. ثم تنحى عنهم الى جبل يقال له شكر فظنوا انه قد انهزم، فخرجوا في طلبه حتى أدركوه. فصف صفوفه فحمل عليهم هو والمسلمون فوضعوا سيوفهم فيهم حيث شاءوا وأخذوا من خيلهم عشرين فرسا. فقاتلوهم عليها نهارا طويلا. وقد كان أهل جرش بعثوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين منهم يرتادان وينظران. فبينما هما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية بعد العصر إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بأي بلاد الله شكر ؟) فقال الجرشيان: يا رسول الله ببلادنا جبل يقال له كشر بذلم يسميه أهل جرش. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس بكشر ولكنه شكر). قالا: فما شأنه يا رسول الله ؟ قال: (ان بدن الله لتنحر عنده الان). وأخبرهما رسول ا لله صلى الله عليه وسلم بملتقاهم وظفر صرد بهم. فجلس الرجلان الى أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما فقالا لهما: ويحكما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لينعي لكما قومكما فقوما الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلاه ان يدعو الله ان يرفع عن قومكما. فقاما إليه فسألاه ان يدعو الله أن يرفع عنهم، فقال: (اللهم ارفع عنهم). فخرجا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعين الى قومهما فوجدا قومهما قد أصيبوا يوم أصابهم صرد بن عبد الله في اليوم الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال، وفي الساعة التي ذكر فيها ما ذكر. قال ابن سعد: فقصا على قومهما (القصة) فخرج وفد جرش حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مرحبا بكم أحسن الناس وجوها وأصدقه لقاء وأطيبه كلاما وأعظمه أمانة، أنتم مني وأنا منكم). وجعل شعارهم مبرورا وأحمى لهم حمى حول قريتهم على أعلام معلومة للفرس والراحلة (وللمثيرة) بقرة الحرث، فمن رعاه من الناس فماله سحت (1).


(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 5 / 372 - 373، وابن هشام في سيرته 4 / 197. (*)

[ 263 ]

تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الازد: بألف مفتوحة فزاي فدال مهملة، ويقال بالسين بدل الزاي وفي القاموس هي أفصح. شنوءة: بشين معجمة مفتوحة فنون فهمزة بعد مد الواو، وقد تشدد الواو: قبيلة سميت بذلك لشنآن بينهم. منير: (بضم الميم فنون مكسورة فتحتية فراء). صرد: وزن عمر لكنه ليس معدولا فهو مصروف. حباهم: بحاء مهملة فموحدة فألف: أعطاهم. جرش: بضم الجيم وفتح الراء وبالشين المعجمة: مخلاف من مخاليف اليمن. وبفتحها بلدة بالشام. مغلقة: بالغين المعجمة. ضوى: بفتح الضاد المعجمة والواو: أوى. يرتادان: يطلبان الاخبار. شكر: بتقديم الشين المعجمة على الكاف المفتوحتين. كشر: بكاف فشين معجمة مفتوحتين. ويحه: بواو مفتوحة فتحتية ساكنة فحاء مهملة: كلمة ترحم منصوبة باضمار فعل. النعي: بنون مفتوحة فعين ساكنة فتحتية: إذاعة الموت. راجعين: بفتح العين على التثنية لانهما اثنان. وأصدقه كلاما: تقدم الكلام على مثل هذا.

[ 264 ]

الباب الخامس في وفد أزد عمان على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن سعد رحمه الله تعالى: أسلم أهل عمان فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم العلاء بن الحضرمي يعلمهم شرائع الاسلام ويصدق أموالهم. فخرج وفدهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم أسد بن بيرح الطاحي. فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه أن يبعث معهم ر جلا يقيم أمرهم. فقال مخربة العبدي - واسمه مدرك بن خوط - ابعثني إليهم فان لهم علي منة، أسروني يوم جنوب فمنوا علي. فوجهه معهم الى عمان، وقدم سلمة بن عياذ الازدي في أناس من قومه، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عما يعبد وما يدعو إليه فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: (ادع الله لي أن يجمع كلمتنا وألفتنا). فدعا لهم وأسلم سلمة ومن معه. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم الوفد الازد، طيبة أفواههم، برة أيمانهم، تقية قلوبهم). رواه الامام احمد بسند حسن. وعن طلحة بن داود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم المرضعون أهل عمان) (1). يعني الازد. رواه الطبراني برجال ثقات. وعن بشر بن عصمة (الليثي) رضي الله تعالى عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الازد مني وأنا منهم، أغضب لهم إذا غضبوا (ويغضبون إذا غضبت) وأرضى منهم إذا رضوا (ويرضون إذا رضيت) (2) رواه الطبراني. وعن أبي لبيد قال: خرج رجل من أهل عمان يقال له بيرح بن أسد مهاجرا الى النبي صلى الله عليه وسلم فقدم المدينة فوجده قد توفي. فبينا هو في بعض طرق المدينة فرآه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال له من أنت ؟ فقال: من أهل عمان. قال: من أهل عمان ؟ قال: نعم، فأخذ بيده فأدخله على أبي بكر، وقال: هذا من أهل الارض التي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أهلها من... (3) فقال أبو بكر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اني لاعلم أرضا يقال لها عمان ينضح بناحيتها البحر (بها حي من العرب) لو أتاهم رسولي لم يرموه بسهم ولا حجر) (4). رواه الامام احمد وأبو يعلى برجال الصحيح.


(1) اخرجه الطبراني في الكبير 8 / 373، وعبد الرزاق (13987)، وذكره الهيثمي في المجمع 10 / 50. (2) أخرجه الطبراني في الكبير 2 / 52. (3) بياض في الاصول. (4) أخرجه أحمد في المسند 1 / 44، وأبو يعلى في المسند 101 (106)، وذكره الهيثمي في المجمع وقال: رواه احمد ورجاله رجال الصحيح، غير لمازة بن زبار وهو ثقة.

[ 265 ]

تنبيه: في بيان غريب ما سبق: عمان: بعين مهملة مضمومة فميم مخففة. بيرح: بموحدة مفتوحة فتحتية ساكنة فراء فحاء مهملة. الطاحي: بالطاء والحاء المهملتين نسبة الى بني طاحية. مخربة: بميم مضمومة فخاء معجمة مشددة. خوط: بخاء معجمة مضمومة وطاء مهملة (بينهما واو). يوم جنوب: بجيم مفتوحة فنون فواو فموحدة: من أيام العرب. منوا علي: أعتقوني. عياذ: بعين مهملة مكسورة فتحتية فألف فذال معجمة.

[ 266 ]

الباب السادس في وفد بني أسد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد عن محمد بن كعب القرظي، وهشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قالا: قدم عشرة رهط من بني أسد بن خزيمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول سنة تسع، فيهم حضرمي بن عامر، وضرار بن الازور، ووابصة بن معبد، وقتادة بن القائف، وسلمة بن حبيش، وطليحة بن خويلد، ونقادة ابن عبد الله بن خلف ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد مع أصحابه، فسلموا وقال متكلمهم: يا رسول الله، أنا شهدنا ألا اله الا الله وحده لا شريك له وأنك عبده ورسوله. وقال حضرمي بن عامر: (أتيناك نتدرع الليل البهيم في سنة شهباء، ولم تبعث الينا بعثا)، فنزلت فيهم: (يمنون عليك أن أسلموا) (الحجرات 17). وروى النسائي والبزار وابن مردويه عن ابن عباس، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن سعيد بن جبير، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه بسند حسن عن عبد الله بن أوفى، قال الاولان: جاءت بنو أسد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله أ سلمنا ولم نقاتلك كما قاتلك العرب، وفي رواية بنو فلان. فأنزل الله تعالى: (يمنون عليك أن أسلموا). قال ابن سعد: وكان معهم قوم من بني الزنية وهم بنو مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد. فقا ل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنتم بن الرشدة). فقالوا: لا نكون مثل بني محولة، يعني بني عبد الله بن غطفان. ومما سألوا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم - يومئذ العيافة والكهانة وضرب الحصى فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم - عن ذلك كله. فقالوا يا رسول الله ان هذه الامور كنا نفعلها في الجاهلية، أرأيت خصلة بقيت ؟ قال: (وما هي ؟) قال (صلى الله عليه وسلم): (الخط، علمه نبي من الانبياء فمن صادف مثل علمه علم) (1). وروى ابن سعد عن رجال من بني أسد ثم من بني مالك بن مالك بن أسد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال لنقادة بن عبد الله بن خلف بن عميرة بن مري بن سعد بن مالك الاسدي: (يا نقادة ابغ لي ناقة حلبانة ركبانة ولا تولهها على ولد). فطلبها في نعمه فلم يقدر عليها. فوجدها عند ابن عم له يقال له سنان بن ظفير، فأطلبه اياها، فساقها نقاد ة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم -، فمسح ضرعها ودعا نقادة فحلبها حتى إذا أبقى فيها بقية من لبنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -: (أي نقادة اترك دواعي اللبن). فشرب رسول ا لله صلى الله عليه وسلم - وسقى أصحابه من


(1) أخرجه مسلم بنحوه في كتاب المساجد (33) وكتاب السلام (121)، والنسائي 3 / 16، وأبو داود في كتاب استفتاح الصلاة باب (56)، وأحمد في المسند 2 / 394، والبيهقي 2 / 250. (*)

[ 267 ]

لبن تلك الناقة، وسقى نقادة سؤره وقال: (اللهم بارك فيها من ناقة وفيمن منحها). قال نقادة: قلت: وفيمن جاء بها يا رسول الله. قال: (وفيمن جاء بها) (1). تنبيهات الاول: قوله - صلى الله عليه وسلم - في الخط: (علمه نبي من الانبياء الخ) الخط بفتح الخاء المعجمة وبالطاء المهملة. قال في المطالع والتقريب: (فسروه بخط الرمل ومعرفة ما يدل عليه). وقال في النهاية: (قال ابن عباس: الخط) (هو الذي يخطه الحازي، وهو علم قد تركه الناس، يأتي صاحب الحاجة الى الحازي فيعطيه حلوانا فيقول له: اقعد حتى أخط لك، وبين يدي الحازي غلام له معه ميل، ثم يأتي الى أرض رخوة فيخط فيها خطوطا كثيرة بالعجلة لئلا يلحقها العدد، ثم يرجع فيمحو منها على مهل خطين خطين، وغلامه يقول للتفاؤل: (ابني عيا ن أسرعا البيان). فان بقي خطان فهما علامة النجح، وان بقي خط واحد فهو علامة الخيبة. وقال الحربي: (الخط هو أن يخط ثلاثة خطوط ثم يضرب عليهن بشعير أو نوى، ويقول: يكون كذا وكذا، وهو ضرب من الكهانة). قال ابن الاثير: الخط المشار إليه علم معروف، وللناس فيه تصانيف كثيرة وهو معمول به الى الان ولهم فيه أوضاع واصطلاح وأسام وعمل كثير ويستخرجون به الضمير وغيره وكثيرا ما يصيبون فيه. الثاني: ضرب الرمل حرام، صرح به غير واحد من الشافعية والحنابلة وغيرهم. وقال الامام النووي في شرح صحيح مسلم في كتاب الصلاة: باب تحريم الكلام في الصلاة: (فحصل من مجموع كلام العلماء فيه الاتفاق على النهي عنه الان). الثالث: قوله - صلى الله عليه وسلم -: (علمه نبي من الانبياء) في حفظي انه سيدنا ادريس عليه السلام ولا أعلم من ذكره فيحرر. الرابع: قوله: (فمن صادف مثل علمه فقد علم). وفي صحيح مسلم: (فمن وافق خطه فذاك) أي فهو مباح له ولكن لا طريق لنا الى العلم اليقيني بالموافقة فلا يباح (والمقصود أنه حرام لانه لا يباح) الا بيقين الموافقة وليس لنا يقين بها وانما قال النبي - صلى ا لله عليه وسلم -: (فمن وافق خطه فذاك). ولم يقل هو حرام بغير تعليق على الموافقة لئلا يتوهم متوهم ان هذا ا لنهي يدخل فيه ذلك النبي الذي كان يخط، فحافظ النبي - صلى الله عليه وسلم - على حرمة ذاك النبي مع بيان الحكم في حقنا، فالمعنى أن ذاك النبي لا منع في حقه، وكذا لو علمتم موافقته، ولكن لا علم لكم بها).


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 2 / 39. (*)

[ 268 ]

الخامس: في بيان غريب ما سبق: القرظي: بقاف مضمومة فراء مفتوحة فظاء معجمة. السائب: بسين مهملة فألف فهمزة فموحدة. الحضرمي: تقدم قريبا. ضرار: بضاد معجمة مكسورة فراءين بينهما ألف. الازور: بهمز فزاي فواو فراء، من الزور: وهو الميل. وابصة: بواو فألف فموحدة فصاد مهملة. معبد: بميم مفتوحة فعين مهملة ساكنة فموحدة مفتوحة فدال مهملة. قتادة: بقاف فمثناة فوقية مفتوحتين فألف فدال مهملة. القايف: يقاف فألف فتحتية ففاء. سلمة: بسين مهملة فلام فميم مفتوحات. حبيش: بحاء مهملة مضمومة فموحدة مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فشين معجمة. طليحة: بطاء مهملة مضمومة فلام مفتوحة فتحتية ساكنة فحاء مهملة فتاء تأنيث. خويلد: بخاء معجمة مضمومة فواو مفتوحة فتحتية ساكنة فلام مكسورة فدال مهملة. نتذرع: بنون فمثناة فوقية فدال مهملة مفتوحات فراء مشددة مفتوحة فعين مهملة: أ ي نجعله درعا لنا. البهيم: بموحدة مفتوحة فهاء مكسورة فمثناة تحتية فميم: أي شديد الظلمة، وهو في الاصل الذي لا يخالط لونه لون سواه. السنة الشهباء: بشين معجمة مفتوحة فهاء ساكنة فموحدة أي ذات قحط وجدب، والشهباء: الارض البيضاء التي لا خضرة فيها لقلة المطر من الشهبة وهي البياض (فسميت سنة الجدب بها). بنو الزنية: بزاي تفتح وتكسر فنون ساكنة فتحتية مفتوحة، وهي آخر ولد المرأة والرجل، ولذلك سمي بنو مالك به. دودان: بدالين مهملتين أولاهما مضمومة فألف فنون. الرشدة: بفتح الراء وكسرها، والفتح أفصح وسكون الشين المعجمة وفتح الدال المهملة.

[ 269 ]

بنو محولة: (بضم الميم وفتح الحاء المهملة والواو المفتوحة المشددة فلام فتاء تأنيث). العيافة: بعين مهملة مكسورة فتحتية فألف ففاء: زجر الطير، والتفاؤل باسمائها وأصواتها وممرها. الكهانة: بكاف فهاء فألف فنون: تعاطي خبر الكائنات في مستقبل الزمان. حلبانة: بحاء مهملة مفتوحة فلام ساكنة فموحدة فألف فنون: غزيرة تحلب. ركبانة: براء مفتوحة فكاف ساكنة فموحدة وألف فنون: ذلولة تركب. لا تولهها: (بمثناة فوقية مضمومة فواو مفتوحة فلام مشددة مكسورة فهاءين أولاهما ساكنة أي لا تجعل ناقتك والهة بذبحك ولدها). ظفير: (بظاء معجمة مضمومة ففاء مفتوحة فتحتية ساكنة فراء). دواعي اللبن: بدال مهملة فواو مفتوحتين فعين مهملة مكسورة: لبن قليل يبقى في الضرع، يدعو ما وراءه فينزله، وإذا استقصى كل ما في الضرع أبطأ دره على حاليه. السؤر: بسين مهملة مضمومة فهمزة ساكنة فراء: بقية الطعام والشراب وغيرهما. منحها: بميم فنون فحاء مهملة فهاء مفتوحات: أعطى الناقة أو الشاة لينتفع بلبنها أو وبرها أو صوفها مدة ثم يردها.

[ 270 ]

الباب السابع في وفد أسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن سعد رحمه الله تعالى: قدم عمير بن أفصى في عصابة من أسلم فقالوا: (قد آمنا بالله ورسوله واتبعنا منهاجك فاجعل لنا عندك منزلة تعرف العرب فضيلتها فانا ا خوة الانصار، ولك علينا الوفاء والنصر في الشدة والرخاء). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أسلم سالمها الله وغفار غفر الله لها). وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا لاسلم ومن أسلم من قبائل العرب ممن يسكن السيف والسهل وفيه ذكر الصدقة والفرائض في المواشي. وكتب الصحيفة ثابت بن قيس بن شماس وشهد أبو عبيدة بن الجراح وعمر بن الخطاب. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: أفصى: (بهمزة مفتوحة ففاء ساكنة فصاد مهملة مفتوحة فألف مقصورة). العصابة: بكسر العين المهملة: هنا الجماعة من الناس. المنهاج: بميم مكسورة فنون ساكنة فهاء فألف فجيم: الطريق. السيف: بكسر السين المهملة وسكون التحتية وبالفاء: الجانب.


(1) أخرجه ابن سعد 2 / 116 وهو عند البخاري 2 / 33، ومسلم 4 / 1922. (*)

[ 271 ]

الباب الثامن في قدوم أسيد بن أبي أناس. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه لما بلغه انه هجاه، فأتى أسيد الطائف فأقام بها. فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة خرج سا رية بن زنيم الى الطائف، فقال له أسيد: ما وراءك ؟ قال: (قد أظهر الله تعالى نبيه ونصره على عدوه، فا خرج يا ابن أخي إليه فانه لا يقتل من أتاه). فحمل أسيد امرأته وخرج وهي حامل تنتظر، وأقبل فألقت غلاما عند قرن الثعالب، وأ تى أسيد أهله فلبس قميصا واعتم، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسارية بن زنيم قائم بالسيف عند رأسه يحرسه، فأقبل أسيد حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد أهدرت دم أسيد ؟ قال: (نعم). قال: تقبل منه ان جاءك مؤمنا ؟ قال: (نعم). فوضع يد ه في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (هذه يدي في يدك، أشهد أنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأشهد ألا اله الا الله. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يصرخ أن أسيد بن أبي أنا س قد آمن وقد أمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومسح رسول الله صلى الله عليه وسلم وجهه وألقى يد ه على صدره، فيقال ان أسيدا كان يدخل البيت المظلم فيضئ. وقال أسيد رضي الله تعالى عنه: أأنت الفتى تهدي معدا لربهابل الله يهديها وقال لك أشهد فما حملت من ناقة فوق كورها أبر وأوفى ذمة من محمد وأكسى لبرد الحال قبل ابتذاله وأعطى لرأس السابق المتجرد تعلم رسول الله انك قادر على كل حي متهمين ومنجد تعلم بأن الركب ركب عويمر هم الكاذبون المخلفو كل موعد أنبوا رسول الله ان قد هجوته فلا رفعت سوطي الي إذا يدي سوى أنني قد قلت يا ويح فتنة أصيبوا بنحس لا يطاق وأسعد أصابهم من لم يكن لدمائهم كفيئا فعزت حسرتي وتنكدي دويبا وكلثوما وسلما وساعدا جميعا بأن لا تدمع العين تكمد فلما أنشده: (أأنت الذي تهدي معدا لدينها)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بل الله يهديها)، فقال الشاعر: (بل الله يهديها وقال لك اشهد). رواه ابن شاهين عن المدائني عن رجاله عن عدة طرق. تنبيهات الاول: هذه القصة والابيات ذكرها الواقدي والطبراني لأنس بن زنيم. قال الحافظ في

[ 272 ]

الاصابة: (وقد رويت نظير قصته لانس بن زنيم كما سيأتي في ترجمته ويحتمل وقوع ذلك لهما). الثاني: قال دعبل بن علي في طبقات الشعراء قوله: فما حملت ناقة فوق كورها أعف وأوفى ذمة من محمد). هذا أصدق بيت قالته العرب. الثالث: في بيان غريب ما سبق: أسيد: بفتح الهمزة كما ذكره العسكري والدارقطني، وضمها المرزبان، ورده ابن ماكولا. أناس: بضم الهمزة والنون. زنيم: بزاي مفتوحة فنون فمثناة تحتية فميم: الدعي في النسب الملحق بالقوم وليس منهم تشبيها له بالزنمة وهو شئ يقطع من أذن الشاة ويترك معلقا بها. قرن الثعالب: قرن بقاف مفتوحة فراء ساكنة فنون. والثعالب بمثلثة فعين مهملة مفتوحتين فألف فلام فموحدة: موضع يحرم منه أهل نجد.

[ 273 ]

الباب التاسع في وفد أشجع إليه صلى الله عليه وسلم قال ابن سعد رحمه الله تعالى: قدمت أشجع على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الخندق وهم مائة، ورأسهم مسعود بن رخيلة، فنزلوا سعب سلع. فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر لهم بأحمال التمر. فقالوا: (يا محمد لا نعلم أحدا من قومنا أقرب دارا منك منا ولا أقل عددا، وقد ضقنا بحربك وبحرب قومك فجئنا نوادعك). فوادعهم. ويقال بل قدمت أشجع بعد ما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني قريظة، وهم سبعمائة، فوادعهم ثم أسلموا بعد ذلك. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: أشجع: بهمزة فشين معجمة ساكنة فجيم فعين مهملة. رخيلة: براء مضمومة فخاء معجمة مفتوحة فمثناة تحتية فلام. الباب العاشر في قدوم وفد الاشعريين إليه صلى الله عليه وسلم وذكر اعلامه صلى الله عليه وسلم بقدومهم قبل وصولهم ودعائه لهم لما اشرفوا في البحر على الغرق. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا في أصحابه يوما فقال: (اللهم انج اصحاب السفينة). ثم مكث ساعة فقال: (استمدت). فلما د نوا من المدينة قال: (قد جاءوا يقودهم رجل صالح) قال: (والذين كانوا معه في السفينة الاشعريو ن والذين قادهم عمرو بن الحمق الخزاعي) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أين جئتم ؟) قالوا من زبيد. قال: (بارك الله في زبيد). قالوا: وفي زمع. قال: (وبارك الله في زبيد). قالوا وفي زمع. قال في الثالثة: (وفي زمع) (1). وروى ابن سعد والبيهقي واحمد بن أنس رضي الله تعالى عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يقدم عليكم قوم هم أرق منكم قلوبا). فقدم الاشعريون فيهم أبو موسى الاشعري فلما دنوا من المدينة جعلوا يرتجزون يقولون: غدا نلقى الاحبة محمدا وحزبه


(1) أخرجه عبد الرزاق (19890). (*)

[ 274 ]

وروى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن ابي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبا، الايمان يمان، والحكمة يمانية، السكينة في أهل الغنم والفخر والخيلاء في الفدادين من أهل الوبر) (1). وعن جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أتاكم أهل اليمن كأنهم السحاب وهم خيار من في الارض). فقال رجل من الانصار: الا نحن يا رسول الله ؟ فسكت ثم قال: الا نحن يا رسول الله ؟ فقال: (الا أنتم كلمة ضعيفة) (2). رواه في زاد المعاد عن يزيد بن هارون عن ابن ابي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه. قال: ولما لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلموا وبايعوا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الاشعريون في الناس كصرة فيها مسك) (3). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الاشعريون: بهمزة مفتوحة فشين معجمة ساكنة فعين مهملة مفتوحة فراء فتحتية فواو فنون. الحمق: بحاء مهملة مفتوحة فميم مكسورة فقاف. الخزاعي: بخاء معجمة مضمومة فزاي فألف فعين مهملة نسبة الى خزاعة قبيلة سميت بذلك لتفرقهم بمكة. زمع: (بفتح الزاي وسكون الميم وبالعين المهملة: من منازل حمير باليمن). الفخر: بفاء مفتوحة فخاء معجمة ساكنة فراء: ادعاء العظم والكبر والشرف. الخيلاء: والخيلاء بضم الخاء المعجمة وكسرها: الكبر والعجب. الفدادون: بفاء مفتوحة فذال مهملة مفتوحة مشددة فألف فدال مهملة أخرى: الذين تعلوا أصواتهم في حروثهم ومواشيهم (واحدهم فداد. يقال فد الرجل يفد فديدا إذا ا شتد صوته). وقيل هم المكثرون من الابل. وقيل هم الجمالون والبقارون والحمارون والرعيان. وقيل بتخفيف الدال: جمع فدان وهي البقر التي يحرث بها، وأهلها أهل جفاء وغلظة. الوبر: بواو فموحدة مفتوحتين فراء، للابل بمنزلة الشعر لغيره.


(1) أخرجه البخاري 5 / 219، واحمد في المسند 2 / 235، والطبراني في الكبير 2 / 134، والبيهقي في السنن 1 / 386، والخطيب في التاريخ 11 / 377. (2) أخرجه البيهقي في الدلائل 5 / 353. (3) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 2 / 79، وذكره المتقي الهندي في كنز العمال (33975). (*)

[ 275 ]

الباب الحادي عشر في قدوم أعشى بني مازن على النبي صلى الله عليه وسلم روى عبد الله بن الامام أحمد في زوائد المسند، والشيرازي في الالقاب عن نضلة بن طريف، أن رجلا منهم يقال له الاعشى واسمه عبد الله بن الاعور كانت عنده امرأة يقا ل لها معاذة، وخرج في رجب (يمير أهله من هجر فهربت امرأته بعده ناشزا عليه فعاذت برجل منهم يقال له مطرف بن بهصل المازني فجعلها خلف ظهره فلما قدم لم يجدها في بيته وأخبر انها نشزت عليه وأنها عاذت بمطرف بن بهصل فأتاه فقال: يا ابن عم أعندك امرأتي معا ذة فادفعها الي. قال: ليست عندي ولو كانت عندي لم أدفعها اليك. قال: وكان مطرف أعز منه. قال: فخرج الاعشى حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم فعاذ به وأنشأ يقول): وروى عبد الله بن الامام احمد، وابن أبي خيثمة والحسن بن سفيان، وابن شاهين، وأبو نعيم عن الاعشى المازني انه قال: أتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فأنشدته: يا مالك الناس وديان العرب اني لقيت ذربة من الذرب غدوت أبغيها الطعام في رجب فخلفتني في نزاع وهرب أخلفت العهد ولظت بالذنب وهن شر غالب لمن غلب (فكتب النبي صلى الله عليه وسلم الى مطرف: (انظر امرأة هذا معاذة فادفعها إليه). فأتاه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فقرئ عليه فقال: (يا معاذة هذا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم فيك وأنا دافعك إليه. قالت: خذ لي العهد والميثاق وذمة النبي صلى الله عليه وسلم ألا يعاقبني فيما صنعت. فأخذ لها ذلك ودفعها إليه فأنشأ يقول: لعمرك ما حبي معاذة بالذي يغيره الواشي ولا قدم العهد ولا سوء ما جاءت به إذ أذلها غواة رجال إذ يناجونها بعدي (1) تنبيه: في بيان غريب ما سبق: ديان: بدال مهملة فمثناة تحتية مشددة فألف فنون. القهار من دان الناس إذا قهر هم، وقيل الحاكم والقاضي. ذربة: بذال معجمة مكسورة فراء ساكنة فموحدة مفتوحة: فاسدة من ذرب المعدة وهو فسادها. غدوت: بغين معجمة فدال مهملة فواو فتاء، من الغدو: وهو السير أول النهار. أبغيها (الطعام): بهمزة قطع فموحدة ساكنة فغين معجمة فمثناة تحتية أي أطلب لها. لظت: بلام فظاء معجمة مشالة متفوحتين (مع تشديد الظاء) فتاء: أكثرت وألحت.


(1) انظر البداية والنهاية 5 / 74. (*)

[ 276 ]

الباب الثاني عشر في قدوم الاشعث بن قيس عليه، زاده الله فضلا وشرفا لديه. قال ابن اسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم الاشعث بن قيس في وفد كندة في ثمانين راكبا من كندة. فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده وقد رجلوا جممهم وتكحلوا عليهم جبب الحبرة، وقد كففوها بالحرير. فلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألم تسلموا ؟) قالوا: بلى. قال: (فما بال هذا الحرير في أعناقكم ؟) قال: فشقوه منها، فألقوه. ثم قال له الاشعث بن قيس: يا رسول الله، نحن بنو آكل المرار (وأنت ابن آكل المرار). فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب، وربيعة بن الحارث). وكان العباس وربيعة تاجرين، وكانا إذا شاعا في بعض العرب فسئلا ممن هما، قالا: نحن بنو آكل المرار يتعززان بذلك. وذلك ان كندة كانوا ملوكا ثم قال لهم: (لا، بل نحن بنو النضر بن كنانة (لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا) (فقال الاشعث بن قيس الكنديى: (هل فرغتم يا معشر كندة ؟) والله لا أسمع رجلا يقولها الا ضربته ثمانين) (1). قال ابن هشام: الاشعث بن قيس من ولد آكل المرار من قبل امه، وآكل المرار: الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارك بن معاوية بن ثور بن مرتع بن كندي، ويقال كندة. وانما سمي آكل المرار لان عمرو بن الهبولة الغساني أغار عليهم. فأكل هو وأصحابه في تلك الغزوة شجرا يقال له المرار. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: رجلوا: براء فجيم مشددة مفتوحتين فلام. جممهم: بجيم مضمومة فميمين مفتوحتين فهاء: جمع جمة وقد تقدم تفسيرها في أبواب صفة جسده الشريف. جبب: بجيم مضمومة فموحدة مفتوحة فأخرى: جمع جبة، تقدم تفسيرها وكذلك الحبرة مرارا. فكففوهما: بكاف ففاء مفتوحتين فأخرى مضمومة فواو: (خاطوا حاشيتهما الخياطة الثانية بعد الشل). آكل: بهمزة مفتوحة فألف فكاف مكسورة فلام. المرار: بميم فراءين بينهما ألف. شاعت: بشين معجمة فألف فعين مهملة فألف (انتشرا). الهبولة: (بهاء مفتوحة فموحدة مضمومة فواو فلام فتاء تأنيث).


(1) انظر البداية والنهاية 5 / 72، والطبقات الكبرى لابن سعد 1 / 2 / 64. (*)

[ 277 ]

الباب الثالث عشر في وفود بارق إليه صلى الله عليه وسلم. قال ابن سعد رحمه الله تعالى: قدم وفد بارق على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاهم الى الاسلام فأسلموا وبايعوا، وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا كتاب من محمد رسول الله لبارق لا تجذ ثمارهم ولا ترعى بلادهم في مربع ولا مصيف الا بمسألة من بارق ومن مر بهم من المسلمين في عرك أو جدب فله ضيافة ثلاثة أيام، وإذا أينعت ثمارهم فلابن السبيل اللقاط يوسع بطنه من غير أن يقتثم) شهد أبو عبيدة بن الجراح، وحذيفة بن اليمان وكتب أ بي بن كعب (1). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: بارق: بموحدة فألف فراء فقاف. مربع: بميم مفتوحة فراء ساكنة فموحدة فعين مهملة: الموضع الذي ينزل فيه أيام الربيع، واسم جبل قرب مكة. وأما مربع بكسر الميم فمال بالمدينة في بني حارثة. مصيف: بميم مفتوحة فصاد مهملة مكسورة فمثناة تحتية ففاء: مكان ينزل فيه أيام الصيف. عرك: (تجريد الارض من المرعى). أينعت: بهمزة مفتوحة فتحتية ساكنة فنون فعين مهملة: أدركت ونضجت. يقتثم: (يجتث ولم يبق له أصلا).


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 115. (*)

[ 278 ]

الباب الرابع عشر في وفود باهلة إليه صلى الله عليه وسلم روى ابن شاهين عن ابن اسحاق عن شيوخه، وابن سعد عن شيوخه قالوا: قدم مطرف بن الكاهن الباهلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح وافدا لقومه. فقا ل يا رسول الله أسلمنا للاسلام وشهدنا دين الله في سماواته وأنه لا اله غيره، وصدقناك وآمنا بكل ما قلت فاكتب لنا كتابا فكتب له: (من محمد رسول الله لمطرف بن الكاهن ولمن سكن بيشة من باهلة. ان من أحيا أرضا مواتا فيها مراح الانعام فهي له، وعليه في كل ثلاثين من البقر فارض، وفي كل أربعين من الغنم عتود، وفي كل خمسين من الابل مسنة (وليس للمصدق أن يصدقها الا في مراعيها وهم آمنون بأمان الله) (1) (الحديث)... وفيه فانصرف مطرف وهو يقول: حلفت برب الراقصات عشية على كل حرف من سديس وبازل قال ابن سعد: ثم قدم نهشل بن مالك الوائلي من باهلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وافدا لقومه فأسلم وكتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم ولمن أسلم من قومه كتابا فيه شرائع الاسلام وكتبه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: باهلة: بباء موحدة وهاء مكسورة ولام مفتوحة. مراح: (بضم الميم وفتح الراء فألف فحاء مهملة من أراح الابل ردها الى المراح أي المأوي والماء). فارض: بالفاء والراء بينهما ألف فضاد معجمة: المسنة من الابل، وقيل من البقر وهو المراد هنا. عتود: بعين مهملة مفتوحة ففوقية مضمومة فواو ساكنة فدال مهملة: من أولاد المعز الصغير إذا قوي وأتى عليه حول. مسنة: بميم مضمومة فسين مهملة مكسورة فنون مشددة: من البقر والغنم ما دخل في السنة الثانية.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 49. (*)

[ 279 ]

الراقصات: قال في الاملاء أي الابل ترقص في سيرها أي تتحرك، والرقصان: ضرب من المشي. سديس: بسينين بعد الاولى دال مهملات فتحتية: ما دخل في السنة الثامنة من الابل. بازل: بموحدة فألف فزاي فلام: هو من الابل الذي تم ثماني سنين ودخل في التاسعة.

[ 280 ]

الباب الخامس عشر في وفود بني البكائي إليه صلى الله عليه وسلم. روى ابن سعد عن عبد الله بن عامر البكائي وعن الجعد بن عبد الله بن عامر البكائي عن أبيه، وابن شاهين عن يزيد بن رومان، وعن الحسن وعن السدي عن أبي مالك وعن ر جال المدائني وابن منده، وأبو نعيم من طريق أخرى، وابن شاهين من وجه آخر عن بشر بن معاوية بن ثور، وابن شاهين، وثابت في الدلائل. قالوا: وفد من بني البكاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة تسع ثلاثة نفر: معاوية بن ثور بن عبادة البكائي وهو يومئذ ابن مائة سنة ومعه ابن له يقال له بشر، والفجيع بن عبد الله بن جندح بن البكاء، ومعهم عبد عمرو، وهو الاصم. فأمر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزل وضيافة، وأجازهم، ورجعوا الى قومهم. وقال معاوية للنبي صلى الله عليه وسلم: (اني أتبرك بمسك وقد كبرت وابني هذا بر بي فامسح وجهه). فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه بشر بن معاوية وأعطاه أعنز ا عفرا وبرك عليهن. قال الجعد: فالسنة ربما أصابت بني البكاء ولا تصيب آل معاوية. وقال محمد بن بشر بن معاوية بن ثور بن عبادة بن البكاء رضي الله تعالى عنه: وأبي الذي مسح الرسول برأسه ودعا له بالخير والبركات أعطاه أحمد إذ أناه أعنزا عفرا نواجل لسن باللجنات يملأن رفد الحي كل عشية ويعود ذاك الملء بالغدوات بوركن من منح وبورك مانحا وعليه مني ما حييت صلاتي وسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد عمرو الاصم عبد الرحمن، وكتب له بمائه الذي أسلم عليه بذي القصة. وكان عبد الرحمن من أصحاب الظلة يعني الصفة صفة المسجد. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الفجيع: بجيم مصغر. جندح: بضم الجيم والدال المهملة وسكون النون بينهما وآخره (حاء) مهملة. العفر: بعين مهملة مضمومة ففاء ساكنة فراء: بياض ليس بالناصع. اللجنات: القليلات اللبن. ذو القصة: بقاف فصاد مهملة مفتوحتين فتاء تأنيث: موضع قريب من المدينة.

[ 281 ]

الباب السادس عشر في وفود بني بكر بن وائل إليه صلى الله عليه وسلم قال ابن سعد: قدم وفد بكر بن وائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له ر جل منهم: هل تعرف قس بن ساعدة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس هو منكم، هذا رجل من اياد تحنف في الجاهلية فوافى عكاظا والناس مجتمعون فكلمهم بكلامه الذي حفظ عنه) (1). وقد تقد م ذكره في أوائل الكتاب. وكان في الوفد بشير بن الخصاصية، وعبد الله بن مرثد، وحسان بن حوط (2)، وقال رجل من ولد حسان: أنا ابن حسان بن حوط وأبي رسول بكر كلها الى النبي وقدم معهم عبد الله بن أسود بن شهاب بن عوف بن عمرو بن الحارث بن سدوس وكان ينزل اليمامة فباع ما كان له من مال باليمامة، وهاجر وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بجراب من تمر، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: قس بن ساعدة واياد وعكاظ: تقدم الكلام عليها أول الباب. الحصاصية: بحاء فصادين مهملات بينهما ألف فمثناة تحتية. حسان: بفتح الحاء المهملة. حوط: (بفتح الحاء المهملة وسكون الواو فطاء مهملة). سدوس: بسينين بعد الاولى دال مهملات فواو.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 79، وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق 10 / 166. (2) حسان بن خوط بن مسعر بن عنود بن مالك بن الاعور بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر الشيباني نسبه ابن الكلبي... انظر الاصابة 2 / 9. (*)

[ 282 ]

الباب السابع عشر في وفود بلي إليه صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد (1) عن رويفع بن ثابت البلوي (2) رضي الله تعالى عنه قال: قدم وفد من قومي في شهر ربيع الاول سنة تسع فأنزلتهم في منزلي ببني جديلة، ثم خرجت بهم حتى انتهينا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أصحابه في بيته في الغداة. فسلمت. فقال: (رويفع). فقلت: لبيك. قال: (من هؤلاء القوم ؟). قلت: قومي. قال: (مرحبا بك وبقومك). قلت: يا رسول الله قدموا وافدين عليك مقرين بالاسلام وهم على من وراءهم من قومهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرا يهده للاسلام). قال: فتقد م شيخ الوفد أبو الضبيب (3) فقال: (يا رسول الله انا قدمنا عليك لنصدقك ونشهد أن ما جئت به حق، ونخلع ما كنا نعبد ويعبد أباؤنا). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحمد لله الذي هداكم للا سلام، فكل من مات على غير الاسلام فهو في النار). وقال له أبو الضبيب: يا رسول الله اني رجل لي رغبة في ا لضيافة فهل لي في ذلك أجر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم، وكل معروف صنعته الى غني أو فقير فهو صدقة). قال: يا رسول الله ما وقت الضيافة ؟ قال: (ثلاثة أيام فما بعد ذلك فصدقة ولا يحل للضيف أن يقيم عندك فيحرجك). قال: يا رسول الله أرأيت الضالة من الغنم أجد ها في الفلاة من الارض. قال: (لك ولاخيك أو للذئب). قال: فالبعير. قال: (مالك وله، دعه حتى يجده صاحبه). (قال رويفع): وسألوا عن أشياء من أمر دينهم فأجابهم. ثم رجعت بهم الى منزلي فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي بحمل تمر يقول: (استعن بهذا التمر). قال: فكانوا يأكلون منه ومن غيره. فأقاموا ثلاثا، ثم جاؤوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعونه فأمر لهم بجوائز كما كان يجيز من كان قبلهم ثم رجعوا الى بلادهم. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: بلي: بفتح الموحدة وكسر اللام وتشديد الياء: حي من قضاعة.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 94. (2) رويفع بن ثابت البلوي.. ذكره الطبري في وفد بلي وأنهم نزلوا عليه سنة تسع وهو غير رويفع بن ثابت الانصاري قاله ابن فتحون. الاصابة 2 / 214. (3) أبو الضبيس البلوي ذكره محمد بن الربيع الجيزي فيمن دخل مصر من الصحابة، وذ كر الواقدي من طريق محمد بن سعد مولى بني مخزوم عن رويفع بن ثابت البلوي قال: قدم وفد قومي في شهر ربيع الاو ل سنة تسع فبلغني قدومهم فأنزلتهم علي فخرجوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال شيخ منهم يقال له أ بو الضبيس: يا رسول الله اني رجل أرغب في الضيافة فهل لي من أجر في ذلك قال: (نعم وكل معروف الى غني أو فقير صدقة) الا صابة 7 / 108. (*)

[ 283 ]

رويفع: براء مضمومة فواو فتحتية ففاء فعين مهملة. أبو الضبيب: بضم الضاد المعجمة الساقطة وفتح الموحدة وسكون التحتية وبالموحدة. ويقال فيه: أبو الضبيس. فيحرجك: من الحرج أي يضيق صدرك وقيل يؤثمك، والحرج: الاثم، أي يعرضك للاثم (حتى تتكلم فيه بما لا يجوز فتأثم).

[ 284 ]

الباب الثامن عشر في وفود بهراء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم روى محمد بن عمر عن كريمة بنت المقداد رضي الله تعالى عنها قالت: سمعت أمي ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب تقول: قدم وفد بهراء من اليمن على رسول صلى الله عليه وسلم وكانوا ثلاثة عشر رجلا. فأقبلوا يقودون رواحلهم حتى انتهوا الى باب المقداد بن عمرو، ونحن في منازلنا ببني حديلة. فخرج إليهم المقداد فرحب وأنزلهم وقدم لهم جفنة من حيس. قالت ضباعة: كنا قد هيأناها قبل أن يحلوا لنجلس عليها، فحملها المقداد وكان كريما على الطعام. فأكلوا منها حتى نهلوا وردت الينا القصعة وفيها شئ فجمع في قصعة صغيرة ثم بعثنا بها مع سدرة مولاتي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجدته في بيت أم سلمة. فقال صلى الله عليه وسلم: (ضباعة أرسلت بهذا ؟) قالت سدرة: نعم يا رسول الله، قال: (ضعي) ثم قال: (ما فعل ضيف أبي معبد ؟) قلت: عندنا. فأصاب منها رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ومن معه في البيت حتى نهلو ا وأكلت معهم سدرة. ثم قال: (اذهبي بما بقي الى ضيفكم). قالت سدرة: فرجعت بالقصعة الى مولاتي. قالت: فأكل منها الضيف ما أقاموا. فرددها عليهم وما تغيض حتى جعل الضيف يقولون: يا أبا معبد انك لتنهلنا من أحب الطعام الينا وما كنا نقدر على مثل هذا الا في الحين. وقد ذ كر لنا أن بلادكم قليلة الطعام انما هو العلق أو نحوه ونحن عندكم في الشبع. فأخبرهم أبو معبد بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم انه أكل منها وردها، وهذه بركة أصابعه صلى الله عليه وسلم. فجعل القوم يقولون: نشهد أنه رسول الله، وازدادوا يقينا، وذلك الذي أراد صلى الله عليه وسلم. فأتوه فأسملو ا وتعلموا الفرائض وأقاموا أياما. ثم جاءوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعونه فأمر لهم بجوائز وانصرفوا الى أهليهم. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: بهراء: بفتح الموحدة وسكون الهاء وبالراء والمد. بنو حديلة: بضم الحاء وفتح الدال المهملتين فتحتية ساكنة فلام. رحب بهم: قال لهم: مرحبا. الجفنة: بفتح الجيم. الحيس: بفتح الحاء وسكون التحتية وبالسين المهملتين: الاقط بالتمر والسمن. العلق: بعين مهملة مضمومة فلام ساكنة فقاف: جمع علقة وهي البلغة من الطعام.

[ 285 ]

الباب التاسع عشر في وفود تجيب - وهم من السكون - إليه صلى الله عليه وسلم قدم وفد تجيب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ثلاثة عشر رجلا، وساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عز وجل، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وأكرم منز لهم. وقالوا: يا رسول الله سقنا اليك حق الله في أموالنا. فقال صلى الله عليه وسلم: (ردوها فاقسموها على فقرائكم). قالوا: يا رسول الله ما قدمنا عليك الا بما فضل من فقرائنا. فقال أبو بكر: يا رسول الله ما قدم علينا وفد من العرب بمثل ما وفد به هذا الحي من تجيب. فقال صلى الله عليه وسلم: (ان الهدى بيد الله عز وجل، فمن أراد الله به خيرا شرح صدره للايمان). وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء فكتب لهم بها، وجعلوا يسألونه عن القرآن والسنن، فازداد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم رغبة وأمر بلالا أن يحسن ضيافتهم. فأقاموا أياما ولم يطيلوا اللبث. فقيل لهم: ما يعجلكم ؟ قالوا: نرجع الى من وراءنا فنخبرهم برؤيتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلامنا أياه. وما رد علينا ثم جاء وا رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعونه فأمر بلالا فأجازهم بأرفع مما كان يجيز به الوفود وقال: (هل بقي منكم أحد ؟) قالوا: غلام خلفناه على رحالنا وهو أحدثنا سنا. قال: (أرسلوه الينا). فلما رجعوا الى رحا لهم قالوا للغلام: انطلق الى رسول الله فاقض حاجتك منه فانا قد قضينا حوائجنا منه وودعناه. فأقبل الغلام حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله اني غلام من بني أبذى من الرهط الذين أتوك آنفا فقضيت حوائجهم فاقض حاجتي يا رسول الله. قال: (وما حاجتك ؟) قال: (يا رسول الله ان حاجتي ليست كحاجة أصحابي، وان كانوا قد قدموا راغبين في الاسلام وساقوا ما ساقوا من صدقاتهم واني والله ما أعملني من بلادي الا أن تسأل الله عز وجل ان يغفر لي ويرحمني وأن يجعل غناي في قلبي). فقال صلى الله عليه وسلم: (اللهم اغفر له وارحمه واجعل غناه في قلبه). ثم أمر به بمثل ما أمر به لرجل من أصحابه. فانطلقوا راجعين الى أهليهم ثم وافوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى سنة عشر فقالوا: نحن بنو أبذى، فسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغلام فقالوا: يا رسول الله: وا لله ما رأينا مثله قط ولا حدثنا بأقنع منه بما رزقه الله. لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها ولا التفت ا ليها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحمد لله اني لارجو ان يموت جميعا). فقال رجل منهم: أو ليس يموت الرجل جميعا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (تشعب أهواؤه وهمومه في أودية الدنيا فلعل أجله يدركه في بعض تلك الاودية فلا يبالي الله عز وجل في أيها هلك). قالوا فعاش ذلك الرجل فينا على أفضل حال وأزهده في الدنيا وأقنعه بما رزقه الله. فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجع من رجع من أهل اليمن عن الاسلام قام في قومه فذكرهم الله والاسلام فلم يرجع منهم أحد. وجعل أبو بكر

[ 286 ]

رضي الله تعالى عنه يذكره ويسأل عنه حتى بلغه حاله وما قام به. فكتب الى زياد بن لبيد يوصيه به خيرا. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: تجيب: بضم الفوقية وفتحها وكسر الجيم وسكون التحتية وبالموحدة. السكون: بفتح السين المهملة وضم الكاف وسكون الواو وبالنون. حي من اليمن. سر: بضم السين المهملة وفتح الراء المشددة. فضل: بفتح الضاد المعجمة وكسرها. اللبث: بفتح اللام وسكون الموحدة وبالثاء المثلثة: المكث. يعجلك: بضم أوله وكسر الجيم. من وراءنا: بفتح الميم. برؤيتنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: بفتح اللام، مفعول المصدر. خلفناه: بتشديد اللام. بنو أبذى: بفتح الهمزة وسكون الموحدة وفتح الذال المعجمة وزن أعمى. مذحج: بفتح الميم وسكون الذال المعجمة فحاء مهملة مكسورة فجيم. موسم الحاج: بفتح الميم وسكون الواو وكسر السين المهملة وبالميم: معلم يجتمع إليه الناس، وكل مجمع من الناس موسم. أعملني من بلادي: وهو من اعمال المطي وهو حثها وسوقها. يقال: أعملت الناقة فعملت كأنه يقول ما حثني وساقني الا ما ذكرت. حدثنا: بضم الحاء المهملة وكسر الدال المهملة مبني للمفعول. تشعب: حذف منه احدى التاءين أي تتشعب.

[ 287 ]

الباب العشرون في وفود بني تغلب إليه صلى الله عليه وسلم. روى ابن سعد عن يعقوب بن زيد بن طلحة قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني تغلب ستة عشر رجلا مسلمين ونصارى عليهم صلب الذهب، فنزلوا دار رملة بنت الحار ث. فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم النصارى على أن يقرهم على دينهم عل أن لا يصبغوا أولادهم في النصرانية، وأجاز المسلمين منهم بجوائزهم. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: تغلب: بمثناة فوقية مفتوحة فغين معجمة ساكنة فلام مكسورة فموحدة. يصبغوا أولادهم في النصرانية: بتحتية مفتوحة فصاد مهملة ساكنة فموحدة فغين معجمة مضمومتين: يغمسوا. الباب الحادي والعشرون في وفود بني تميم إليه صلى الله عليه وسلم وسبب مجيئهم أخذ عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري جماعة منهم كما تقدم في الباب السادس والخمسين من السرايا. فقدم فيهم عدة من رؤساء بني تميم. فروى ابن اسحاق، وابن مردويه عن عطارد بن حاجب بن زرارة، والزبرقان بن بدر، وعمرو بن الاهتم، ا لحبحاب بن يزيد، ونعيم بن يزيد، وقيس بن الحارث، وقيس بن عاصم، ورياح بن الحارث في وفد عظيم يقال كانوا سبعين أو ثمانين رجلا. وعيينة بن حصن، والاقرع بن حابس كانا شهد ا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة وحنينا والطائف، فلما قدم وفد بني تميم قدما معهم. قالوا: فدخلوا المسجد وأذن بلال بالظهر والناس ينتظرون خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فعجل وفد بني تميم واستبطأوه، فنادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من وراء حجرته: يا محمد اخرج الينا، يا محمد اخرج الينا، ثلاث مرات، فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من صياحهم. فخرج إليهم فقالوا: ان مدحنا لزين وان ذمنا لشين، نحن أكرم العرب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كذبتم بل مدحة الله عز وجل الزين وذمه الشين، وأكرم منكم يوسف بن يعقوب) (1). وروى الامام احمد عن الاقرع بن حابس (2)، وابن جرير بسند جيد، وأبو القاسم


(1) ذكره السيوطي في الدر 6 / 87، وعزاه لابن اسحاق وابن مردويه. (2) ذكره السيوطي في الدر 6 / 86، وعزاه لاحمد وابن جرير وابن القاسم البغوي وابن مردويه والطبراني بسند صحيح. (*)

[ 288 ]

البغوي، والطبراني بسند صحيح، والترمذي وحسنه، وابن أبي حاتم، وابن المنذر عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قال البراء: جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الاقرع انه هو، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اخرج الينا، فلم يجبه، فقال: يا محمد ان حمدي لزين وان ذمي لشين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذاك الله عز وجل). فقالوا: انا أتيناك لنفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: (قد أذنت لخطيبكم فليقل). فقام عطارد بن حاجب فقال: (الحمد لله الذي له علينا الفضل وهو أهله)، الذي جعلنا ملوكا ووهب لنا أموالا عظاما، نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثره عددا وأيسره عدة، فمن مثلنا في الناس ؟ ألسنا برؤوس الناس وأولي فضلهم ؟ فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وانا لو شئنا لاكثرنا الكلام ولكنا نستحي من الاكثار فيما أعطانا (وانا نعرف بذلك). أقول هذا لأن تا توا بمثل قولنا وأمر أفضل من أمرنا). ثم جلس. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شماس أخي بني الحارث بن ا لخزرج: (قم فأجب الرجل في خطبته). فقام ثابت فقال: (الحمد لله الذي السموات والارض خلقه، قضى فيهن أمره ووسع كرسيه علمه، ولم يك شئ قط الا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكا، واصطفى من خير خلقه رسولا أكرمه نسبا، وأصدقه حديثا. وأفضله حسبا، فأنز ل عليه كتابه وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله من العالمين، ثم دعا الناس الى الايمان به، فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه، أكرم الناس احسابا وأحسن الناس وجوها وخير الناس فعالا، ثم كان أول الخلق اجابة، واستجاب الله حين دعاه رسول الله نحن، فنحن أنصار الله ووزراء رسوله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله ورسوله، فمن أمن بالله ورسوله منع منا ماله ودمه، ومن كفر جاهدناه في الله أبدا، وكان قتله علينا يسيرا. أقول قولي هذا وأ ستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات والسلام عليكم). فقام الزبرقان بن بدر فقال، وفي لفظ فقال الزبرقان بن بدر لرجل منهم: يا فلان قم فقل أبياتا تذكر فيها فضلك وفضل قومك، فقام فقال: نحن الكرام فلا حي يعادلنا منا الملوك وفينا تنصب البيع وكم قسرنا من الاحياء كلهم عند النهاب وفضل العز يتبع ونحن نطعم عند القحط مطعمنا من الشواء إذا لم يؤنس القزع ونطعم الناس عند المحل كلهم من السديف إذا لم يؤنس القزع بما ترى الناس تأتينا سراتهم من كل أرض هويا ثم نصطنع فننحر الكوم عبطا في أروقتنا للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا

[ 289 ]

فلا ترانا الى حي نفاخرهم الا استفادوا فكانوا الرأس يقتطع فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه فيرجع القوم والاخبار تستمع انا أبينا ولا يأبى لنا أحد انا كذلك عند الفخر نرتفع قال ابن هشام: ويروى: (منا الملوك وفينا تقسم الربع). ويروى: (من كل أرض هوانا ثم متبع). رواه لي بعض بني تميم (وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها الزبرقان). قال ابن اسحاق: وكان حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه غائبا فبعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال حسان: جاءني رسوله فأخبرني انه انما دعاني لا جيب شاعر بني تميم فخرجت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أقول: منعنا رسول الله إذ حل وسطنا على أنف راض من معد وراغم منعناه لما حل بين بيوتنا بأسيافنا من كل باغ وظالم ببيت حريد عزه وثراؤه بجابية الجولان وسط الاعاجم هل المجد الا السؤدد العود والندى وجاه الملوك واحتمال العظائم فلما فرغ الزبرقان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: (قم يا حسان فأجب الرجل) فقام حسان فقال: ان الذوائب من فهر واخوتهم قد بينوا سنة للناس تتبع يرضى بهم كل من كانت سريرته تقوى الاله وكل الخير يصطنع قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك منهم غير محدثة ان الخلائق فاعلم شرها البدع ان كان في الناس سباقون بعدهم فكل سبق لأدنى سبقهم تبع لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا ان سابقوا الناس يوما فاز سبقهم أو وازنوا أهل مجد بالندى متعوا أعفة ذكرت في الوحي عفتهم لا يطمعون ولا يرديهم طمع لا يبخلون على جار بفضلهم ولا يمسهم من مطمع طبع إذا نصبنا لحي لم ندب لهم كما يدب الى الوحشية الذرع نسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها إذا الزعانف من أظفارها خشعوا لا يفخرون إذا نالوا عدوهم وان أصيبوا فلا خور ولا هلع كأنهم في الوغى والموت مكتنع أسد بحلية في أرساغها فدع خذ منهم ما أتى عفوا إذا غضبواولا يكن همك الامر الذي منعوا

[ 290 ]

فان في حربهم فاترك عداوتهم شرا يخاض عليه السم السلع أكرم بقوم رسول الله شيعتهم إذا تفاوتت الاهواء والشيع أهدي لهم مدحتي قلب يوازره فيما أحب لسان حائك صنع فانهم أفضل الاحياء كلهم ان جد بالناس جد القول أو سمعوا قال ابن هشام: وأنشدني أبو زيد: يرضى بها كل من كانت سريرته تقوى الاله وبالامر الذي شرعوا قال ابن هشام: حدثني بعض أهل العلم بالشعر من بني تميم أن الزبرقان بن بدر لما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بني تميم قال: أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا إذا اختلفوا عند احتضار المواسم بأنا فروع الناس في كل موطن وان ليس في أرض الحجاز كدارم وانا نذود المعلمين إذا انتخوا ونضرب رأس الاصيد المتفاقم فان لنا المرباع في كل غارة نغير بنجد أو بأرض الاعاجم فقام حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه فأجابه فقال: هل المجد الا السؤدد العود والندى وجا ملوك واحتمال العظائم نصرنا وآوينا النبي محمدا على أنف راض من معد وراغم بحي حريد أصله وثراؤه بجابية الجولان وسط الاعاجم نصرناه لما حل وسط ديارنا بأسيافنا من كل باغ وظالم جعلنا بنينا دونه وبناتنا وطبنا له نفسا بفئ المغانم ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا على دينه بالمرهفات الصوادم ونحن ولدنا من قريش عظيمها ولدنا نبي الخير من آل هاشم بني دارم لا تفخروا ان فخركم يعود وبالا عند ذكر المكارم هبلتم علينا تفخرون وأنتم لنا خول من بين ظئر وخادم فان كنتم جئتم لحقن دمائكم وأموالكم أن تقسموا في المقاسم فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا ولا تلبسوا زيا كزي الاعاجم قال ابن اسحاق: فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله قال الاقرع بن حابس: (وأبي ان هذا الرجل لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا ولشاعره أشعر من شاعرنا ولاصواتهم أعلى من أصواتنا). فلما فرغ القوم أسلموا وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم. وكان عمرو بن

[ 291 ]

الاهتم قد خلفه القوم في ظهرهم، وكان أصغرهم سنا، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطى القوم. وقال محمد بن عمر: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجاز كل رجل منهم أثنتي عشرة أوقية الا عمرو بن الاهتم فانه أعطاه خمس أواق لحداثة سنه. قال ابن اسحاق: وفيهم نزل من ا لقرآن: (ان الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون) (الحجرات 4) (وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم) فقال: (هم جفاة بني تميم، لولا أنهم من اشد الناس قتالا للاعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم). وروى البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (جلس الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قيس بن عاصم، والزبرقان بن بدر وعمرو بن الاهتم التميميون. ففخر الزبرقان وقال: يا رسول الله أنا سيد تميم والمطاع فيهم والمجاب منهم آخذ لهم بحقوقهم وأمنعهم من ا لظلم وهذا يعلم ذلك. وأشار الى عمرو بن الاهتم. فقال عمرو بن الاهتم: انه لشديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أدانيه. فقال الزبرقان: والله يا رسول الله لقد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يتكلم الا الحسد. فقال عمرو ابن الاهتم: (أنا أحسدك، فوالله انك للئيم الخال، حديث المال، أحمق الولد، مبغض في العشيرة، والله يا رسول الله لقد صدقت فيما قلت أولا وما كذبت فيما قلت آخرا، ولكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، ولقد صدقت في الاولى والاخرى جميعا). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان من البيان لسحر ا). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: شرح غريب أبيات الزبرقان بن بدر رضي الله عنه تنصب: بضم الفوقية وسكون النون وفتح الصاد المهملة وبالموحدة المضمومة. البيع: نائب الفاعل جمع بيعة بكسر الموحدة: وهي أماكن الصلوات والعبادات للنصارى. قسرنا: بالقاف والسين المهملة: قهرنا وأكرهنا. النهاب: بنون مكسورة فهاء فألف فموحدة: جمع نهب بمعنى منهوب. يتبع: بالبناء للمفعول. القزع: جمع قزعة: وهي السحاب، يعني إذا كان الجدب ولم يكن في السماء سحاب يتقزع. والقزع: تفرق السحاب.

[ 292 ]

السراة: بفتح السين المهملة وتخفيف الراء: الاشراف جمع سري. هويا: بضم الهاء وكسر الواو وتشديد التحتية: سراعا. نصطنع: بالبناء للمفعول. الكوم: بضم الكاف وسكون الواو وبالميم: جمع كوماء بفتح الكاف وسكون الواو وبالمد: وهي العظيمة السنام. عبطا: بعين مفتوحة وطاء مهملتين وسكون الموحدة بينهما، والاعتباط: الموت في الحداثة. قال الشاعر: من لم يمت عبطة يمت هرما للموت كأس والمرء ذائقها الارومة: بفتح الهمزة وضم الراء: الاصل. أنزلوا: بالبناء للمفعول. استقادوا: بهمزة وصل فسين مهملة فمثناة فوقية فقاف فدال مهملة: طلبوا القود. يقتطع: بالبناء للمجهول. تستمع: بالبناء للمجهول كذلك. شرح غريب شعر حسان رضي الله عنه. أبينا: بهمزة مفتوحة فموحدة مفتوحة فتحتية ساكنة فنون: امتنعنا أشد الامتناع. الذوائب: بذال معجمة: جمع ذؤابة وهي الشعر المضفور من شعر الرأس، وذؤابة الجبل أعلاه، ثم استعير للعز والشرف والمرتبة أي من الاشراف وذوي الاقدار. فهر: بكسر الفاء وسكون الهاء وبالراء. الاشياع: بهمزة مفتوحة فمعجمة ساكنة فتحتية فألف فمهملة. السجية: بفتح السين المهملة وكسر الجيم وتشديد التحتية: الخلق والطبيعة. الخلائق: بخاء معجمة فلام مفتوحتين فألف فياء فقاف: وهم الناس والخليقة وهي البهائم، وقيل: هما بمعنى واحد. سباقون: (بسين مهملة مفتوحة فموحدة مشددة فألف فقاف فواو فنون من سبقه يسبقه يسبقه تقدمه. ويقال: سباق غايات: أي حائز قصبات السبق. لا يرفع الناس: (بمثناة مفتوحة فراء فقاف فعين مهملة من رقع الثوب إذا رممه). أوهت: بهمزة فواو ساكنة فهاء: أضعفت.

[ 293 ]

الرقاع: براء مكسورة وقاف وآخره عين مهملة: ما يكتب فيه الحقوق. آذنوا: بهمزة مفتوحة ممدودة فذال معجمة فنون: أعلموا. المجد: بميم مفتوحة فجيم ساكنة فذال مهملة: الشرف الواسع. الندى: بفتح النون وبالقصر: الجود والكرم. أعفة: بهمزة مفتوحة فعين مهملة مكسورة ففاء: جمع عفيف وهو الكاف عن الحرام والسؤال من الناس. الذرع: بفتح الذال المعجمة والراء وبالعين المهملة: ولد البقرة الوحشية، وجمعه ذرعان، وبقرة مذرع، إذا كانت ذات ذرع. ذكرت: بالبناء للمفعول. لا تطبعون: بتحتية فطاء مهملة ساكنة فموحدة مفتوحة فعين معملة فواو: لا يتدنسون، والطبع بفتح الطاء: الدنس، يقال فيه طبع يودي. نصبنا: أظهرنا العداوة ولم نسرها. ندب: بفتح النون وكسر الدال المهملة (وتشديد الموحدة: أي ندرج رويدا). الوحشية: بواو مفتوحة فحاء مهملة ساكنة فشين معجمة مكسورة فتحتية مشددة (من الوحشة) ضد الأنس، والوحشة: الخلوة والهم. الزعانف: بفتح الزاي والعين المهملة وبعد الالف نون مكسورة وبالفاء: وهم أطرا ف الناس وأتباعهم وأصله أطراف الاديم والاكارع. الخور: بضم الخاء المعجمة وسكون الواو وبالراء: الضعفاء. الهلع: بضم الهاء واللام: الجبناء. الهلع أفحش الجزع. الوغى: بفتح الواو والغين المعجمة وبالقصر. وهو في الاصل: الجلبة والاصوات، وقيل للحرب وغى لما فيها من ذلك. مكتنع: بميم مضمومة فكاف ساكنة ففوقية مفتوحة فنون مكسورة فعين مهملة. يقال اكتنع منه الموت إذا دنا منه وقرب. الأسد: جمع أسد. حلية: بحاء مهملة مفتوحة فلام ساكنة فتحتية. هذا هو الصواب. وقيل بالموحدة بد ل

[ 294 ]

التحتية - وحلية مأسدة بناحية اليمن. الارساغ: بفتح أوله وسكون الراء وبالسين المهملة - ويقال بالصاد المهملة بدل السين. وبعد الالف غين معجمة، جمع رسغ بضم الراء: وهو مفصل ما بين الكف والساعد، ومجتمع الساق والقدم. الفدع: بفتح الفاء والدال وبالعين المهملتين: المعوج الرسغ من اليد والرجل، فيكون منقلب الكف، والقدم (الى عظم الساق). وذلك الموضع هو الفدعة. أتوا: أعطوا. عفوا: من غير مشقة. شرا: اسم (ان) والخبر (في حربهم)، وما بينهما اعتراض. السم: بالحركات الثلاث في سينه المهملة وتشديد الميم. السلع: بسين فلام مفتوحتين فعين مهملتين: نبات مسموم. أهدى: بفتح الهمزة والدال المهملة فعل ماض. مدحتي: بميم مكسورة فدال مهملة فحاء مهملة فتاء تأنيث مفعول مقدم. قلب: فاعل مؤخر. يوازره: يعاونه. لسان: فاعل يوازره. صنع: بصاد مهملة فنون مفتوحتين فعين مهملة: حاذق. الجد: بكسر الجيم وتشديد الدال المهملة: ضد الهزل. شمعوا: بشين معجمة فميم مفتوحتين وبالعين المهملة: ضحكوا ولعبوا ومنه الحديث: (من يتتبع المشمعة يشمع الله به). يريد من ضحك من الناس وأفرط في المزاح (أ صاره الله الى حالة يعبث به ويستهزأ منه فيها). وشمعت الجارية شمعا، لعبت وأمرأة شموع: مزاحة.

[ 295 ]

الباب الثاني والعشرون في وفود بني ثعلبة إليه صلى الله عليه وسلم روى محمد بن عمر، وابن سعد (1) عن رجل من بني ثعلبة (عن أبيه) قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة سنة ثمان قدمنا عليه أربعة نفر، وافدين مقرين بالاسلام. فنزلنا دار رملة بنت الحارث، فجاءنا بلال فنظر الينا فقال: أمعكم غيركم ؟ قلنا: لا. فانصرف عنا، فلم يلبث الا يسيرا حتى أتانا بجحفة من ثريد بلبن وسمن، فأكلنا حتى نهلنا. ثم رحنا الظهر، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج من بيته ورأسه يقطر ماء، فرمى ببصره الينا، فأسرعنا إليه، وبلال يقيم الصلاة. فسلمنا عليه وقلنا: يا رسول الله نحن رسل من خلفنا من قومنا ونحن (وهم) مقرون بالاسلام وهم في مواشيهم وما يصلحها الا هم، وقد قيل لنا يا رسول الله: (لا اسلام لمن لا هجرة له). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (حيثما كنتم واتقيتم الله فلا يضركم). وفرغ بلال من الاذان وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا الظهر، لم نصل وراء أحد قط أتم صلاة ولا أوجه منه، ثم انصرف الى بيته فدخل فلم يلبث أن خرج الينا فقيل لنا: صلى في بيته ركعتين. فد عا بنا فقال: (أين أهلكم ؟) فقلنا قريبا يا رسول الله هم بهذه السرية، فقال: (كيف بلادكم ؟) فقلنا مخصبون. فقال: (الحمد لله). فأقمنا أياما وتعلمنا القرآن والسنن وضيافته صلى الله عليه وسلم تجري علينا، ثم جئنا نودعه منصرفين فقال لبلال: (أجزهم كما تجيز الوفود). فجاء بنقر من فضة فأعطى كل رجل منا خمس أواق وقال: ليس عندنا دارهم فانصرفنا الى بلادنا.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 63. (*)

[ 296 ]

الباب الثالث والعشرون في وفد ثقيف إليه صلى الله عليه وسلم قال في زاد المعاد: قال ابن اسحاق: وقدم في رمضان منصرفه من تبوك وفد ثقيف، وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عنهم اتبع عروة بن مسعودحتى أدركه قبل أن يدخل المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع الى قومه بالاسلام. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انهم قاتلوك)، وعرف أن فيهم نخوة الامتناع الذي كان منهم. فقال عروة: يا ر سول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم. وكان فيهم كذلك محببا مطاعا. فخرج يدعو قومه الى الاسلام رجاء الا يخالفوه لمنزلته فيهم. فلما أشرف لهم على علية له، وقد دعاهم الى الاسلام وأظهر لهم دينه رموه بالنبل من كل وجه فأصابه سهم فقتله. فقيل لعروة: ما ترى في دمك ؟ قال: (كرامة أكرمني الله بها وشهادة ساقها الله الي، فليس في الا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم). فدفنوه معهم، فزعموا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه: (ان مثله في قومه لكمثل صاحب يس في قومه). ثم أقامت ثقيف بعد قتل عروة أشهرا، ثم انهم ائتمروا بينهم وأروا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب وقد بايعوا وأسلموا. وأجمعوا أن يرسلوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا كما أرسلوا عروة، فكلموا عبد ياليل بن عمرو بن عمير، وكان سن عروة بن مسعود وعرضوا عليه ذلك. فأبى أن يفعل، وخشي أن يصنع به، إذا رجع كما صنع بعروة. فقال: لست فاعلا حتى ترسلوا معي رجالا. فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الاحلاف وثلاثة من بني مالك فيكونوا ستة، فبعثوا مع عبد ياليل: الحكم بن عمرو بن وهب، وشرحبيل بن غيلان. ومن بني مالك: عثمان بن أبي العاص، وأوس ابن عوف، ونمير بن خرشة. فخرج بهم عبد ياليل، فلما دنوا من المدينة ونزلوا قناة ألفوا بها المغيرة بن شعبة. فاشتد ليبشر بهم النبي صلى الله عليه وسلم فلقيه أبو بكر فقال: أقسمت عليك بالله لا تبسبقني الى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أكون أنا أحدثه. فد خل أبو بكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بقدومهم. ثم خرج المغيرة الى أصحابه فروح ا لظهر معهم. وعلمهم كيف يحيون رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأبوا الا تحية الجاهلية. ولما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لهم قبة في ناحية المسجد لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلوا. وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كتب كتابهم بيده. وكانوا لا يأكلون طعاما يأتيهم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يأكل منه خالد حتى أسلموا. وكان فيما سألوا أن يدع لهم الطاغية وهي اللات، ولا يهدمها ثلاث سنين حتى سألوه

[ 297 ]

شهرا فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى، وانما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون ان يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الاسلام. فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أن يبعث ابا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدمها. وقد كانوا سألواه أن يعفيهم من الصلاة وألا يكسروا أوثانهم بأيديهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، وأما الصلاة فانه لا خير في دين لا صلاة فيه). فلما أسلموا وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا، أمر عليهم عثمان بن أبي العاص، وكان من أحدثهم سنا، وذلك انه كان من أحرصهم على التفقه في الاسلام وتعلم القرآن. وكا ن كما رواه عنه الطبراني برجال ثقات - رضي الله عنه - قال: قدمت في وفد ثقيف حين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما حللنا بباب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: من يمسك رواحلنا ؟ فكل القوم أحب الدخول على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكره التخلف عنه، وكنت أصغرهم، فقلت ان شئتم أمسكت لكم على أن عليكم عهد الله لتمسكن لي إذا خرجتم، قالوا: فذلك لك. فدخلوا عليه ثم خرجوا، فقالوا: انطلق بنا. قلت: الى أين ؟ قالوا: الى أهلك. فقلت: (ضربت من أهلي حتى إذا حللت بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم أأرجع ولا أدخل عليه ؟ وقد أعطيتموني ما علمتم). قالوا: فاعجل فانا قد كفيناك المسألة، لم ندع شيئا الا سألناه. فدخلت فقلت: يا رسول الله ادع الله تعالى أن يفقهني في الدين ويعلمني. قال: (ماذا قلت ؟) فأعدت عليه القول. فقال: (لقد سألتني عن شئ ما سألني عنه أحد من أصحابك، اذهب فأنت أمير عليهم وعلى من تقدم عليه من قومك). وفي رواية: فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته مصحفا فأعطانيه. ثم قال في زاد المعاد: لما توجه أبو سفيان والمغيرة الى الطائف لهدم الطاغية أر اد المغيرة أن يقدم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه وقال: ادخل أنت على قومك. وأقام أبو سفيان بماله بذي الهرم. فلما دخل المغيرة علاها ليضربها بالمعول، وقام قومه دونه، بنو معتب خشية أن يرمى أو يصاب كما أصيب عروة. فلما هدمها المغيرة وأخذ مالها وحليها أرسل أبا سفيان بمجموع مالها من الذهب والفضة والجزع. وقد كان أبو المليح بن عروة، وقارب بن الاسود قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفد ثقيف - حين قتل عروة - يريدان فراق ثقيف وألا يجامعاهم على شئ أبدا، فأسلما، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: (توليا من شئتما). فقالا: نتولى الله ورسوله. فلما أسلم أهل الطائف سأل أبو المليح رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقضي عن أ بيه عروة دينا

[ 298 ]

كان عليه من مال الطاغية فقال له: (نعم) فقال له قارب بن الاسود: وعن الاسود يا رسول الله، فاقضه وعروة والاسود أخوان لاب وأم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان الا سود مات مشركا). فقال قارب: يا رسول الله، لكن تصل مسلما ذا قرابة - يعني نفسه - وانما الدين علي وأ نا الذي أطلب به. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان أن يقضي دينهما من مال الطاغية (1). وكان كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لهم: (بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي رسول الله الى المؤمنين. ان عضاه وج وصيده حرام لا يعضد (ولا يقتل صيده) فمن وجد يفعل شيئا من ذلك فانه يجلد وتنزع ثيابه، ومن تعدى ذلك فانه يؤ خذ فيبلغ النبي محمدا وان هذا أمر النبي محمد رسول الله. وكتب خالد بن سعيد بأمر من محمد بن عبد الله رسول الله (فلا يتعده أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله لثقيف). هذا خبر ثقيف من أوله الى آخره، هذا لفظه في غزوة الطائف. وذكر في وفد ثقيف زيادة على ما هنا قال: وكانوا يغدون على رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل يوم ويخلفون عثمان بن أبي العاص على رحالهم لانه أصغرهم. فلما رجعوا عمد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن الدين واستقرأه القرآن حتى فقه في الدين وعلم. فأعجب ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحبه. فمكث الوفد يختلفون الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعوهم الى الاسلام فأسلموا. فقال كنانة بن عبد ياليل: هل أنت مقاضينا حتى نرجع الى قومنا ؟ قال: نعم ان أنتم أقررتم بالاسلام أقاضيكم والا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم. قالوا: أفرأيت الزنا ؟ فانا قوم نغترب لابد لنا منه. قال: وهو عليكم حرام، ان الله عز وجل يقول: (ولا تقربوا الزنا انه كان فاحشة وساء سبيلا) (الاسراء 32) قالوا: أفرأيت الربا فانه أموالنا كلها ؟ قال: لكم رؤوس أموالكم، ان الله تعالى يقول: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ان كنتم مؤمنين) (البقرة 278). قالوا: أفرأيت الخمر فانه لا بد لنا منها ؟ قال: ان الله تعالى قد حرمها وقرأ: (يا أيها الذين آمنوا انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون) (المائدة 90). فارتفع القوم وخلا بعضهم ببعض وكلموه الا يهدم الربة، فأبى، فقال ابن عبد ياليل: انا لا نتولى هدمها. فقال: (سأبعث اليكم من يكفيكم هدمها). وأمر عليهم عثمان بن أبي العاص كما تقدم لما علم من حرصه على الاسلام. وكان قد تعلم سورا من القرآن قبل أن يخرج لما سألوه أن يؤمر عليهم.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 5 / 370. (*)

[ 299 ]

فلما رجع الوفد خرجت ثقيف يتلقونهم، فلما رآهم ساروا العنق وقطروا الابل قال بعضهم لبعض: ما وفدكم بخير، وقد الوفد اللات، ونزلوا عندها. فقال ناس من ثقيف انهم لا عهد لهم برؤيتنا، ثم رحل كل رجل منهم الى أهله فسألوهم: ماذا جئتم به ؟ قالوا أتينا رجلا فظا غليظا قد ظهر بالسيف وداخ له العرب قد عرض علينا امورا شدادا: هدم اللات، فقالت ثقيف: والله لا نقبل هذا أبدا. فقال الوفد: أصلحوا السلاح وتهيأوا للقتال: فمكثت ثقيف كذلك يومين أو ثلاثة يريدون القتال، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب، فقالوا: والله ما لنا به من طا قة فارجعوا فاعطوه ما سأل. فلما رأى الوفد أنهم قد رغبوا واختاروا الايمان قال الوفد: فانا قاضيناه وشرطنا ما أردنا ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه فاقبلوا عافية الله. فقالت ثقيف: فلم كتمتونا هذا الحديث ؟ فقالوا: أردنا أن ننزع من قلوبكم نخوة الشيطان، فأسلموا مكانهم ومكثوا أياما. ثم قدم رسل النبي صلى الله عليه وسلم وعمدوا الى اللات ليهدموها، وخرجت ثقيف كلها حتى العواتق من الحجال لا ترى أنها مهدومة ويظنون انها ممتنعة. فقام المغيرة فأخذ الكرزين فضرب ثم سقط فارتج أهل الطائف وقالوا: أبعد الله المغيرة قتلته الربة وفرحوا وقالوا: والله لا يستطاع هدمها. فوثب المغيرة وقال: (قبحكم الله يا معشر ثقيف انما هي لكاع حجارة ومدر فاقبلو ا عافية الله واعبدوه). ثم ضرب الباب فكسره ثم علا سورها وعلا الرجال معه يهدمونها حجرا حجرا حتى سووها. وقال صاحب المفتاح: ليغضبن الاساس فليخسفن بهم. فلما سمع ذلك المغيرة قال لخالد: دعني أحفر أساسها، فحفره حتى أخرجوا ترابها. وأقبل الوفد حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليها وكسوتها، فقسمه من يومه، وحمد الله تعالى على نصرة نبيه واعزاز دينه. وقال عثمان بن أبي العاص، كما رواه عنه أبو داود: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طاغيتهم. وقال عثمان: انما استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم لاني كنت قرأت سورة البقرة، فقلت: يا رسول الله ان القرآن ينفلت مني، فوضع يده على صدري وقال: (يا شيطان اخرج من صدر عثمان). فما نسيت شيئا بعده أريد حفظه. وفي حيح مسلم: قلت يا رسول الله ان الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، فقال: (ذاك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثا). قال: ففعلت فأذهبه الله عني.

[ 300 ]

تنبيه: في بيان غريب ما سبق: أثره: بضم الهمزة وتفتح وتكسر وسكون الثاء المثلثة. النخوة: الكبر والعظمة. أبكارهم: بهمزة مفتوحة فموحدة ساكنة فكاف فألف فراء: أول أولادهم. العلية: بضم العين المهملة وكسرها وتشديد التحتية: وهي الغرفة، والجمع العلالي بتشديد التحتية وتخفيفها. أوس بن عوف: أحد بني سالم. فليس في: بتشديد ياء الاضافة. قتلوا: بالبناء للمفعول. مثله كمثل صاحب يس: قال في العروض: يحتمل قوله صلى الله عليه وسلم: (كمثل صاحب يس) يريد به المذكور في سورة ياسين الذي قال لقومه: (اتبعوا المرسلين) (يس 20) فقتله قومه واسمه حبيب بن مري، ويحتمل ان يريد صاحب الياس وهو اليسع فان الياس يقا ل في اسمه ياسين أيضا. وقال الطبري هو الياس بن ياسين (وفيه قال الله تبارك وتعالى: (سلام على آل ياسين) (الصافات 130) وقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا اللفظ أيضا في صا حب مرة بن الحارث لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى بني هلال فقتلوه. عبد ياليل: بمثناة تحتية فألف فلامين بينهما مثناة تحتية. ابن عمرو بن عمير: كذا قال ابن اسحاق، وقال موسى بن عقبة، وابن الكلبي، وأبو عبيدة: مسعود بن عبد ياليل. أن يصنع به كما صنع بعروة بن مسعود: ببنائهما للمفعول. ابن معتب: بضم الميم وفتح العين المهملة وكسر الفوقية المشددة وبالموحدة، ويجوز فيه سكون العين وكسر الفوقية. شرحبيل: بشين معجمة فراء مفتوحتين فحاء مهملة ساكنة فموحدة مكسورة فمثناة تحتية فلام. ابن غيلان: بفتح الغين المعجمة وسكون التحتية أسلم بعد، وكان تحته عشر نسوة، كذلك مسعود بن عمرو بن عمير، وعروة بن مسعود، وسفيان بن عبد الله، ومسعود بن معتب، وأبو عقيل بن مسعود بن عامر، وكلهم من ثقيف. وهب بن جابر: (بفتح الواو وسكون الهاء وبالموحدة).

[ 301 ]

نمير بن خرشة: نمير بنون مضمومة فميم فمثناة تحتية فراء، خرشة: بخاء معجمة فراء فشين معجمة مفتوحات. قناة: بفتح القاف وتخفيف النون وبعد الالف تاء تأنيث: واد من أودية المدينة. ألفوا: بفتح الهمزة وسكون اللام وفتح الفاء وسكون الواو: وجدوا. اشتد: عدا. روح: بفتح الراء وتشديد الواو المفتوحة وبالحاء المهملة. الظهر: الابل. تحية الجاهلية: عم صباحا محذوف من نعم ينعم بكسر الماضي وفتح المستقبل. لا يطمعون: بفتح التحتية والميم وسكون الطاء المهملة بينهما. الطاغية: ما كانوا يعبدون من الاصنام، والجمع الطواغي، والطاغوت جمعه طواغيت وهو الشيطان، وما يزين لهم أن يعبدوه من الاصنام، والطاغوت يكون واحدا وجمعا. يدعها: بفتح أوله وبالدال والعين المهملتين: يتركها. يظهرون: بضم أوله وكسر الهاء: (يبينون). يسلموا: بفتح التحتية واللام: من السلامة. الذراري: بذال معجمة فراءين بينهما ألف فمثناة تحتية مشددة: جمع ذرية وهي اسم لنسل الانسان من ذكر وأنثى: أصلها الهمز الا أنهم لم يستعملوها الا غير مهموزة. يروعوا: بضم التحتية وتشديد الواو المكسورة من الروع وهو الفزع. فسنعفيكم منه: بضم النون وكسر الفاء. أمر عليهم: من التأمير. تعلم القرآن: بتشديد اللام المضمومة وهو مجرور. بذي الهرم: بفتح الهاء واسكان الراء فميم. المعول: بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح الواو فلام: الفأس العظسمة التي يقطع بها الصخر. والجمع المعاول. معتب: تقدم ضبطه. أن يرمى: بالبناء للمفعول. أو يصاب: بالبناء للمفعول كذلك.

[ 302 ]

حسرا: بضم الحاء وفتح السين المشددة وبالراء المهملات: متكشفات. واها: قيل معنى هذه الكلمة: التلهف، وقد توضع موضع الاعجاب بالشئ، يقال: واها له، وقد ترد بمعنى التوجع. حليها: بضم الحاء المهملة وكسر اللام وتشديد التحتية: جمع حلي بفتح الحاء وسكون اللام. ومالها: أي الذي لها. الجزع: بسكون الزاي: خرز معروف. أبو المليح بن عروة بن مسعود: بفتح الميم وكسر اللام وبالحاء المهملة بعد التحتية: صحابي ابن صحابي. قارب: بالقاف وبعد الالف راء مكسورة فموحدة: وهو ابن أخي عروة بن مسعود. قتل عروة: بالبناء للمفعول. وأطلب به: (بالبناء للمفعول) كذلك. العضاة: بكسر العين المهملة وبالضاد المعجمة وبالهاء لا بالتاء: وهو جمع، وهو كل شجر ذي شوك، الواحدة عضة (بالتاء حذفت منه الهاء: كشفة ثم ردت في الجمع فقيل عضاه ويقال عضاهة أيضا وهو أقبحها. وج: بفتح الواو وتشديد الجيم: قال في القاموس: (اسم واد بالطائف لا بلد به، وغلط الجوهري (وهو ما بين جبلي المحترق والاحيحدين) ومنه آخر وطأة وطئها الله تعالى بوج، يريد غزوة حنين لا الطائف وغلط الجوهري، وحنين واد قبل وج أما غزوة الطائف فلم يكن فيها قتال). انتهى. قال في النور: قوله لم يكن فيها قتال فيه نظر الا أن يريد توجهه (الى موضع العدو وارهابه). مصدق: بفتح الدال (والتشديد وهو صاحب الماشية الذي أخذت صدقة ماله، وبكسر الدال المشددة عامل الزكاة الذي يستوفيها من أربابها).

[ 303 ]

الباب الرابع والعشرون في وفود ثمالة والحدان إليه صلى الله عليه وسلم قالوا: قدم عبد الله بن علس الثمالي، ومسلمة بن هاران الحداني على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من قومهما بعد فتح مكة، فأسلموا وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومهم. وكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بما فرض عليهم من الصدقة في أموالهم كتبه ثا بت بن قيس بن شماس، وشهد فيه سعد بن عبادة، ومحمد بن مسلمة. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: ثمالة: بثاء مثلثة مضمومة فميم فألف فلام فتاء تأنيث. مسيلمة: بميم مضمومة فسين مهملة مفتوحة فمثناة تحتية فلام فميم. هاران: بهاء فألف فراء فألف فنون. الباب الخامس والعشرون في قدوم الجارود بن المعلى، وسلمة بن عياض الاسدي إليه صلى الله عليه وسلم قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: قدم الجارود العبدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه سلمة بن عياض الاسدي، وكان حليفا في الجاهلية، وذلك ان الجارود قال لسلمة بن عياض الاسدي: ان خارجا خرج بتهامة يزعم أنه نبي، فهل لك أن نخرج إليه ؟ فان رأينا خيرا دخلنا فيه، فانه ان كان نبيا فللسابق إليه فضيلة، وأنا أرجو أن يكون النبي الذي بشر به عيسى ابن مريم. وكان الجارود نصرانيا قد قرأ الكتب. ثم قال لسلمة: (ليضمر كل واحد منا ثلاث مسائل يسأله عنها، لا يخبر بها صاحبه، فلعمري لئن أخبر بها انه لنبي يوحى إليه). ففعلا. فلما قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له الجارود: بم بعثك ربك يا محمد ؟. قال: (بشهادة ألا اله الا الله وأني عبد الله ورسوله، والبراءة من كل ند أو وثن يعبد من دون الله تعالى، واقام الصلاة لوقتها وايتاء الزكاة بحقها وصوم شهر رمضان وحج البيت، (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلا م للعبيد) (فصلت 46). قال الجارود: ان كنت يا محمد نبيا فأخبرنا عما أضمرنا عليه. فخفق رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنها سنة ثم رفع رأسه وتحدر العرق عنه فقال: (أما أنت يا جارود فانك أضمرت على أن

[ 304 ]

تسألني عن دماء الجاهلية وعن حلف الجاهلية وعن المنيحة، ألا وان دم الجاهلية موضوع وحلفها مشدود. ولم يزدها الاسلام الا شدة، ولا حلف في الاسلام، ألا وان الفضل الصدقة أن تمنح أخاك ظهر دابة أو لبن شاة، فانها تغدو برفد، وتروح بمثله. وأما أنت يا سلمة فانك أضمرت على أن تسألني عن عبادة الاصنام، وعن يوم السباسب وعن عقل الهجين، فأما عبادة الاصنام فان الله تعالى يقول: (انكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) الانبياء 98) وأما يوم السباسب فقد أعقب الله تعالى منه ليلة بلجة سمحة لا ريح فيها تطلع الشمس في صبيحتها لا شعاع لها، وأما عقل الهجين فان المؤمنين اخوة تتكافأ دماؤهم يجير أقصاهم على أ دناهم أكرمهم عند الله أتقاهم). فقالا: نشهد ألا اله الا الله وحده لا شريك له وأنك عبد الله ورسوله. وعند ابن اسحاق عمن لا يتهم عن الحسن ان الجارود لما انتهى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام، ورغبه فيه. فقال: يا محمد اني كنت على دين واني تارك ديني لدينك أفتضمن لي ديني ؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم أنا ضامن أن قد هداك الله الى ما هو خير منه). فأسلم وأسلم اصحابه. ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحملان فقال: (والله ما عندي ما أحملكم عليه). فقال: يا رسول الله فان بيننا وبين بلادنا ضوال من ضوال الناس - وفي لفظ المسلمين - أفنتبلغ عليها الى بلادنا ؟ قال: (لا، اياك و اياها فانما تلك حرق النار). انتهى. فقال: (يا رسول الله ادع لنا أن يجمع الله قومنا). فقال: (اللهم اجمع لهم أ لفة قومهم وبارك لهم في برهم وبحرهم). فقال الجارود: يا رسول الله أي المال اتخذ ببلادي ؟ قال: (وما بلادك ؟) قال: مأواها وعاء ونبتها شفاء، وريحها صبا ونخلها غواد. قال: (عليك بالابل فانها حمولة والحمل يكون عددا. والناقة ذودا). قال سلمة: يا رسول الله أي المال اتخذ ببلادي ؟ قال: (وما بلادك ؟) قال: مأوا ها سباح ونخلها صراح وتلاعها فياح. قال: (عليكم بالغنم فان ألبانها سجل وأصوافها أثاث وأولادها بركة ولك الاكيلة والربا). فانصرفا الى قومهما مسلمين. وعند ابن اسحاق فخرج من عنده الجارود راجعا الى قومه وكان حسن الاسلام صليبا على دينه حتى مات، وقد أدرك الرد ة فثبت على ايمانه، ولما رجع من قومه من كان أسلم منهم الى دينه الاول مع الغرور بن المنذر بن النعمان بن المنذر قام الجارود فشهد شهادة الحق ودعا الى الاسلام فقال: أيها الناس اني أشهد ألا اله الا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأكفر من لم يشهد. وقال الجارود:

[ 305 ]

شهدت بأن الله حق بنات فؤادي بالشهادة والنهض فأبلغ رسول الله عني رسالة بأني حنيف حيث كنت من الارض وأنت أمين الله في كل خلقه على الوحي من بين القضيضة والقض فان لم تكن داري بيثرب فيكم فاني لكم عند الاقامة والخفض أصالح من صالحت من ذي عداوة وأبغض من أمس على بغضكم بغضي وأدني الذي واليته وأحبه وان كان في فيه العلاقم من بغض أذب بسيفي عنكم وأحبكم إذا ماعدوكم في الرفاق وفي النقض واجعل نفسي دون كل ملمة لكم جنة من دون عرضكم عرضي وقال سلمة بن عياض الاسدي رضي الله تعالى عنه: رأيتك يا خير البرية كلها نشرت كتابا جاء بالحق معلما شرعت لنا فيه الهدى بعد جورناعن الحق لما أصبح الامر مظلما فنورت بالقرآن ظلمات حندس وأطفأت نار الكفر لما تضرما تعالى علو الله فوق سمائه وكان مكان الله أعلى وأكرما وروى سليمان بن علي عن علي بن عبد الله بن عبد اله بن عباس رضي الله تعالى عنهما ان الجارود رضي الله تعالى عنه أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه في قومه: يا نبي الهدى أتتك رجال قطعت فدفدا وآلا فآلا وطوت نحوك الصحاصح طرالا تخال الكلال فيه كلالا كل دهناء يقصر الطرف عنها أرقلتها قلاصنا ارقالا وطوتها الجياد تجمح فيها بكماة كأنجم تتلألأ تبتغي دفع بوس يوم عبوس أوجل القلب ذكره ثم هالا تنبيهان الاول: وقع في العيون: الجارود بن بشر بن المعلى. قال في النور: والصواب حذف (ابن) يبقى الجارود بشر بن المعلى. الثاني: في بيان غريب ما سبق: الجارود بن المعلى ويقال ابن عمرو بن المعلى أبو المنذر ويقال أبو غياث بمعجمة ومثلثة على الاصح وقيل بمهملة وموحدة، ويقال: اسمه بشر بن حنش، بحاء مهملة ونو ن مفتوحتين، فشين معجمة. أن قد: بفتح الهمزة.

[ 306 ]

ضوال: بفتح الضاد المعجمة وتخفيف الواو وتشديد اللام: جمع ضالة وهي الضائعة من كل ما يقتنى من الحيوان وغيره، يقال: ضل الشئ إذا ضاع وضل عن الطريق إذا حا ر، وهي في الاصل فاعلة ثم اتسع فيها فصارت من الصفات الغالبة وتقع على الذكر والانثى والا ثنين. والجمع، والمراد بها في هذا الحديث: الضالة من الابل والبقر مما يحمي نفسه ويقد ر على الابعاد في طلب المرعى والماء بخلاف الغنم. حرق النار: بفتح الحاء المهملة والراء وبالقاف: لهبها (وقد يسكن) والمعنى ان ضالة المؤمن إذا أخذها انسان ليتملكها أدته الى النار. صليبا على دينه: قويا ثابتا. مع الغرور بن المنذر: بغين معجمة بلا ميم في أوله خلافا لما وقع في بعض نسخ العيون: أسلم (الغرور) ثم ارتد بعد ارتداده، واسمه المنذر، وسمي بالاول لانه غر قومه. الفدفد: بفاءين مفتوحتين بعد كل فاء دال مهملة، الاولى ساكنة: وهي الفلاة لا شئ فيها وقيل: هي الارض الغليظة ذات الحصى، وقيل المكان المرتفع. الال: السراب، وقال في الصحاح (والال: الشخص، والال: الذي تراه في أول النهار وآخره كأنه يرفع الشخوص وليس هو السراب). الصحاصح: جمع صحصح بفتح الصاد وبعد كل صاد حاء، الاولى ساكنة وهي مهملات: وهو والصحصاح (والصحصحة) والصحصحان: ما استوى من الارض. طرا: بضم الطاء المهملة وتشديد الراء: جميعا. الدهناء: بفتح الدال المهملة وسكون الهاء وبالنون والمد والقصر: موضع ببلاد بني تميم. الارقال: بكسر الهمزة واسكان الراء وبالقاف وباللام: وهو ضرب من العدو فوق الخبب، وقد أرقل البعير وناقة مرقل إذا كانت كثيرة الارقال. القلاص: بكسر القاف وتخفيف اللام وبالصاد المهملة: جمع قلوص بفتح القاف وضم اللام المخففة: وهو الفتي من الابل وهو في النوق كالجارية في النساء. جمح: بفتح الجيم والميم والحاء المهملة: أسرع. الكماة: بضم الكاف وتخفيف الميم وبعد الالف بتاء (تأنيث): جمع كمي وهو الشجاع المتكمي لانه كمى نفسه أي سترها بالدرع والبيضة. أوجل القلب ذكره: القلب مفعول ذكره. هاله: أفزعه.

[ 307 ]

الباب السادس والعشرون في وفود جذام إليه صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد عن رجاله (1)، والطبراني عن عمير بن معبد الجذامي عن أبيه قال: وفد رفاعة بن زيد بن عمير بن معبد الجذامي، ثم أحد بني الضبيب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهدنة قبل خيبر، وأهدى له عبدا وأسلم. فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتا با: (هذا كتاب من محمد رسول الله لرفاعة بن زيد، اني بعثته الى قومه عامة ومن دخل فيهم يدعوهم الى رسوله، فمن آمن - وفي لفظ فمن أقبل منهم ففي حزب الله وحزب رسوله ومن أدبر - وفي لفظ من أبى فله أمان شهرين). فلما قدم على قومه أجابوه وأسلموا. زاد الطبراني: ثم سار حتى نزل حرة الرجلاء. ثم لم يلبث أن قدم دحية الكلبي من عند قيصر حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بواد من أوديتهم يقال له شنار ومعه تجارة له أغار عليهم الهنيد بن عوص وابنه عوص بن الهنيد الضلعيان - والضليع بطن من جذام - فأصابا كل شئ كان معه. فبلغ ذلك قوما من الضبيب رهط رفاعة بن زيد ممن كان أسلم وأجاب فنفروا الى الهنيد وابنه، فيهم من بني الضبيب النعمان بن أبي جعال حتى لقوهم فاقتتلوا، ورمى قرة ابن أشقر الضلعي، النعمان بن أبي جعال بسهم فأصاب ركبته فقال حين أصابه: خذها وأنا ابن لبنى. وقد كان حسان بن ملة الضبيبي قد صحب دحية بن خليفة قبل ذلك وعلمه أم الكتاب. واستنقذوا ما كان في أيديهم فردوه على دحية. ثم أن دحية قدم على رسول الله صلى ا لله عليه وسلم وأخبره الخبر فاستسقاه دم الهنيد وابنه عوص، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة وبعث معه جيشا. وقد وجهت غطفان من جذام ووائل ومن كان من سلامان وسعد بن هذيم - حين جاءهم رفاعة بن زيد بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا الحرة الرجلاء، ورفا عة بكراع الغميم ومعه ناس من بني الضبيب بوادي مدار من ناحية الحرة. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: جذام: بضم الجيم. عمير: بعين مهملة مضمومة فميم فمثناة تحتية فراء. رفاعة: براء مكسورة ففاء فألف فعين مهملة.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 117، وذكره الهيثمي في المجمع 5 / 312، وعزا ه للطبراني. (*)

[ 308 ]

ابن زيد: وقع في سرية زيد بن حارثة الى حسمى: فدخل زيد بن رفاعة فأسلم، والصحيح ما هنا. أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم غلاما: اسمه مدعم كما سيأتي في ذكر مواله صلى الله عليه وسلم. حزب الله وحزب رسوله: بالزاي. الحرة: بفتح الحاء المشددة المهملتين: أرض ذات حجارة سود. الرجلاء: بفتح الراء وسكون الجيم وبالمد، قال في الصحاح: وحرة رجلاء أي مستوية كثيرة الحجارة يصعب المشي فيها.

[ 309 ]

الباب السابع والعشرون في وفود جرم إليه صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد (1) عن سعد بن مرة الجرمي عن أبيه قال: وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان منا يقال لاحدهما الاصقع بن شريح بن صريم بن عمرو بن رياح، والاخر هوذة بن عمر و ابن يزيد بن عمرو بن رياح فأسلما. وكتب لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا. وروي أيضا عن عمرو بن سلمة بن قيس الجرمي رضي الله تعالى عنه أن أباه ونفرا من قومه وفدوا الى النبي صلى الله عليه وسلم حين أسلم الناس وتعلموا القرآن وقضوا حوائجهم. فقالوا له: من يصلي بنا أو لنا ؟ فقال: (ليصل بكم أكثركم جمعا أو أخذا للقرآن). قال: فجاءوا الى قومهم فسألوا فيهم فلم يجدوا أحدا أكثر وأجمع من القرآن أكثر مما جمعت أو أخذت. قال: (وأنا يومئذ غلام علي شملة، فقدموني فصليت بهم، فما شهدت مجمعا من جرم الا وأنا امامهم الى يومي هذا. قال مشعر أحد رواته: وكان يصلي على جنائزهم ويؤمهم في مسجدهم حتى مضى لسبيله. وروى البخاري، وابن سعد، وابن منده عن عمرو بن سلمة رضي الله تعالى عنه قال: كنا بحضرة ماء ممر الناس عليه، وكنا نسألهم ما هذا الامر ؟ فيقولون: رجل يزعم أ نه نبي وأن الله أرسله وأن الله أوحى إليه كذا كذا، فجعلت لا أسمع شيئا من ذلك الا حفظته كأنما يغرى في صدري بغراء حتى جمعت فيه قرآنا كثيرا. قال: وكانت العرب تلوم باسلامها الفتح، يقولون انظروا فان ظهر عليهم فهو صادق وهو نبي. فلما جاءتنا وقعة الفتح بادر كل قوم باسلامهم، فانطلق أبي باسلام حوائنا ذلك وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقيم. قال: ثم أقبل فلما دنا منا تلقيناه، فلما رأيناه قال: جئتكم والله من عند رسول الله حقا، ثم قال: انه يأمركم بكذا وكذا وينهاكم عن كذا وكذا وأن تصلوا صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا، وإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا. قال: فننظر أهل حوائنا فما وجدوا أحدا أكثر قرآنا مني الذي كنت أحفظه من الركبان. فدعوني فعلموني الركوع والسجود، وقدموني بين أيديهم، فكنت أصلي بهم وأنا ابن ست سنين. قال: وكان علي بردة كنت إذا سجدت تقلصت عني، فقالت امرأة من الحي: الا تغطون عنا است قارئكم ؟ قال: فكسوني قميصا من معقد البحرين. قال: فما فرحت بشئ أشد من فرحي بذلك القميص.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 99. (*)

[ 310 ]

تنبيه: في بيان غريب ما سبق: جرم: بجيم مفتوحة فراء ساكنة فميم. الاصقع: بهمزة مفتوحة فصاد مهملة ساكنة فقاف مفتوحة فعين مهملة. شريح: بشين معجمة مضمومة فراء فمثناة تحتية فحاء مهملة. صريم: بصاد مهملة مضمومة فراء مفتوحة فمثناة تحتية فميم. هوذة: بهاء مفتوحة فواو ساكنة فذال معجمة فهاء. يغرى: بمثناة تحتية مضمومة فغين معجمة ساكنة فراء: أي يلصق. تلوم: بمثناة فوقية فلام فواو مشددة مفتوحات فميم: أي تنتظر. تقلصت: بمثناة فوقية فقاف فلام مشددة فصاد مهملة مفتوحات: أي ارتفعت.

[ 311 ]

الباب الثامن والعشرون في وفود جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه إليه صلى الله عليه وسلم روى الطبراني والبيهقي وابن سعد (1) عن جرير رضي الله تعالى عنه قال: بعث الي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته فقال: (ما جاء بك ؟) قلت: جئت لاسلم فألقى الي كساءه وقال: (إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أدعوك الى شهادة ألا اله الا الله وأني رسول الله وأن تؤمن بالله واليوم الاخر، والقدر خيره وشره، وتصلي الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم شهر رمضان، وتنصح لكل مسلم، وتطيع الوالي وان كان عبدا حبشيا). ورى الامام أحمد، والبيهقي، والطبراني برجال ثقات عنه قال: لما دنوت من مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم أنخت راحلتي وحللت عيبتي ولبست حلتي ودخلت المسجد، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فسلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرماني الناس بالحدق فقلت لجليسي: يا عبد الله هل ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمري شيئا ؟ قال: نعم، ذكرك بأحسن الذكر، فبينا هو يخطب إذ عرض لك فقال: (انه سيدخل عليكم من هذا الباب - أو قال - من هذا الفج من خير ذي يمن وان على وجهه لمسحة ملك). فحمدت الله على ما أبلاني. وروى البزار، والطبراني عن عبد الله بن حمزة والطبراني عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قال: بينا أنا يوما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في جماعة من أصحابه أكثرهم اليمن إذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيطلع عليكم من هذه الثنية) - وفي لفظ: (من هذا الفج - خير ذي يمن على وجهه مسحة ملك). فما من القوم أحد الا تمنى أن يكون من أهل بيته، إذ طلع عليه راكب فانتهى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل على راحلته فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده وبايعه وقال: (من أنت ؟) قال: جرير بن عبد الله البجلي. فأجلسه الى جنبه ومسح بيده على رأسه ووجهه وصدره وبطنه حتى انحنى جرير حياء أن يدخل يده تحت ازاره، وهو يدعو له بالبركة ولذريته، ثم مسح رأسه وظهره وهو يدعو له ثم بسط له عرض ردائه وقال له: (على هذا يا جرير فاقعد). فقعد معهم مليا ثم قام وانصرف. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه) (2).


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 110. (2) أخرجه ابن ماجة (3712) والبيهقي في السنن 8 / 168، والطبراني في الكبير 2 / 370، والحاكم في المستدرك 4 / 292، وأبو نعيم في الحلية 6 / 205، وابن عدي في الكامل 1 / 181. (*)

[ 312 ]

وروى الطبراني برجال الصحيح عن جرير رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أبايعك على الهجرة. فبايعني رسول الله صلى الله عليه وسلم واشترط علي والنصح لكل مسلم، فبايعته على هذا. قال ابن سعد: وكان نزول جرير بن عبد الله على فروة بن (عمرو) البياضي. تنبيهات الاول: قال الحافظ في الاصابة: روى الطبراني في الاوسط من طريق حصين بن عمرو الاحمسي عن اسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير قال: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم أتيته فقال: (ما جاء بك ؟) قلت: جئت لاسلم. فألقى الي كساءه وقال: (إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه). الحديث. قال الحافظ: (حصين فيه ضعف ولو صح لحمل على المجاز، أي (لما) بلغنا خبر بعث النبي صلى الله عليه وسلم أو على الحذف أي لما بعث ر سول الله صلى الله عليه وسلم ثم دعا الى الله ثم قدم المدينة ثم حارب قريشا وغيرهم ثم فتح مكة ثم وفدت عليه الوفود). قلت: هذا الحديث رواه البيهقي من هذا الطريق عن جرير بلفظ: (بعث الي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته). وهذه الرواية لا اشكال فيها، ولم أر الحديث في مجمع الزوائد في مناقب جرير. الثاني: جزم أبو عمر بأن جريرا أسلم قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بأربعين يوما قال الحافظ: وهو غلط ففي الصحيحين عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له في حجة الوداع: (استنصت الناس) (1). الثالث: جزم محمد بن عمر الاسلمي بأنه وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان سنة عشر وأن بعثه الى ذي الخلصة كان بعد ذلك، وانه وافى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع من عامه. قال الحافظ: وعندي فيه نظر لان شريكا حدث عن الشيباني عن الشعبي عن جرير قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان أخاكم النجاشي قد مات) (2). الحديث أخرجه الطبراني فهذا يدل على أن اسلام جرير كان قبل سنة عشر لان النجاشي مات قبل ذلك. الرابع: في بيان غريب ما سبق: البجلي: بموحدة فجيم مفتوحتين فلام فياء نسب.


(1) أخرجه البخاري 1 / 41، ومسلم في كتاب الايمان (118). (2) أخرجه الطبراني في الكبير 2 / 367، والترمذي (1039)، وابن ماجة (1535)، والنسائي 4 / 69، واحمد في المسند 4 / 360، وابن شيبة 3 / 362. (*)

[ 313 ]

العيبة: بعين مهملة مفتوحة وتحتية ساكنة بعدها موحدة فتاء تأنيث: ما يجعل المسافر فيه ثيابه. الحلة: بحاء مهملة مضمومة فلام مفتوحة مشددة: البرد من برود اليمن، ولا يسمى حلة الا أن يكون ثوبين من جنس واحد. الحدق: بحاء فدال مهملتين مفتوحتين فقاف: جمع حدقة وهي العين. الفج: تقدم الكلام عليه. ذي يمن: (بمثناة تحتية وميم مفتوحتين فنون). مشحة: بميم مفتوحة فسين مهملة ساكنة فحاء مهملة مفتوحة فتاء تأنيث أي أثر ظاهر

[ 314 ]

منه. الباب التاسع والعشرون في وفود جعدة إليه صلى الله عليه وسلم (قال أخبرنا هشام بن محمد عن رجل من بني عقيل قال: وفد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرقاد بن عمرو بن ربيعة بن جعدة بن كعب. وأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفلج ضيعة وكتب لهم كتابا وهو عندهم). الباب الثلاثون (في وفود جعفي إليه صلى الله عليه وسلم قال ابن سعد (1) رحمه الله تعالى: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه، وعن أبي بكر بن قيس الجعفي قالا: كانت جعفي يحرمون القلب في الجاهلية فوفد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان منهم. قيس بن سلمة بن شراحيل من بني مران بن جعفي، وسلمة بن يزيد بن مشجعة بن المجمع، وهما أخوان لام، وامهما مليكة بنت الحلو بن مالك من بني حريم بن جعفي. فأسلما. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بلغني انكم لا تأكلون القلب). قالا: نعم. قال: (فانه لا يكمل اسلامكما الا بأكله) ودعا لهما بقلب، فشوي، ثم ناوله سلمة بن يزيد، فلما أخذه أرعدت يده فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كله). وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم لقيس بن سلمة كتابا نسخته: (كتاب من محمد رسول الله لقيس بن سلمة بن شراحيل، أني استعملتك على مران ومواليها، وحريم ومواليها، والكلاب ومواليها، (من أقام الصلاة وآتى الزكاة وصد ق ماله وصفاه). (قال الكلاب: أود، وزبيد) وجزء ابن سعد العشيرة، وزيد الله بن سعد، وعائذ الله بن سعد، وبنو صلاة من بني الحارث بن كعب.. ثم قالا: يارسول الله ان أمنا مليكة بنت الحلو كان تفك العافي، وتطعم البائس، وترحم المسكين، وانها ماتت وقد أدت بنية لها صغيرة فما حالها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الوائدة والموؤدة في النار). فقاما مغضبين. فقال: (الي فارجعا). فقال: (وأمي مع أمكما). فأبيا ومضيا وهما يقولان: والله ان رجلا أطعمنا القلب وزعم ان أمنا في النار لاهل الا يتبع. وذهبا. فلما كانا ببعض الطريق لقيا رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معه ابل من ابل الصدقة فأوثقاه وطردا الابل.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 89. (*)

[ 315 ]

فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فلعنهما فيمن كان يلعن في قوله: (لعن الله رعلا وذكوان وعصية ولحيان وابني مليكة بن حريم ومران). وروى ابن سعد (1) عن أشياخ قالوا: وفد أبو سبرة وهو يزيد بن مالك بن عبد الله الجعفي على النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابناه سبرة وعزيز. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعزيز: (ما اسمك ؟) قال: عزيز. قال: (لا عزيز الا الله أنت عبد الرحمن). فأسلموا. وقال أبو سبرة: يا رسول الله أن بظهر كفي سلعة قد منعتني من خطام راحلتي. فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم (بقد ح، فجعل يضرب به على السلعة ويمسحها فذهبت، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم) ولابنيه، وقال له: يا رسول الله أقطعني وادي قومي باليمن، وكان يقال له حردان. ففعل. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: قوله في هذا الخبر: (وأمي مع أمكما)، سبق الكلام عليه في باب وفاة آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاسناد واه بمرة.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 90. (*)

[ 316 ]

الباب الحادي والثلاثون في وفود جهينة إليه صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد (1) عن أبي عبد الرحمن المدني قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وفد إليه عبد العزى بن بدر بن زيد بن معاوية الجهني من بني الربعة بن زيدان بن قيس بن جهينة، ومعه أخوه لامه أبو روعة، وهو ابن عم له. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد العزى: (أنت عبد الله). ولابي روعة: (أنت رعت العدو ان شاء الله). وقال: (من أنتم ؟) قالوا: بنو غيان. قال: (أنتم بنو رشدان). وكان اسم واديهم غوى، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم: - رشدا - وقال لجبلي جهينة: (الاشعر والاجرد: هما من جبال الجنة لا تطؤهما فتنة). وأعطى اللواء يوم الفتح عبد الله بن بدر وخط لهم مسجدهم، وهو أول مسجد خط بالمدينة. وروى ابن سعد عن رجل من جهينة من بني دهمان عن أبيه وقد صحب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال عمرو بن مرة الجهني: كان لنا صنم وكنا نعظمه وكنت سادنه، فلما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم كسرته وخرجت حتى أقدم المدينة على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وآمنت بما جاء به من حلال وحرام، فذلك حين أقول: شهدت بأن الله حق وانني لالهة الاحجار أول تارك وشمرت عن ساقي الازار مهاجرا اليك أجوب الوعث بعد الدكادك لاصحب خير الناس نفسا ووالدا رسول مليك الناس فوق الحبائك قال: ثم بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى قومه يدعوهم الى الاسلام فأجابوه ا لا رجلا واحدا، (جهينة مني وأنا منهم، غضبوا لغضبي ورضوا لرضائي، أغضب لغضبهم. من أغضبهم فقد أغضبني، ومن أغضبني فقد أغضب الله). رواه الطبراني برجال ثقات غير الحارث بن معبد فيحرر حاله (2). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: بنو الربعة: (بالتحريك حي من الازد).


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 97. (2) أخرجه الطبراني في الكبير 18 / 108، وذكره الهيثمي في المجمع 10 / 48. (*)

[ 317 ]

زيدان: بلفظ تثنية زيد. أبو روعة: (بفتح الراء وسكون الواو، وبالعين المهملة فتاء تأنيث). بنو غيان: بغين معجمة فمثناة تحتية مشددة فألف فنون. أجوب: بألف فجيم مضمومة فواو موحدة: أكشف. الوعث: (بفتح الواو وسكون العين المهملة وبالثاء المثلثة). الدكادك: (ما تلبد من الرمل بالارض). الحبائك: بحاء مهملة فموحدة مفتوحتين فألف فمثناة تحتية فكاف: الطرق واحدها حبيكة، والمراد بها السماء لان فيها طرق النجوم.

[ 318 ]

الباب الثاني والثلاثون في وفود جيشان إليه صلى الله عليه وسلم نقل ابن سعد (1) عن عمرو بن شعيب قال: قدم أبو وهب الجيشاني على رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من قومه، فسألوه عن أشربة تكون باليمن. قا ل: فسموا له البتع من العسل والمزر من الشعير. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل تسكرون منها ؟)، قالوا: ان أكثرنا سكرنا. قال: (فحرام قليل ما أسكر كثيره). وسألوه عن الرجل يتخذ الشراب فيسقيه عماله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل مسكر حرام). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: جيشان: (بفتح الجيم وسكون المثناة التحتية فألف فنون: مخلاف بالبمن). البتع: بموحدة فكثماة فوقية ساكنة وقد تحرك فعين مهملة: نبيذ التمر وهو خمر أهل اليمن. الباب الثالث والثلاثون في وفود الحارث بن حسان إليه صلى الله عليه وسلم روى الامام احمد، والترمذي والنسائي وابن ماجة عن الحارث بن حسان البكري قال: خرجت أشكو العلاء الحضرمي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررت بالربذة فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها، فقالت: يا عبد الله ان لي الى رسول الله حاجة فهل أنت مبلغي إليه ؟ قال: فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله وإذا راية سوداء تخفق وبلال متقلد السيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ما شأن الناس ؟ قالوا: يريد أن يبعث عمر وبن العاص وجها. قال: فجلست فدخل منزله فاستأذنت عليه فأذن لي. فدخلت فسلمت فقال: (هل كان بينكم وبين تميم شئ ؟) قلت: نعم، وكانت الدائرة عليهم ومررت بعجوز من بني تميم منقطع بها فسألتني أن أحملها اليك وها هي بالباب. فأذن لها فدخلت. فقلت: يا رسول الله ان رأيت أن تجعل بيننا وبين تميم حاجزا فاجعل الدهناء. فحميت العجوز واستوفزت وقالت: يا رسول الله أين يضطر مضرك ؟ قال: قلت: ان مثلي ما قال الاول معزى حملت حتفها، حملت هذه ولا أشعر أنها كانت لي خصما أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد. قالت هي، وما وافد عاد ؟ وهي


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 121. (*)

[ 319 ]

أعلم بالحديث منه ولكن تستطعمه. قلت: ان عادا فحطوا فبعثوا وافدا لهم. فمر بمعاوية بن بكر. فأقام عنده شهرا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان. فلما مضى الشهر خرج الى جبال مهرة فقال: اللهم انك تعلم لم أجئ الى مريض فأداويه ولا الى أسير فأفاديه، اللهم اسق ما كنت تسقيه. فمرت به سحابات سود، فنودي منها: اختر، فأومأ الى سحابة منها سوداء فنودي منها: خذها رمادا رمددا، لا تبق من عاد أحدا. قال: فما بلغني انه أرسل عليهم من ريح الا بقدر ما يجري في خاتمي هذا حتى هلكوا. قال أبو وائل: وكانت المرأة أو الرجل إذا بعثوا وافدا لهم قالوا: لا يكن كوافد عاد.

[ 320 ]

الباب الرابع والثلاثون في وفود بني الحارث بن كعب إليه صلى الله عليه وسلم قال ابن اسحاق رحمه الله تعالى ان خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه لما انقاد له بنو الحارث بن كعب بنجران كتب بذلك كتابا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبل ويقبل معه وفدهم، فأقبل وأقبل معه قيس بن الحصين ذي الغصة، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المحجل، وعبد الله بن قراد الزيادي، وشداد بن عبد الله ا لقناني، وعمرو بن عبد الله الضبابي. وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية ؟) قالوا: لم نكن نغلب أحدا. قال: (بلى (قد كنتم تغلبون من قاتلكم)) قالوا: كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحدا بظلم. قال: (صدقتم). وأمر عليهم قيس بن الحصين فرجعوا الى قومهم في بقية من شوال أو في صدر ذي القعدة فلم يمكثوا بعد أن رجعوا الى قومهم الا أربعة أشهر حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم (1). وكان بعث خالدا إليهم في شهر ربيع الاخر أو جمادى الاولى سنة عشر وأمره أن يدعوهم الى الاسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا، فان استجابوا فليقبل منهم والا فليقاتلهم فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان في كل وجه يدعون الى الاسلام ويقولون: أيها الناس أسلموا تسلموا). فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه وأقام خالد فيهم يعلمهم الاسلام. وكتب النبي صلى الله عليه وسلم (كتابا نسخته: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي رسول الله الى خالد بن الوليد، سلام عليك فاني أحمد اليك الله الذي لا اله الا هو، أما بعد فان كتابك جاءني مع رسولك تخبر أن بني الحارث بن كعب قد أسلموا قبل أن تقاتلهم، وأجابوا الى ما د عوتهم إليه من الاسلام وشهدوا ان لا اله الا الله وان محمدا عبد الله ورسوله وأن قد هداهم الله بهداه فبشرهم وأنذرهم وأقبل وليقبل معك وفدهم والسلام عليك ورحمة الله وبركاته)).


(1) انظر البداية والنهاية 5 / 95. (*)

[ 321 ]

الباب الخامس والثلاثون في وفود الحجاج بن علاط السلمي وما وقع فيه من الايات روى ابن أبي الدنيا في الهواتف وابن عساكر عن واثلة بن الاسقع رضي الله تعالى عنه قال: سبب اسلام الحجاج بن علاط انه خرج في ركب من قومه الى مكة، فلما جن عليه الليل وهو في واد موحش مخوف فقال له أصحابه: قم يا أبا كلاب فخذ لنفسك ولاصحابك أمانا. فقام الحجاج بن علاط يطوف حولهم يكلؤهم ويقول: أعيذ نفسي وأعيذ صحبي من كل جني بهذا النقب حتى أؤوب سالما وركبي. فسمع قائلا يقول: (يا معشر الجن والانس ان استطعتم ان تنفذوا من أقطار السموات والارض فانفذوا لا تنفذون الا بسلطان) (الرحمن 33). فلما قدم مكة أخبر بذلك قريشا فقالوا: (صبأت والله يا أبا كلاب) ان هذا فيما يزعم محمد أنه أنز ل عليه (فقال: والله لقد سمعته وسمعه هؤلاء معي). فسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم فقيل له با لمدينة، فأتاه فأسلم. الباب السادس والثلاثون في وفود حضرموت إليه صلى الله عليه وسلم قال ابن سعد (1): قالوا: وقدم وفد حضرموت مع وفد كندة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بنو وليعة ملوك حضرموت: جمد، ومخوس، ومشرح، وأبضعة فأسلموا. وقال مخوس: يا رسول الله ادع الله، أن يذهب عني هذه الرتة من لساني. فدعا له وأطعمه طعمة من صدقة حضرموت. وروى ابن سعد عن أبي عبيدة من ولد عمار بن ياسر قال: وفد مخوس بن معدي كرب بن وليعة فيمن معه على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم خرجوا من عنده فأصابت مخوس اللقوة، فرجع منهم نفر فقالوا: يا رسول الله سيد العرب ضربته اللقوة فادللنا على دوائه. فقال: (خذوا مخيطا فاحموه في النار ثم اقلبوا شفر عينه ففيها شفاؤه واليها مصيره فالله أعلم ما قلتم حين خرجتم من عندي). فصنعوا به فبرأ. وروى ابن سعد عن عمرو بن مهاجر الكندي قال: كانت امرأة من حضرموت ثم من تنعة يقال لها: تهناة بنت كليب صنعت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كسوة ثم د عت ابنها كليب بن أسد.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 112. (*)

[ 322 ]

ابن كليب. فقالت: انطلق بهذه الكسوة الى النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه بها وأسلم، فدعا له وقال كليب حين أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من وشز برهوت يهوي بي عذافرة اليك يا خير من يحفى وينتعل تجوب بي صفصفا غبرا مناهله تزداد عفوا إذا ما كلت الابل شهرين أعملها نصا على وجل أرجو بذاك ثواب الله يا رجل أنت النبي الذي كنا نخبره وبشرتنا به التوارة والرسل الباب السابع والثلاثون في وفود الحكم بن حزن الكلفي إليه صلى الله عليه وسلم روى الامام أحمد، وأبو داود، والبيهقي، وأبو نعيم، واللفظ له عن الحكم بن حزن رضي الله تعالى عنه قال: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سابع سبعة أو تاسع تسعة، فأذن لنا فدخلنا، فقلنا: يا رسول الله أتيناك لتدعو لنا بخير، فدعا لنا بخير، وأمر بنا فانزلنا وأمر لنا بشئ من تمر، والشأن إذ ذاك دون، فلبثنا أياما فشهدنا بها الجمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقام متوكئا على قوس أو عصا، فحمد الله وأثنى عليه كلمات خفيفات طيبات مباركات، ثم قال: (يا أيها الناس انكم لن تطيقوا أن تفعلوا كل ما أمرتم به ولكن سددوا وأبشروا) (1).


(1) انظر كنز العمال (5219) وأحمد في المسند 4 / 212. (*)

[ 323 ]

الباب الثامن والثلاثون في وفود حمير ورسولهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الامام الهمداني في الانساب: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الحارث بن عبد كلال بن غرب وأخيه نعيم، وأمر رسوله أن يقرأ عليهما لم يكن. ووفد عليه الحارث فأسلم فاعتنقه وأفرشه رداءه، وقال قبل أن يدخل عليه: (يدخل عليكم من هذا الفج رجل كريم الجدين صبيح الخدين فكأنه) انتهى. قال الحافظ رحمه الله تعالى: (والذي تضافرت به الروايات انه أرسل باسلامه وأقام باليمن). وروى ابن سعد رحمه الله تعالى عن رجل من حمير أدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم ووفد عليه قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن مرارة الرهاوي رسول ملوك حمير بكتابهم (واسلامهم) وهم الحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، والنعمان قيل ذي رعين، ومعافر وهمد ان، وذلك في شهر رمضان سنة تسع. وقال ابن اسحاق: مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا أن ينزله ويكرمه ويضيفه. وكتب إليهم رسو ل الله صلى الله عليه وسلم: (أما بعد فاني أحمد اليكم الله الذي لا اله الا هو. أما بعد فانه قد وقع بنا رسولكم مقفلنا من أرض الروم، فبلغ ما أرسلتم به، وخبر عما قبلكم، وأنبأنا باسلامكم وقتلكم المشركين، فان الله تبارك وتعالى قد هداكم بهداه ان أصلحتم وأطعتم الله ورسوله وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة، وأعطيتم من المغنم خمس الله وخمس نبيه وصفيه، وما كتب على المؤمنين من الصدقة من العقار عشر ما سقت العين وسقت السماء، وعلى ما سقى الغرب نصف العشر. ان في الابل الاربعين ابنة لبون، وفي ثلاثين من الابل ابن لبون ذكر، وفي كل خمس من الابل شاة، وفي كل عشر من الابل شاتان، وفي كل أربعين من البقر بقرة، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع جذع أو جذعة، وفي كل اربعين من الغنم سائمة وحدها شاة، وانها فريضة الله التي فرض على المؤمنين على المشركين فانه من المؤمنين: له ما لهم وعليه ما عليهم، وله ذمة الله وذمة رسوله، وانه من أسلم من يهودي أو نصراني فانه من المؤمنين له ما لهم وعليه ما عليهم، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فانه لايرد عنها، وعليه الجزية على كل حالم - ذكر أو أنثى، حر أو عبد - دينار واف من قيمة المعافر أو عوضه ثيابا، فمن أدى ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فان له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منعه فانه عدو لله ولرسوله. أما بعد فان رسول الله محمدا أرسل الى زرعة ذي يزن أن إذا أتاكم رسلي فأوصيكم

[ 324 ]

بهم خيرا: معاذ بن جبل، وعدب الله بن زيد، ومالك بن عبادة، وعقبة بن نمر، ومالك بن مرارة، وأصحابهم وأن أجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مخاليفكم، وأبلغوها رسلي، وان أميرهم معاذ بن جبل فلا ينقلبن الا راضيا. أما بعد فان محمدا يشهد ألا اله الا الله وأنه عبده ورسوله، ثم ان مالك بن مرارة الرهاوي قد حدثني انك أسلمت من أول حمير، وقتلت المشركين فأبشر بخير، وآمرك بحمير خيرا، ولا تخونوا، ولا تخاذلوا، فان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو مولى غنيكم وفقيركم، وان الصدقة لا تحل لمحمد ولا لاهل بيته انما هي زكاة يزكى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل، وان مالكا قد بلغ الخبر وحفظ الغيب، وآمركم به خيرا واني قد أرسلت اليكم من صالحي أهلي وأولي دينهم وأولي علمهم، وآمركم بهم خيرا فانهم منظور إليهم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: حمير: بكسر الحاء المهملة وسكون الميم وفتح التحتية وبالراء: أبو قبيلة من اليمن، وان أردت القبيلة لم تصرفه، وهو حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ومنهم الملوك في الدهر الاول، واسم حمير: العرنجج. كلال: بضم الكاف وتخفيف اللام. غريب: بغين معجمة وراء مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فموحدة. أفرشه رداءه: بسطه له. الفج: تقدم الكلام عليه. تضافرت به الروايات: (تظاهرت). مرارة: بضم الميم وراءين مهملتين بينهما ألف، ووقع عند أبي عمر. مرة وصوبوا ا لاول. الرهاوي: بفتح الراء نسبة الى قبيلة، وبالضم الرها بلد بالجزيرة وليس مرادا هنا. القيل: بفتح القاف وسكون التحتية وباللام وهو أحد ملوك اليمن دون الملك الاعظم، وفلان لا (ذو) له، وتقدم الكلام عليها في الاسماء النبوية، وقيل ذو رعين أي ملكها، وهي قبيلة من اليمن تنسب الى ذي رعين، وهو من (ذي) اليمن وملوكها. قال في الصحاح: (وذو رعين ملك من ملوك حمير) ورعين حصن كان له، وهو من ولد الحارث بن عمرو بن حمير بن سبأ (وهم آل ذي رعين وشعب ذي رعين) ورعين تصغير رعن: أنف الجبل. معافر: بفتح الميم وتخفيف العين المهملة وكسر الفاء وبالراء: حي من اليمن. همدان: بفتح الهاء وسكون الميم وبالدال المهملة.

[ 325 ]

زرعة: بضم الزاي وسكون الراء وفتح العين المهملة. ذو يزن: (يزن محركة: واد، وبطن من حمير، وذو يزن ملك لحمير لانه حمى ذلك الوادي) ووقع عند أبي عمر زرعة بن ذي يزن، وصوب ابن الامين اسقاط (ابن). منقلبنا: بفتح اللام. فلقينا: بفتح التحتية، والضمير في محل نصب مفعول. قبلكم: بكسر القاف وفتح الموحدة. الصفي: يأتي الكلام عليه في الخصائص. الغرب: بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وبالموحدة: الدلو. ابنة لبون: بلام مفتوحة فموحدة مضمومة فواو فنون: من الابل ما أتى عليه سنتان ودخل في الثالثة فصارت أمه لبونا، أي ذات لبن. التبيع: بفتح الفوقية وكسر الموحدة فمثناة تحتية فعين مهملة: ولد البقرة أول سنة. الجذع: بالجيم والذال المعجمة المفتوحتين وعين مهملة: من الابل ما دخل في السنة الخامسة، ومن البقر والغنم ما دخل في السنة الثانية، وقيل البقر في الثالثة. سائمة وحدها: راعية وحدها. ظاهر: عاون. الذمة: الامان والعهد. لا يرد: بالبناء للمفعول. على كل حالم ذكر أو أنثى، حرا أو عبد: هذا لم يذكر له اسناد، ومذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه أن لا جزية على امرأة ولا من رق. رسلي: فاعل أتاكم. معاذ: ومن بعده بالرفع بدل من رسلي، أو بالجر بدل من بهم. عبادة والد مالك: بضم العين المهملة وتخفيف الموحدة. مرارة: بضم الميم وتخفيف الراء. المخاليف: بميم فخاء معجمة فألف فلام فتحتية ففاء: جمع مخلاف، وهو في اليمن كالرستاق في العراق. أبشر بخير: بفتح الهمزة وكسر الشين المعجمة. آمرك: بمد الهمزة. لا تخاذلوا: بضم الفوقية وبالخاء والذال المكسورة المعجمتين أو بفتحهما.

[ 326 ]

الباب التاسع والثلاثون في وفود بني حنيفة ومسيلمة الكذاب معهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في زاد المعاد: (قال ابن اسحاق: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني حنيفة فيهم مسيلمة بن حبيب الكذاب) وكان منزلهم في دار امرأة من الانصار من بني النجار، فأتوا بمسيلمة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستر بالثياب ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه في يده عسيب من سعف النخل، فلما انتهى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يسترونه بالثياب كلمه وسأله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو سألتني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتكه) (1). قال ابن اسحاق: فقال لي شيخ من أهل اليمامة من بني حنيفة ان حديثه كان على غير هذا، زعم أن وفد بني حنيفة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا له مكانه فقالوا: يا رسول الله انا قد خلفنا صاحبا لنا في رحالنا وركابنا، يحفظها لنا، فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما أمر للقوم، وقال: (أما انه ليس بشركم مكانا) (2). يعني حفظه ضيعة أصحابه. (وذلك الذي يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم). قال: ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاءوا بالذي أعطاه. فلما قدموا اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وقال: اني قد أشركت في ا لامر معه) ألم يقل لكم حين ذكرتموني له (أما انه ليس بشركم مكانا) ؟ وما ذاك الا لما كان يعلم اني قد أشركت في الامر معه. ثم جعل يسجع السجعان فيقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن. لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين صفاق وحشا. ووضع عنهم الصلاة وأحل لهم الخمر والزنا، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نبي فأصففت معه بنو حنيفة على ذلك. قال ابن اسحاق: وقد كان كتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (من مسيلمة رسول الله الى محمد رسول الله: أما بعد فاني قد أشركت في الامر معك وان لنا نصف الامر، وليس قريش قوما يعدلون). فقدم عليه رسوله بهذا الكتاب. فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله الى مسيلمة الكذاب: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فان الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) (3). وكان ذلك في آخر سنة عشر.


(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 5 / 330، وابن كثير في البداية 5 / 50. (2) أخرجه البيهقي في الدلائل 5 / 331، وابن كثير في البداية 5 / 52. (3) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية 6 / 384. (*)

[ 327 ]

قال ابن اسحاق: حدثني سعد بن طارق عن سلمة بن نعيم بن مسعود عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه رسولا مسيلمة الكذاب بكتابه يقول لهما: (وأنتما تقولان بمثل ما يقول ؟) قالا: نعم. فقال: (أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما) (1). وروى أبو داود والطياليسي في مسنده (عن عاصم) عن أبي وائل عن عبد الله (بن مسعود) قال: جاء ابن النواحة، وابن أثال رسولين لمسيلمة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما: (تشهدان أني رسول الله ؟) فقالا: نشهد ان مسيلمة رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (آمنت بالله ورسوله، ولو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما) (2). قال عبد الله (بن مسعود): (فمضت السنة بأن الرسل لا تقتل). وفي البخاري عن أبي رجاء العطاردي قال: لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم فسمعا به لحقنا بمسيلمة الكذاب بالنار، وكنا نعبد الحجر في الجاهلية، فإذا وجدنا حجرا هو أحسن منه ألقينا ذلك وأخذناه، فإذا لم نجد حجرا جمعنا حثية من تراب، ثم جئنا بغنم فحلبناها عليه ثم طفنا به، وكنا إذا دخل رجب قلنا: جاء منصل الاسنة فلا ندع سهما فيه حديدة ولا حديدة في رمح الا نزعناها وألقيناها (3) قلت: وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل يقول: ان جعل لي محمد الامر من بعده تبعته، وقدمها في بشر كثير من قومه، فأقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد النبي صلى الله عليه وسلم قطعة جريد حتى وقف على مسيلمة في أصحابه فقال: (لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها ولن تعدو أمر الله فيك ولئن أدبرت ليعقرنك الله واني لا راك الذي أريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني) (4). ثم انصرف عنه. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فسألت عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (انك أرى الذي أريت فيك ما رأيت)، فأخبرني أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (بينا أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمني شأنهما فأوحي الي صاحب صنعاء والاخر مسيلمة صاحب اليمامة) (5). وهذا أصح من حديث ابن اسحاق المتقدم.


(1) أخرجه أبو داود (165)، والبيهقي 9 / 211، وذكره المتقي الهندي في الكنز (14779)، وابن كثير في البداية 5 / 51. (2) أخرجه احمد في المسند 1 / 396، 404. (3) أخرجه البخاري 6 / 4 (4376). (4) أخرجه البخاري 5 / 54 (3621). (5) أخرجه البخاري 5 / 216، ومسلم (1781)، وذكره المتقي الهندي في الكنز (38361)، وابن كثير في البداية 5 / 49. (*)

[ 328 ]

وفي الصحيحين من حديث ابي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بينا أنا نائم أتيت بخزائن الارض فوضع في كفي سواران من ذهب فكبرا علي فأحي ا لي أن أنفخهما فنفختهما فذهبا، فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: حنيفة: أبو حي من اليمن. وهو حنيفة بن لجيم بن صعب بن بكر علي بن بكر بن وائل. منزلهم: بفتح الزاي والمراد هنا نزولهم. في دار امرأة امرأة من الانصار من بني النجار: هي رملة بنت الحدث كان بيتها في بني قريظة. العسيب: بفتح العين وكسر السين المهملتين: الجريدة. أما: بفتح الهمزة وتخفيف الميم بمعنى (ألا) الاستفتاحية. انه: بكسر الهمزة. الضيعة: بفتح الضاد المعجمة وسكون التحتية وبالعين المهملة، والمراد بها هنا ظهرهم وحوائجهم. أشركت: بضم الهمزة وسكون الشين المعجمة وكسر الراء بالبناء للمفعول، والتاء فيه مضمومة لانها للمتكلم.

[ 329 ]

الباب الاربعون في وفود خفاف بن نضلة إليه صلى الله عليه وسلم روى أبو سعيد النيسابوري في شرف المصطفى والبيهقي في دلائل النبوة عن ذابل بن الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قعد في مسجده منصرفه من الاباطح فقدم عليه خفاف بن نضلة بن عمرو بن بهدلة الثقفي فأنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم قد تحطمت القلوص بي الدجى في مهمه قفر من الفلوات فل من التوريس ليس بقاعه نبت من الاسنات والازمات اني أتاني في المنام مساعدمن جن وجرة كان لي وموات يدعو اليك لياليا ثم احزأل، وقال لست بآت فركبت ناجية أضر بنيها جمز تجب به على الاكمات حتى وردت الى المدينة جاهدا كيما أراك مفرج الكربات قال: فاستحسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (ان من البيان كالسحر وان من الشعر كالحكم) (1). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: خفاف: بضم الخاء المعجمة وتخفيف الفاءين. نضلة: بالنون والضاد المعجمة. ذابل: بذال معجمة فألف فموحدة فلام. الدوسي: بدال مهملة مفتوحة فواو فسين مهملة فياء نسب. بهدلة: بموحدة مفتوحة فهاء ساكنة فدال مهملة فلام. تحطمت: تكسرت. القلوص: من النوق الشابة وهي بمنزلة الجارية من النساء. الدجى: بدال مهملة مضمومة فجيم من دجا الليل إذا تمت ظلمته. والدياجي: الليالي المظلمة. والدجنة: الظلمة. المهمه: بميمين مفتوحتين بينهما هاء ساكنة: المفازة والبرية. القفر: بقاف مفتوحة ففاء ساكنة فراء.


(1) أخرجه مسلم 4 / 2055 (7 / 2670)، والبخاري 10 / 537 (6145). (*)

[ 330 ]

الفلوات: (جمع فلاة: وهي أرض لا ماء فيها). الفل: بفاء مكسورة فلام: القوم المنهزمون من الفل: الكسر وهو مصدر سمي به يقع على الواحد والاثنين والثلاثة. من التوريس: (من ورس الثوب بالورس: صبغه به). بقاعه: (القاع المستوي من الارض). الاسنات: (من أستنتوا: أي أجدبوا). الازمات: جمع أزمة: وهي الشدة. وجرة: (بواو مفتوحة فجيم ساكنة فراء مفتوحة فتاء تأنيث). المواتي: (الموافق المطاوع). احزأل: بهمزة وصل مكسورة فحاء مهملة ساكنة فهمزة مفتوحة فلام مشددة: انفرد والاحزئلال: الانفراد. الناجية: (الناقة السريعة التي تنجو بصاحبها). أضر نبيها: (التي بفتح النون وتشديد المثناة التحتية: الشحم وبكسر النون: السمن). الجمز: بجيم فميم مفتوحتين فزاي: ضرب من السير: سريع فوق العنق. تجب: بمثناة فوقية فجيم موحدة: تقطع. الاكمات: جمع أكمة: وهي الرابية. مفرج: بميم مضمومة ففاء مفتوحة فراء مشددة فجيم. الكربات: بكاف وراء مضمومتين فموحدة فألف فتاء تأنيث.

[ 331 ]

الباب الحادي والاربعون في وفود خثعم إليه صلى الله عليه وسلم وعن غيرهم من أهل العلم يزيد بعضهم على بعض، قالوا: وفد عثعث بن زحر، وأنس بن مدرك في رجال من خثعم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما هدم جرير بن عبد الله البجلي ذا الخلصة، وقتل من قتل من خثعم، فقالوا: آمنا بالله ورسوله وما جاء (به) من عند الله فاكتب لنا كتابا نتبع ما فيه. قالوا: وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم لخثعم: (هذا كتاب من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لخثعم من حاضر بيشة وباديتها ان كل دم أصبتموه في الجاهلية فهو عنكم موضوع، ومن أسلم منكم طوعا أو كرها في يده حرث من خبار أو عزاز تسقيه السماء أو يرويه اللثى فزكا عمار ة في غير أزمة ولا حطمة، فله نشره وأكله، وعليهم في كل سيح العشر وفي كل غرب نصف العشر، شهد جرير بن عبد الله ومن حضر). الباب الثاني والاربعون في وفود خولان إليه صلى الله عليه وسلم قالوا: قدم وفد خولان وهم عشرة نفر في شعبان سنة عشر، فقالوا: يا رسول الله نحن مؤمنون بالله ومصدقون برسوله، ونحن على من وراءنا من قومنا، وقد ضربنا اليك آباط الابل، وركبنا حزون الارض وسهولها، والمنة لله ولرسوله علينا، وقدمنا زائرين لك. فقا ل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما ما ذكرتم من مسيركم الي فان لكم بكل خطوة خطاها بعير أحدكم حسنة، وأما قولكم زائرين لك فانه من زارني بالمدينة كان في جواري يوم القيامة). فقالوا: يا رسول الله هذا السفر الذي لا توى عليه. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما فعل عم أنس ؟) وهو صنم خولان الذي كانوا يعبدونه. قالوا: بشر وعر، أبدلنا الله به ما جئت به، ولو قد رجعنا إليه لهدمناه، وبقيت منا بعد بقايا من شيخ كبير وعجوز كبيرة متمسكون به ولو قد قدمنا عليه هدمناه ان شاء الله تعالى، فقد كنا منه في غرور وفتنة. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وما أعظم ما رأيتم من فتنته ؟) قالوا: لقد رأيتنا واسنتنا حتى أكلنا الرمة، فجمعنا ما قدرنا عليه وابتعنا مائة ثور ونحرناهم لعم أنس قربانا في غداة واحدة، وتركناها تردها السباع ونحن أحوج إليها من السباع، فجاءنا الغيث من ساعتنا، ولقد رأينا العشب يواري الرجل، فيقول قائلنا: أنعم علينا عم أنس.

[ 332 ]

وذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا يقسمون لصنمهم هذا من أنعامهم وحر وثهم وأنهم كانوا يجعلون من ذلك جزءا له وجزءا لله بزعمهم. قالوا: كنا نزرع فنجعل له وسطه، فنسميه له، ونسمي زرعا أخر حجرة لله، فإذا مالت الريح فالذي سميناه لله جعلناه لعم أنس، وإذا مالت الريح فالذي سميناه لعم أنس جعلناه لله. فذكر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله عز وجل قد أنزل عليه في ذلك: (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل الى الله وما كان لله فهو يصل الى شركائهم ساء ما يحكمون) (الانعام 136). قالوا: وكنا نتحاكم إليه فنكلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تلك الشياطين تكلمكم). قالوا: انا أصبحنا يا رسول الله وقلوبنا تعرف انه كان لا يضر ولا ينفع، ولا يدري من عبده ممن لم يعبده. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحمد لله الذي هداكم وأكرمكم بمحمد صلى الله عليه وسلم). وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء من أمر دينهم، فجعل يخبرهم بها وأمر من يعلمهم القرآن والسنن، وأمرهم بالوفاء بالعهد وأداء الامانة وحسن الجوار وألا يظلموا أحدا. قال: قال رسو ل الله صلى الله عليه وسلم: (الظلم ظلمات يوم القيامة (1)). وأنزلوا دار رملة بنت الحدث، وأمر بضيافة، فأجريت عليهم، ثم جاءوا بعد أيام يودعونه، فأمر لهم بجوائز باثنتي عشرة أوقية ونشا، ورجعوا الى قومهم فلم يحلوا عقدة حتى هدموا عم أنس، وحرموا ما حرم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحلوا ما أحل لهم. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: خولان: بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو. من وراءنا: بفتح الميم. آباط الابل: بهمزة مفتوحة فألف فموحدة فألف فطاء مهملة: جمع ابط. الحزون: بضم الحاء المهملة والزاي: جمع حزن بفتح الحاء وسكون الزاي: ما غلظ من الارض. الخطوة: بضم الخاء المعجمة وفتحها، فبالاول ما بين القدمين - وجمع القلة خطوات والكثرة خطاء - وبالثاني المرة الواحدة. الجوار: بكسر الجيم وضمها: الذمام والعهد والتأمين.


(1) أخرجه البخاري 3 / 169، والترمذي (2030)، وأحمد في المسند 2 / 137، والبيهقي 6 / 93. (*)

[ 333 ]

التوى: بفوقية فواو مفتوحتين فألف مقصورة: هلاك المال، يقال توي المال بالكسر يتوى بالفتح توى وأتوا، غيره. رأيتنا: بضم الفوقية. أسنتنا: بهمزة قطع مفتوحة فسين مهملة ساكنة فنون مفتوحة ففوقية فنون: أجدبنا باصابة السنة. يقال: أسنت فهو مسنت إذا أجدب. الرمة: بكسر الراء وتشديد الميم المفتوحة فتاء التأنيث: العظام البالية. الزعم: بتثليث الزاي. وسطه: بفتح السين المهملة وسكونها. الحجرة: بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم: الناحية. فنكلم: بضم النون وفتح اللام المشددة مبني للمفعول أي يكلمنا.

[ 334 ]

الباب الثالث والاربعون في وفود خشين إليه صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد عن محمد بن عمر قال: أخبرنا عبد الرحمن بن صالح عن محجن بن وهب قال: قدم أبو ثعلبة الخشني على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز الى خيبر فأسلم وخرج معه فشهد خيبر، ثم قدم بعد ذلك سبعة نفر من خشين فنزلوا على أبي ثعلبة فأسلموا وبايعوا ورجعوا الى قومهم. الباب الرابع والاربعون في وفود الداريين إليه صلى الله عليه وسلم قالوا: قدم وفد الداريين على رسول الله صلى الله عليه وسلم منصرفه من تبوك وهم عشرة نفر منهم تميم ونعيم ابنا أوس بن خارجة بن سواد بن جذيمة بن دارع بن عدي بن الدار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم، ويزيد بن قيس بن خارجة، والفاكه بن النعمان بن جبلة وأ بو هند، والطيب ابنا ذر، وهو عبد الله بن رزين، وهانئ بن حبيب، وعزيز، ومرة ابنا مالك بن سواد بن جذيمة. فأسلموا، وسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الطيب: عبد الله، وسمى عزيزا: عبد الرحمن. وأهدى هانئ بن حبيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أفراسا وقباء مخوصا بالذهب، فقبل الافراس والقباء (وأعطاه العباس بن عبد المطلب) فقال: (ما أصنع به ؟) قال: انتزع الذهب فتحليه نساءك أو تستنفقه ثم تبيع الديباج فتأخذ ثمنه. فباعه العباس من رجل من يهود بثمانية آلاف درهم. وقال تميم: لنا جيرة من الروم لهم قريتان يقال لاحداهما حبرى والاخرى بيت عينون، فان فتح الله عليك الشام فهبهما لي. قال: (فهما لك). فلما قام أبو بكر أعطاه ذلك وكتب له به كتابا (1). وأقام وفد الداريين حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوصى لهم بجاد مائة وسق أي من خيبر. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الداريين: بدال مهملة فألف فراء فمثناتين تحتيتين فنون.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 107. (*)

[ 335 ]

أوس: بهمزة مفتوحة فواو ساكنة فسين مهملة. خارجة: بخاء معجمة فألف فراء فجيم. سواد: بسين مهملة مفتوحة فواو فألف فدال مهملة. جذيمة: بجيم مفتوحة فذال معجمة فمثناة تحتية فميم. دارع: بدال مهملة فألف فراء فعين مهملة. عدي: بعين مفتوحة فدال مكسورة مهملتين فمثناة تحتية. حبيب: بحاء مهملة مفتوحة فموحدة فمثناة فموحدة. نمارة: بنون مضمومة فميم فألف فراء فتاء تأنيث. لخم: بلام مفتوحة فخاء معجمة ساكنة فميم. الفاكه: بفاء فألف فكاف فهاء. جبلة: بجيم فموحدة فلام مفتوحات. مخوصا بالذهب: بميم مضمومة فخاء معجمة مفتوحة فواو مشددة فصاد مهملة أي منسوجا به كخوص النخل. الديباج: بدال مهملة مكسورة فمثناة تحتية فموحدة فألف فجيم، وهو الثياب المتخذة من الابريسم، فارسي معرب. حبرى: بكسر الحاء المهملة واسكان الموحدة وفتح الراء. بيت عينون: بعين مهملة مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فنونين بينهما واو. جاد مائة وسق: بجيم فألف مهملة، بمعنى المجدود أي نخل يجد منه ما يبلغ مائة وسق.

[ 336 ]

الباب الخامس والاربعون في وفود دوس إليه صلى الله عليه وسلم قال: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة من دوس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مرحبا أحسن الناس وجوها وأطيبهم أفواها وأعظمهم أمانة (1)) رواه الطبراني بسند ضعيف. قال في زاد المعاد: قال ابن اسحاق: كان الطفيل بن عمرو والدوسي (2) يحدث انه قدم مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها. فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلا شريفا شاعرا لبيبا فقالوا له: يا طفيل انك قدمت بلادنا وهذا الرجل الذي بين أظهرنا فرق جماعتنا وشتت أمرنا، وانما قوله كالسحر يفرق بين المرء وابنه، وبين المرء وأخيه وبين الرجل وزوجه، وانا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا فلا تكلمه ولا تسمع منه. قال: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئا ولا أكلمه حتى حشوت في أذني حين غدوت الى المسجد كرسفا فرقا من أن يبلغني شئ من قوله. قال: فغدوت الى المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة، فقمت قريبا منه، فأبى الله الا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلاما حسنا فقلت في نفسي واثكل أمياه، والله اني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول ؟ فان كان ما يقول حسنا قبلت وان كان قبيحا تركت. قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم الى بيته فتبعته حتى إذا د خل بيته، دخلت عليه فقلت: يا محمد ان قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فوالله ما برحوا يخوفوني أ مرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله الا ان يسمعنيه فسمعت قولا حسنا فاعرض علي أمرك. فعرض علي رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام وتلا علي القرآن فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه ولا أمرا أعدل منه فأسلمت وشهدت شهادة الحق وقلت: يا نبي الله اني امرؤ مطاع في قومي واني راجع إليهم فداعيهم الى الاسلام، فادع الله لي أن يجعل لي آية تكون عونا لي عليهم فيما أدعوهم إليه. فقال: (اللهم اجعل له آية). قال: فخرجت الى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر وقع نور بين عيني مثل المصباح قلت: اللهم في غير وجهي، اني اخشى أن يظنوا انها مثلة وقعت في وجهي


(1) أخرجه الطبراني في الكبير 12 / 222، وذكره الهيثمي في المجمع 10 / 50. (2) (الطفيل) بن عمرو بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دو س الدوسي... وقيل هو ابن عبد عمرو ابن عبد الله بن مالك بن عمرو بن فهم لقبه ذو النور. قيل استشهد باليمامة، قاله ابن سعد تبعا لابن الكلبي وقيل باليرموك قاله ابن حبان وقيل بأجنادين قاله موسى بن عقبة بن شهاب وأبو الاسود عن عروة. الاصابة 3 / 286، 288. (*)

[ 337 ]

لفراقي دينهم. قال: فتحول فوقع في رأس سوطي كالقنديل المعلق، وانا انهبط إليهم من الثنية حتى جئتهم وأصبحت فيهم. فلما نزلت أتاني أبي وكان شيخا كبيرا. فقلت: اليك عني يا أبت فلست منك ولست مني. قال: ولم يا بني، بأبي أنت وأمي. قلت: فرق الاسلام بيني وبينك فقد لمت وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم. قال: يا بني فديني دينك. قال: فقلت: اذهب فاغتسل وطهر ثيابك، ثم تعال حتى أعلمك ما علمت. قال: فذهب فاغتسل وطهر ثيابه. ثم جاء فعرضت عليه الاسلام فأسلم. ثم أتتني صاحبتي فقلت لها: اليك عني فلست منك ولست مني. قالت: لم بأبي أ نت وأمي ؟ قلت: فرق الاسلام بيني وبينك. أسلمت وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم. قالت: فديني دينك، فقلت: اذهبي فاغتسلي ففعلت، ثم جاءت فعرضت عليها الاسلام فأسلمت. ثم دعوت دوسا الى الاسلام فأبطأوا علي فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت: يا نبي الله انه قد غلبني على دوس الزنا فادع الله عليهم. فقال: (اللهم اهد دوسا) ثم قال: (ارجع الى قومك فادعهم الى الله وارفق بهم). فرجعت إليهم فلم أزل بأرض دوس أدعوهم الى الله. ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فنزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس. ثم لحقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين. قال ابن اسحاق: فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتدت العرب خرج الطفيل مع المسلمين حتى فرغوا من طليحة، ثم سار مع المسلمين الى اليمامة، ومعه ابنه عمرو بن الطفيل، فقال لاصحابه: اني قد رأيت رؤيا فاعبروها لي: رأيت أن رأسي قد حلق وأ نه قد خرج من فمي طائر، وان امرأة لقيتني فأدخلتني في فرجها، ورأيت ان ابني يطلبني طلبا حثيثا، ثم رأيته حبس عني. قالوا: خيرا رأيت. قال: أما والله اني قد أولتها ؟ قال: أما حلق رأسي فوضعه، وأما الطائر الذي خرج من فمي فروحي، وأما المرأة التي أدخلتني في فرجها فالارض، تحفر فأغيب فيها، واما طلب ابني اياي وحبسه عني فاني أراه سيجهد لان يصيبه من ا لشهادة ما أصابني. فقتل الطفيل شهيدا باليمامة، وجرح ابنه جرحا شديدا، ثم قتل عام اليرمو ك شهيدا في زمن عمر رضي الله تعالى عنهم.

[ 338 ]

الباب السادس والاربعون في قدوم ذباب بن الحارث عليه صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد عن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي قال: لما سمعوا بخروج النبي صلى الله عليه وسلم وثب ذباب - رجل من بني أنس الله بن سعد العشيرة - الى صنم كان لسعد العشيرة يقال له فراض فحطمه، ثم وفد الى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: تبعت رسول الله إذ جاء بالهدى وخلفت فراضا بدار هوان شددت عليه شدة فتركته كأن لم يكن والدهر ذو حدثان ولما رأيت الله أظهر دينه أجبت رسول الله حين دعاني فأصبحت للاسلام ما عشت ناصرا وألفيت فيه كلكلي وجراني فمن مبلغ سعد العشيرة أنني شريت الذي يبقى بآخر فاني وروى ابن سعد عن مسلم بن عبد الله بن شريك النخعي عن أبيه قال: كان عبد الله بن ذباب الانسي مع علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بصفين فكان له غناء. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: ذباب: (بذال معجمة فموحدتين بينهما ألف). فراض: (بفاء مشددة فألف فضاد معجمة). حطمه: بحاء فطاء مهملتين مفتوحتين فميم فهاء. الكلكل: (بكافين مفتوحتين بينهما لام ساكنة فلام أخرى: الصدر أو ما بين الترقوتين). الجران: بجيم مكسورة فراء فألف فنون: باطن العنق.

[ 339 ]

الباب السابع والاربعون في وفود الرهاويين إليه صلى الله عليه وسلم روى الطبراني برجال ثقات عن قتادة الرهاوي رضي الله تعالى عنه قال: (لما عقد لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومي، أخذت بيده فودعته فقال رسول الله صلى ا لله عليه وسلم: (جعل الله التقوى زادك، وغفر لك ذنبك ووجهك للخير حيثما تكون) (1). وروى ابن سعد عن زيد بن طلحة التيمي قال: قدم خمسة عشر رجلا من الرهاويين وهم حي من مذحج على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة عشر، فنزلوا دار رملة بنت الحدث، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتحدث عندهم طويلا وأهدوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم هدايا منها فرس يقال له المراوح فأمر فشور بين يد يه فأعجبه. فأسلموا وتعلموا القرآن والفرائض، وأجازهم كما يجيز الوافد: أرفعهم اثني عشرة أوقية ونشا وأخفضهم خمس أواق ثم رجعوا الى بلادهم. ثم قدم منهم نفر فحجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة وأقاموا حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأوصى لهم بجاد مائة بخيبر في الكتيبة جارية عليهم وكتب لهم كتابا فباعوا ذلك في زمن معاوية. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: النش: بالنون والشين المعجمة: نصف الاوقية وقيل النصف من كل شئ. الوسق: بفتح الواو وسكون السن المهملة وبالقاف: ستون صاعا، وقيل حمل بعير.


(1) أخرجه الطبراني في الكبير 19 / 15، والبخاري في التاريخ 7 / 185، وذكره الهيثمي في المجمع 10 / 131، والسيوطي في الدر 1 / 221. (*)

[ 340 ]

الباب الثامن والاربعون في وفود بني الرؤاس بن كلاب إليه صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد (1) عن أبي نفيع طارق بن علقمة الرؤاسي قال: قدم رجل منا يقال له عمرو بن مالك بن قيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم ثم أتى قومه فدعاهم الى الاسلام فقالوا: حتى نصيب من بني عقيل بن كعب مثلما أصابوا منا. فخرجوا يريدونهم، وخرج معهم عمرو ابن مالك فأصابوا منهم. ثم خرجوا يسوقون النعم فأدركهم فارس من بني عقيل يقال له ربيعة بن المنتفق بن عقيل وهو يقول: أقسمت لا أطعن الا فارسا إذا الكماة ألبسوا القلانسا قال أبو نفيع: فقلت نجوتم يا معشر الرجالة سائر اليوم. فأدرك العقيلي رجلا من بني عبيد بن رؤاس يقال له المحرس بن عبد الله (بن عمرو بن عبيد بن رؤاس) فطعنه في عضده فاختلها، فاعتنق المحرس فرسه وقال: يا آل رؤاس. فقال ربيعة: رؤاس خيل أو أ ناس ؟ فعطف على ربيعة عمرو بن مالك فطعنه فقتله. قال: ثم خرجنا نسوق النعم، وأقبل بنو عقيل في طلبنا حتى انتهينا الى تربة فقطع ما بيننا وبينهم وادي تربة، فجعلت بنو عقيل ينظرون الينا ولا يصلون الى شئ فمضينا. قال عمرو بن مالك: فأسقط في يدي وقلت قتلت رجلا وقد أسلمت وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم فشددت يدي في غل الى عنقي، ثم خرجت أريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بلغه ذلك. فقال: (لئن أتاني لاضربن ما فوق الغل من يده). فأطلقت يدي ثم أتيته فسلمت عليه فأعرض عني، فأتيته عن يمينه فأعرض عني فأتيته عن يساره فأعرض عني فأتيته من قبل وجهه فقلت: (يا رسول الله ان الرب ليترضى فيرضى فارض عني رضي الله عنك). قال: (قد رضيت عنك) (2). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: بنو الرؤاس: (براء مضمومة فواو مهموزة فألف فسين مهملة). نفيع: بنون مضمومة ففاء مفتوحة فمثناة تحتية فعين مهملة.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 65. (2) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 2 / 45. (*)

[ 341 ]

عقيل: بعين مهملة مفتوحة فقاف فمثناة تحتية فلام. المنتفق: بميم مضمومة فنون ساكنة فمثناة فوقية ففاء مكسورة فقاف. الكماة: جمع كمي كغني لابس السلاح من أكمى نفسه سترها بالدرع والبيضة. القلانس: جمع قلنسوة بفتح القاف واللام: ما يلبس على الرأس. المحرس: (بضم الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الراء فسين مهملة). الغل: بغين معجمة مضمومة فلام مشددة: الحديدة التي تجمع يدي الاسير الى عنقه. اختله: بخاء معجمة فمثناة فوقية أي أنفذ الطعنة من الجانب الاخر. تربة: (بمثناة فوقية مضمومة فراء فموحدة مفتوحتين فتاء تأنيث).

[ 342 ]

الباب التاسع والاربعون في وفود زبيد إليه صلى الله عليه وسلم ولما كانت السنة التي توفي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأت زبيد قبائل اليمن تقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرين بالاسلام مصدقين برسول الله صلى الله عليه وسلم، يرجع راجعهم الى بلادهم وهم على ما هم عليه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل خالد بن سعيد بن العا ص على صدقاتهم وأرسلهم مع فروة مسيك كما سيأتي فقال خالد: (والله لقد دخلنا فيما دخل فيه الناس، وصدقنا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وخلينا بينك وبين صدقات أموالنا، وكنا لك عونا على من خالفك من قومنا). قال خالد: قد فعلتم. قالوا: فأوفد منا نفرا يقدمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويخبرونه باسلامنا ويقبسونا منه خيرا. فقال خالد: ما أحسن ما عدتم إليه وانا أجيبكم، ولم يمنعني أن أقول لكم هذا الا اني رأيت وفود العرب تمر بكم فلا يهيجنكم ذلك على الخروج فسيأتي ذلك منكم حتى ساء ظني فيكم وكنتم على ما كنتم عليه من حداثة عهدكم بالشرك فحسبت أن يكون الاسلام راسخا في قلوبكم. الباب الخمسون في وفود بني سحيم إليه صلى الله عليه وسلم روى المرشاطي عن أبي عبيدة رضي الله تعالى عنه أن الاسود بن سلمة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بني سحيم فأسلم فردهم الى قومهم وأمرهم أن يدعوهم الى الاسلام وأعطاهم ادواة ماء قد تفل فيها أو مج وقال: (فلينضحوا بهذه الادواة مسجدهم وليرفعوا رؤوسهم) إذا رفعها الله تعالى فما تبع مسيلمة منهم رجل ولا خرج منهم خارجي قط.

[ 343 ]

الباب الحادي والخمسون في وفود بني سدوس إليه صلى الله عليه وسلم روى البزار عن عبد الله بن الاسود رضي الله تعالى عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد بني سدوس فأهدينا له تمرا فنثرناه إليه على نطع فأخذ حفنة من التمر فقال: (أي تمر هذا ؟) فجعلنا نسمي حتى ذكرنا تمرا فقلنا: هذا الجذامي، فقال: (بارك الله في الجذامي وفي حديقة يخرج هذا منها أو جنة خرج هذا منها) (1). الباب الثاني والخمسون في وفود بني سعد هذيم إليه صلى الله عليه وسلم روى محمد بن عمر الاسلمي عن ابن النعمان عن أبيه قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وافدا في نفر من قومي وقد أوطأ رسول الله البلاد غلبة وإذاخ العرب، والناس صنفان: اما داخل في الاسلام راغب فيه، واما خائف من السيف، فنزلنا ناحية من ا لمدينة ثم خرجنا نؤم المسجد حتى انتهينا الى بابه، فنجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على جنازة في المسجد فقمنا خلفه ناحية ولم ندخل مع الناس في صلاتهم وقلنا حتى نلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونبايعه، ثم انصرف صلى الله عليه وسلم، فنظر الينا فدعا بنا فقال: (ممن أنتم ؟) قلنا: من بني سعد هذيم فقال: (أمسلمون أنتم ؟) قلنا: نعم. قال: (فهلا صليتم على أخيكم ؟) قلنا: يا رسول الله ظننا أن ذلك لا يجوز لنا حتى نبايعك فقال صلى الله عليه وسلم: (أينما أسلمتم فأنتم مسلمون). قال: فأسلمنا وبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيدينا على الاسلام ثم انصرفنا الى رحالنا وقد كنا خلفنا عليها أصغرنا. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلبنا فأتي بنا إليه، فتقدم صاحبنا فبايعه على الاسلام. فقلنا: يا رسول الله انه أصغرنا وانه خادمنا، فقال: (أصغر القوم خادمهم، بارك الله عليه). قال: فكان والله خيرنا وأقرأنا للقرآن لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم له، ثم أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا، فكان يؤمنا. ولما أردنا الانصراف أمر بلالا فأجازنا بأواقي من فضة لكل رجل منا فرجعنا الى قومنا فرزقهم الله عز وجل الاسلام. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: أوطأ: بفتح الهمزة في أوله وآخره وسكون الواو وبالطاء المهملة: أي قهرهم وجعلهم يوطأون قهرا وغلبة.


(1) ذكره الهيثمي في المجمع 5 / 43، وعزاه للبزار والطبراني بنحوه وقال: وفيه جماعة لم يعرفهم العلائي ولم أعرفهم. (*)

[ 344 ]

إذاخ البلاد: بفتح الهمزة والذال المعجمة وبعد الالف خاء معجمة يذيخها إذا قهرها واستولى عليها. وكذلك دوخ البلاد. اما: بكسر الهمزة وتشديد الميم وكذا الثانية الاتية. نوم: بفتح النون وضم الهمزة وتشديد الميم: نؤم المسجد: أي نقصده. يصلي على جنازة في المسجد: قال في النور: يحتمل أن صاحب الجنازة سهيل ابن بيضاء فان قدوم هذا الوفد كان في سنة تسع وسهيل توفي فيها في مقدمه من تبوك ولا أ علمه صلى في جنازة في المسجد الا عليه. ووقع في صحيح مسلم انه صلى على سهيل وأخيه في المسجد ففيه أنه ان كان المراد به سهلا فلا يصح لانه مات بعد النبي صلى الله عليه وسلم كما قاله محمد بن عمر (الواقدي) وكونه صفوانا فيه نظر أيضا لانه استشهد ببدر، والصواب حديث عبادة في مسلم الذي فيه افراد سهيل لا الحديث الذي بعده. هذا في المسجد النبوي. وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد بني معاوية على أبي الربيع عبيد الله بن عبد الله بن ثابت بن قيس وكان قد شهد أحدا. خلفنا: بتشديد اللام. أتي بنا: بالبناء للمفعول. أمره: بتشديد الميم من التأمير. أواقي: بتشديد التحتية وتخفف.

[ 345 ]

الباب الثالث والخمسون في وفود بني سلامان إليه صلى الله عليه وسلم قال محمد بن عمر رحمه الله تعالى: كان مقدمهم في شوال سنة عشر. وروى ابن سعد عن حبيب بن عمر والسلاماني كان يحدث قال: قدمنا وفد سلامان على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن سبعة فصادفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خارجا من المسجد الى جنازة دعي ا ليها فقلنا: السلام عليك يا رسول الله. فقال: (وعليكم من أنتم ؟) فقلنا: نحن من سلامان قدمنا اليك لنبايعك على الاسلام ونحن على من وراءنا من قومنا. فالتفت الى ثوبان غلامه فقال: (أنزل هؤلاء الوفد حيث ينزل الوفد). فلما صلى الظهر جلس بين المنبر وبيته فتقدمنا إليه فسألناه عن أشياء من أمر الصلاة وشرائع الاسلام وعن الرقى، وأسلمنا وأعطى كل رجل منا خمس أواقي ورجعنا الى بلادنا وذلك في شوال سنة عشر. وروى أبو نعيم من طريق محمد بن عمر عن شيوخه أن وفد سلامان قدموا في شوال سنة عشر فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كيف البلاد عندكم ؟) قالوا: مجدبة فادع الله أن يسقينا في موطننا. فقال: (اللهم اسقهم الغيث في دارهم). فقالوا: يا نبي الله ارفع يديك فانه أكثر وأطيب، فتبسم ورفع يديه حتى يرى بياض ابطيه، ثم رجعوا الى بلادهم فوجدوها قد مطرت في اليوم الذي دعا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الساعة (1). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: سلامان: بفتح السين المهملة وتخفيف اللام. حبيب: بفتح الحاء المهملة وكسر الموحدة. أسقهم: يجوز جعله ثلاثيا ورباعيا فعلى الاول توصل الهمزة وعلى الثاني تقطع. ما أكثر هذا: منصوب على التعجب. وأطيبه: معطوف عليه. مطرت: يجوز بناؤه للفاعل والمفعول أيضا.


(1) أخرجه أبو نعيم في الدلائل 1600) وابن سعد في الطبقات 1 / 2 / 43. (*)

[ 346 ]

الباب الرابع والخمسون في وفود بني سليم إليه صلى الله عليه وسلم قالوا: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من بني سليم يقال له قيس بن نسيبة فسمع كلامه وسأله عن أشياء فأجابه ووعى ذلك كله ودعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الاسلام فأسلم ورجع الى قومه بني سليم فقال: قد سمعت برجمة الروم وهينمة فارس وأشعار العرب وكهانة الكاهن وكلام مقاول حمير فما يشبه كلام محمد شيئا من كلامهم فأطيعوني وخذوا نصيبكم منه. فلما كان عام الفتح خرجت بنو سليم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقوه بقديد وهم سبعمائة. ويقال كانوا ألفا وفيهم العباس بن مرداس، وأنس بن عباس بن رعل، وراشد بن عبد ربه فأسلموا وقالوا: اجعلنا في مقدمتك واجعل لواءنا أحمر وشعارنا مقدما. ففعل ذلك بهم فشهدوا معه الفتح والطائف وحنينا وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم راشد بن عبد ربه رهاطا وفيها عين يقال لها عين الرسول. وكان راشد يسدن لبني سليم فرأى يوما ثعلبين يبولان عليه فقا ل: أرب يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب (1) ثم شد عليه فكسره. ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: (ما اسمك ؟) قا ل: غاوي بن عبد العزى قال: (أنت راشد بن عبد ربه). فأسلم وحسن اسلامه وشهد الفتح مع النبي صلى الله عليه وسلم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير قرى عربية خيبر، وخير بني سليم راشد) (2). وعقد له على قومه. وروى ابن سعد عن رجل من بني سليم من بني الشريد قالوا: وفد رجل منا يقال له قدد بن عمار على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فأسلم وعاهده على أن يأتيه بألف من قومه على الخيل. ثم أتى قومه فأخبرهم الخبر فخرج معه تسعمائة وخلف في الحي مائة فأقبل بهم يريد النبي صلى الله عليه وسلم فنزل به الموت فأوصى الى ثلاثة رهط من قومه: الى عباس بن مرداس وأمره على ثلاثمائة، والى جبار بن الحكم وهو الفرار الشريدي وأمره على ثلاثمائة، والى الاخنس بن يزيد وأمره على ثلاثمائة وقال: ائتوا هذا الرجل حتى تقضوا العهد الذي في عنقي، ثم مات. فمضوا حتى قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أين الرجل الحسن الوجه الطويل ا للسان الصادق الايمان ؟) قالوا: يا رسول الله دعاه الله فأجابه وأخبروه خبره فقال: (أين تكملة الالف الذي عاهدني


(1) البيت للعباس بن مرداس، انظر ملحق ديوانه 151، ونسب ابي ذر، انظر اللسان (ثعلب) وغيرهما انظر الدرر 4 / 104 جمهرة اللغة (1181) الهمع 2 / 22. (2) أخرجه ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق 3 / 141. (*)

[ 347 ]

عليهم ؟) قالوا: قد خلف مائة بالحي مخافة حرب كانت بيننا وبين كنانة قال: (ابعثوا إليها فانه لا يأتيكم في عامكم هذا شئ تكرهونه). فبعثوا إليها فأتته بالهدة وهي مائة عليها المقنع بن مالك بن أمية، فلما سمعوا وئيد الخيل قالوا: يا رسول الله أتينا قال: (لا بل لكم لا عليكم هذه سليم بن منصور قد جاءت). فشهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الفتح وحنينا (1). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: سليم: (بضم السين المهملة وفتح اللام وسكون المثناة التحتية فميم). نسيبة: (بضم النون وفتح السين المهملة وسكون المثناة التحتية وفتح الموحدة فتاء تأنيث). ترجمة: بمثناة فوقية مفتوحة فراء ساكنة فجيم فميم: نقل لغة الى لغة أخرى. هينمة: بهاء مفتوحة ساكنة فنون فميم فتاء تأنيث: كلام خفي لا يفهم والياء زائدة. رهاط: (بضم أوله: قرية على ثلاثة أميال من مكة).


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 234. (*)

[ 348 ]

الباب الخامس والخمسون في وفد بني شيبان إليه صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد عن قيلة بنت مخرمة قالت: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وفد شيبان، وهو قاعد القرفصاء، فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم متخشعا في الجلسة أ رعدت من الفرق. فقال جليسه: يا رسول الله أرعدت المسكينة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينظر الي وأنا عند ظهره: (يا مسكينة عليك السكينة). فلما قالها أذهب الله ما كان أدخل قلبي من الرعب. وتقدم صاحبي أول رجل فبايعه على الاسلام عليه وعلى قومه، ثم قال: يا رسول الله اكتب بيننا وبين بني تميم بالدهناء لا يجاوزنا الينا منهم الا مسافر أو مجاور. فقال: (يا غلام اكتب له بالدهناء). فلما رأيته أمر له بأن يكتب له بها شخص بي وهي وطني وداري، فقلت: يا رسول الله انه لم يسألك السوية من الارض إذ سألك، انما هذه الدهناء عندك مقيد الجمل ومر عى الغنم، ونساء تميم وأيناؤها وراء ذلك. فقال: (أمسك يا غلام، صدقت المسكينة المسلم أخو المسلم يسعهما الماء والشجر، ويتعاونان على الفتان). فلما رأى حريث أن قد حيل دون كتابه ضرب باحدى يديه على الاخرى وقال: كنت أنا وأنت كما قيل: (حتفها تحمل ضأن بأظلافها). فقلت: أما والله ان كنت دليلا في الظلماء، جوادا بذي الرحل عفيفا عن الرفيقة حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن لا تلمني على حظي إذ سألت حظك. فقال: وما حظك في الدهناء لا أبا لك ؟ فقلت: مقيد جملي تسأله لجمل امرأتك. فقال: لا جرم اني أشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أني لك أخ ما حييت، إذ أثنيت هذا علي عنده. فقلت: إذ بدأتها فلن أضيعها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيلام ابن ذه أن يفصل الخطة وينتصر من وراء الحجرة)، فبكيت ثم قلت: (والله كنت ولدته يا رسول الله حاز ما فقاتل معك يوم الربذة، ثم ذهب يحيرني من خيبر فأصابته حماها وترك علي النساء. فقال: (والذي نفس محمد بيده لو لم تكوني مسكينة لجررناك اليوم على وجهك أو لجررت على وجهك) شك عبد الله، (أيغلب أحيدكم أن يصاحب صويحبة في الدنيا معروفا فإذا حال بينه وبينه من هو أولى به منه استرجع). ثم قال: (رب أنسني ما أمضيت وأعني على ما أبقيت، وا لذي نفس محمد بيده ان أحيدكم ليبكي فيستعبر إليه صويحبه فيا عباد الله لا تعذبوا اخوانكم) وكتب لها في قطعة من أديم أحمر لقيلة وللنسوة بنات قيلة: (ألا يظلمن حقا ولا يكرهن على منكح، وكل مؤمن مسلم لهن نصير أحسن ولا تسئن) (1).


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 2 / 58، وذكره الهيثمي في المجمع 6 / 14، 15. (*)

[ 349 ]

الباب السادس والخمسون في وفود صداء إليه صلى الله عليه وسلم روى البغوي والبيهقي وابن عساكر وحسنه عن زياد بن الحارث الصدائي رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته على الاسلام فأخبرت أ نه قد بعث جيشا الى قومي. قال ابن سعد رحمه الله تعالى: (لما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجعرانة سنة ثمان بعث قيس بن سعد بن عبادة الى ناحية اليمن وأمره أن يطأ صداء، فعسكر بناحية قنا ة في أربعمائة من المسلمين) انتهى. قال زياد بن الحارث الصدائي فقلت: يا رسول الله قد جئتك وافدا على من ورائي فاردد الجيش وأنا لك باسلامي قومي وطاعتهم. فقال لي: (اذهب فردهم). فقلت: يا رسول الله ان راحلتي قد كلت. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فردهم من صدر قناة قال زياد: وكتب الى قومي كتابا فقدم وفدهم باسلامهم. وعند ابن سعد: فقدم منهم بعد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر رجلا منهم. فقال سعد بن عبادة: يا رسول ا لله دعهم ينزلوا علي فنزلوا عليه فحياهم وأكرمهم وكساهم ثم راح بهم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلموا وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على من وراءهم من قومهم انتهى. قال زياد: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أخا صداء انك لمطاع في قومك). قال: فقلت: بل الله هداهم للاسلام. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفلا أؤمرك عليهم ؟) فقلت: بلى يا رسول الله. فكتب لي كتابا أمرني فيه. فقلت: يا رسول الله مر لي بشئ من صدقا تهم. قال: (نعم) فكتب لي كتابا آخر. قال زياد: وكان ذلك في بعض أسفاره. ونزل رسول ا لله صلى الله عليه وسلم منزلا فأتاه أهل ذلك المنزل يشكون عاملهم ويقولون: أخذنا بكل شئ بيننا وبين قومه في الجاهلية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أفعل ذلك ؟) قالوا: نعم. فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أصحابه وأنا فيهم فقال: (لا خير في الامارة لرجل مؤمن). قال زياد: فدخل قوله في قلبي. ثم أتاه آخر فقال: يا رسول الله أعطني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من يسأل الناس عن غنى فصداع في الرأس وداء في البطن). فقال السائل: أعطني من الصدقة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان الله عز وجل لم يرض فيها بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها فجزأها ثمانية أجزاء فان كنت من تلك الاجزاء أعطيتك وان كنت غنيا عنها فانما هي صداع في الرأس وداء في البطن).

[ 350 ]

قال زياد: فدخل في نفسي أني سألته من الصدقات وأني غني. ثم ان رسول الله صلى ا لله عليه وسلم اعتشى من أول الليل فلزمت (غرزه) وكنت قريبا منه فكان أصحابه ينقطعون عنه ويستأخرون عنه حتى إذا لم يبق معه أحد غيري فلما كان إذان صلاة الصبح أمرني فأذنت فجعلت أقول أقم الصلاة يا رسول الله، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ناحية المشرق الى ا لفجر ويقول لا، حتى إذا طلع الفجر نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب لحاجته، ثم انصرف الي وتلاحق أصحابه فقال: (هل من ماء يا أخا صداء ؟) فقلت: لا الا شئ قليل لا يكفيك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اجعله في اناء ثم ائتني به). ففعلت، فوضع كفه في الماء. فقال زياد: فرأيت بين كل اصبعين من أصابعه عينا تفور. ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أخا صداء لولا أني أستحي من ربي عز وجل لسقينا واستقينا ناد في أصحابي من له حاجة في الماء). فناديت فيهم. فأخذ من أ راد منهم شيئا. ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الصلاة فأراد بلال أن يقيم فقال له رسول ا لله صلى الله عليه وسلم: (ان أخا صداء هذا أذن فهو يقيم). قال الصدائي: فأقمت الصلاة. فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة أتيته بالكتابين فقلت: يا رسول الله اغفني من هذين الكتابين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بدا لك ؟) فقلت: سمعتك يا رسول الله تقول: (لا خير في الامارة لرجل مؤمن) وأنا مؤمن بالله تعالى ورسوله، وسمعتك تقول للسائل: (من سأل الناس عن غني فصداع في الرأس ود اء في البطن) وقد سألتك وأنا غني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هو ذاك فان شئت فاقبل وان شئت فدع). فقلت: أدع. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فدلني على رجل أؤمره علكم). فدللته على رجل من الوفد الذين قدموا عليه فأمره عليهم. ثم قلنا: يا رسول الله ان لنا بئرا إذا كان الشتاء كفانا ماؤها واجتمعنا عليها وإذا كان الصيف قل ماؤها فتفرقنا على المياه حولنا، وكل من حولنا لنا عدو فادع الله لنا في بئرنا أن يسعنا ماؤها فنجتمع عليها ولا نتفرق. فدعا بسبع حصيات ففركهن بيده ودعا فيهن ثم قال: (اذهبوا بهذه الحصيات فإذا أتيتم البئر فالقوا واحدة واحدة واذكروا اسم الله تعالى) (1). قال زياد الصدائي: ففعلنا ما قال فما استطعنا بعد ذلك أن ننظر الى قعرها. وعند ابن سعد: ورجعوا أي الخمسة عشر الى بلادهم ففشا فيهم الاسلام فوافى النبي صلى الله عليه وسلم مائة رجل منهم في حجة الوداع.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 2 / 63، والطبراني في الكبير 5 / 303، والبيهقي في الدلائل 5 / 355، وذكره الهيثمي في المجمع 5 / 206، والمتقي الهندي في الكنز (37075). (*)

[ 351 ]

تنبيه: في بيان غريب ما سبق: صداء: بضم الصاد وفتح الدال المهملتين والمد: حي من العرب، باليمن. الجعرانة وقناة: تقدم الكلام عليهما. فشا فيهم الاسلام: ظهر وذاع. الغرز: بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وبالزاي: ركاب كور البعير ان كان من خشب أو جلد. الاداوي: جمع ادواة: اناء صغير من جلد يتخذ للماء كالسطيحة ونحوها. القعب: بفتح القاف وسكون العين المهملة وبالموحدة: وهو القدح الضخم. الوضوء: بفتح الواو والماء وبالضم: الفعل الذي هو المصدر، ويجوز العكس، والله أعلم.

[ 352 ]

الباب السابع والخمسون في وفود الصدف إليه صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد عن جماعة من الصدف قالوا: قدم وفدنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم بضعة عشر رجلا، على قلائص لهم أزر وأردية فصادفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بين بيته وبين المنبر فجلسوا ولم يسلموا. فقال: (أمسلمون أنتم ؟) قالوا: نعم. قال: (فهلا سلمتم ؟) فقاموا قياما، فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. فقال: (وعليكم ا لسلام، اجلسوا). فجلسوا وسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أوقات الصلاة فأخبرهم بها (1). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الصدف: (بفتح الصاد وكسر الدال المهملتين ففاء). الباب الثامن والخمسون في وفود ابي صفرة إليه صلى الله عليه وسلم روى ابن منده، وابن عساكر، والديلمي عن محمد بن غالب بن عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة قال: حدثني أبي عن آبائه أن أبا صفرة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم على ان يبايعه، وعليه حلة صفراء وله طول ومنظر وجمال وفصاحة لسان (فلما رآه أعجبه ما رأى من جماله) فقال له: (من أنت ؟) قال: أنا قاطع بن سارق بن ظالم بن عمر بن شهاب بن مرة بن الهقام بن الجلند بن المستكبر الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا، أنا ملك ابن ملك، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أنت أبو صفرة دع عنك سارقا وظالما). فقال: أشهد ألا اله الا الله وأشهد انك عبده ورسوله حقا حقا يا رسول الله، وان لي ثمانية عشر ذكرا وقد رزقت بأخرة بنتا سميتها صفرة. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فأنت أبو صفرة) (2).


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 248. (2) ذكره المتقي الهندي في الكنز (37537). (*)

[ 353 ]

الباب التاسع والخمسون في وفود ضمام بن ثعلبة إليه صلى الله عليه وسلم روى الامام احمد والشيخان والترمذي والنسائي رحمهم الله تعالى من طريق سليمان ابن المغيرة عن ثابت، والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن شريك بن عبد ا لله كلاهما عن أنس وأبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي عن الزهري، والامام احمد وابن سعد وأبو داود عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، قال أنس في رواية ثابت: (نهينا في القرآن أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شئ كان يعجبنا ان نجد الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع). وفي رواية شريك: (بينا نحن جلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي حديث ابي هريرة رضي الله تعالى عنه: (بينا النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه متكئا، أو قال جالسا في المسجد إذ جاء رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله) وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (بعث بنو سعد بن بكر، ضمام بن ثعلبة وافدا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقدم عليه وأناخ بعيره على باب المسجد ثم دخل المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في أصحابه، وكان ضمام رجلا جلدا أشعرا ذا غديرتين فأقبل حتى انتهى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال أ نس في رواية شريك: (فقال: أيكم محمد ؟) وفي حديث ابن عباس: (أيكم ابن عبد المطلب ؟) والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا له: هذا الابيض المتكئ). وفي رواية: (جاءهم رجل من أهل البادية فقال: أيكم ابن عبد المطلب ؟ قالوا: هذا الامغر المرتفق. قال: فدنا منه وقال: اني سائلك فمشدد عليك - وفي لفظ - فمغلظ عليك - في المسألة، فلا تجد علي في نفسك، قال: (لا أجد في نفسي فسل عما بدا لك) قال أنس في رواية ثابت: فقال: يا محمد أتانا رسولك فقال لنا انك تزعم ان الله تعالى أرسلك ؟ قال: (صدق). قال: فمن خلق السماء ؟ قال: (الله). قال: فمن خلق الارض ؟ قال: (الله). قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل ؟ قال: (الله). وقال أبو هريرة وأنس في رواية شريك، فقال: (أسألك بربك ورب من قبلك)، وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (فأنشدك الله الهك واله من قبلك واله من هو كائن بعدك)، وفي رواية عن أنس فقال: (فبالذي خلق السماء وخلق الارض ونصب هذه الجبال)، قال ابن عباس في حديثه: (آلله أمرك أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئا وأن ندع هذه الانداد التي كان آباؤنا يعبدون ؟ قال: (اللهم نعم).

[ 354 ]

وفي رواية ثابت عن أنس فقال: (فبالذي خلق السماء وخلق الارض ونصب هذه الجبال) وفي حديث ابي هريرة ورواية شريك عن أنس: (أسألك بربك ورب من قبلك ورب من بعدك آلله أرسلك الى الناس كهلم ؟) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم نعم). وفي رواية ثابت عن أنس قال: (وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا). قال: (صدق). قال: (فبالذي أرسلك)، وفي رواية شريك عن أنس قال: (أنشدك بالله). وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. (فأنشدك الله الهك واله من كان قبلك واله من هو كائن بعدك آلله أمرك أن تصلي هذه الصلوات الخمس ؟ قال: (اللهم نعم). وفي رواية ثابت عن أنس قال: (وزعم رسولك ان علينا زكاة في أموالنا). قال: (صدق). وفي حديث ابي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (أنشدك بالله الله أمر ك أن تأخذ من أموال أغنيائنا فترده على فقرائنا ؟) فقال: (اللهم نعم). قال: (فبالذي أرسلك)، وفي رواية شريك: (أنشدك الله آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا ؟) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم نعم). وفي رواية ثابت: (وزعم رسولك ان علينا صوم شهر في سنتنا). قال: (صدق). قال: (فبالذي أرسلك)، وفي رواية شريك: (وأنشدك الله آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة ؟) وفي حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (من اثني عشر شهرا ؟) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم نعم). وفي رواية ثابت قال: (وزعم رسولك ان علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلا). قال: (نعم). وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (ثم جعل يذكر فرائض الاسلا م فريضة فريضة فريضة الزكاة والصيام والحج وشرائع الاسلام كلها ينشده عن كل فريضة منها كما ينشده عن التي قبلها حتى إذا فرغ قال: فاني أشهد أن لا اله الا الله وأشهد ان محمد ا رسول الله وسأؤدي هذه الفرائض واجتنب ما تنهيني عنه ثم لا أزيد ولا أنقص). وفي رواية شريك: (آمنت بما جئت به وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر). وفي حديث ابي هريرة: (وأما هذه الهناة فوالله ان كنا لنتنزه عنها في الجاهلية). وفي رواية ثابت: (ثم ولى فقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهم ولا أنقص منهن شيئا). فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان صدق ليدخلن الجنة). وفي حديث ابن عباس: (ان صدق ذو العقيصتين دخل الجنة). وفي حديث ابي هريرة رضي الله تعالى عنه: (فلما أن ولى قال

[ 355 ]

رسول الله صلى الله عليه وسم: (فقه الرجل). وقال: (فكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: (ما رأيت أحدا أحسن مسألة ولا أوجز من ضمام بن ثعلبة). فأتى بعيره فأطلق عقاله ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به: بئست اللات والعزى. فقالوا: مه يا ضمام ! اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون. قال: (ويلكم) ! انهما والله لا يضران ولا ينفعان، ان الله قد بعث رسولا وأنزل عليه كتابا فأستنقذكم به مما كنتم فيه واني اشهد ألا اله الا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به وما نهاكم عنه). قال: (فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضره رجل أو امرأة الا مسلما). زاد ابن سعد: (وبنوا المساجد وأذنوا بالصلوات). قال ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة. تنبيهات الاول: قال في البداية: وفي سياق حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه ما يدل على أنه رجع الى قومه قبل الفتح لان العزى هدمها خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه أيام الفتح. الثاني: قال أبو الربيع: اختلف في الوقت الذي وفد فيه ضمام هذا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل سنة خمس ذكره الواقدي وغيره، وقيل سنة تسع، والله أعلم أي ذلك كان. الثالث: قوله: (أن يحج هذا البيت من استطاع إليه سبيلا)، قال في الهدي: ذكر الحج في هذه القصة يدل على أن قدوم ضمام كان بعد فرض الحج، وهذا بعيد، والظاهر أن هذه اللفظة مدرجة من كلام بعض الرواة. الرابع: في بيان غريب ما سبق: ضمام: بضاد معجمة مكسورة فميمين بينهما ألف، وهو الذي قال فيه طلحة بن عبيد الله: جاءنا أعرابي من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الاسلام). الحديث رواه مالك في الموطأ عن عمه عن جده عن طلحة. الجلد: بجيم مفتوحة فلام ساكنة فدال مهملة: صلب حديد. الغديرة: بغين معجمة مفتوحة فدال مهملة مكسورة فتحتية ساكنة فراء فتاء تأنيث. الامغر: بفتح الهمزة وسكون الميم وفتح الغين المعجمة وبالراء: الابيض المشرب بحمرة.

[ 356 ]

المرتفق: بميم مضمومة فراء ساكنة فمثناة فوقية مفتوحة ففاء مكسورة فقاف: المتكئ، بهمزة في آخره. بدا لك: غير مهموز، أي ظهر لك. أنشدك: بفتح الهمزة وسكون النون وضم الشين المعجمة: أي أسألك. آلله: بمد الهمزة على الاستفهام، وكذا ما بعده. الهناة: بفتح الهاء وتخفيف النون في آخره تاء: الفواحش. العقيصة: بعين مهملة مفتوحة فقاف مكسورة فتحتية ساكنة فصاد مهملة: الشعر المعقوص، أي الملتوي. فقه الرجل: بضم القاف وكسرها: صار فقيها، والله أعلم.

[ 357 ]

الباب الستون في وفود طارق بن عبد الله إليه صلى الله عليه وسلم روى البيهقي رحمه الله عن طارق بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: (اني لقائم) بسوق ذي المجاز إذ أقبل رجل عليه جبة له وهو يقول: أيها الناس قولوا لا اله الا ا لله تفلحوا، ورجل يتبعه يرميه بالحجارة يقول: أيها الناس انه كذاب فلا تصدقوه. فقلت: من هذا ؟ فقالوا: هذا غلام من بني هاشم يزعم انه رسول الله. قال: فقلت: من ذا الذي يفعل به هذا ؟ قالوا: عمه عبد العزى. قال: فلما أسلم الناس وهاجروا خرجنا من الربذة نريد المدينة نمتار من تمرها. فلما دنونا من حيطانها ونخلها قلنا لو نزلنا فلبسنا ثيابا غير هذه، فإذا رجل في طمرين له فسلم وقال: من أين أقبل القوم ؟ قلنا من الربذة. قال: وأين تريدون ؟ قلنا: نريد المدينة. قال: ما حاجتكم فيها ؟ قلنا: نمتار من تمرها. قال: معنا ظعينة لنا ومعنا جمل أحمر مخطو م، فقال: أتبيعوني جملكم هذا ؟ قالوا: نعم بكذا وكذا صاعا من تمر. قال: فما استوفينا مما قلنا شيئا حتى أخذ بخطام الجمل وانطلق به، فلما توارى عنا بحيطان المدينة ونخلها قلنا ما صنعنا والله ما بعنا جملنا ممن نعرف ولا أخذنا له ثمنا. فقالت المرأة التي معنا: لا تلاوموا فلقد رأيت وجه رجل لا يغدر بكم، والله لقد رأيت رجلا كأن وجهه شقة القمر ليلة البدر، أنا ضامنة لثمن جملكم، إذ أقبل رجل فقال: أنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليكم، هذا تمركم فكلوا واشبعوا واكتالوا واستوفوا، فأكلنا حتى شبعنا واكتلنا واستوفينا، ثم دخلنا المدينة، فلما دخلنا المسجد فإذا هو قائم على المنبر يخطب الناس فأدركنا من خطبته وهو يقول: (تصدقوا فان الصدقة خير لكم، اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك وأدناك أدناك). فأقبل رجل في نفر من بني يربوع، أو قام رجل من الانصار فقال: يا رسول الله ان لنا في هؤلاء دما في الجاهلية فقال: (لا تجني أم على ولد) ثلاث مرات (1). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: ذو المجاز، والربذة، والظعينة: تقدم الكلام عليها. بنو يربوع: (بمثناة تحتية مفتوحة فراء ساكنة فموحدة فواو فعين مهملة).


(1) ذكره الهيثمي في المجمع 6 / 25، وعزاه الطبراني وقال فيه أبو حباب الكلبي وهو مدلس وقد وثقه ابن حبان وبقية رجاله رجال الصحيح. (*)

[ 358 ]

الباب الحادي والستون في وفود طيئ مع زيد الخيل إليه صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد عن أبي عمير الطائي، وكان يتيم الزهري، وعن عبادة الطائي عن أشياخهم قالوا: قدم وفد وطيئ على رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسة عشر رجلا، رأسهم وسيدهم زيد الخير، وهو زيد الخيل بن مهلهل من بني نبهان، وفيهم وزر بن جابر بن سدوس، وقبيصة بن الاسود بن عامر من جرم طيئ، ومالك بن عبد الله بن خيبري من بني معن، وقعين بن خليف من جديلة، ورجل من بني بولان فدخلوا المدنية ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فعقلوا رواحلهم بفناء المسجد ثم دخلوا فدنوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض عليهم الاسلام فأسلموا وحسن اسلامهم وأجازهم بخمس أواق فضة كل رجل منهم وأعطي زيد الخيل اثنتي عشرة أوقية ونشا، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ذكر رجل من العرب الا رأيته دون ما ذكر لي الا ما كان من زيد الخيل فانه لم يبلغ كل ما فيه). وسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير، وقطع له فيد وأرضين وكتب له بذلك كتابا ورجع مع قومه، وفي لفظ: فخرج به من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا الى قومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان ينج زيد من حمى المدينة فانه)، قال بعض الشراح ان ان ينج محذوف والتقدير فانه لا يعاب. قال في زاد المعاد، وفي العيون، لما أحس بالموت أنشد يقول: أمرتحل قومي المشارق غدوة وأترك في بيت بفردة منجد ألا رب يوم لو مرضت لعادني عوائد من لم يبر منهن بجهد فلما انتهى من بلد نجد الى ماء من مياهه يقال له فردة - وفي لفظ فرد - أصابته الحمى بها فمات هناك وعمدت امرأته بجهلها وقلة عقلها الى ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب له به فحرقته بالنار. وذكر ابن دريد عن أبي محسن أن زيدا أقام بفردة ثلاثة أيام ومات، فأقام عليه قبيصة بن الاسود المناحة سنة، ثم وجه براحلته ورحله وفيها كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأت امرأته الراحلة ليس عليها زيد ضرمتها بالنار فاحترقت واحترق الكتاب. وروى الشيخان عن أبي سعيد (الخدري) رضي الله تعالى عنه أن عليا كرم الله وجهه (بعث الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهيبة في أديم مقروظ لم تحصل من ترابها فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر: بين عيينة بن بدر، وأقرع بن حابس وزيد الخيل وعلقمة بن غيلان) (1).


(1) أخرجه البخاري 5 / 326 (4351)، ومسلم 2 / 742 (144 / 1064). (*)

[ 359 ]

وروى شاهين وابن عدي، وقال منكر، وابن عساكر واللفظ لهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل راكب فأنا خ فقال: يا رسول الله اني أتيتك من مسيرة تسع أنضيت راحلتي وأسهرت ليلي وأظمأت نهاري لاسألك عن خصلتين أسهرتاني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما اسمك ؟) فقال: أنا زيد الخيل. قال: (بل أنت زيد الخير، فسل، فرب معضلة قد سئل عنها). فقال: أسألك عن علامة الله فيمن يريد وعن علامته فيمن لا يريد. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (كيف أصبحت ؟) فقال: أصبحت أحب الخير وأهله ومن يعمل به وان عملت به أيقنت بثوابه، وان فاتني منه شئ حننت إليه. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (هذه علامة الله فيمن يريد، وعلامته فيمن لا يريد، ولو أرادك بالاهدى هيأ لك لها ثم لا تبالي من أي واد هلكت) وفي لفظ (سلكت) (1). وروى أبو نعيم في الحلية عنه أن رجلا قال: يا رسول الله أسألك عن علامة الله فيمن يريد، وعلامته فيمن لا يريد (2). وروى ابن سعد عن أشياخ من طيئ قالوا: قدم عمرو بن المسبح بن كعب بن طريف بن عصر الطائي على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ بن مائة وخمسين سنة فسأله عن الصيد فقال له: (كل ما أصميت ودع ما أنميت) (3)، وكان من أرمى العرب. تنبيهان الاول: ذكر ابن اسحاق، ومحمد بن عمر، وابن سعد ان زيدا توفي في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق، وحكى أبو عمر انه مات في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه، وأنشد له وثيمة بن موسى في الردة قال: وبعث بها الى ابي بكر رضي الله تعالى عنه. قال الحافظ: وهذا ان ثبت يدل على أنه تأخرت وفاته حتى مات النبي صلى الله عليه وسلم. الثاني: في بيان غريب ما سبق: زيد الخيل: قيل له زيد الخيل لخمسة أفراس كانت لديه. سدوس: بسين مفتوحة فدال مضمومة فواو فسين مهملات. قبيصة: بقاف مفتوحة فموحدة فمثناة تحتية فصاد مهملة. بنو معن: بميم مفتوحة فعين مهملة فنون.


(1) أخرجه أبو نعيم في الحلية 4 / 109، وذكره الهيثمي في المجمع 7 / 197، وعزاه للطبراني وقال: وفيه عون بن عمارة وهو ضعيف، وذكره المتقي الهندي في الكنز (30809)، وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق 6 / 37. (2) أخرجه أبو نعيم في الحلية 1 / 376. (3) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 2 / 60، والطبراني في الكبير 12 / 27، وذكره الهيثمي في المجمع 4 / 162. (*)

[ 360 ]

لم يبلغ: بضم التحتية وسكون الموحدة وفتح اللام فغين معجمة. فيد: بفتح الفاء واسكان التحتية وبالدال المهملة: اسم مكان. أرضين: بفتح الراء وتسكن في لغة. ان ينج: بضم التحتية وسكون النون وفتح الجيم، مبني للمفعول. أم ملدم: بكسر الميم وفتحها وسكون اللام وفتح الدال المهملة وأعجمها بعضهم: الاسم الذي للحمى وتفسير الراوي أم كلبة كما نقل عن كتاب معارك الفرسان لابي عبيد ة وقيل سباط بسين مهملة فموحدة فألف فطاء مهملة. ذكره أبو عبيد البكري في اعجامه، وهو من اللدم وهو شدة الضرب. ويحتمل ان تكون أم كلبة مغيرة عن كلبة بضم الكاف (أي) شدة الرعدة وكلب البرد: شديده، وأم كلبة بالهاء: هي الحمى، وأما أم كلب: فشجير ة لها أرز حسن، وهي إذا حركت انثنى شوكها. عمدت: بفتح الميم في الماضي وكسرها في المستقبل، ويجوز العكس. أصميت: بهمزة مفتوحة فصاد ساكنة مهملة فميم مفتوحة فياء ساكنة فتاء: قتلت مكانه فزهقت روحه بسرعة. مكنف: بضم الميم وسكون الكاف وكسر النون وبالفاء. الفردة: بفتح الفاء وسكون الراء وبالدال المهلمة وتاء تأنيث. المناحة: (النواح أو موضع النوح). ضرمتها: بضاد معجمة مفتوحة فراء مشددة مفتوحة فميم ففوقية فهاء أي أوقدتها من أضرم النار إذا أوقدها.

[ 361 ]

الباب الثاني والستون في وفود بني عامر بن صعصعة إليه صلى الله عليه وسلم وقصة عامر بن الطفيل وأربد بن قيس روى ابن المنذر، وابن حاتم، وأبو نعيم، وابن مردويه، والبيهقي عن موله بن (كثيف) ابن حمل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، والحاكم عن سلمة بن الاكوع رضي الله تعالى عنه، وأبو نعيم عن عروة، والبيهقي عن ابن اسحاق. قال ابن اسحاق: قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد بني عامر، فيهم عامر بن الطفيل، وأربد ابن قيس، وجبار بن سلمى، وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم (فقدم عامر بن الطفيل عدو الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد الغدر به) - قلت وجبار بن سلمى هذا هو قاتل عامر بن فهيرة ببئر معونة وأسلم مع من أسلم من بني عامر والله أعلم - وقد قال لعامر بن الطفيل قومه: يا عامر ان الناس قد أسلموا فاسلم. قال: والله لقد كنت آليت ألا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي، أفأتبع عقب هذا الفتى من قريش ؟ ثم قال الاربد: إذا قدمنا على الرجل فسأ شغل عنك وجهه، فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف. وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فان الناس إذا قتلت محمدا لم تزد على أن تلتزم بالدية وتكره الحرب فسنعطيهم الدية، قال أربد: افعل. فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس: وانتهى إليه عامر وأربد، فجلسا بين يديه. قال ابن اسحاق: قال عامر بن الطفيل: يا محمد خالني. قال: (لا والله حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له) قال: يا محمد خالني، وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمره به. لعل أربد لا يحير شيئا. وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ان يد أربد يبست على السيف فلم يستطع سله. قال ابن اسحاق: فلما رأى عامر أربد ما يصنع شيئا قال: يا محمد خالني. قال: (لا وا لله حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له). وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فقال عامر: ما تجعل لي يا محمد ان أسلمت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لك ما للمسلمين وعليك ما عليهم). قال عامر: أتجعل لي الامر بعدك ان أسلمت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس ذلك لك ولا لقومك ولكن لك أعنة الخيل). قال: أنا الان في أعنة خيل نجد، أتجعل لي الوبر ولك المدر ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا). فلما قاما عنه قال عامر: أما والله لاملأ نها عليك خيلا ورجالا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يمنعك الله عز وجل) (1).


(1) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة 5 / 319، وذكره ابن كثير في البداية 5 / 57، والهيثمي في المجمع 7 / 44، وعزاه للطبراني في الاوسط والكبير بنحوه. (*)

[ 362 ]

وفي حديث موله بن (كثيف) بن حمل: والله يا محمد لاملأنها عليك خيلا جردا ورجالا مردا ولأربطن بكل نخلة فرسا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اكفني عامرا) (1). زاد موله: (واهد قومه). قال ابن اسحاق: فلما خرجوا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر لاربد: ويلك يا أربد: أين ما كنت أمرتك به ؟ والله ما كان على ظهر الارض رجل هو أخوف عندي على نفسي منك وايم الله لا أخافك بعد اليوم أبدا. قال: لا أبا لك لا تعجل علي، والله ما هممت بالذي أمرتني به من أمره الا دخلت بيني وبين الرجل حتى ما أرى غيرك، أفأضربك بالسيف ؟. وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فلما أربد وعامر من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بجرة وأقم نزلا فخرج اليهما سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير فقالا: أشخصا يا عدو الله عز وجل لعنكما الله. فقال عامر: من هذا يا أربد ؟ قال: هذا أسيد بن الحضير، فخرجا. وروى البيهقي عن اسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة رحمه الله، قال: مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم على عامر بن الطفيل ثلاثين صباحا: (اللهم اكفني عا مر بن الطفيل بما شئت وابعث عليه داء يقتله). حتى إذا كان بالرقم بعث الله تعالى على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول. فجعل يمس فرحته في حلقه ويقول يا بني عامر أغدة كغدة البكر في بيت امرأة من بني سلول (2) ؟. زاد ابن عباس: يرغب أن يموت في بيتها. ثم ركب فرسه فأحضرها وأخذ رمحه وأقبل يجول، فلم تزل تلك حاله حتى سقط فرسه ميتا. قال ابن اسحاق: ثم خرج أصحابه حين واروه حتى قدموا أرض بني عامر شانين. فما قدموا أتاهم قومهم فقالوا: ما وراءك يا أر بد ؟ قال: لا شئ والله لقد دعانا الى عبادة شئ لوددت انه عندي الان فأرميه بالنبل حتى أقتله. فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يتبعه، فأرسل الله عز وجل عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما. وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: حتى إذا كان بالرقم أرسل الله تعالى عليه صاعقة فقتلته. قال ابن عباس وابن اسحاق: وأنزل الله عز وجل في عامر وأربد: (الله يعلم ما تحمل كل انثى) (الرعد 8) من ذكر وأنثى وواحد ومتعدد (وما تغيض الارحام وما تزداد) أي ما


(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 5 / 321، والطبراني في الكبير 6 / 155، وذكره الهيثمي في المجمع 6 / 126، وابن كثير في البداية 5 / 57. (2) أخرجه البيهقي في الدلائل 5 / 319. (*)

[ 363 ]

تنقص الارحام من عدة الحمل وما تزداد منه. (وكل شئ عنده بمقدار) أي بمقدار وا حد لا يتجاوزه. (عالم الغيب والشهادة) ما غاب وما شهد (الكبير) العظيم (المتعال) على خلقه بالقهر - بياء ودونها - (سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار) أي مستتر بظلمة الليل وسارب أي ظاهر بذهابه في سربه أي طريقه بالنهار. (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) له أي للانسان، معقبات ملائكة تعتقبه بين يديه: قدامه، ومن خلفه: ورائه، يحفظونه من أمر الله أي بأمر ه من الجن وغيره. (ان الله لا يغير ما بقوم) لا يسلبهم نعمته (حتى يغيروا ما بأنفسهم) من الحالة الجميلة بالمعصية. (وإذا أراد الله بقوم سوءا) عذابا (فلا مرد له) من المعقبا ت وغيرها. (وما لهم) أي ان اراد الله بهم سوءا (من دونه) أي غير الله (من) زائدة (وا ل) يمنعه عنهم. (هو الذي يريكم البرق خوفا) للمسافر من الصواعق (وطمعا) للمقيم في المطر (وينشئ السحاب الثقال) أي يخلق السحاب الثقال بالمطر. (ويسبح الرعد بحمده) الرعد هو ملك موكل بالسحاب يسوقه يقول سبحان الله وبحمده يسبح (والملائكة من خيفته) أي من خشية الله تعالى. (ويرسل الصواعق) وهي نار تخرج من السحاب (فيصيب بها من يشاء) فيحرقه، نزل في رجل بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من يدعوه فقال: من رسول الله ؟ ومن الله ؟ أمن ذهب هو أم من فضة أو نحاس ؟ فنزلت به صاعقة فذهبت بقحف رأسه. (وهم يجادلون في الله) وهم أي الكفار، يجادلون أي يخاصمون النبي صلى الله عليه وسلم في الله (وهو شديد المحال) أي القوة والاخذ. تنبيهات الاول: قد اختلف في سبب نزول قوله تعالى: (له معقبات) وقوله: (ويرسل الصواعق) وغير ذلك مما محله كتب التفسير. الثاني: قال في البداية: والظاهر أن قصة عامر بن الطفيل متقدمة على الفتح وان كان ابن اسحاق والبيهقي قد ذكراها بعد الفتح. الثالث: من العجائب والغرائب ذكر الحافظ المستغفري أن عامر بن الطفيل هذا في الصحابة وغلطوه في ذلك، والموقع له فيه ما رواه من طريق القاسم عن أبي أمامة عن عامر بن الطفيل أنه قال: يا رسول الله زودني كلمات (أعيش بهن) قال: (يا عامر أفش السلام وأطعم الطعام واستحي من الله كما تستحي رجلا من أهلك، وإذا أسأت فأحسن فان الحسنات يذهبن السيئات) فعامر هذا أسلمي لا عامري. فقد روى البغوي عن عبد الله بن بريدة الاسلمي قال: حدثني عمي عامر بن الطفيل فذكر حديثا فعرف أن الصحابي أسلمي وافق اسمه واسم أبيه

[ 364 ]

العامري فكان ذلك سبب وهم المستغفري فساق في نسب الصحابي نسب عامر بن الطفيل العامري. وعن أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالابطح وهو قبة له حمراء فقال: (من أنتم) قلنا: بنو عامر فقال: (مرحبا أنتم مني)، وفي رواية: (مرحبا بكم)، وفي رواية: (فأنا منكم). رواه الطبراني أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير الحجاج بن أرطأة فهو مدلس (1). الرابع: في بيان غريب ما سبق: أربد: بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الموحدة وبالدال المهملة: مات كافرا كما سيأتي. جبار بن سلمى: جبار بفتح الجيم وتشديد الموحدة وبالراء، سلمى بضم السين وسكون اللام. وقال في الاملاء يروى هنا بفتح السين وضمها والصواب بفتح السين قال كذا في النور، والذي أعرفه الضم. أسلم: بفتح أوله وسكون الميم: فعل أمر. آليت: بمد الهمزة أقسمت وحلفت. خالني: بخاء معجمة وبعد الالف لام مشددة مكسورة من المخاللة وهي المصادقة أي اتخذني خليلا وصاحبا. وروي بتخفيف اللام أي تفرد لي خاليا حتى اتخذك معي. لا يحير: بفتح التحتية وبحاء مهملة أي لا يصنع شيئا مما وعد به. في بيت مرأة من بني سلول بن صعصعة: وكان عامر بن الطفيل من بني عامر بن صعصعة فلذلك اختصها لقرب النسب بينهما حتى مات في بيتها. قاله السهيلي. وفي الاملاء ما سبق عامر على موته لان بني سلول موصوفون عندهم باللؤم وليس ذلك في اصولهم. أغدة: بالنصب، أي أغد غدة. وددت: بكسر الدال المهملة.


(1) ذكره الهيثمي في المجمع 10 / 54، وعزاه للطبراني في الكبير والاوسط وأبو يعلى وقال: فيه الحجاج بن أرطأة وهو مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح. (*)

[ 365 ]

الباب الثالث والستون في وفود عبد الرحمن بن أبي عقيل إليه صلى الله عليه وسلم روى البخاري رحمه الله تعالى في التاريخ، والحارث بن أبي أسامة، وابن منده، والطبراني، والبزار، والبيهقي، برجال ثقات عن عبد الرحمن بن أبي عقيل الثقفي رضي الله تعالى عنه قال: انطلقت في وفد ثقيف الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيناه فأنخنا بالباب وما في الناس رجل أبغض الينا من رجل نلج عليه فلما خرجنا بعد دخولنا عليه فخرجنا وما في الناس أحب الينا من رجل دخلنا عليه قال: فقال قائل منا: يا رسول الله ألا سألت ربك ملكا كملك سليمان ؟ قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (فلعل لصاحبكم عند الله أفضل من ملك سليمان عليه السلام، ان الله عز وجل لم يبعث نبيا الا أعطاه دعوة فمنهم من اتخذ بها دنيا فأعطيها، منهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فأهلكوا بها، وان الله عز وجل أعطاني دعوة فاختبأتها عند ربي شفاعة لامتي يوم القيامة) (1). الباب الرابع والستون في وفود بني عبد بن عدي إليه صلى الله عليه وسلم روى المدائني، وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وغيره قال: قدم وفد بني عبد بن عدي فيهم الحارث بن وهبان وعويمر بن الاخرم، وحبيب وربيعة ابنا ملة ومعهم رهط من قومهم. فقالوا: يا محمد نحن أهل الحرم وساكنيه وأعز من به، ونحن لا نريد قتالك، ولو قاتلك غير قريش قاتلنا معك، ولكنا لا نقاتل قريشا، وانا لنحبك ومن أنت منه، وقد أ تيناك فان أصبت منا أحدا خطأ فعليك ديته، وان أصبنا أحدا من أصحابك فعلينا ديته الا رجلا منا قد هرب فان أصبته أو أصابه أحد من اصحابك فليس علينا ولا عليك. فقال عويمر بن الاخرم: دعو ني آخذ عليه. قالوا: لا، محمد لا يغدر ولا يريد أن يغدر به. فقال حبيب وربيعة: يا رسول الله ان أسيد بن أبي أناس هو الذي هرب وتبرأنا اليك منه وقد نال منك. فأباح رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه، وبلغ أسيد أقوالهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتى الطائف فأقام به. فلما كان عام الفتح كان أسيد بن أبي أناس فيمن أهدر دمه. فخرج سارية بن زنيم الى الطائف فقال له أسيد: ما ورا ء ك ؟ قال:


(1) ذكره الهيثمي في المجمع 10 / 374، وعزاه للطبراني والبزار وقال: ورجالهما ثقات. (*)

[ 366 ]

أظهر الله تعالى نبيه ونصره على عدوه فاخرج يابن أخي إليه فانه لا يقتل من أتاه. فحمل اسيد امرأته وخرج وهي حامل تنتظر، وألقت غلاما عند قرن الثعالب وأتى أسيد أهله فلبس قميصا واعتم ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسارية قائم بالسيف عند رأسه يحرسه. فأقبل أسيد حتى جلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا محمد أهدرت دم أسيد ؟ قال: (نعم) قال: أتقبل منه ان جاء مؤمنا ؟ قال: (نعم). فوضع يده في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هذه يدي في يدك أشهد أنك رسول الله وألا اله الا الله. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ر جلا يصرخ أن أسيد بن أبي أناس قد آمن وأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح وجهه وألقى يده على صدره. ويقال ان أسيد كان يدخل البيت المظلم فيضئ. وقال أسيد بن أبي أناس: أأنت الذي تهدي معدا لدينها بل الله يهديها وقال لك أشهد فما حملت من ناقة فوق كورها أبر وأوفى ذمة من محمد وأكسى لبرد الحال قبل ابتذاله وأعطى لرأس السابق المتجرد تعلم رسول الله انك قادر على كل حي متهمين ومنجد تعلم بان الركب ركب عويمر هم الكاذبون المخلفو كل موعد أنبوا رسول الله أن قد هجوته فلا رفعت سوطي الي اذن يدي سوى أنني قد قلت ويل أم فتية أصيبوا بنحس لا يطاق وأسعد أصابهم من لم يكن لدمائهم كفيئا فعزت حسرتي وتنكدي ذؤيب وكلثوم وسلمى تتابعوا جميعا فان لا تدمع العين تكمد فلما أنشده: أأنت الذي يهدي معدا لدينها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بل الله يهديها). فقال الشاعر: (بل الله يهديها وقال لك اشهد.

[ 367 ]

الباب الخامس والستون في وفود عبد القيس إليه صلى الله عليه وسلم واخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بطلوعهم قبل قدومهم. روى أبو يعلى، والطبراني بسند جيد، والبيهقي عن مزيدة بن مالك العصري، وأبو يعلى عن الاشج العبدي رضي الله تعالى عنهما (1)، قال الاول: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه إذ قال لهم: (سيطلع عليكم من هاهنا ركب هم خير أهل المشرق). فقام عمر رضي الله تعالى عنه فتوجه نحوهم، فلقي ثلاثة عشر راكبا فقال: (من القوم ؟) فقا لوا: من بني عبد القيس. قال: (فما أقدمكم التجارة ؟) قالوا: لا. قال: أما أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكركم آنفا فقال خيرا. ثم مشوا معه حتى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم. فقال عمر للقوم: هذا صاحبكم الذي تريدون، فرمى القوم بأنفسهم عن ركائبهم فمنهم من مشى ومنهم من هرول ومنهم من سعى حتى أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فابتدره القوم ولم يلبسوا الا ثياب سفرهم، فأخذوا بيده فقبلوها، وتخلف الاشج وهو أصغر القوم في الركاب حتى أناخها، وجمع متاع القوم وذلك بعين رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي حديث الزارعي بن عامر العبدي عند البيهقي: فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد رسول الله ورجله، وانتظر المنذر الاشج حتى أتى عيبته فلبس ثوبيه. وفي حديث عند الامام احمد رضي الله تعالى عنه: فأخرج ثوبين أبيضين من ثيابه فلبسهما ثم جاء يمشي حتى أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلها، وكان رجلا دميما، فلما نظر صلى الله عليه وسلم الى دمامته قال: يا رسول الله انه لا يستقى في مسوك الرجال انما يحتاج من الرجل الى أصغريه لسانه وقلبه. فقال له رسو ل الله صلى الله عليه وسلم: (ان فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والاناة). قا ل: يا رسول الله انا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما ؟ قال: (بل الله تعالى جبلك عليهما). قال: الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما الله تعالى ورسوله. قال: (يا معشر عبد القيس مالي أرى وجوهكم قد تغيرت ؟) قالوا: يا نبي الله نحن بأرض وخمة وكنا نتخذ من هذه الانبذة ما يقطع من بطونها، فلما نهيتنا عن الظروف فذلك الذي ترى في وجوهنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان الظروف لا تحل ولا تحرم ولكن كل مسكر حر ام وليس أن تجلسوا فتشربوا حتى إذا ثملت العروق تفاخرتم فوثب الرجل على ابن عمه بالسيف فتركه أعرج). قال: وهو يومئذ في القوم الاعرج الذي أصابه ذلك. وأقبل القوم على تمرا ت لهم


(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 5 / 327، وانظر البداية والنهاية 5 / 47. (*)

[ 368 ]

يأكلونها، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي لهم هذا كذا وهذا كذا، قالوا: أجل يا رسول الله ما نحن بأعلم بأسمائها منك. وقالوا لرجل منهم: أطعمنا من بقية الذي بقي في نوطك فقام وجاءه بالبرني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا البرني أمسى من خير ثمراتكم). وروى ابن سعد (1 ! عن عروة بن الزبير رحمه الله تعالى قال: وحدثني عبد الحميد بن جعفر عن أبيه، قالا: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى أهل البحرين أن يقدم عليه عشرون رجلا منهم، فقدم عليه عشرون رجلا رأسهم عبد الله بن عوف الاشج، وفيهم الجارود، ومنقذ بن حيا ن، وهو ابن أخت الاشج، وكان قدومهم عام الفتح، فقيل: يا رسول الله هؤلاء وفد عبد ا لقيس، قال: (مرحبا بهم نعم القوم عبد القيس). قال: ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الافق صبيحة ليلة قدموا وقال: (ليأتين ركب من المشرق لم يكرهوا على الاسلام قد أنضوا الركاب وأفنوا الزاد بصاحبهم علامة، اللهم اغفر لعبد القيس، أتوني لا يسألوني مالا، هم خير أهل المشر ق). قال: فجاءوا عشرين رجلا ورأسهم عبد الله بن عوف الاشج، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فسلموا عليه، وسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيكم عبد الله الاشج ؟) فقال: أنا يا رسول الله، وكان رجلا دميما، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (انه لا يستقى في مسوك الرجال، انما يحتاج من الرجال الى أصغريه لسانه وقبله). وذكر نحو ما سبق. وروى الامام احمد عن الزارع بن عامر انه قال: يا رسول الله ان معي رجلا خالا لي، مصابا فادع الله تعالى له. فقال: (أين هو ؟ ائتني به). قال: فصنعت مثل ما صنع الاشج، ألبسته ثوبيه وأتيته به، فأخذ طائفة من ردائه فرفعها حتى بان بياض ا بطه، ثم ضرب ظهره وقال: (اخرج عدو الله). فأقبل ينظر نظر الصحيح ليس بنظره الاول، ثم أقعده بين يديه فدعا له وشج وجهه، فلم يكن في الوفد أحد بعد دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم يفضل عليه. وروى الشيخان (2) عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (من القوم ؟) قالوا: من ربيعة. قال: (مرحبا بالقوم غير خزايا ولا ندامى). فقالوا: يا رسول الله انا نأتيك من شقة بعيدة وانه يحول بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر وانا لا نصل اليك الا في شهر حرام، وفي رواية: لا نستطيع أن نأتيك الا في الاشهر ا لحرم فمرنا بأمر فصل ان عملنا به دخلنا الجنة. قال: (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع) قال: أمرهم بالايمان بالله وحده وقال: (هل تدرون ما الايمان بالله ؟). (قالوا: الله ورسو له أعلم. قال:) (شهادة ألا اله الا الله وأن محمدا رسول الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 2 / 54. (2) أخرجه البخاري (7266)، ومسلم 1 / 47 (24 - 17). (*)

[ 369 ]

الخمس من المغنم، وأنهاكم عن أربع: عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير - وربما قال المقير - فاحفظوهن وادعوا اليهن من وراءكم). قالوا: يا نبي الله ما علمك بالنقير ؟ قال: (بلى جذع تنقرونه فتقذفون فيه من القطيعاء) - أو قال: (من التمر - ثم تصبون فيه من الماء حتى إذا سكن غليانه شربتموه حتى أن أحدكم ليضرب ابن عمه بالسيف). قال: وفي القوم رجل أصابته جراحة كذلك. قال: وكنت أخبأها حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: ففيم نشرب يا رسول الله ؟ قال: (في أسقية الادم التي يلاث على أفواهها). فقالوا: يا رسول الله ان أرضنا كثيرة الجرذان ولا تبقى بها أسقية الادم (فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم): (وان أكلتها الجرذان)، مرتين أو ثلاثا. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسم لاشج عبد القيس: (ان فيك لخصلتين يحبهما ا لله ورسوله الحلم والاناة). وروى الامام احمد (1) عن شهاب بن عباد انه سمع بعض وفد عبد القيس يقول: قال الاشج: يا رسول الله ان أرضنا ثقيلة وخمة وانا إذا لم نشرب هذه الاشربة هيجت ألو اننا وعظمت بطوننا فرخص لنا في هذه وأومأ بكفيه. فقال: (يا أشج اني ان رخصت لك في مثل هذه) - وقال بكفيه هكذا - (شربته في مثل هذه) - وفرج يديه وبسطهما يعني أعظم منها - (حتى إذا ثمل أحدكم من شرابه قام الى ابن عمه فهزر ساقه بالسيف). وكان في القوم رجل يقال له الحارث قد هزرت ساقه في شراب لهم في بيت من الشعر تمثل به في امرأة منهم، فقال الحارث: لما سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلت أسدل ثوبي فأغطي الضربة بساقي وقد أبداها الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم. وروى الحاكم عن أنس رضي الله تعالى عنه أن وفد عبد القيس من أهل هجر قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينما هم عنده إذ أقبل عليهم فقال: (لكم تمرة تدعونها كذا، وتمرة تدعونها كذا). حتى عد ألوان تمرهم أجمع. فقال له رجل من القوم: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لو كنت ولدت في هجر ما كنت بأعلم منك الساعة، أشهد أنك رسول الله فقال: (ان أرضكم رفعت لي منذ قعدتم الي فنظرت من أدناها الى أقصاها، فخير تمركم البرني الذي يذهب بالداء ولا داء معه) (2). وروى البخاري (3) رحمه الله تعالى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (ان أول


(1) أخرجه احمد في المسند 4 / 207، وذكره المتقي الهندي في الكنز (13252). (2) أخرجه الحاكم 4 / 204، وذكره المتقي في الكنز (35315). (3) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة (892). (*)

[ 370 ]

جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بجواثي من البحرين). وروي أيضا عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر الركعتين بعد الظهر بسبب اشتغاله بوفد عبد القيس حتى صلاهما بعد الظهر في بيتها. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير أهل المشرق عبد القيس)، رواه البزار، والطبراني برجال ثقات غير وهب بن يحيى. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خير أهل المشرق عبد القيس)، رواه الطبراني برجال ثقات. وعن نوح بن مخلد رضي الله تعالى عنه أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة فسأله: (ممن أنت ؟) فقال: أنا من بني ضبيعة بن ربيعة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير ربيعة عبد القيس ثم الحي الذي أنت منهم). رواه الطبراني وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أنا حجيج من ظلم عبد القيس)، رواه الطبر اني (1). تنبيهات الاول: قال في البداية في سياق حديث ابن عباس ما يدل على أن قدوم وفد عبد القيس كان قبل فتح مكة لقولهم: وبيننا وبينك هذا الحي من مضر ولا نصل اليك الا في شهر حرام. قال الحافظ: هذا الحديث دليل على تقدم اسلام عبد القيس على قبائل مضر الذين كانوا بينه وبين المدينة، وكانت مساكن عبد القيس بالبحرين وما والاها من أطراف العراق، ولهذا قالوا كما في رواية شعبة عن أبي جمرة في العلم: وانا نأتيك من شقة بعيدة. ودل على سبقهم في الاسلام أيضا ما رواه العقدي في الجمعة من طريق ابي جمرة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (أن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد عبد القيس بجواثي من البحرين) - وجواثي بضم الجيم فواو وبعد الالف مثلثة مفتوحة - وانما جمعوا بعد رجوع وفدهم إليهم، فدل على أنهم سبقوا جميع القرى الى الاسلام. الثاني: قال النووي رحمه الله تعالى في شرح صحيح مسلم: (ان وفد عبد القيس كانوا أربعة عشر راكبا: الاشج العصري رئيسهم، واسمه المنذر بن عائذ، بالذال المعجمة، وقيل: عائذ بن المنذر، وقيل: ابن عبيد. والعصري بفتح العين والصاد المهملتين وبالراء. ومنقذ ابن حبان. ومزيدة بن مالك المحاربي. وعبيدة بن همام المحاربي. وصحار بن عباس المري - صحار بصاد وحاء مهملتين - وعمرو بن مرجوم العصري. والحارث بن شعيب العصري. والحارث بن جندب من بني عائش. ولم نعثر بعد طول التتبع على أكثر من أسماء هؤلاء).


(1) ذكره الهيثمي في المجمع 10 / 52، وعزاه للطبراني في الكبير والاوسط وقال: وفيه من لم أعرفهم. (*)

[ 371 ]

وقال الحافظ: (ومنهم عقبة بن جورة، وجويرية العبدي، الجهم بن قثم، ورسيم العبدي). وما ذكره من الوفد كانوا أربعة عشر راكبا، لم يذكر دليلهم. وفي المعرفة لابن مندة من طريق هود (بن عبد الله) العصري - بعين وصاد مهملتين مفتوحتين نسبة الى عصر بطن من عبد القيس - عن جده لامه مزيدة قال: فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث أصحابه إذ قال لهم: (سيطلع لكم من هذا الوجه ركب هم خير أهل المشرق). فقام عمر رضي الله تعالى عنه فلقي ثلاثة عشر راكبا فرحب وقرب وقال: من القوم ؟ قالوا: وفد عبد القيس. فيمكن أن يكون أحد المذكورين كان غير راكب أو مردوفا. وأما ما رواه الدلابي وغيره من طريق ابي خيرة - بفتح الخاء المعجمة وسكون المثناة التحتية وبعد الراء هاء - الصباحي - وهو بضم الصاد المهملة بعدها موحدة خفيفة وبعد الالف حاء مهملة - قال: (كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم - من وفد عبد القيس - وكنا أربعين راكبا). فيمكن الجمع بينه وبين الرواية الاخرى، وبأن الثلاثة عشر كانوا رؤوس الوفد فلهذا كانوا ركبانا وكان الباقون أتباعا، ومنهم أخو الزارع، واسمه مطر، وابن اخته لم يسم، وجابر بن الحارث، وخزيمة بن عبد عمرو، وجارية بن جابر، وهمام بن ربيعة، ونوح بن مخلد جد أبي جمرة. وانما أطلت في هذا الفصل لقول صاحب المحرر انه لم يظفر بعد طول التتبع على غير ما ذكره، وما ذكره ابن سعد من أنهم عشرون مجمع عليه وليس ثلاثة عشر، فان البقية أتباع. الثالث: قولهم: الا في شهر حرام، وفي لفظ: الشهر الحرام، والمراد به شهر رجب وكانت مضر تبالغ في تعظيمه ولذا أضيف إليهم في حديث ابي بكرة حيث قال: رجب مضر. والظاهر انهم كانوا يخصونه بمزيد التعظيم مع تحريمهم القتال في الاشهر الثلاثة الاخر، ولذا ورد في بعض الروايات: الاشهر الحرم، وفي بعضها: الا في كل شهر حرام. الرابع: قال الحافظ: كيف قال آمركم بأربع ؟ والمذكورة خمس. وقد أجاب عنه القاضي عياض تبعا لابن بطال: كان الاربع ما عدا أداء الخمس. قال: وكأنه أراد ا علامهم بقواعد الايمان وفروض الاعيان، ثم أعلمهم بما يلزمهم اخراجه إذا وقع لهم جهاد، لا نهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر، ولم يقصد الى ذكرها بعينها لانها مسببة عن الجهاد، ولكن ا لجهاد إذ ذاك كان فرض عين. قال: وكذلك لم يذكر الحج لانه لم يكن فرض. ثم قال بعد أن ذكر غير ذلك، وما ذكره القاضي عياض رحمه الله تعالى المعتمد، والمراد شهادة ألا اله الا الله، أي مع وأن محمدا رسول الله، كما صرح به في رواية عباد بن عباد في المواقيت. الخامس: قال الحافظ: انما أخبرهم ببعض الاوامر لكونهم سألوه أن يخبرهم بما يدخلون بفعله الجنة، فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال، ولم يقصد اعلامهم بجميع

[ 372 ]

الاحكام التي تجب عليهم فعلا وتركا، ويدل على ذلك اقتصاره في المناهي على الانتبا ذ في الاوعية، مع أن في المناهي ما هو أشد في التحريم من الانتباذ لكن اقتصر منها عليها لكثرة تعاطيهم لهذا. السادس: قوله: (وأنهاكم عن أربع) جوابا عن الاشربة من اطلاق المحل وارادة الحا ل، أي ما في الحنتم ونحوه. قال الحافظ: وصرح بالمراد في رواية النسائي من طريق قرة فقال: (وأنهاكم عن أربع ما ينبذ في الختم). الحديث. السابع: سبب وفودهم أن منقذ بن حبان أحد بني غنم بن وديعة كان متجره الى يثرب في الجاهلية، فشخص الى يثرب بملاحف وتمر من هجر بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليها. فبينا منقذ قاعد إذ مر به النبي صلى الله عليه وسلم، فنهض منقذ إليه فقال النبي صلى ا لله عليه وسلم: (أمنقذ بن حبان كيف جميع هيأتك وقومك ؟) ثم سأله عن أشرافهم رجل رجل، يسميهم بأسمائهم. فأسلم منقذ وتعلم سورة الفاتحة واقرأ باسم ربك، ثم رحل قبل هجر. فكتب النبي صلى الله عليه وسلم معه الى جماعة عبد القيس كتابا، فذهب به وكتمه أياما، ثم اطلعت عليه امرأته وهي بنت المنذ ر بن عائذ - بالذال المعجمة - ابن الحارث، والمنذر هو الاشج سماه النبي به لاثر كان في وجهه. وكان منقذ رضي الله تعالى عنه يصلي ويقرأ، فأنكرت امرأته ذلك، وذكرته لابيها المنذر، فقالت: (أنكرت بعلي منذ قدم من يثرب، انه يغسل أطرافه ويستقبل الجهة تعني القبلة، فيحني ظهره مرة، ويضع جبينه مرة، ذلك ديدنه منذ قدم). فتلاقيا فتجاريا ذلك. فوقع الاسلام في قلبه. ثم سار الاشج الى قومه عصر ومحارب بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه عليهم فوقع الاسلام في قلوبهم وأجمعوا على المسير الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار الوفد فلما دنوا من المدينة قال النبي صلى الله عليه وسلم لجلسائه: (أتاكم وفد عبد القيس خير أهل المشرق (وفيهم الاشج العصري غير ناكثين ولا مبدلين ولا مرتابين إذ لم يسلم قوم حتى وتروا). الثامن: في بيان غريب ما سبق: الاشج: بهمزة فشين معجمة مفتوحتين فجيم. عبد القيس: بقاف مفتوحة فتحتية ساكنة فسين مهملة. ابن أفصى: بفتح الهمزة وبالفاء والصاد المهملة. ابن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار، وكانوا ينزلون البحرين: الخط والقطيف والسفار والظهران الى الر ملة ما بين هجر الى حد أطراف الدهناء.

[ 373 ]

الركاب: تقدم الكلام عليها غير مرة. هرول: بهاء مفتوحة فراء ساكنة فواو فلام مفتوحتين: أي أسرع اسراعا بين المشي والعدو. العيبة: تقدم الكلام عليها. يستقى: بضم المثناة التحتية وسكون السين المهملة فمثناة فوقية فقاف. المسوك: بميم مضمومة فسين مهملة فواو فكاف: جمع مسك وهو الجلد. الخلة: بخاء معجمة مضمومة فلام مفتوحة فتاء تأنيث: الصداقة. الحلم: بحاء مهملة مكسورة فلام ساكنة فميم: العقل. الاناة: بهمزة فنون مفتوحتين فألف فتاء تأنيث: التثبت وترك العجلة. جبلني: بجيم فموحدة فلام مفتوحات: خلقني. ثملت العروق: بمثلثة مفتوحة فميم مكسورة فلام فمثناة فوقية: أي امتلأت. النوط: بنون مضمومة فواو ساكنة فطاء مهملة: الجلة الصغيرة التي يكون فيها التمر. البرني: (بموحدة مفتوحة فراء ساكنة فنون مكسورة فمثناة تحتية: ضرب من التمور. أنضوا: (بهمزة مفتوحة فنون ساكنة فضاد معجمة فواو). الحي: اسم لمنزل القبيلة لان بعضهم يحيا ببعض ربيعة: فيه التعبير بالبعض عن الكل لانهم بعض ربيعة. مرحبا: منصوب بفعل مضمر أي صادفت رحبا بضم الراء أي سعة والرحب بالفتح الشئ الواسع، وأول من قالها سيف بن ذي يزن. غير خزايا: نصب على الحال، وخزايا بخاء معجمة وزاي جمع خزيان وهو الذي أصابه خزي، والمعنى أنهم أسلموا طوعا من غير حرب أو شئ يخزيهم ويفضحهم، ولا ندامى: أصله نادمين جمع نادم لان ندامى جمع ندمان خرج على الاتباع وحكى الفراء والجوهري وغيرهما من أهل اللغة أنه يقال نادم وندمان بمعنى فعلي هذا فهو على الاصل ولا اتباع فيه. الوازع: بواو فألف فزاي فعين مهملة. الشقة: بشين معجمة مضمومة فقاف مفتوحة مشددة فتاء تأنيث أي المسافة البعيدة، والسفر الطويل أيضا. الدباء: بضم الدال المهملة وتشديد الموحدة وبالمد: القرع.

[ 374 ]

الحنتم: بحاء مهملة مفتوحة فنون ساكنة ففوقية مفتوحة فميم: جرار خضر مطلية الواحدة حنتمة. النقير: بنون مفتوحة وقاف: أصل النخلة ينقر وينبذ فيه. المرفت: بزاي وفاء مشددة وعاء يطلى بالزفت. المقير: بميم مضمومة فقاف مفتوحة ومثناة تحتية مشددة مفتوحة وراء: طلي بالقير وهو نبت يحرق ويطلى به السقاء وغيره كما يطلى بالزفت. قال الحافظ: وفي مسند ابي د اود الطيالسي عن أبي بكرة قال عن أبي بكرة قال: (أما الدئل فان أهل الطائف كانوا يأخذون القرع فيخلطون فيه العنب حتى يهدر ثم يمرث، واما الحنتم فجرار كانت تحمل الينا فيها الخمر، وأما المزفت فهذه الاوعية التي طليت بالزفت). انتهى. وتعبير الصحابي أولى أن يعتمد عليه من تعبير غيره فانه أعلم بالمراد، ومعنى النهي عن الانتباذ في هذه الاوعية بخصوصها لانه يسرع إليها الاسكار، فربما شرب منها من لا يشعر بذلك. الجذع: بجيم فذال معجمة مفتوحتين فعين مهملة: الشاب. القطيعاء: بقاف مضمومة فطاء مهملة مفتوحة فتحتية فعين مهملة فألف نوع من النمر صغار يقال له الشهريز بالشين المعجمة والمهملة وبضمهما وبكسرهما. هجر: بهاء فجيم فراء مفتوحات: قرية من قرى المدينة تنسب إليها القلال الهجرية، واسم بلد بالبحرين، وهو مذكر مصروف. الأدم: بهمزة فدال مهملة مضمومتين: جمع أديم وهو الجلد الذي تم دباغه. يلاث: بتحتية مضمومة فلام مفتوحة فمثلثة أي يلف الخيط على أفواهها ويربط به. وضبطه العبدري بالفوقية أي تلف الاسقية على أفواهها. الجرذان: بجيم مكسورة فراء ساكنة فذال معجمة: جمع جرذ كصرد: نوع من الفأر وقيل الذكر منه. جواثي: بجيم مضمومة فواو مفتوحة وبعدها ألف فثاء مثلثة: قرية بالبحرين.

[ 375 ]

الباب السادس والستون في وفود بني عبس إليه صلى الله عليه وسلم قالوا: وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة رهط من بني عبس، وكانوا من المهاجرين الاولين: 1. ميسرة بن مسروق. 2. الحارث بن الربيع وهو الكامل. 3. وقنان بن دارم. 4. بشر بن الحارث بن عبادة. 5. هدم بن مسعدة. 6. سباع بن زيد. 7. أبو الحصن بن لقمان. 8. عبد الله بن مالك. 9. وقرة بن الحصين بن فضالة. فأسلموا فدعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقال: ابغوني رجلا يعشركم أعقد لكم لواء). فدخل طلحة بن عبيد الله التيمي فعقد لهم لواء وجعل شعارهم: يا عشرة. وروى ابن سعد عن عروة بن أذينة الليثي قال: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عيرا لقريش أقبلت من الشام فبعث بني عبس في سرية وعقد لهم لواء، فقالوا: يا رسول الله كيف تقسم غنيمة ان أصبناها ونحن تسعة ؟ فقال: (أنا عاشرهم). وروى ابن سعد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قدم ثلاثة نفر من بني عبس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: انه قدم علينا قراؤنا فأخبرونا أنه لا اسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواش هي معاشنا فان كان لا اسلام لمن لا هجرة له بعناها وهاجرنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الله حيث كنتم فلن يلتكم من أعمالكم شيئا ولو كنتم بصمد وجازان) وسألهم عن خالد بن سنان فقالوا: لا عقب له. فقال: (نبي ضيعه قومه). ثم أنشأ يحدث أصحابه حديث خالد بن سنان (1). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: عبس: بفتح العين المهملة وسكون الموحدة وبالسين المهملة. يلتكم: بفتح التحتية وكسر اللام وبالفوقية: ينقصكم. خالد بن سنان: تقدم له ذكر والمراد ليس بينه وبين عيسى عليه السلام نبي مرسل. أنشأ: بهمزة آخره: ابتدأ.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 2 / 41، وانظر البداية والنهاية 5 / 88. (*)

[ 376 ]

الباب السابع والستون في وفود عدي بن حاتم إليه صلى الله عليه وسلم روى الامام احمد رضي الله تعالى عنه عن عباد بن حبيش، والبيهقي عن أبي عبيدة بن حذيفة عن رجل، والطبراني عن الشعبي، والبيهقي عن علي، كلهم عن عدي بن حاتم، والبيهقي عن ابن اسحاق واللفظ له. قال ابن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنبوة ولا أعلم أحدا من العرب كان أشد كراهية لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به مني، أما أنا فكنت أمرأ شريفا وكنت نصرانيا، وكنت أسير في قومي بالمرباع، وكنت في نفسي على دين وكنت ملكا في قومي لما كان يصنع بي، فلما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم كرهته أشد ما كرهت شيئا، فقلت لغلام كان لي عربي وكان راعيا لابلي: لا أبا لك أ عدد لي من ابلي أجمالا ذللا سمانا فاحتبسها قريبا مني، فإذا سمعت بجيس لمحمد قد وطئ هذ ه البلاد فآذني. ففعل. ثم انه أتاني ذات غداة فقال: يا عدي ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الان، فاني رأيت رايات فسألت عنها فقالوا: هذه جيوش محمد، فقلت: قرب الي جمالي، فقربها فاحتملت بأهلي وولدي، ثم قلت: ألحق بأهل ديني من النصارى بالشام، فسلكت الجوشية. وفي حديث ابي عبيدة رضي الله تعالى عنه: فخرجت الى أقصى العرب مما يلي الروم، ثم كرهت مكاني أشد ما كرهت مكاني الاول. وعند ابن اسحاق قال عدي: وخلفت بنتا لحاتم في الحاضر. وفي حديث: جاءت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا عمي وناسا. قال: فلما قدمت الشام أقمت بها وتخالفني خيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتصيب ابنة حاتم فيمن أصابت، فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا من طيئ، وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هربي الى الشام. قال: فجعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا تحبس فيها، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقامت إليه، وكانت امرأة جزلة. وفي حديث علي رضي الله تعالى عنه: لما أتي بسبايا طيئ وقفت جارية جماء حمراء، لعساء، ذلفاء، عيطاء، شماء الانف، معتدلة القامة وا لهامة، درماء الكعبين، خدلجة الساقين، لفاء الفخذين، خميصة الخصرين، ضامرة الكشحين، مصقولة المتنين. قال: فلما رأيتها أعجبت بها وقلت: لاطلبن الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعلها في فيئي. فلما تكلمت أنسيت جمالها لما سمعت من فصاحتها. فقالت: يا محمد ان رأيت أن تخلي عنا ولا تشمت بنا أحياء العرب فاني ابنة سيد قومي، وان أبي كان يحمي الذمار ويفك العاني ويشبع الجائع ويكسو العاري ويقري الضيف ويطعم الطعام ويفشي السلام ولم يرد طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم طيئ. فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

[ 377 ]

(يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا، لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه خلوا عنها فا ن أباها كان يحب مكارم الاخلاق والله يحب مكارم الاخلاق). وفي حديث ابن اسحاق: فقالت: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد فامنن علي من الله عليك. قال: (من وا فدك ؟) قالت: عدي بن حاتم. قال: (الفار من الله ورسوله). قالت: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركني، حتى إذا كان من الغد مر بي فقلت له مثل ذلك وقال لي مثل ما قال بالامس. قالت: حتى إذا كان الغد مر بي وقد يئست منه فأشار الي رجل من خلفه أن قومي فكلميه. قالت: فقمت إليه فقلت: يا رسول الله هلك الوالد وغاب الوافد فامنن علي من الله عليك. فقال صلى الله عليه وسلم: (قد فعلت فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك الى بلادك ثم آذنيني). فسألت عن الرجل الذي أشار الي أن أكلمه فقيل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. وأقمت حتى قدم ركب من بلي أو قضاعة. قلت: وانما أريد أن آتي أخي بالشام. قا لت: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ. قالت: فكساني رسول الله صلى الله عليه وسلم وحملني وأعطاني نفقة، فخرجت معهم حتى قدمت الشام. قال عدي: فوالله اني لقاعد في أهلي إذ نظرت الى ظعينة تصوب الي تؤمنا. قال: فقلت: ابنة حاتم قال: فإذا هي هي. قال: فلما وقفت علي انسلخت تقول: القاطع الظالم، احتملت باهلك وولدك وتركت بقية والدك عورتك. قال: قلت: أي أخية لا تقولي الا خيرا فوالله ما لي من عذر، لقد صنعت ما ذكرت. قال: ثم نزلت فأقامت عندي. فقلت لها، وكانت امرأة حازمة: ماذا ترين في أمر هذا الرجل ؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعا، فان يكن الرجل نبيا فللسابق إليه فضله، فقد أتاه فلان فأصاب منه وأتاه فلان فأصاب منه، وان يكن ملكا فلن تذل في عز اليمن وأنت أنت. قال: قلت: والله ان هذا للرأي. وفي حديث الشعبي: قال: فلما بلغني ما يدعو إليه من الاخلاق الحسنة وما قد اجتمع إليه من الناس خرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فدخلت عليه وهو في مسجده وعنده امرأة وصبيان أو صبي، وذكر قربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فعرفت انه ليس بملك كسرى ولا قيصر، فسلمت عليه فقال: (من الرجل ؟) فقلت: عدي بن حاتم. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق بي الى بيته، فوالله انه لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة فاستوقفته، فوقف لها طويلا فكلمته في حاجتها فقلت في نفسي: والله ما هذا بملك. قال: ثم مضى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دخل بيته تناول وسادة من أ دم محشوة ليفا فقدمها الي فقال: (اجلس على هذه). قال: قلت: يا رسول الله بل أنت فاجلس عليها، قال: (بل

[ 378 ]

أنت) فجلست عليها وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالارض. فقال: (يا عد ي أخبرك ألا اله الا الله، فهل من اله الا الله ؟ وأخبرك أن الله تعالى أكبر، فهل من شئ هو أكبر من الله عز وجل ؟) ثم قال: (يا عدي اسلم تسلم). فقلت: اني على ديني. فقال: (أنا أعلم منك بدينك). فقلت: أنت أعلم مني بديني ؟ قال: (نعم) يقولها ثلاثا. (ألست ركوسيا) فقلت: بلى. قال: (ألست ترأس قومك ؟) قلت: بلى. قال: (أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع ؟) قلت: بلى والله، وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل. قال: (فان ذلك لم يكن يحل لك في دينك). ثم قال: (يا عدي لعلك انما يمنعك من الدخول في هذا الدين أن رأيت خصاصة من عندنا، فوا لله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك انما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم، فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت لا تخاف). وفي رواية قال: (هل رأيت الحيرة ؟) قلت: لم أرها وقد علمت مكانها. قال: (فان الظعينة سترحل من الحيرة تطوف بالبيت في غير جوار لا تخاف أحدا الا الله عز وجل والذئب على غنمها). قال: فقلت في نفسي فأين ذعا طيئ الذين سعروا البلاد ؟ قال: (فلعلك انما يمنعك من دخول فيه أنك ترى الملك والسلطان في غيرهم والله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم). وفي رواية: (لتفتحن عليهم كنوز كسرى بن هرمز). قلت: كنوز كسرى بن هرمز. قال: (كنوز كسرى بن هرمز). وفي رواية: (ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج بملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحدا يقبله منه، وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه ليس بينه وبينه ترجمان فينظر عن يمينه فلا يرى الا جهنم وينظر عن شماله فلا يرى الا جهنم، فاتقوا النار ولو بشق تمرة فان لم تجدوا شق تمرة فبكلمة طيبة). قال عدي رضي الله تعالى عنه: فأسلمت فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استبشر فقد رأيت الظعينة ترحل من الكوفة حتى تطوف بالبيت لا تخاف الا الله عز وجل، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز ولئن طالت بكم حياة سترون ما قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج بن امرئ القيس بن عدي (بن أخزم بن أبي أخزم) بن ربيعة بن جرول - بفتح الجيم وسكون الراء - ابن ثعل - بضم الثاء المثلثة وفتح العين المهملة - ابن عمرو بن الغوث بن طيئ الطائي، قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر شعبان سنة تسع كما ذكره الماوردي في حاويه، شهد مع علي رضي الله تعالى عنه حروبه، مات

[ 379 ]

بالكوفة سنة تسع أو ثمان وستين وهو ابن مائة وعشرين أو مائة وثمانين. قال ابن قتيبة رحمه الله تعالى: (ولم يبق له عقب الا من جهة ابنتيه (أسدة) وعمرة، وانما عقب حاتم الطائي من ولده عبد الله بن حاتم). المرباع: بكسر الميم وسكون الراء: ربع الغنيمة كان سادات الجاهلية يأخذونه. لا أبا لك: بهمزة فموحدة مفتوحتين، أكثر ما يستعمل في المدح، وقد يذكر في معرض الذم والتعجب، وبمعنى جد في أمرك وشمر لان من له أب أتكل عليه في بعض شأنه، وقد تحذف اللام فيقال: أباك. ذللا: بضم الذال المعجمة واللام: جمع ذلول بفتح الذال المعجمة فلامين بينهما واو من الذل بكسر الذال المعجمة: اللين ضد الصعب. آذني: بمد الهمزة: أعلمني. ألحق: بفتح الهمزة والحاء المهملة مرفوع، فعل مضارع. خلفت: بتشديد اللام. بنتا لحاتم: اسمها سفانة بفتح السين المهملة وتشديد الفاء وبعد الالف نون مفتوحة فتاء تأنيث. الحاضر: بالحاء المهملة والضاد المعجمة: الجماعة النزول على الماء. قدم بها: بضم القاف وكسر الدال المعجمة: مبني للمفعول. فجعلت ابنة حاتم: بالبناء للمفعول. الحظيرة: بحاء مهملة وظاء معجمة مشالة: شئ يعمل للابل من شجر ليقيها البرد والحر والريح. تحبس: بالبناء للمفعول. جزلة: بفتح الجيم وسكون الزاي: عاقلة. جماء: بجيم فميم مشددة مفتوحتين: التي لا قرن لها. حمراء: بحاء مهملة مفتوحة فميم ساكنة فراء: بيضاء. لعساء: بلام مفتوحة فعين مهملة ساكنة فسين مهملة فهمزة ممدودة: في لونها سواد ومشربة بالحمرة، ويقال أيضا لمن في شفتها سواد، وللرجل ألعس. ذلفاء: بذال معجمة مفتوحة فلام ساكنة ففاء فألف: من الذلف وهو بالتحريك صغر الانف واستواء الارنبة وقيل ارتفاع في طرفه مع صغر أرنبته.

[ 380 ]

عيطاء: بعين مهملة مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فطاء مهملة فهمز ممدود: أي طويلة العنق في اعتدال. شماء الانف: بشين معجمة فميم فألف: أي مرتفعة قصبة الانف مع استواء أعلاها واشراف الارنبة قليلا. درماء الكفين: بدال مهملة مفتوحة فراء ساكنة فميم فألف: لا حجم لعظامها. خدلجة الساقين: بخاء معجمة فدال مهملة مفتوحتين فلام مشددة مفتوحة فجيم: متدانيتهما من السمن. لفاء الفخذين: بلام ففاء مشددة مفتوحتين فهمز ممدود: متدانيتهما من السمن. خميصة الخصرين: بخاء معجمة مفتوحة فميم مكسورة فمثناة تحتية فصاد مهملة فتاء: أي ضامرتهما. ضامرة الكشحين: بضاد معجمة فألف فميم فراء فتاء تأنيث: أي قليلة لحمها غير مرهلة. مصقولة المتنين: بميم فصاد مهملة فقاف فواو فلام أي مضمرتهما. الدمار: بدال مهملة فميم مفتوحتين فألف فراء: الهلاك. عاب الوافد: بالواو والفاء، قال في العيون: وقال بعض الناس لا معنى له الا على وجه بعيد، ووجدت الوقار بفتح الواو وبالقاف، وهو ذكره في كتابه بالراء وهو أشبه. الفار: بتشديد الراء. وأشار الى رجل من خلفه: هو علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. من بلي: بوزن علي. الرهط: ما دون العشرة من الرجال. الظعينة: بفتح الظاء المعجمة المشالة وكسر العين المهملة: المرأة، والراحلة ا لتي يرحل عليها، ويظعن أي يسار. تؤمنا: أي تقصدنا. ابنة حاتم: بالرفع خبر متبدأ محذوف أي هذه ابنة حاتم. انسحلت: تقول ان كانت هذه اللفظة بالجيم فيقال أسجلت الكلام أي أرسلته، وان

[ 381 ]

كانت بالحاء المهملة يقال انسحل الخطيب بالكلام إذا جرى به وركب مسحله إذا مضى في خطبته، قاله في الصحاج. وقال أبو ذر في الاملاء قال في النور: ينبغي أن يحرر هذه اللفظة، والظاهر انها بالجيم يقال: سجلت الماء فانسجل أي صببته فانصب ويحتمل أن يكون من أسجلت الكلام إذا أرسلته. الركوسي: بفتح الراء وضم الكاف وتشديد التحتية نسبة الى فرقة من النصارى والصابئين. ترأس: بفتح المثناة الفوقية وسكون الراء وهمزة فسين مهملة أي تصير رئيسا. خصاصة: بخاء معجمة وصادين مهملتين بينهما ألف: أي حاجة وفقر، وأصل الخصاس الخلل والفرج ومنه خصاص الاصابع وهي الفرج بينها. القاطع الظالم: بالرفع أي أنت القاطع أنت الظالم. عورتك: بالنصب بدل من (بقية)، وهو منصوب على انه مفعول، (تركت) والعور ة كل ما يستحى منه. وقول سفانة أخته: (فان لم يكن نبيا)، قالته على سبيل العرض والتنزل لتحرضه على مجيئه الى النبي صلى الله عليه وسلم لانها قد أسلمت، ثم أطلقت. ايه ايه: اسم سمي به تقول للرجل إذا استزدته من حديث أو عمل: ايه بكسر الهاء. قال ابن السكيت فان وصلت نونت فقلت: ايه حدثنا. قال الزجاج رحمه الله: إذا قلت ايه يا رجل فانما تأمره أن يزيدك من الحديث المعهود بينكما كأنك قلت: هات الحديث، وا ن قلت ايه كأنك قلت هات حديثا اما لان التنوين تنكير، قال في النور: والظاهر ان ايه في هذا المكان بالتنوين. قلت وكذلك هو في نسخ السيرة. أجل: كنعم وزنا ومعنى. لم يجهل: بالبناء للمفعول. القادسية: بالقاف وبعد الالف دال فسين مكسورتين مهملتين فتحتية مشددة فتاء تأنيث: بينها وبين الكوفة نحو مرحلتين. الحيرة: بكسر الحاء المهملة: البلد القديم بظهر الكوفة ومحلة معروفة بنيسابور. ذعار: بذال معجمة مضمومة فعين مهملة فألف فراء: الذين يفزعونهم. سعروا: بفتح السين والعين المهملتين: أوقدوا. بابل: بموحدتين الثانية مكسورة. فتحت: بالبناء للمفعول وكذلك ما بعده (لنفتحن).

[ 382 ]

الباب الثامن والستون في وفود بني عذرة إليه صلى الله عليه وسلم قال محمد بن عمر، وابن سعد رحمهما الله تعالى: قالوا: قدم على رسول الله صلى ا لله عليه وسلم في صفر سنة تسع وفد بني عذرة اثنا عشر رجلا فيهم جمرة بن النعمان العذري، وسليم، وسعد ابنا مالك، ومالك بن أبي رباح، فنزلوا دار رملة بنت الحدث النجارية. ثم جا ؤوا الى النبي صلى الله عليه وسلم، فسلموا بسلام أهل الجاهلية. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من القوم ؟) فقال متكلمهم: من لا ننكر، نحن بنو عذرة اخوة قصي لامه، (نحن الذين عضدوا قصيا) وأزاحوا من بط ن مكة خزاعة وبني بكر ولنا قرابات وأرحام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مرحبا بكم وأهلا، ما أعرفني بكم فما يمنعكم من تحية الاسلام ؟) قالوا: كنا على ما كان عليه آباؤنا، فقدمنا مرتادين لانفسنا ولقومنا. وقالوا: الام تدعو ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أدعو الى عبادة الله وحده لا شريك له وأن تشهدوا أني رسول الله الى الناس جميعا) أو قال: (كافة). فقال متكلمهم: فما وراء ذلك من الفرائض ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أدعوا الى عبادة الله وحده لا شريك له وأن تشهدوا الصلوات تحسن طهورهن وتصليهن الى مواقيتهن فانه أفضل العمل). ثم ذكر لهم سائر الفرائض من الصيام والزكاة والحج. فقال المتكلم: الله أكبر، نشهد ألا اله الا الله وأنك رسول الله، قد أجبناك الى ما دعوت إليه ونحن أعوانك وأنصارك، يا رسول الله ان متجرنا الشام وبه هرقل فهل أوحي اليك في أمره بشئ ؟ فقال: (أبشروا فان الشام ستفتح عليكم ويهرب هرقل الى ممتنع بلاده). ونهاهم صلى الله عليه وسلم عن سؤال الكاهنة. فقد قالوا: يا رسول الله ان فينا امرأة كاهنة قريش والعرب يتحاكمون إليها فنسألها عن أمور. فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تسألوها عن شئ). فقال متكلمهم: الله أكبر، ثم سأله عن الذبح الذي كانوا يذبحون في الجاهلية لاصنامهم. فنهاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها. وقال: (لا ذبيحة لغير الله عز وجل، ولا ذبيحة عليكم في سنتكم الا واحدة). قال: وما هي ؟ قال: (الاضحية ضحية العاشر من ذي الحجة، تذبح شاة عنك وعن أهلك). وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء من أمر دينهم فأجابهم فيها. وأقاموا أياما. ثم انصرفوا الى أهليهم وأمر لهم بجوائز كما كان يجيز الوفد، وكسا أحدهم بردا. وروى ابن سعد رحمه الله تعالى عن ملج بن المقداد بن زمل العذري وغيره قالوا: وفد زمل بن عمرو والعذري على النبي صلى الله عليه وسلم فعقد له لواء على قومه وأنشأ يقول حين وفد على النبي صلى الله عليه وسلم: اليك رسول الله أعملت نصها أكلفها حزنا وقوزا من الرمل لأنصر خير الناس نصرا مؤزرا واعقد حبلا من حبالك في حبلي وأشهد أن الله لا شئ غيره أدين له ما أثقلت قدمي نعلي

[ 383 ]

تنبيه: في بيان غريب ما سبق: عذرة: بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة وبالراء: قبيلة من اليمن. جمرة بن النعمان: بفتح الجيم والراء. قصي: بضم القاف وفتح الصاد المهملة وتشديد التحتية: وهو أحد أجداد النبي صلى ا لله عليه وسلم أزاحوا: بالزاي بعدها ألف وحاء مهملة وواو: أذهبوا. مرحبا بكم وأهلا: أتيتم سعة وأهلا فاستأنسوا ولا تستوحشوا. الذبح: بكسر الذال المعجمة، ما يذبح مصدر بمعنى اسم المفعول. الحزن: بحاء مهملة مفتوحة فزاي ساكنة فنون: المكان الغليظ الخشن. القوز: بقاف مفتوحة فواو ساكنة فزاي: العالي من الرمل كأنه جبل.

[ 384 ]

الباب التاسع والستون في وفود بني عقيل بن كعب إليه صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد (1) رحمه الله تعالى عن رجل من بني عقيل عن أشياخ قومه قالوا: وفد منا من بني عقيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ربيع بن معاوية بن خفاجة بن عمرو بن عقيل، ومطرف بن عبد الله بن الاعلم بن عمرو بن ربيعة بن عقيل، وأنس بن قيس بن المنتفق بن عامر بن عقيل، فبايعوا وأسلموا، وبايعوه على من وراءهم من قومهم، فأعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم العقيق، عقيق بني عقيل، وهي أرض فيها عيون ونخل، وكتب لهم بذلك كتابا في أديم أحمر: (بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أعطى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ربيعا ومطرفا وأنسا، أعطا هم العقيق ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وسمعوا وأطاعوا). ولم يعطهم حقا لمسلم (وكان الكتاب في يد مطرف). قال: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو حرب بن خويلد بن عامر بن عقيل فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن وعرض عليه الاسلام. فقال: أما وأيم الله لقد لقيت الله أو لقيت من لقيه، وانك لتقول قولا لا نحسن مثله، ولكني سوف أضرب بقداحي هذه على ما تدعوني إليه وعلى ديني الذي أنا عليه، وضرب بالقداح فخرج عليه سهم الكفر، ثم أعاده فخرج عليه ثلاث مرات. فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أبى هذا الا ما ترى. ثم رجع الى أخيه عقال بن خويلد، فقال له: قل خيسك هل لك في محمد بن عبد الله يدعو الى دين الاسلام ويقرأ القرآن وقد أعطاني العقيق ان أنا أسلمت. فقال له عقال: أنا والله أخطك أكثر مما يخطك محمد. ثم ركب فرسه وجر رمحه على أسفل العقيق فأخذ أسفله وما فيه من عين. ثم ان عقالا قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض عليه الاسلام، وجعل يقول له: (أتشهد أن محمدا رسول الله ؟) فيقول: أشهد أن هبيرة بن المفاضة نعم الفارس، يوم قرني لبان. ثم قال: (أتشهد أن محمدا رسول الله ؟) قال: أشهد أن الصريح تحت الرغوة. ثم قال له الثالثة: (أتشهد ؟) قال: فشهد وأسلم. قال: وان المفاضة هبيرة بن معاوية بن عبادة بن عقيل، ومعاوية هو فارس الهرار، والهرار اسم فرسه، ولبان اسم موضع. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: خفاجة: بخاء معجمة ففاء مفتوحتين فألف فجيم فتاء تأنيث. المنتفق: بميم مضمومة فنون ساكنة ففاء فمثناة فوقية فقاف.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 66 - 67. (*)

[ 385 ]

قل خيسك: بقفا مفوحة فلام مشددة وخيسك بخاء معجمة مكسورة فتحتية ساكنة. فسين مهملة: أي قل خيرك. أحظك: بهمزة فحاء مهملة فظاء معجمة مشالة. الصريح تحت الرغوة: الصريح بصاد مهملة فراء فمثناة تحتية فحاء مهملة: اللبن المحض. الخالص، والرغوة: براء مضمومة فغين معجمة ما يعلو اللبن من الزبد، والله تعالى أعلم.

[ 386 ]

الباب السبعون في وفود عمرو بن معدي كرب الزبيدي إليه صلى الله عليه وسلم قدم عمرو بن معدي كرب في أناس من بني زبيد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأ سلم، وكان عمرو قد قال لقيس بن مكشوح المرداي - وقيس بن أخته - يا قيس انك سيد قومك، وقد ذكر لنا أن رجلا من قريش يقال له محمد قد خرج بالحجاز يقول انه نبي فانطلق بنا إليه حتى نعلم علمه، فان كان نبيا كما يقول فانه لن يخفى عنك، إذا لقيناه اتبعناه، وان كان غير ذلك علمنا علمه. فأبى عليه قيس ذلك وسفه رأيه، فركب عمرو بن معدي كرب حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم وصدقه وآمن به فلما بلغ ذلك قيسا أوعد عمرا (وتحطم عليه وقال خالفني وترك رأيي) فقال عمرو في ذلك شعرا أوله: أمرتك يوم ذي صنعاء أمرا باديا رشده قال ابن اسحاق رحمه الله تعالى: فأقام عمرو بن معدي كرب في قومه من بني زبيد وعليهم فروة بن مسيك، فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد عمرو. قال ابن سعد: ثم رجع الى الاسلام وأبلى يوم القادسية وغيرها. وذكر أبو عمرو من طريق ابن عبد الحكم قال: حدثنا الشافعي قال: وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، وخالد بن سعيد بن العاص الى اليمن وقال: (إذا اجتمعتما فعلي الامير، وإذا افترقتما فكل واحد منكما أمير). فاجتمعا. وبلغ عمرو بن معدي كرب مكانهما، فأقبل في جماعة من قومه فلما دنا منهما قال: (دعوني حتى آتي هؤلاء القوم فاني لم أسم لاحد قط الا هابني. فلما دنا منهما نادى: أنا أبو ثور أنا عمرو بن معدي كرب. فابتدره علي وخالد رضي الله تعالى عنهما، وكلاهما يقول لصاحبه: خلني واياه، ويفديه بأبيه وأمه. فقال عمرو، إذ سمع قولهما: العرب تفزع بي وأراني لهؤلاء جز رة. فانصرف عنهما. وكان عمرو فارس العرب مشهورا بالشجاعة، وكان شاعرا محسنا فمما يستجاد من شعره قوله: أعاذل عدتي يزني ورمحي وكل مقلص سلس القياد أعاذل انما أفنى شبابي اجابتي الصريخ الى المنادي مع الابطال حتى سل جسمي وأقرح عاتقي ثقل النجاد ويبقى بعد حلم القوم حلمي ويفنى قبل زاد القوم زادي تمنى أن يلاقيني قييس وودت وأينما مني ودادي فمن ذا عاذري من ذي سفاه يرود بنفسه شر المراد

[ 387 ]

أريد حباءه ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد يريد قيس بن مكشوح وأسلم قيس بعد ذلك، وله ذكر في الصحابة، وقيل كان اسلامه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شجاعا فارسا شاعرا وكان يناقض عمر ا وهو القائل لعمرو: فلو لاقيتني لاقيت قرنا وودعت الحبائب بالسلام لعلك موعدي ببني زبيد وما قامعت من تلك اللئام ومثلك قد قرنت له يديه الى اللحيين يمشي في الخطام تنبيه: في بيان غريب ما سبق: المكشوح: بفتح الميم وسكون الكاف وضم الشين المعجمة وبالواو والحاء المهملة. بنو زبيد: بضم الزاي وفتح الموحدة. لم أسم: بضم الهمزة وفتح السين المهملة وتشديد الميم المفتوحة، مجزوم حرك بالفتح طلبا للخفة. جزرة: بفتح الجيم وسكون الزاي وبالراء فتاء تأنيث وهي الشاة المسمنة. يستجاد: بالبناء للمفعول. يزني: أي برمح يزني نسبة الى ذي يزن، وفي بعض نسخ العيون بدني، قال في النور: ولعلها الصواب والبدن الدرع. مقلص: بكسر اللام المشددة وبالصاد المهملة: مشمر طويل القوائم. قبيس: تصغير قيس وهو ابن المكشوح. الوداد: بكسر الواو. حباءه: بكسر الحاء المهملة وبالموحدة، وبالمد: العطاء. عذيرك من فلان: بعين مهملة مفتوحة فذال معجمة فياء تحتية وفتح الراء: مفعول بفعل مقدر أي هات من يعذرك، فعيل بمعنى فاعل. القرن: بكسر وسكون الراء وبالنون كف الشخص في الشجاعة.

[ 388 ]

الباب الحادي والسبعون في وفود عنزة إليه صلى الله عليه وسلم عن سلمة بن سعد رضي الله تعالى عنه أنه وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو وجماعة من أهل بيته وولده فاستأذنوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخلوا فقال: (من هؤلاء ؟). فقيل له: هذا وفد عنزة. فقال: (بخ بخ بخ بخ) - أربعا - (نعم الحي عنزة، مبغي عليهم منصورون، مرحبا بقوم شعيب وأختان موسى، سل يا سلمة عن حاجتك). قال: جئت أسألك عما افترضت علي في الابل والغنم. فأخبره، ثم جلس عنده قريبا ثم استأذنه في الانصراف. فما عدا أن قام لينصرف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم ارزق عنزة كفافا لا فوت ولا اسراف). رواه الطبراني، والبزار، باختصار، وعنده: (اللهم ارزق عنزة لا فوت ولا سرف فيه) (1). وعن حنظلة بن نعيم رضي الله تعالى عنه عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر قومك عنزة ذات يوم فقال أصحابه: وما عنزة ؟ فأشار بيده نحو المشرق فقال: (حي ههنا مبغي عليهم منصورون). رواه أبو يعلى برجال ثقات، والبزار، والطبراني والامام احمد رحمهم الله تعالى الا أنه قال عن الغضبان بن حنظلة ان أباه وفد الى عمر ولم يذكر حنظلة (2). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: عنزة: بفتحات: الحربة. بخ: بموحدة فخاء معجمة. كلمة عند المدح والرضا بالشئ وتكرر للمبالغة وفيها لغات: اسكان الخاء وكسرها ومنونة وبغير تنوين، وبتشديدها وساكنا ومنونا واختار الخطابي إذا كررت تنوين الاولى وتسكين الثانية. أختان: بهمزة مفتوحة فخاء معجمة ساكنة فمثناة فوقية فألف فنون: من قبل المرأة، والاحماء من قبل الرجل، والصهر يجمعهما.


(1) ذكره الهيثمي في المجمع 10 / 54، وعزاه للطبراني والبزار. (2) ذكره الهيثمي في المجمع 10 / 54، وعزاه لابي يعلى في الكبير والبزار بنحوه با ختصار عنه، والطبراني في الاوسط وأحمد. وقال: وأحد اسناده ابي يعلى رجاله ثقات كلهم.

[ 389 ]

الباب الثاني والسبعون في وفود رجل من عنس إليه صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد (1) (قال: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، أخبرنا أبو زفر الكلبي) عن رجل من عنس بن مالك من مذحج قال: كان منا رجل وفد على النبي صلى ا لله عليه وسلم، فأتاه وهو يتعشى فدعاه الى العشاء، فجلس. فلما تعشى أقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أتشهد ألا اله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله ؟) فقال: أشهد ألا اله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله. فقال: (أراغبا جئت أم راهبا ؟) فقال: أما الرغبة فوالله ما في يديك مال، وأما الرهبة فوالله اني لببلد ما تبلغه جيوشك، ولكني خوفت فخفت وقيل لي آمن بالله فآمنت. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على القوم فقال: (رب خطيب من عنس). فمكث يختلف الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاء يودعه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اخرج) وبتته أي أعطاه شيئا، وقال: (ان أحسست شيئا فوائل الى أدنى قرية) فخرج فوعك في بعض الطريق، فوأل الى أد نى قرية فمات رحمه الله واسمه ربيعة. ورواه الطبراني عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم رحمه الله، قال: ان ربيعة بن رواء العنسي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده يتعشى، الحديث. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: عنس: (بعين مهملة مفتوحة فنون ساكنة فسين مهملة لقب زيد بن مالك بن أدد أبو قبيلة من اليمن، ومخلاف عنس مضاف إليه. وائل الى أدنى قرية: (بواو فألف فهمزة مكسورة فلام ساكنة أي ألجأ) وقد (وأل) يئل فهو وائل أي التجأ الى موضع ونجا).


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 106. (*)

[ 390 ]

الباب الثالث والسبعون في وفود غامد إليه صلى الله عليه وسلم قال في زاد المعاد: قال الواقدي رحمه الله تعالى: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد غامد سنة عشر، وهم عشرة فنزلوا ببقيع الغرقد وهو يومئذ أثل وطرفاء ثم انطلقوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وخلفوا عند رحلهم أحدثهم سنا. فنام عنه، وأتى سارق فسرق عيبة لأحدهم فيها أثواب له. وانتهى القوم الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلموا عليه وأقروا له بالاسلام وكتب لهم كتابا فيه شرائع الاسلام وقال لهم: (من خلفتم في رحالكم ؟) قالوا: أحدثنا سنا يا رسول الله. قال: (فانه قد نام عن متاعكم حتى أتى آت أخذ عيبة أحدكم) فقال رجل من القوم: يا رسول الله ما لأحد من القوم عيبة غيري. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فقد أخذت وردت الى موضعها). فخرج القوم سراعا حتى أتوا رواحلهم، فوجدوا صاحبهم فسألوه عما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فزعت من نومي ففقدت العيبة فقمت في طلبها، فإذا رجل قد كان قاعدا، فلما رآني صار يعدو مني فانتهيت الى حيث انتهى فإذا أثر حفر وإذا هو قد غيب العيبة فاستخرجتها. فقالوا: نشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فانه قد أخبرنا بأخذها وأنها قد ردت. فرجعوا الى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه، وجاء الغلام الذي خلفوه، فأسلم، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه فعلمهم قرآنا وأجازهم صلى الله عليه وسلم كما كان يجيز الوفود وانصرفوا. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: غامد: بعين معجمة فألف فميم فدال مهملة. العيبة: تقدم تفسيرها. الباب الرابع والسبعون في وفود غافق إليه صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد (1): قالوا: وفد جليحة بن شجار بن صحار الغافقي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجال من قومه فقالوا: يا رسول الله نحن الكواهل من قومنا، وقد أسلمنا وصدقاتنا محبوسة بأفنيتنا. فقال: (لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم). فقال عوذ بن سرير الغافقي: آمنا بالله واتبعنا رسوله. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: غافق: بغين معجمة فألف ففاء فقاف.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 115. (*)

[ 391 ]

الباب الخامس والسبعون في وفود غسان إليه صلى الله عليه وسلم قال في زاد المعاد: وقدم وفد غسان على النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان سنة عشر، وهم ثلاثة نفر، فأسلموا وقالوا: لا ندري أيتبعنا قومنا أم لا ؟، وهم يحبون بقاء ملكهم وقرب قيصر، فأجازهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بجوائز وانصرفوا راجعين، فقدموا على قومهم فلم يستجيبوا لهم وكتموا اسلامهم. حتى مات منهم رجلان على الاسلام وأدرك الثالث منهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عام اليرموك فلقي أبا عبيدة فأخبره باسلامه، فكان يكرمه. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: اليرموك: (واد بناحية الشام في طرف الغور يصب في نهر الاردن). الباب السادس والسبعون في وفود فروة بن عمرو الجذامي صاحب بلاد معان باسلامه على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ابن اسحاق: وبعث فروة بن عمرو الجذامي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم رسولا باسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء، وكان فروة عاملا لقيصر ملك الروم على من يليه من العرب، وكان منزله معان وما حولها من أرض الشام. فلما بلغ الروم ذلك من أمر اسلامه طلبوه حتى أخذو ه فحبسوه عندهم فقال في محبسه شعرا على قافية النون وهو ستة أبيات: طرقت سليمى موهنا أصحابي والروم بين الباب والقروان صد الخيال وساءه ما قد رأى وهممت أن أغفي وقد أبكاني لا تكحلن العين بعدي اثمدا سلمى ولا تدنن للاتيان ولقد علمت أبا كبيشة أنني وسط الاعزة لا يحص لساني فلئن هلكت لتفقدن أخاكم ولئن بقيت لتعرفن مكاني ولقد جمعت أجل ما جمع الفتى من جودة وشجاعة وبيان فلما أجمعت الروم على صلبه على ماء لهم بفلسطين يقال له عفراء قال: ألا هل أتى سلمى بأن حليلها على ماء عفرى فوق احدى الرواحل على ناقة لم يضرب الفحل أمهامشذبة أطرافها بالمناجل فزعم الزهري بن شهاب أنهم لما قدموه ليقتلوه قال: أبلغ سراة المسلمين بأنني سلم لربي أعظمي ومقامي ثم ضربوا عنقه وصلبوه على ذلك الماء، والله تعالى أعلم

[ 392 ]

الباب السابع والسبعون في وفود فروة بن مسيك إليه صلى الله عليه وسلم قال ابن اسحاق، ومحمد بن عمر رحمهما الله تعالى: قدم فروة بن مسيك المرادي رضي الله تعالى عنه وافدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مفارقا لملوك كندة ومتابعا للنبي صلى الله عليه وسلم وقال في ذلك: لما رأيت ملوك كندة أعرضت كالرجل خان الرجل عرق نسائها قربت راحلتي أؤم محمدا أرجو فواضلها وحسن ثرائها ثم خرج حتى أتى المدينة، وكان رجلا له شرف، فأنزله سعد بن عبادة عليه ثم غدا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد فسلم عليه ثم قال: يا رسول الله أنا لمن ورائي من قومي. قال:: (أين نزلت يا فروة ؟) قال: على سعد بن عبادة. وكان يحضر مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما جلس ويتعلم القرآن وفرائض الاسلام وشرائعه. وكان بين مراد وهمدان قبيل الاسلام وقعة أصابت فيها همدان من مراد ما أرادوا حتى أثخنوهم في يوم يقال له يوم الردم. وكان الذي قاد همدان الى مراد الاجدع بن مالك في ذلك اليوم. قال ابن هشام: الذي قاد همدان في ذلك اليوم بن حريم الهمداني. قال ابن اسحاق: فلما انتهى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا فروة، هل ساءك ما أصاب قومك يوم الردم ؟) قال: يا رسول الله، من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومي يوم الردم ولا يسوءه ذلك ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما ان ذلك لم يزد قومك في الاسلام الا خيرا) (1). وفي ذلك اليوم يقول فروة بن مسيك: مررن على لفات وهن خوص ينازعن الاعنة ينتحينا فان نغلب فغلابون قدما وان نغلب فغير مغلبينا وما ان طبنا جبن ولكن منايانا ودولة آخرينا كذاك الدهر دولته سجال تكر صروفه حينا فحينا فبينا ما نسر به ونرضى ولو لبست غضارته سنينا إذ انقلبت به كرات دهر فألفيت الالى غبطوا طحينا فمن يغبط بريب الدهر منهم يجد ريب الزمان له خؤونا فلو خلد الملوك إذا خلدناولو بقي الكرام إذا بقينا


(1) انظر البداية والنهاية 5 / 71. (*)

[ 393 ]

فأقنى ذلكم سروات قومي كما أفنى القرون الاولينا واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم فروة بن مسيك على مراد وزبيد ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة فكان معه في بلاده حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: فروة: بفاء مفتوحة فراء ساكنة فواو فتاء تأنيث. مسيك: بضم الميم وفتح السين المهملة وسكون التحتية وبالكاف. النسا: بفتح النون وبالسين المهملة، مقصور، وجاء مده في الشعر، وأنكره بعضهم وربما صح في الحديث عرق النسا، ويقول فروة بان العرق أعم من نسا فهو من اضافة ا لشئ الى محله موضعه. أوم محمدا: أي أقصده. أرجو فواضلها: يعني الراحلة. همدان: بفتح الهاء وسكون الميم وبالدال المهملة: قبيلة معروفة. وأما همذان بفتح الهاء والميم وبذال معجمة: قبيلة معروفة بالعجم. وقال الائمة الحفاظ رحمهم الله: ليس في الصحابة ولا تابعيهم ولا أتباع التابعين أحد في هذه البلدة وأكثر المتأخرين منها. الاثخان في الشئ: المبالغة فيه والاكثار منه والمراد به المبالغة في القتل. الردم: بفتح الراء وسكون الدال المهملة وبالميم. الاجدع بن مالك بن حريم: حريم بفتح الحاء وكسر الراء المهملتين كما ذكره الامير والزمخشري وغيرهما وليس هو جد مسروق كما يذكره الوقشي وخطأ من قال هو أبوه. وقو ل العيون: (قل هو والد مسروق بن الاجدع). وانما قيل انه جده، والجدأب. (كما ورد في القرآن): (واتبعت ملة آبائي) (يوسف 38) (يا بني آدم) (الاعراف 35). ناشح: بنون وبعد الالف شين معجمة فحاء مهملة. جشم بن خيوان: خيوان بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية. بنو معمر: بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة. مثل ما أصاب: فاعل يصيب. لا يسؤه: بفتح التحتية فسين مهملة وهمزة مضمومة قبل الواو. زبيد: بضم الزاي: قبيلة معروفة. مذحج: بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وكسر الحاء المهملة وبالجيم: قبيلة معروفة والله تعالى أعلم.

[ 394 ]

الباب الثامن والسبعون في وفود فزارة إليه صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد (1)، والبيهقي عن أبي وجزة يزيد بن عبيد السعدي رضي الله تعالى عنه قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك وكانت سنة تسع قدم عليه وفد بني فزارة، بضعة عشر رجلا، فيهم خارجة بن حصن، والحر بن قيس بن حصن وهو أصغرهم - وهم مسنتون - على ركاب عجاف، فجاءوا مقرين بالاسلام. فنزلوا دار رملة بنت الحدث. وسألهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بلادهم، فقال أحدهم: يا رسول الله، أسنتت بلادنا، وهلكت مواشينا، وأجدب جنابنا، وغرث عيالنا، فادع لنا ربك يغيثنا، واشفع لنا الى ربك، وليشفع لنا ربك اليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سبحان الله، ويلك، هذا أنا أشفع الى ربي عز وجل فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه ؟ لا اله الا هو العلي العظيم وسع كرسيه السموات والارض فهي تئط من عظمته وجلا له كما يئط الرحل الجديد). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان الله عز وجل ليضحك من شففكم وأزلكم وقرب غياثكم). فقال الاعرابي: يا رسول الله، ويضحك ربنا عز وجل ؟ فقا ل: (نعم). فقال الاعرابي: لن نعدمك من رب يضحك خيرا. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله، وصعد المنبر فتكلم بكلمات، وكان لا يرفع يديه في شئ من الدعاء الا في الاستسقاء. فرفع يديه حتى رئي بياض ابطيه وكان مما حفظ من دعائه: (اللهم اسق بلادك وبهائمك وانشر ر حمتك وأحي بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثا مغيثا هنيئا مرئيا طبقا واسعا، عاجلا غير آ جل، نافعا غير ضار، اللهم اسقنا رحمة ولا تسقنا عذابا ولا هدما ولا غرقا ولا محقا، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الاعداء). فقام أبو لبابة بن عبد المنذر الانصاري رضي الله تعالى عنه فقال: يا رسول الله، التمر في المربد، وفي لفظ المرابد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اسقنا) فعاد أبو لبابة لقوله، وعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم لدعائه. فعاد أبو لبابة أيضا فقال: التمر في المربد يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبا بة عريانا يسد ثعلب مربده بازاره). قالوا: ولا والله ما نرى السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطر ت. قال: فلا والله ما رأينا الشمس سبتا. وقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بازاره لئلا يخرج التمر منه. فجاء ذلك الرجل أو غيره فقال: يا رسول الله، هلكت الاموال وانقطعت السبل فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فدعا ورفع يديه حتى رئي بياض ابطيه ثم قال: (اللهم حوالينا ولا علينا،


(1) أخرجه البيهقي في الدلائل 6 / 143. وابن سعد في الطبقات 2 / 92. وانظر البد اية والنهاية 6 / 105. (*)

[ 395 ]

اللهم على الاكام والظراب وبطون الاودية ومنابت الشجر فانجابت السحابة عن المدينة انجياب الثوب). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: خارجة: بالخاء المعجمة وبعد الالف راء مكسورة فجيم. ابن حصن: بالحاء والصاد المهملتين وزن علم - ابن بدر. الحر: بضم الحاء المهملة وتشديد الراء، ابن اخي عيينة، بالرفع بدل من الجر، وهو مرفوع على معطوف على المبتدأ قبله. مشتون: بميم مضمومة فشين معجمة فتاء أي دخلوا في الشتاء وقيل بسين مهملة ساكنة فنون مكسورة: مسنتون. عجاف: بكسر العين المهملة وتخفيف الجيم، والعجفاء هي التي بلغت في الهزال النهاية. رملة بنت الحارث بن ثعلبة. غرث: بفتح الغين المعجمة وكسر الراء وبالثاء المثلثة، يغرث بفتح الراء فهو غر ثان إذا جاع، وقوم غرثى وغراثي وامرأة غرثى ونسوة غراث، والغرث بفتح أوله وثانيه الجو ع. انجابت: بفتح الجيم وبعد الالف موحدة. الجناب: ما قرب من محلة القوم والجمع أجنبة. يقال: أخصب جناب القوم وفلان خصيب الجناب. يغيثنا: بفتح اوله من الغيث، أو بضم التحتية من الاغاثة والاجابة. شعفت: بفتح الفاء خلافا لمن أخطأ فكسرها. وسع كرسيه السموات والارض: بسطت الكلام على الكرسي في كتاب: (الجواهر والنفائس في تكبير كتاب العرائس). بما يراجع منه. والصواب أن الكرسي غير ا لعلم خلافا لمن زعم انه العلم. تئط: بفتح الفوقية وكسر الهمزة وطاء مهملة مشددة، والاطيط: صوت الرحل والاقتاب، يعني أن الكرسي ليعجز عن حمله وعظمه، إذا كان معلوما أن أطيط الرحل بالراكب انما يكون لقوة ما فوقه وعجزه عن احتماله، وهذا مثل لعظمة الله تعالى وجلاله، وانما لم يكن أطيط

[ 396 ]

وانما هو كلام تقريب أريد به تقرير عظمة الله تعالى، والرحل بالحاء المهملة. شففكم: بفتح الشين المعجمة والفاء: اسم من الشف، والشفف هنا أقصى ما وجدوه من الضيق. الازل: بفتح الهمزة وسكون الزاي وباللام: الضيق، وقد أزل الرجل بفتح الزاي يأزل بكسرها أزلا باسكانها صار في ضيق وجدب. لن نعدمك: بفتح النون وسكون العين وفتح الدال المهملتين. صعد: بكسر العين المهملة في الماضي وفتحها في المستقبل. وكان لا يرفع يديه في شئ من الدعاء الى آخره: قد بسطت الكلام على ذلك في كتابي: (جامع الخيرات في الاذكار والدعوات). وخلاصة ذلك ان النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه في الدعاء في الصحيحين أو أحدهما في نحو ثلاثين حديثا، وأجاب العلماء رحمهم الله تعالى بأن المراد لا يرفع يديه الرفع البالغ أو أن المراد لم يره رفع، أو أنه صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في الاستسقاء، يعني ظهور كفيه الى السماء، كما في مسلم، فيكون الحديث لا يرفع هذا الرفع الا في الاستسقاء. حتى رئ بياض ابطيه: بكسر الراء وفتح الهمزة، ورئي بضم الراء وكسر الهمزة وعليها فهو مبني للمفعول. الغيث: بفتح الغين المعجمة وسكون المثناة التحتية فثاء مثلثة. اسق: يجوز فيه وصل الهمزة وقطعها أسق ثلاثي ورباعي، كذا ما بعده. الري: (بكسر الراء وفتحها وتشديد التحتية). مريعا: بفتح الميم وكسر الراء وسكون التحتية وبالعين المهملة من الريع وهو الخصب وروي مربعا بضم الميم وسكون الراء وبالموحدة المكسورة وبالعين المهملة. (وروي) مرتعا بالمثناة الفوقية من رتعت الدابة إذا أكلت ما شاءت. طبقا: بفتح الطاء المهملة والباء الموحدة وبالقاف أي مستوعبا للارض منطبقا عليها. أبو لبابة: بضم اللام وفتح الموحدتين بينهما ألف. المربد: بكسر الميم وسكون الراء وفتح الموحدة وبالدال المهملة والجمع مرابد بفتح الميم، والمربد: هو الموضع الذي يجعل فيه التمر لينشف كالبيدر للحنطة.

[ 397 ]

ثعلب: بلفظ اسم الحيوان المعروف، وهو مخرج ماء المطر من جرين التمر. القزعة: بفتح القاف والزاي: القطعة الرقيقة من السحاب. سلع: بفتح أوله واسكان ثانيه: جبل بالمدينة. ما رأينا الشمس سبتا: قال في المطالع أي مدة. قال قاسم بن ثابت: والناس يحملونه على أنه من سبت الى سبت، وانما السيف قطعة من الدهر. وقال في النهاية: قيل أراد اسبوعا من السبت الى السبت فأطلق عليه اسم اليوم، وقيل أراد بالسبت مدة من الزمان قليلة كانت أو كثيرة. فجاء ذلك الرجل أو غيره: قال في النور انه هو، وذلك لان في الصحيح ما يؤيده ويرشد الى أنه الرجل الاول، وقد سماه بعض حفاظ هذا العصر خارجة بن حصن بن حذيفة، أخا عيينة بن حصن. الاكمة: تل وقيل شرفة كالرابية وهو ما اجتمع من الحجارة في مكان واحد وربما غلظ وربما لم يغلظ والجمع أكم وأكمات مثل قصبة (وقصب) وقصبات، وجمع الاكم اكام مثل جبل وجبال، وجمع الاكام أكم بضمتين مثل كتاب وكتب، وجمع الاكم آكام مثل عنق وأعناق. الظراب: بكسر الظاء المعجمة المشالة: جمع ظرب بفتح الظاء وكسر الراء وهي الرو ابي الصغيرة. انجابت: انقطعت، والجوب القطع.

[ 398 ]

الباب التاسع والسبعون في وفود بني قشير إليه صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد (1) عن علي بن محمد القرشي ورجل من بني عقيل قالا: وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من بني قشير فيهم ثور بن عزرة بن عبد الله بن سلمة بن قشير فأسلم فأقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم قطيعة وكتب له كتابا، ومنهم حيدة بن معاوية بن قشير، وذلك قبل حجة الوداع وبعد حنين، ومنهم قرة بن هبيرة بن سلمة الخير بن قشير، فأسلم فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساه بردا وأمره أن يتصدق على قومه أي يلي الصدقة فقال قرة حين رجع: حباها رسول الله إذ نزلت به وأمكنها من نائل غير منفد فأضحت بروض الخضر وهي حثيثة وقد أنجحت حاجاتها من محمد عليها فتى لا يردف الذم رحله تروك لامر العاجز المتردد تنبيه: في بيان غريب ما سبق: قشير: بقاف مضمومة فشين معجمة مفتوحة فمثناة تحتية فراء. عزرة: (بعين مهملة مفتوحة فزاي ساكنة فراء فتاء تأنيث). حيدة: (بحاء مهملة مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فدال مهملة).


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 67. (*)

[ 399 ]

الباب الثمانون في وفود قيس بن عاصم إليه صلى الله عليه وسلم عن غالب بن أبجر (المزني) قال: ذكرت قيس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رحم الله قيسا). قيل: يا رسول الله أنترحم على قيس ؟ قال: (نعم انه كان على دين أبينا اسماعيل بن ابراهيم خليل الله، ان قيسا فرسان الله تعالى في الارض، والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان ليس لهذا الدين ناصر غير قيس، ان قيسا خير الله تعالى في الارض) (1). يعني أسد الله. رواه الطبراني برجال ثقات والبزار. وروى الطبراني (2) بسند جيد عن قيس بن عاصم رضي الله تعالى عنه قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآني قال: (هذا سيد أهل الوبر). فلما نزلت أتيته فجعلت أحدثه، فقلت: يا رسول الله، ما المال الذي ليست علي فيه تبعة من ضيف ضافني أو عيال كثروا علي ؟ قال: (نعم المال الاربعون، والاكثر الستون، وويل لاصحاب المئين الا من أعطى من رسلها ونجدتها، وأطرق فحلها، وأفقر ظهرها (ومنح غزيرتها) ونحر سمينها وأطعم القانع والمعتر). قال: يا رسول الله، ما أكرم هذه وأحسنها، انه لا يحل بالوادي الذي أنا فيه لكثر ة ابلي. فقال: (فكيف تصنع بالطروقة ؟) قال: قلت تغدو الابل ويغدو الناس، فمن شاء أخذ برأس بعير فذهب به. قال: (فكيف تصنع في الافقار ؟ قلت: اني لافقر الناب المدبرة والضرع الصغير. قال: (فكيف تصنع في المنيحة ؟) قلت: اني لامنح في كل سنة مائة. قال: (فمالك أحب اليك أم مال مواليك ؟) قلت: لا، بل مالي. قال: (انما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو أعطيت فأمضيت وسائره لمواليك). فقلت: والله لئن بقيت لاقلن عدد ها. قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: فعل والله، فلما حضرت قيسا الوفاة جمع بنيه فقال: با بني خذوا عني فانكم لن تأخذوا من أحد هو أنصح لكم مني. إذا أنا مت فسودوا أكابركم فلا تنوحوا ولا تسودوا أصاغركم فتسفهكم الناس وتهونوا عليهم وعليكم باصلاح المال فانه سعة للكريم ويستغنى به عن اللئيم، واياكم والمسألة فانها آخر كسب المرء، وإذا أنا مت فلا تنوحوا علي فان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينح عليه وقد سمعته ينهى عن النياحة، وكفنوني في ثيابي التي كنت أصلي فيها وأصوم وإذا دفنتموني فلا تدفنوني في موضع يطلع عليه أحد، فانه قد كان بيني وبين بني بكر بن وائل حماسات في الجاهلية فأخاف أن ينبشوني فيصيبون في ذلك ما


(1) ذكره الهيثمي في المجمع 10 / 52، وعزاه للطبراني في الكبير والاوسط ورجاله ثقات. (2) أخرجه الطبراني في الكبير 18 / 339. (*)

[ 400 ]

يذهب فيه دينكم ودنياكم. قال الحسن رحمه الله تعالى: نصح لهم في الحياة ونصح لهم في الممات. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: الوبر: بواو فموحدة مفتوحتين فراء: شعر الابل، وأهل الوبر أهل البوادي لان بيوتهم يتخذونها منه. رسلها: براء مكسورة فسين مهملة ساكنة فلام: اللبن، والهينة والرفق. نجدتها ورسلها: بنون فجيم فدال مهملة ففوقية أي الشدة والرخاء، يقول: يعطي وهي سمان حسان يشتد عليه اخراجها فتلك نجدتها، ويعطي في رسلها وهي مهازيل مقاربة، قاله في النهاية. والاحسن أن يكون المراد بالنجدة: الشدة والجدب، وبالرسل الرخاء والخصب، لان الرسل اللبن وانما يكثر في حال الرخاء والخصب فيكون المعنى أنه يخرج حق الله تعا لى في حال الضيق والسعة، والجدب والخصب. أفقر ظهرها: بهمزة مفتوحة ففاء ساكنة فقاف فراء. القانع: بقاف ثم نون: هو السائل. المعتر: بضم الميم وسكون العين المهملة وفتح الفوقية: الذي يعتريك أي يلم بك لتعطيه ولا يسأل. الدبرة: بفتح الدال المهملة والموحدة وتسكن فراء مفتوحة فتاء تأنيث: الدولة وا لظفر والعزيمة، ويقال على من الدبرة أي الهزيمة. سودوا: بسين مهملة فواو مكسورة مشددة فدال مهملة أي اجعلوه سيدا. حماسات: بحاء مهملة مفتوحة فميم فألف فسين مهملة فتاء حماسة وهي الشدة والشجاعة.

[ 401 ]

الباب الحادي والثمانون في وفود بني كلاب إليه صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد في الطبقات (1) عن خارجة بن عبد الله بن كعب قال: قدم وفد بني كلاب في سنة تسع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم ثلاثة عشر رجلا فيهم لبيد بن ربيعة، وجبار بن سلمى فأنزلهم دار رملة بنت الحدث، وكان بين جبار وكعب بن مالك خلة، فبلغ كعبا بقدومهم فرحب بهم وأهدى لجبار وأكرمه، وخرجوا مع كعب فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه بسلام الاسلام، وقالوا: ان الضحاك بن سفيان سار فينا بكتاب الله وبسنتك التي أمرت بها، وانه دعانا الى الله فاستجبنا لله ولرسوله وانه أخذ الصدقة من أغنيائنا فردها على فقرائنا. الباب الثاني والثمانون في وفود بني كلب إليه صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد (2) عن رجل من بني ماوية من كلب عن أبي ليلى بن عطية الكلبي عن عمه قالا: قال عبد عمرو بن جبلة بن وائل بن الجلاح الكلبي: شخصت أنا وعاصم - رجل من بني رقاش من بني عامر - حتى أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فعرض علينا الاسلام فأسلمنا وقال: (أنا النبي الامي الصادق الزكي، والويل كل الويل لمن كذبني وتولى عني وقاتلني، والخير كل الخير لمن آواني ونصرني، وآمن بي وصدق قولي، وجاهد معي). قالا: فنحن نؤمن بك ونصدق قولك، وأنشأ عبد عمرو ويقول: أجبت رسول الله إذ جاء بالهدى وأصبحت بعد الجحد بالله أوجرا وودعت لذات القداح وقد أرى بها سدكا عمري وللهو أهدرا وآمنت بالله العلي مكانه وأصبحت للاوثان ما عشت منكرا تنبيه: في بيان غريب ما سبق: أوجر: بهمزة مفتوحة فواو ساكنة فجيم فراء، يقال وجرته بالسيف وجرا أي طعنته. قال السهم الذي كانوا يستقسمون به وهو المراد هنا وهو السهم الذي يرمى به عن القوس. سدكا: بسين فدال مهملتين فكاف أي مولعا. أهدر: بهمزة مفتوحة فهاء ساكنة فدال مهملة فراء: أي أبطل.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 64. (2) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 98. (*)

[ 402 ]

الباب الثاني والثمانون في وفود بني كنانة إليه صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد (1) في الطبقات عن خالد الحذاء عن أبي قلابة، في رجال آخرين من أهل العلم يزيد بعضهم على بعض فيما ذكروا من وفود العرب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: وفد واثلة بن الاسقع الليثي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقدم المدينة ورسو ل الله صلى الله عليه وسلم، يتجهز الى تبوك فصلى معه الصبح، فقال له: (ما أنت وما جاء بك وما حاجتك ؟) فأخبره عن نسبه وقال: أتيتك لاؤمن بالله ورسوله، قال: (فبايع على ما أحببت وكرهت)، فبايعه ورجع الى أهله فأخبرهم، فقال له أبوه: (والله لا أكلمك كلمة أبدا، وسمعت أخته كلامه فأسلمت وجهزته، فخرج راجعا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجده قد صار الى تبوك، فقال: من يحملني عقبه وله سهمي ؟ فحمله كعب بن عجرة حتى لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، وشهد معه تبو ك، وبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع خالد بن الوليد الى أكيدر، فغنم فجاء بسهمه ا لى كعب بن عجرة، فأبى أن يقبله وسوغه اياه وقال: انما حملتك لله. الباب الثالث والثمانون في وفود كندة إليه صلى الله عليه وسلم منهم الاشعث بن قيس. قال في زاد المعاد: قال ابن اسحاق: حدثني الزهري قال: قدم الاشعث بن قيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمانين أو ستين راكبا من كندة، فدخلوا عليه مسجده، قد رجلوا جممهم واكتحلوا ولبسوا جباب الحبرات مكثفة بالحرير. فلما دخلوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أو لم تسلموا ؟) قالوا: بلى. قال: (فما هذا الحرير في أعناقكم ؟) فشقوه ونزعوه وأ لقوه. ثم قال الاشعث بن قيس: يا رسول الله، نحن بنو آكل المرار وأنت ابن آكل المرار. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: (ناسب بهذا النسب ربيعة بن الحارث، والعباس بن عبد المطلب). قال الزهري وابن اسحاق: كانا تاجرين، وكانا إذا سارا في أرض العرب فسئلا: من أنتما ؟ قالا: نحن بنو آكل المرار، يتعززان بذلك في العرب ويدفعان به عن نفسيهما لان بني آكل المرار من كندة كانوا ملوكا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا، بل نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا). وفي المسند من حديث حماد بن سلمة، عن عقيل بن طلحة، عن مسلم بن مسلم عن الاشعث بن قيس قال: قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد كندة ولا يرون الا أني أفضلهم، قلت: يا رسول الله، ألستم منا ؟ قال: (لا، نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا). فكان الاشعث يقول: لا أوتى برجل نفى رجلا من قريش من النضر بن كنانة

[ 403 ]

الا جلدته الحد. وروى الامام احمد، وابن ماجة، والحارث، والباروردي، ويسمونه، وابن سعد، والطبراني في الكبير، وأبو نعيم، والضياء عن الاشعث بن قيس الكندي قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد كندة فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (هل لك من ولد ؟) قلت: غلام ولد مخرجي اليك من ابنة فلان ولوددت أن يشبع القوم. فقال: (لا تقولن ذا فان فيهم قرة عين وأجرا إذا قبضوا). ثم قال: (انهم لمجبنة مبخلة) (1). وروى العسكري عنه قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: (ما فعلت بنت عمك ؟) قلت: نفست بغلام والله لوددت أن لي سبية. فقال: (انهم لمجبنة مبخلة وانهم لقرة العين وثمرة الفؤاد). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: رجلوا: بالجيم أن سرحوا ونظفوا شعورهم. الجمم: جمع جمة وهي من شعر الرأس ما سقط من المنكبين. الحبرة: بالحاء المهملة والموحدة وزن عنبة وهي من البرود وما كان موشى مخططا يقال له حبرة، وبرد حبرة على الوصف والاضافة، وهو برد يماني. كففوها بالحرير: أي جعلوا لكل جبة كفة من حرير وهي بضم الكاف وتشديد الفاء فتاء تأنيث وهي السجاف. بنو آكل المرار: وهو الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية من كندة ولقب بذلك لاكله المرار هو وأصحابه، والمرار شجر معروف. وللنبي صلى الله عليه وسلم جدة من كندة وهي أم كلاب بن مرة واسمها دعد بنت شريد بن ثعلبة بن الحارث الكندي، وقيل بل هي جدة كلاب أم أمه هند. لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا: أي لا نتهمها ولا نقذفها وقيل معناه: لا نترك النسب الى الاباء وننتسب الى الامهات. القادسية: قرية قرب الكوفة (1). جلولاء: بفتح الجيم وضم اللام وبالمد. نهاوند: (بفتح أوله ورابعه مدينة عظيمة في قبلة همذان).


(1) ذكره الهيثمي في المجمع 8 / 158، وعزاه لاحمد والطبراني وقال: وفيه مجالد بن سعيد وهو ضعيف وقد وثق وبقية رجال أحمد رجال الصحيح. (*)

[ 404 ]

الباب الرابع والثمانون في وفادة ابي رزين لقيط بن عامر العقيلي إليه صلى الله عليه وسلم روى عبد الله بن الامام احمد في زوائد المسند، والطبراني عن لقيط بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: خرجت أنا وصاحبي نهيك بن عاصم (بن مالك بن المنتفق) حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة، فقا م في الناس خطيبا فقال: (يا أيها الناس، ألا اني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام لتسمعوا الان، ألا فهل من امرئ قد بعثه قومه ؟) فقالوا: اعلم لنا ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا ثم رجل لعله أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه أو يلهيه ضال، ألا واني مسؤول هل بلغت ؟ ألا اسمعوا تعيشوا، ألا ا جلسوا). فجلس الناس، وقمت أنا وصاحبي، حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره قلت: يا رسول ا لله، ما عندك من علم الغيب ؟ فضحك فقال: (لعمر الله) وهز رأسه وعلم أني أبتغي سقطه، فقال: (ضن ربك عز وجل بمفاتيح خمسة من الغيب لا يعلمها الا الله). وأشار بيده، فقلت: وما هي يا رسول الله ؟ فقال: (علم المنية، قد علم متى منية أحدكم ولا تعلمونه، وعلم ما في غد، وما أنت طاعم غدا ولا تعلمه، وعلم المني حين يكون في الرحم قد علمه ولا تعلمونه، وعلم الغيث يشرف عليكم آزلين مسنتين، فيظل يضحك قد علم أن غوثكم قريب). قال لقيط: قلت: لن نعدم من رب يضخك خيرا يا رسول الله قال: (وعلم يوم الساعة). قلت: يا رسول الله، اني سائلك عن حاجتي فلا تعجلني، قال: (سل عما شئت). قال: قلت يا رسول الله، علمنا مما لا يعلم الناس ومما تعلم فانا من قبيل لا يصدقون تصديقنا أحدا، من مذحج التي تدنو الينا، وخثعم التي توالينا وعشيرتنا التي نحن منها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثم تلبثون ما لبثتم، يتوفى نبيكم، ثم تبعث الصائحة، فلعمر الهك ما تدع على ظهرها من شئ الا مات، والملائكة الذين مع ربك، فيصبح ربك عز وجل يطوف في الارض قد خلت عليه البلاد، فيرسل ربك السماء تهضب من عند العرش، فلعمر الهك ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت الا شقت القبر عنه حتى تخلفه من قبل رأسه، فيستوي جالسا، فيقول ربك: مهيم - لما كان فيه - فيقول: يا رب، أ مس اليوم ولعهده بالحياة يحسبه حديث عهد بأهله). فقلت: يا رسول الله، فكيف يجمعنا بعد ما تمزقنا الرياح والبلي والسباع ؟ فقال: (أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله، أشرقت على الارض وهي مذرة بالية، فقلت لا تحيا هذه أبد ا، ثم أرسل ربك عليها فلم تلبث ألا أياما حتى أشرفت عليها وهيى شربة واحدة، ولعمر الهك لهو أقدر على

[ 405 ]

أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الارض، فتخرجون من الاصواء، ومن مصارعكم فتنظرون إليه وينظر اليكم). قال: قلت: يا رسول الله، كيف ونحن ملء الارض وهو عز وجل شخص واحد ينظر الينا وننظر إليه ؟ قال: (أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله عز وجل: الشمس والقمر آية منه صغيرة ترونهما ويريانكم ساعة واحدة (ولعمر الهك أقدر على أن يراكم وترونه من أن ترونهما ويريانكم) لا تضارون - وفي لفظ: لا تضامون - في رؤيتهما). قلت: يا رسول الله، فما يفعل بنا ربنا إذا لقيناه ؟ قال: (تعرضون عليه بادية له صفحاتكم لا تخفى عليه منكم خا فية، فيأخذ ربك عز وجل بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم، فلعمر الهك ما تخطئ وجه أحد منكم قطرة، فأما المسلم فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء. وأما الكافر فتنضحه أو قال: فتحطمه بمثل الحمم الاسود، ثم ينصرف نبيكم ويتفرق على أثره الصالحون فتسلكون جسرا من النار، فيطأ أحدكم الجمر فيقول: حس، فيقول ربك عز وجل: أو أنه ألا فتطلعون على حوض نبيكم لا يظمأ والله ناهله قط فلعمر الهك ما يبسط أحد منكم يده الا وقع عليها قدح يطهره من الطوف والبول والاذى، وتحبس الشمس والقمر فلا ترون منهما واحدا). قال: قلت يا رسول الله، فبم نبصر يومئذ ؟ قال: (بمثل بصرك ساعتك هذه وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقته الارض وواجهته الجبال). قال: قلت: يا رسول الله، فبم نجزى من سيئاتنا وحسناتنا ؟ قال: (الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها الا أن يعفو). قال: قلت: يا رسول الله، فما الجنة وما النار ؟ قال: (لعمر الهك ان النار لها سبعة أبواب، ما منها بابان الا يسير الراكب بينهما سبعين عاما وان للجنة ثمانية أبواب ما منها بابان الا يسير ا لراكب بينهما سبعين عاما). قال: قلت: يا رسول الله، فعلام نطلع من الجنة ؟ قال: (على أنهار من عسل مصفى وأنهار من خمر ما بها من صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة، ولعمر الهك ما تعلمون، وخير من مثله معه أزواج مطهرة). قال: قلت: يا رسول الله، أو لنا فيها أزواج أو منهن صالحات ؟ قال: (المصلحات للصالحين)، وفي لفظ: (الصالحات للصالحين تلذون بهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذذن بكم غير أن لا توالد). قال لقيط: قلت: يا رسول الله، أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه. فلم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم. قال: قلت: يا رسول الله، علام أبايعك ؟ قال: فبسط رسول الله صلى الله عليه وسلم يده وقال: (على اقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وزيال الشرك، فلا تشرك بالله الها غيره). قال: فقلت: يا رسول الله، وان لنا ما بين المشرق والمغرب ؟ فقبض النبي صلى الله عليه وسلم يد ه وظن أني اشترط عليه شيئا لا يعطينه.

[ 406 ]

قال: قلت: نحل منها حيث شئنا ولا يجني على امرئ الا نفسه ؟ فبسط الي يده وقال: (ذلك لك، تحل حيث شئت ولا يجزي عنك الا نفسك). قال: فانصرفنا عنه. فقال: (ها ان ذين ها ان ذين، من أتقى الناس في الاولى والاخرة). فقال له كعب بن الخدراية، أحد بني بكر بن كلاف: من هم يا رسول الله ؟ قال: (بون المنتفق أهل ذلك منهم). قال: فانصرفنا وأقبلت عليه فقلت: يا رسول الله، هل لاحد ممن مضى من خير في جاهليتهم ؟ فقال ر جل من عرض قريش: والله ان أباك المنتفق لفي النار، قال: فلكأنه وقع حر بين جلدة وجهي ولحمه مما قال لابي، على رؤوس الناس، فهممت أن أقول وأبوك يا رسول الله، ثم إذا الاخرى أجمل، فقلت: يا رسول الله وأهلك ؟ قال: (وأهلي لعمر الله حيث ما أتيت على قبر عا مري أن قرشي أو دوسي قل أرسلني اليك محمد فأبشر بما يسؤك تجر على وجهك وبطنك في النار). قال: قلت: يا رسول الله وما فعل بهم ذلك ؟ وقد كانوا على عمل لا يحسنون الا ايا ه وكانوا يحسبون أنهم مصلحون. قال صلى الله عليه وسلم: (ذلك بأن الله تعالى بعث في آخر كل سبع أمم نبيا، فمن عصى نبيه كان من الضالين ومن أطاع نبيه كان من المهتدين). رواه عبد الله بن الامام أحمد في زوائد المسند، والطبراني. وقال الحافظ أبو الحسن الهيثمي رحمه الله تعالى: أسنادها متصلة ورجالها ثقات. واسناد الطبراني مرسل عن عاصم بن لقيط. وقال في زاد المعاد: (هذا حديث كبير جليل تنادى جلالته وفخامته وعظمته على أنه خرج من مشكاة النبوة، رواه أئمة السنة في كتبهم وتلقوه بالقبول وقابلوه بالتسليم والانقياد، ولم يطعن أحد منهم فيه ولا في أحد من رواته). وسرد (ابن القيم) من رواه من الائمة، منهم البيهقي في كتاب البعث. تنبيهات الاول: قال في زاد المعاد: (قوله عليه الصلاة والسلام: (فيظل يضحك)، هذا من صفات أفعاله سبحانه وتعالى التي لا يشبهه فيها شئ من مخلوقاته كصفات ذاته، وقد وردت هذه القصة في أحاديث كثيرة لا سبيل الى ردها، كما لا سبيل الى تشبيهها، وتحريفها وكذلك قوله: (فأصبح ربك يطوف في الارض)، هو من صفات أفعاله كقوله تعالى: (وجاء ربك والملك صفا صفا) (الحجر 22)، وقوله تعالى: (هل ينظرون الا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك) (الانعام 158). وينزل ربنا كل ليلة الى السماء الدنيا (ويدنو عشية عرفة فيباهي بأهل الموقف الملائكة)، والكلام في الجميع صراط واحد مستقيم، اثبات بلا تمثيل وتشبيه، وتنزيه بلا تحريف وتعطيل.

[ 407 ]

الثاني: قوله: (ما تدع على ظهرها من شئ الا مات والملائكة الذين مع ربك)، قال في زاد المعاد: لا أعلم موت الملائكة جاء في حديث صريح الا في هذا الحديث، وحديث اسماعيل بن رافع الطويل وهو حديث الصور، وقد يستدل عليه بقوله تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الارض الا من شاء الله) (الزمر 68). الثالث: قوله: (فلعمر الهك)، هو قسم بحياة الله تعالى، وفيه دليل على جوا ز الاقسام بصفاته، وانعقاد اليمين بها وأنها قديمة وانه يطلق عليه منها أسماء المصادر، ويوصف بها، وذلك قدر زائد على مجرد الاسماء وأن الاسماء الحسنى مشتقة من هذه المصادر دالة عليها. الرابع: في بيان غريب ما سبق: لقيط: بلام مفتوحة فقاف مكسورة فتحتية ساكنة فطاء مهملة. نهيك: بفتح النون وكسر الهاء وسكون التحتية وكاف. السقط من القول بسين مهملة فقاف مفتوحتين فطاء مهملة: رديئة. ضن ربك: بضاد معجمة فنون مفتوحتين أي لم يطلع غيره عليها. يشرف عليكم: بتحتية مضمومة فشين معجمة ساكنة فراء مكسورة ففاء. آزلين: بهمزة مفتوحة فزاي مكسورة فلام فتحتية ساكنة فنون، من الازل: الشدة والضيق. مشفقين: بميم مضمومة فشين معجمة ساكنة ففاء مكسورة فقاف فتحتية ساكنة فنون، أي خائفين من الاشفاق وهو الخوف. ان غوثكم قريب: بغين معجمة مفتوحة فواو ساكنة فثاء مثلثة: أي اعانتكم. خثعم: بخاء معجمة مفتوحة فمثلثة ساكنة فعين مهملة مفتوحة فميم. تهضب: بمثناة فوقية مفتوحة فهاء ساكنة فضاد معجمة مكسورة فموحدة: مطرت. تخلفه من قبل رأسه: بفتح المثناة الفوقية وسكون الخاء المعجمة فلام مضمومة ففاء، أي تبقى بعده، من الخلف بالتحريك والسكون وهو كل من يجئ بعد من مضى الا أنه بالتحريك في الخير وبالتسكين في الشر. مهيم: بميم مفتوحة فهاء ساكنة فتحتية مفتوحة فميم، كلمة يمانية معناها ما الامر وما الشأن ؟.

[ 408 ]

أنبئك: بهمزة مضمومة فنون ساكنة فموحدة فهمزة: أخبرك. آلاء الله: بألف فهمزة فلام مفتوحتين فهمزة أي نعمه. مذرة: بميم مفتوحة فذال معجمة مكسورة فراء فتاء تأنيث، أي فاسدة بالية. شربة واحدة: قال القتيبي: ان كان بالسكون فانه أراد أن الماء قد كثر فمن حيث أ ردت أن تشرب شربت. الاصواء: بالهمزة المفتوحة والصاد المهملة: القبور. لا تضامون في رؤيتهما: بفتح المثناة الفوقية والضاد المعجمة فألف فميم فواو فنون. صفحاتكم: جمع صفحة وهي أحد جانبي الوجه، وهي بصاد مهملة ففاء فحاء مهملة مفتوحات جمع صفحة. ينضخ: بتحتية مفتوحة فنون ساكنة فضاد معجمة فخاء معجمة: أي يرش قليلا من الماء. الريطة: براء مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة فطاء مهملة فتاء تأنيث: كل ملاءة ليست بلفقين وقيل: كل ثوب رقيق لين. الحمم الاسود: دخان أسود. الجسر: الصراط. حس: بحاء مكسورة فسين مشددة مهملتين: كلمة يقولها الانسان إذا أصابه ما مضه وأحرقه غفلة كالجمرة والضربة ونحوهما. فيقول ربك عز وجل: أو انه: (أي وانه كذلك أو انه على ما تقول وقيل ان بمعنى نعم والهاء للوقف).

[ 409 ]

الباب الخامس والثمانون في وفود محارب إليه صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد (1) رحمه الله تعالى عن أبي وجرة السعدي قال: قدم وفد محارب سنة عشر في حجة الوداع، وهم عشرة نفر منهم سواء بن الحارث، وابنه خزيمة بن سوا، فأنزلوا دار رملة بنت الحدث، وكان بلال يأتيهم بغداء وعشاء الى أن جلسوا مع رسول الله صلى ا لله عليه وسلم يوما من الظهر الى العصر، فأسلموا وقالوا: نحن على من وراءنا، ولم يكن أحد في تلك المواسم التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه فيها على القبائل يدعوهم الى الله ولينصروه، أفظ ولا أغلظ على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان في الوفد رجل منهم فعرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمده النظر، فلما ر آه المحاربي يديم النظر إليه قال: كأنك يا رسول الله توهمني، قال: (لقد رأيتك). قال المحار بي: أي والله لقد رأيتني وكلمتني وكلمتك بأقبح الكلام ورددت عليك بأقبح الرد بعكاظ وأنت تطوف على الناس. فقال صلى الله عليه وسلم: (نعم). فقال المحاربي: (يا رسول الله ما كان في أصحابي أشد عليك يومئذ ولا أبعد عن الاسلام مني) فأحمد الله الذي أبقاني حتى صدقت بك، ولقد مات أولئك النفر الذين كانوا معي على دينهم. فقال صلى الله عليه وسلم: (ان هذه القلوب بيد الله عز وجل). فقال: يا رسول الله، استغفر لي من مراجعتي اياك. فقال صلى الله عليه وسلم: (ان الاسلام يجب ما كان قبله من الكفر،. ومسح رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه خزيمة بن سواء فكانت له غرة بيضاء، وأجازهم كما يجيز الوفد وانصرفوا الى أهليهم. وروى ابن شاهين وأبو نعيم في معرفة الصحابة، وأبو بكر بن خلاد النصيبي في الجزء الثاني من فوائده عن أبان المحاربي ويقال له أبان العبدي قال: (كنت في الوفد فرأيت بياض ابط رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رفع يديه يستقبل بهما ا لقبلة). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: أغلظ العرب وأفظه: بالظاء المعجمة المشالة هما بمعنى شدة الخلق وخشونة الجانب. نائبين: بالنون في أوله من النيابة. توهمني: حذف منه احدى التاءين أي تتوهمني. رأيتك: بضم الفوقية. ورأيتني وكلمتني: بفتح الفوقية فيهما على الخطاب. عكاظ: بعين مهملة مضمومة وكاف مخففة وبعد الالف ظاء معجمة مشالة. فأحمد الله: بفتح الهمزة والميم. يجب: بفتح التحتية وضم الجيم وتشديد الموحدة يقطع.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 436. (*)

[ 410 ]

الباب السادس والثمانون في وفود مرة إليه صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد (1) رحمه الله تعالى عن أشياخ من بني مرة قالوا: قدم وفد بني مرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رجع من تبوك سنة تسع وهم ثلاثة عشر رجلا رأسهم ا لحارث بن عوف، فقالوا: يا رسول الله، انا قومك وعشيرتك، ونحن قوم من بني لؤي بن غالب.. فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (أين تركت أهلك ؟) قال: بسلاح وما والاها. قال: (وكيف البلاد ؟) قال: والله انهم لمسنتون فادع الله لنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم اسقنا الغيث). فأقاموا أياما ثم أرادوا الانصراف الى بلادهم، فجاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مودعين له، وأمر بلالا أن يجيزهم فأجازهم بعشر أواق فضة، وفضل الحارث بن عوف فأعطاه اثنتي عشرة أوقية، ورجعوا الى بلادهم فوجدوها قد أمطرت. فسألوا متى مطرتم ؟ فإذا هو ذلك اليوم الذي دعا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقدم عليه وهو يتجهز لحجة الوداع قادم منهم فقال: يا رسول الله، رجعنا الى بلادنا فوجدناها مصبوبة مطرا في ذلك اليوم الذي دعوت لنا فيه، ثم قلدتنا أقلاد الزرع في كل خمس عشرة (ليلة) مطرة جودا ولقد رأيت الابل تأكل وهي بروك، وان غنمنا ما توارى من أبياتنا فترجع فتقيل في أهلنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحمد لله الذي هو صنع ذلك). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: مرة: بميم مضمومة فراء مشددة فتاء تأنيث. الحارث: بحاء مهملة فألف فراء فمثلثة. ابن عوف: بعين مهملة فواو ففاء. سلاح: بسين مهملة مكسورة فلام فألف فحاء مهملة: ما أعددته للحرب من آلة الحديد مما يقاتل به، والسيف وحده يسمى سلاحا. وما والاها: يقال رباعيا وثلاثيا. الاوقية: أربعون درهما جمعها أواقي بالتشديد والتخفيف. بروك: بموحدة فراء مضمومة فواو فكاف أي باركة.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 63. (*)

[ 411 ]

الباب السابع والثمانون في وفود مزينة إليه صلى الله عليه وسلم روى الامام احمد (1)، والطبراني، وأبو نعيم عن النعمان بن مقرن رضي الله تعالى عنه قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أربعمائة من مزينة وجهينة، فأمرنا بأمره، فقال القوم: يا رسول الله ما لنا من طعام نتزوده. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله تعالى عنه: (زود القوم). فقال: يا رسول الله ما عندي الا فضلة من تمر وما أراها تغني عنهم شئيا. قال: (انطلق فزودهم). فانطلق بنا الى علية فإذا تمر مثل البكر الاورق. فقال: خذوا. فأخذ ا لقوم حاجتهم. قال: وكنت في آخر القوم فالتفت وما أفقد موضع تمرة، وقد احتمل منه أربعمائة وكأنا لم نرزأه تمرة. وفي لفظ: فنظرت وما أفقد موضع تمرة من مكانها. وروى ابن سعد (2) عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده قال: كان أول من وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم من مضر أربعمائة من مزينة، وذلك في رجب سنة خمس فجعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الهجرة في دارهم وقال: (أنتم مهاجرون حيث كنتم فارجعوا الى أموالكم)، فرجعوا الى بلادهم. وقال (ابن سعد: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي أخبرنا أبو مسكين وأبو عبد الرحمن العجلاني قالا): قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من مزينة منهم خزاعي بن عبد نهم، فبايعه على قومه مزينة، وقدم معه عشرة منهم، فيهم بلال بن الحارث، والنعمان بن مقرن، وأبو أسماء، وأسامة، وعبد الله بن بردة، وعبد الله بن درة وبشر بن المحتفز، و كان منهم دكين ابن سعيد، وعمرو بن عوف. قال: وقال هشام في حديثه: ثم ان خزاعيا خرج الى قومه فلم يجدهم كما ظن، فأقام، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه فقال: (إذ كر خزاعيا ولا تهجه) (3) فقال حسان بن ثابت: ألا أبلغ خزاعيا رسولا بأن الذم يغسله الوفاء وانك خير عثمان بن عمرو وأسناها إذا ذكر السناء وبايعت الرسول وكان خيراالى خير وأداك الثراء


(1) أخرجه أحمد في المسند 5 / 445. (2) أخرجه ابن سعد 1 / 2 / 38 وأحمد 4 / 55. (3) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 2 / 38. (*)

[ 412 ]

فما يعجزك أو ما لا تطقه من الاشياء لا تعجز عداء قال: وعداء بطنه الذي هو منه. قال: فقام خزاعي فقال: يا قوم، قد خصكم شاعر الرجل، فأنشدكم الله. قالوا: فانا لا ننبو عليك. قال: وأسلموا ووفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم لواء مزينة يوم الفتح الى خزاعي، وكانوا يومئذ ألف رجل وهو أخو المغفل أبي عبد الله بن المغفل، وأخو عبد الله ذي البجادين. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: البكر: بموحدة مفتوحة وكاف ساكنة فراء: الفتي من الابل. الاورق: بهمزة مفتوحة فواو ساكنة فراء فقاف هو الاسمر. نرزأه: بنون مفتوحة فراء ساكنة فزاي مفتوحة فهمزة فهاء أي ننقصه.

[ 413 ]

الباب الثامن والثمانون في وفود معاوية بن حيدة إليه صلى الله عليه وسلم روى الامام احمد، والبيهقي (1) عن معاوية بن حيدة رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دفعت إليه قال: (أما اني سألت الله عز وجل ان يعينني عليكم بالسنة فتحفيكم وبالرعب أن يجعله في قلوبكم). فقال معاوية بن حيدة بيديه جميعا: أما أني خلقت هكذا وهكذا، أي لا أؤمن بك ولا أتبعك، فما زالت السنة تحفيني، وما زال الرعب يرعب في قلبي حتى وقفت بين يديك فبالله الذي أرسلك بماذا بعثك الله به عز وجل ؟ قال: (بعثني بالاسلام). قال: وما الاسلام ؟ قال: (شهادة ألا اله الا الله، وأن محمدا عبده ورسوله وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة، أخوان نصيران، لا يقبل الله عز وجل من أحد توبة أشرك بعد اسلامه). قال: قلت: يا رسول الله، ما حق زوج أحد منا عليه ؟ قال: (يطعمها إذا طعم ويكسوها إذا اكتسى ولا يضرب الوجه ولا يقبح ولا تهجر الا في المبيت). وفي رواية: ما تقول: في نساءنا ؟ قال: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم) (البقرة 223). قال فينظر أحدنا الى عورة أخيه. قال: (لا). قال: فإذا تفرقا. قال: (فضم رسول الله صلى الله عليه وسلم احدى فخذيه على الاخرى، ثم قال: (ههنا تحشرون ههنا تحشرون ههنا تحشرون - ثلاثا - يعني الشام - ركبانا ومشاة وعلى وجوهكم موفون يوم القيامة سبعين أمة، أنتم آخر الامم وأكرمها على الله تعالى وعلى أفواهكم الفدام، وأول ما يعرب عن أحدكم فخذه). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: حيدة: بحاء مهملة مفتوحة فتحتية ساكنة فدال مهملة فتاء تأنيث. تحفيكم: بفوقية مضمومة فحاء مهملة ساكنة ففاء فتحتية: تستأصلكم. الفدام: بفاء مكسورة فدال مهملة فألف فميم: ما يشد على فم الابريق والكوز من خرقة لتصفية الشراب الذي فيه، والمعنى أنهم يمنعون الكلام بأفواههم حتى تتكلم جوارحهم فشبه ذلك بالفدام.


(1) أخرجه البيهقي في السنن 7 / 295، والدلائل 5 / 378، وأحمد في المسند 5 / 3. (*)

[ 414 ]

الباب التاسع والثمانون في وفود مهرة إليه صلى الله عليه وسلم قال ابن سعد (1) رحمه الله تعالى: قالوا: قدم وفد مهرة عليهم مهري بن الابيض فعرض عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسلام، فأسلموا ووصلهم وكتب لهم: (هذا كتاب من محمد رسول الله لمهري بن الابيض على من آمن به من مهرة ألا يؤكلوا ولا يعركوا وعليهم اقا مة شرائع الاسلام، فمن بدل فقد حارب، ومن آمن به فله ذمة الله وذمة رسوله، اللقطة مؤداة، والسارحة منداة، والنفث السيئة، والرفث الفسوق). وكتب محمد بن مسلمة الانصا ري. وروى ابن سعد عن معمر بن عمران المهري عن أبيه قال: وفد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مهرة يقال له زهير - وفي لفظ - ذهبن - ابن قرضم بن العجيل (ابن قثات) فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدنيه ويكرمه ليبعد مسافته، فلما أراد الانصراف بتته وحمله، وكتب له كتابا فكتابه عندهم (الى اليوم). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: مهرة: (بميم مفتوحة فهاء ساكنة فراء فتاء تأنيث). لا يؤكلوا: أي لا يغار عليهم. ولا يعركوا: (من عركت الماشية النبات: أكلته أي يؤكل نباتهم). السارحة: بسين مهملة مفتوحة فألف فراء فحاء مهملة فتاء تأنيث: الماشية تسرح الى المرعى. منداة: (التندية أن يورد الرجل الابل والخيل فتشرب قليلا ثم يردها الى المرعى ساعة ثم تعاد الى الماء). زهير: (بضم الزاي وفتح الهاء فمثناة تحتية ساكنة فراء). ذهبن: (بذال معجمة مفتوحة فهاء ساكنة فموحدة مفتوحة فنون). قرضم: (بقاف مكسورة فراء ساكنة فضاد معجمة مكسورة فميم). العجيل: (بضم العين المهملة وفتح الجيم فمثناة تحتية ساكنة فلام).


(1) انظر الطبقات 2 / 117. (*)

[ 415 ]

الباب التسعون في قدوم نافع بن زيد الحميري عليه زاده الله تعالى فضلا وشرفا لديه ذكر ابن شاهين نافع بن زيد الحميري في الصحابة، وأخرج من طريق زكريا بن يحيى ابن سعيد الحميري عن اياس بن عمرو الحميري أن نافع بن زيد الحميري قدم وافدا على النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من حمير، فقالوا: أتيناك لنتفقه في الدين ونسأل عن أول هذا الامر، قال: (كان الله ولا شئ غيره، وكان عرشه على الماء، ثم خلق القلم فقال: اكتب ما هو كائن، ثم خلق السموات والارض وما بينهما، واستوى على عرشه). الباب الحادي والتسعون في وفود علماء نجران إليه صلى الله عليه وسلم وشهادتهم له بأنه النبي الذي كانوا ينتظرونه وامتناع من امتنع عن ملاعنته. روى البيهقي عن يونس بن بكير (عن سلمة بن يسوع) عن أبيه عن جده - قال يونس وكان نصرانيا فأسلم - ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب الى أهل نجران قبل أن ينزل عليه: (طس) (النمل 1) (انه من سليمان وانه بسم الله الرحمن الرحيم) (النمل 3)، يعني ا لنمل، (بسم اله ابراهيم واسحاق ويعقوب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم الى أسقف نجران وأ هل نجران ان أسلمتم فاني أحمد اليكم اله ابراهيم واسحاق ويعقوب، أما بعد فاني أدعوكم الى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم الى ولاية الله من ولاية العباد، فان أبيتم فالجزية، فان أبيتم فقد آذنتكم بحرب والسلام). فلما أتى الاسقف الكتاب وقرأه قطع به وذعرا شديدا، فبعث الى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة، وكان من همدان. ولم يكن أحد يدعى إذا نزلت معضلة الا الايهم وهو السيد والعاقب. فدفع الاسقف كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى شرحبيل وقرأه فقال الاسقف: يا أبا مريم ما رأيك ؟ فقال شرحبيل: قد علمت ما وعد الله ابراهيم في ذرية اسما عيل من النبوة فما تؤمن أن يكون هذا هو ذاك الرجل، ليس لي في النبوة رأي، ولو كان أمرا من أ مور الدنيا لأشرت عليك فيه برأي وجهدت لك. فقال له الاسقف: تنح فاجلس ناحية. فتنحى شرحبيل فجلس ناحية. فبعث الاسقف الى رجل من أهل نجران يقال له عبد الله بن شرحبيل وهو من ذي أصبح من حمير، فأقرأه الكتاب وسأله ما الرأي ؟ فقال نحوا من قول شرحبيل بن وداعة. فقال له الاسقف: تنح فاجلس، فتنحى فجلس ناحية. ثم بعث الاسقف الى رجل من أهل نجران يدعى

[ 416 ]

جبار بن فيض من بني الحارث بن كعب أحد بني الحماس، فأقرأه الكتاب وسأله عن الرأي فيه فقال مثل قول شرحبيل بن وداعة، وعبد الله بن شرحبيل، فأمره الاسقف فجلس نا حية. فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعا أمر الاسقف بالناقوس فضرب به، ورفعت النيران السرج في الصوامع وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا نهارا فان فزعوا بالليل ضربوا بالناقوس ورفعوا النيران في الصوامع. فاجتمع حين ضرب بالناقوس ورفعت السرج أ هل الوادي أعلاه وأسفله، وطول الوادي مسيرة يوم للراكب السريع، وفيه ثلاث وسبعون قرية، ومائة ألف مقاتل، فقرأ عليهم الاسقف كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألهم عن الرأي فيه. فاجتمع رأي أهل الرأي منهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة الهمداني، وعبد الله بن شرحبيل الاصبحي، وجبار بن فيض الحارثي فيأتوهم بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن اسحاق: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران، ستون راكبا، فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم منهم العاقب وهو عبد المسيح والسيد وهو الايهم، وأبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل، وأوس، والحارث، وزيد، وقيس، ويزيد، وخويلد، وعمرو، وخالد، وعبد الله، ويحنس، منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم: العاقب أمير القوم وذو رأيهم وصاحب مشورتهم والذي لا يصدرون الا عن رأيه، واسمه عبد المسيح والسيد ثمالهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم واسمه الايهم. وأبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل أسقفهم وحبرهم وامامهم، وصاحب مدارسهم، وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم حتى حسن علمه في دينهم، فكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه ومولوه وأخدموه وبنوا له الكنائس وبسطوا عليه الكرامات لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم. فانطلق الوفد حتى إذا كانو ا بالمدينة وضعوا ثياب السفر عنهم ولبسوا حللا لهم يجرونها من حبرة وتختموا بالذهب. وفي لفظ: دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده (في المدينة) حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات: جبب وأردية في جمال رجال بني الحارث بن كعب. فقال بعض من رآهم من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ: ما رأينا وفدا مثلهم. وقد حازت صلاتهم. فقاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون نحو المشرق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوهم). ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلموا عليه فلم يرد عليهم السلام، وتصدوا لكلامه نهارا طويلا فلم يكلمهم وعليهم تلك الحلل والخواتيم الذهب. فانطلقوا يتبعون عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنهما وكانو ا

[ 417 ]

يعرفونهما، فوجدوهما في ناس من المهاجرين والانصار في مجلس فقالوا لهما: يا عثمان ويا عبد الرحمن، ان نبيكما كتب الينا كتابا فأقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا، وتصدينا لكلامه نهارا طويلا فأعيانا أن يكلمنا فما الرأي منكما ؟ أنعود إليه أم نرجع الى بلادنا ؟. فقالا لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وهو في القوم: ما الرأي في هؤلاء القو م يا أبا الحسن ؟ فقال لهما: أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ويلبسوا ثياب سفرهم ثم يعودوا إليه. ففعل وفد نجران ذلك ووضعوا حللهم ونزعوا خواتيمهم ولبسوا ثياب سفرهم ورجعوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه فرد عليهم سلامهم ثم قال: (والذي بعثني بالحق لقد أتوني المرة الاولى وأن ابليس لمعهم). ذكر دعائه صلى الله عليه وسلم وفد نجران الى الاسلام وما دار بينه وبينهم: روى الحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وابن سعد، وعبد بن حميد عن الازرق بن قيس رحمه الله تعالى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا وفد نجران الى الاسلام فقال العاقب السيد، عبد المسيح، وأبو حارثة بن علقمة، قد أسلمنا يا محمد، فقال: (انكما لم تسلما). قالا: بلى وقد أسلمنا قبلك. قال: (كذبتما، يمنعكما من الاسلام ثلاث فيكما: عبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير وزعمكما أن لله ولدا). ثم سألهم وسألوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا له: ما تقول في عيسى ابن مريم ؟ فانا نرجع الى قومنا ونحن نصارى، يسر نا ان كنت نبيا أن نعلم قولك فيه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما عندي فيه شئ يومي هذا، فأقيموا حتى أ خبركم بما يقول الله في عيسى). وروى ابن جرير عن عبد الله بن الحارث بن جزء الربيدي رضي الله تعالى عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ثبت بيني وبين أهل نجران حجاب فلا أر اهم ولا يروني)، من شدة ما كانوا يمارون رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى. وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس، وابن سعد عن الازرق بن قيس، وابن جرير عن السدي، وابن جرير، وابن المنذر عن أبي جريج: أن نصارى نجران قالوا: يا محمد، فيم تشتم صاحبنا ؟ قال: (من صاحبكم) ؟ قالوا: عيسى ابن مريم تزعم انه عبد. قال: (أجل انه عبد الله وروحه وكلمته، ألقاها الى مريم وروح منه). فغضبوا وقالوا: لا ولكنه هو الله نزل من ملكه فدخل في جوف مريم ثم خرج منها فأرانا قدرته وأمره، فهل رأيت قط انسانا خلق من غير أب ؟. فأنزل الله تعالى: (لقد كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح ابن مريم) (المائد ة 17)

[ 418 ]

وأنزل الله تعالى: (ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون) (آل عمران 59) أي في كونه خلق من غير أب كمثل آدم خلقه من تراب يابس فجعله بشرا: لحما ودما (ثم قال له كن فيكون) فمثل عيسى عند الله كمثل آدم أي شأنه الغريب كشأن آدم عليهما السلام. (خلقه من تراب) جملة مفسرة للتمثيل لما له من الشبه وهو أنه تعالى خلق آدم من تراب بلا أب ولا أم فشبه حاله بما هو أغرب افحاما للخصم وقطعا لمواد الشبهة، والمعنى خلق قالبه من تراب ثم قال له (كن) أي أنشأه بشرا سويا بقوله (كن) كقوله تعالى: (ثم أنشأناه خلقا آخر) (المؤمنون 14). ويجوز أن تكون (ثم) لتراخي الخبر لا المخبر فيكون حكاية حال ماضية. (الحق من ربك) (آل عمران 60) خبر محذوف أي الحق من الله عز وجل، (فلا تكن من الممترين (2)) خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لزيادة الثبات أو لكل سامع. فلما أصبحوا عادوا فقرأ عليهم الايات فأبوا أن يقرأوا. وفي ذكر طلبه صلى الله عليه وسلم مباهلة أهل نجران بأمر الله تعالى وامتناعهم من ذلك قال الله سبحانه وتعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم) (آل عمران 61) أي جادلك من النصارى في عيسى من بعد ما جاءك من البينات الموجبة للعلم. (فقل تعالوا) (آل عمران 61) هلموا بالرأي والعزم (ندع أبناءنا وأبناء كم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم) (آل عمران 61) أي يدع كل منا ومنكم نفسه وعزة أهله وألصقهم بقلبه أي المباهلة، وانما قدم على النفس لان الرجل يخاطر بنفسه لهم ويحا رب دونهم، ثم نتباهل أي يلعن الكاذب منا، والبهلة بالضم (والفتح) اللعنة وأصله الترك من قولهم بهلت الناقة إذا تركنها بلا صرار. (ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) (آل عمران 61) عطف فيه بيان. (ان هذا لهو القصص الحق) (آل عمران 62) أي ما ذكره من شأن عيسى حق دون ما ذكروه وما بعده خبر، واللام لانه أقرب الى المبتدأ من الخبر وأصلها أن تدخل على المبتدأ. (وما من اله الا الله) (آل عمران 62) صرح فيه (بمن) المزيدة للاستقراء تأكيدا للرد على النصارى في تثنيتهم. (وان الله لهو العزيز الحكيم) لا أحد يساويه في القدرة الثابتة والحكمة البالغة ليشاركه في الالوهية. (فان تولوا فان الله عليم بالمفسدين) (آ ل عمران 63) وعيد لهم وضع لهم موضع التميز ليدل على أن التولي عن الحجج والاعراض عن التوحيد افساد للدين والاعتقاد المؤدي الى فساد العلم. وروى الحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل عن جابر، وأبو نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، والبيهقي عن سلمة بن عبد يسوع عن أبيه عن جده والشيخ،

[ 419 ]

والترمذي، والنسائي عن حذيفة، وابن سعد عن الازرق بن قيس، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبو نعيم عن ابن عباس في الدلائل عن قتادة، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور، وعبد بن حمية، وابن جرير، وأبو نعيم عن الشعبي رضي الله تعالى عنهم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الايات دعا وفد نجران الى المباهلة فقال: (ان الله تعالى أمرني ان لم تقبلو ا هذا أن أباهلكم). فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننتظر في أمرنا. وفي حديث ابن عبا س عن أبي نعيم في الدلائل: فقالوا: أخرنا ثلاثة أيام، فخلا بعضهم الى بعض وتصادقوا. فقال السيد العاقب: والله يا معشر النصارى لقد عرفتم ان محمدا لنبي مرسل ولئن لاعنتموه ليخسفن بأحد الفريقين انه للاستئصال لكم، وما لاعن قوم قط نبيا فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم. وفي رواية: فقال شرحبيل: لئن كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلاعناه لا يبقى على وجه الارض منا شعر ولا ظفر الا هلك. وفي رواية: لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، وفي رواية: لئن لاعنتموه ليخسفن بأحد الفريقين. قالوا: فما الرأي يا أبا مريم ؟ فقال: رأيي أن أحكمه فاني أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا. فقال السيد: فان كنتم قد أبيتم الا ألف دينكم والاقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل ثم انصرفوا الى بلادكم. فلما انقضت المدة أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتملا على الحسن والحسين في خميلة له وفاطمة تمشي عند ظهره للملاعنة، وله يومئذ عدة نسوة. فقال صلى الله عليه وسلم: (ان أنا دعوت فأمنوا أنتم). وروى مسلم، والترمذي، وابن المنذر، والحاكم في السنن عن سعد بن أبي وقاص عن علي بن أحمر قالا: لما نزلت آية المباهلة دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: (اللهم هؤلاء أهل بيتي) (1). انتهى. فتلقى شرحبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اني قد رأيت خيرا من ملاعنتك. فقال: (وما هو ؟) فقال: حكمك اليوم الى الليل وليلتك الى الصباح فما حكمت فينا فهو جائز. وأبوا أن يلاعنوه. وروى عبد الرزاق، والبخاري، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم قال: لو باهل أهل نجران رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا. وروي عن الشعبي مرسلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لقد أراني البشير بهلكة أهل نجران حتى الطير على الشجر ولو تموا على الملاعنة). وروي عن قتادة مرسلا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان كان العذاب لقد نزل على أهل نجران، ان لو فعلوا لاستؤصلوا من الارض).


(1) أخرجه الحاكم 4 / 1871 (32 - 2404). (*)

[ 420 ]

ذكر مصالحة رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل نجران بعثه معهم أبا عبيدة: رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يلاعنهم حتى إذا كان من الغد كتب لهم هذا الكتاب: (بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما كتب محمد النبي رسول الله لاهل نجرا ن - إذا كان عليهم حكمه - في كل ثمرة وفي كل صفراء وبيضاء ورقيق فأفضل ذلك عليهم، وترك ذلك كله (لهم) على ألفي حلة من حلل الاواقي في كل رجب ألف حلة، وفي كل صفر ألف حلة، مع كل حلة أوقية من الفضة، فما زادت على الخراج أو نقصت عن الاواقي فبالحساب، وما قضوا من دروع أو خيل أو ركاب أو عروض أخذ منهم بالحساب، وعلى نجران مؤنة رسلي ومتعتهم ما بين عشرين يوما فما دون ذلك، ولا تحبس رسلي فوق شهر. وعليهم عارية ثلاثين درعا وثلاثين فرسا وثلاثين بعيرا إذا كان كيد ومعرة، وما هلك مما أعاروا رسلي من دروع أو خيل أو ركاب (أو عروض) فهو ضمين على رسلي حتى يؤدوه إليهم. ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبيعهم (وصلواتهم) (وكل ما تحت أيد يهم من قليل أو كثير) وألا يغيروا مما كانوا عليه بغير حق من حقوقهم ولا ملتهم، ولا يغير أسقف عن اسقفيته ولا راهب من رهبانيته، وليس عليهم دنية ولا دم جاهلية ولا يحشرون ولا يعشر ون ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل منهم حقا فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين. (على ألا يأكلوا الربا) فمن أكل الربا من ذي قبل فذمتي منه بريئة ولا يؤخذ رجل منهم بظلم آ خر، وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة النبي محمد رسول الله أبدا حتى يأتي الله بأمره ما نصحوا وأصلحوا ما عليهم غير مثقلين بظلم). شهد أبو سفيان بن حرب، وغيلان بن عمرو، ومالك بن عوف النصري، والاقرع بن حابس الحنظلي والمغيرة بن شعبة. وفي لفظ: أن الاسقف أبا الحارث أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه السيد العاقب ووجوه قومه وأقاموا عنده يستمعون ما ينزل الله عز وجل فكتب للاسقف هذا الكتاب ولاساقفة نجرا ن بعده يقول فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي رسول الله للاسقف أبي الحار ث وأساقفة نجران وكهنتهم ورهبانهم وأهل بيعهم ورقيقهم وكل ما تحت أيديهم من قليل أ وكثير، لا يغير أسقف من أسقفيته وراهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته، ولا يغير حق من حقوقهم ولا سلطانهم ولا مما كانوا عليه، لهم على ذلك جوار الله تعالى ورسوله أبدا، ما نصحوا وأصلحوا غير مثقلين بظلم ولا ظالمين). وكتب المغيرة بن شعبة. فلما قبض الاسقف الكتاب استأذن في الانصراف الى قومه ومن معه فأذن لهم فانصرفوا.

[ 421 ]

وروى البيهقي باسناد صحيح الى ابن مسعود أن السيد العاقب وأبا الحارث بن علقمة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرادا أن يلاعناه، فقال أحدهما لصاحبه: لا تلا عنه فوالله لئن كان نبيا فلاعنته لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. فقالا: يا أبا القاسم قد رأينا ألا نلاعنك وأن نتركك على دينك ونرجع على ديننا ولكن ابعث معنا رجلا أمينا ولا تبعث معنا الا أمينا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لابعثن معكم رجلا أمينا حق أمين) فاستشرف لها أصحابه. فقال: (قم يا أبا عبيدة بن الجراح). فلما قام قال: (هذا أمين هذه الامة). ورواه البخاري في صحيحه من حديث حذيفة بنحوه (1). ذكر محاجة أهل نجران ويهود المدينة في ابراهيم وما نزل في ذلك من الايات قال ابن اسحاق: وحدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: حدثني سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا عنده، فقالت الاحبار: ما كان ابراهيم الا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان الا نصرانيا. فأنزل الله عز وجل: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في ابراهيم وما أنزلت التواراة والانجيل الا من بعده أفلا تعقلون ها أنتم هؤ لاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون. ما كان ابراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين. ان أولى الناس بابراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) (آل عمران 65 - 68). فقال رجل من الاحبار: أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم ؟ وقال رجل من نصارى نجران: أو ذلك تريد يا محمد واليه تدعونا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (معاذ الله أن اعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني ولا أمرني). فأنزل الله عز وجل في ذلك: (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) (آل عمران 79 - 80). ثم ذكر ما أخذ عليهم وعلى آبائهم من الميثاق بتصديقه واقرارهم به على أنفسهم، فقال: (وإذا اخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاء كم


(1) أخرجه البخاري في كتاب أخبار الاحاد (7254). (*)

[ 422 ]

رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم اصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) (آل عمران 81). ذكر رجوع وفد نجران الى بلادهم وما وقع في ذلك من الايات ثم لما قبضوا كتابهم انصرفوا الى نجران ومع الاسقف أخ له من أمه وهو ابن عمه من النسب يقال له بشر بن معاوية وكنيته أبو علقمة. فدفع الوفد كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الاسقف فبينا هو يقرأه، وأبو علقمة معه، وهما يسيران إذ كبت ببشر ناقته فتعس بشر غير أنه لا يكني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الاسقف عند ذلك: قد والله تعست نبيا مرسلا. فقال له بشر: لا جرم والله لا أحل عقدا حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فصرف وجه نا قته نحو المدينة وثنى الاسقف ناقته عليه. فقال له: افهم عني انما قلت هذا ليبلغ عني العرب مخافة أن يقولوا أنا أخذنا حقه (أو رضينا بصوته) أو نجعنا لما لم تنجع به العرب، ونحن أعزهم وأجمعهم دارا. فقال له بشر: لا والله لا أقبل ما خرج من رأسك أبدا، فضرب بشر ناقته، وهو مولي الاسقف ظهره وارتجز يقول: اليك تعدو قلقا وضينها معترضا في بطنها جنينها مخالفا دين النصارى دينها حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ولم يزل معه حتى قتل بعد ذلك. قال: ودخل الوفد نجران فأتى الراهب ليث بن أبي شمر الزبيدي وهو في رأس صومعته. فقال له: ان نبيا بعث بتهامة، فذكر ما كان من وفد نجران الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه عرض عليهم الملاعنة فأبوا وان بشر بن معاوية دفع إليه فأسلم. فقال الراهب: أنزلوني والا ألقيت نفسي من هذه ا لصومعة. قال: فأنزلوه فانطلق الراهب بهدية الى رسول الله صلى الله عليه وسلم منها هذا ا لبرد الذي يلبسه الخلفاء والقعب والعصا. فأقام الراهب مدة بعد ذلك يسمع الوحي والسنن والفرائض والحدو د، ثم رجع الى قومه ولم يقدر له الاسلام ووعد أنه سيعود فلم يعد حتى قبض رسول الله صلى ا لله عليه وسلم.

[ 423 ]

الباب الثاني والتسعون في وفود النخع إليه صلى الله عليه وسلم روى ابن سعد (1) عن أشياخ من النخع قالوا: بعثت النخع رجلين منهم الى النبي صلى الله عليه وسلم، وافدين باسلامهم: أرطأة بن شراحيل بن كعب من بني حارثة بن سعد بن مالك بن النخع، والجهيش واسمه الارقم من بني بكر بن عوف بن النخع. فخرجا حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض عليهما الاسلام فقبلاه وبايعاه على قومهما، فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم شأنهما وحسن هيئتهما، فقال: (هل خلفتما وراءكما قومكما مثلكما ؟) فقالا: يا ر سول الله، قد خلفنا وراءنا من قومنا سبعين رجلا كلهم أفضل منا، وكلهم يقطع الامر وينفذ الاشياء ما يشاركوننا في الامر إذا كان. فدعا لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقومهما بخير وقال: (اللهم بارك في ا لنخع). وعقد لأرطأة لواء على قومه، فكان في يده يوم الفتح، وشهد به القادسية، فقتل يومئذ فأخذه أخوه دريد فقتل رحمهما الله فأخذه سيف بن الحارث من بني جذيمة فدخل به الكوفة. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو لهذا الحي من النخع، أو قال: يثني عليهم، حتى تمنيت أني رجل منهم، رواه الامام احمد برجال ثقات، البزار وا لطبراني. قصة أخرى: قال محمد بن عمر الاسلمي: كان آخر من قدم من الوفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد النخع، وقدموا من اليمن للنصف من المحرم سنة احدى عشرة، وهم مائتا رجل، فنزلوا دار رملة بنت الحدث ثم جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرين بالاسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل باليمن، فكان فيهم زرارة بن عمرو. قال: أخبرنا هشام بن محمد هو زر ارة بن قيس ابن الحارث بن عدي، وكان نصرانيا. وروى ابن شاهين من طريق أبي الحسن المدائني عن شيوخه، ومن طريق ابن الكلبي قال: حدثني رجل من جرم عن رجل منهم قال: وفد رجل من النخع يقال له زرارة بن عمر و على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، اني رأيت في سفري هذا ر ؤيا هالتني، وفي رواية: رأيت عجبا. قال: (وما رأيت ؟) قال: رأيت أتانا تركتها في الحي كأنها ولدت جديا أسفع أحوى. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل لك من أمة تركتها مصرة حملا ؟) قال: نعم تركت أمة لي أظنها قد حملت قال: (فانها قد ولدت غلاما وهو ابنك). فقال: يا رسول الله، ما باله أسفع أحوى ؟ قال (ادن مني) فدنا منه. فقال: (هل بك برص تكتمه ؟) قال: والذي بعثك بالحق نبيا


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 109. (*)

[ 424 ]

ما علم به أحد ولا اطلع عليه غيرك. قال: (فهو ذلك). قال: يا رسول الله، ورأيت النعمان بن المنذر وعليه قرطان ودملجان ومسكتان. قال: (ذلك ملك العرب عاد الى أحسن زيه وبهجته). قال: يا رسول الله، ورأيت عجوزا شمطاء خرجت من الارض قال: (تلك بقية الدنيا). قال: ورأيت نارا خرجت من الارض فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو، ورأيتها تقول: لظى لظى، بصير وأعمى، أطعموني آكلكم آكلكم، أهلككم وما لكم. فقال البني صلى الله عليه وسلم: (تلك فتنة في آخر الزمان). قال: وما الفتنة يا ر سول الله ؟ قال: (يقتل الناس امامهم ثم يشتجرون اشتجار أطباق الرأس - وخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم - يحسب ا لمسئ أنه محسن ودم المؤمن عند المؤمن أحلى من شرب الماء، ان مات ابنك أدركت الفتنة وا ن مت أنت أدركها ابنك). فقال: يا رسول الله، ادع الله ألا أدركها. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اللهم لا يدركها). فمات وبقي ابنه، وكان ممن خلع عثمان رضي الله تعالى عنه. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: النخع: بفتح النون والخاء المعجمة وبالعين المهملة. أرطأة: بهمزة مفتوحة فراء ساكنة فطاء مهملة فألف فتاء تأنيث. الأتان: بفتح الهمزة ففوقية فألف فنون: الانثى من الحمر. المسكة: بفتح الميم والسين المهملة والكاف فتاء تأنيث: السوار والخلاخيل من الذبل وهي قرون الاوعال قاله ابن سيده.

[ 425 ]

الباب الثالث والتسعون في وفود بني هلال بن عامر إليه صلى الله عليه وسلم قالوا: وفد زياد بن عبد الله بن مالك على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما دخل المدينة توجه الى منزل ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم وكانت خالد زياد - أمه عزة بنت الحارث - وهو يومئذ شاب. فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو عندها. فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب فرجع فقالت: يا رسول الله هذا ابن اختي فدخل إليها ثم خرج حتى أتى المسجد ومعه زياد، فصلى الظهر ثم أدنى زيادا فدعا له ووضع يده على رأسه ثم حدرها على طرف أنفه فكانت بنو هلال تقو ل ما زلنا نعرف البركة في وجه زياد. وقال الشاعر لعلي بن زياد: يابن الذي مسح النبي برأسه ودعا له بالخير عند المسجد أعني زيادا لا أريد سواءه من غائر أو متهم أن منجد ما زال ذاك النور في عرنينه حتى تبوأ بيته في الملحد وروى ابن سعد عن علي بن محمد القرشي قال: قالوا: وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من بني هلال فيه عبد عوف بن أصرم بن عمرو، فسأله عن اسمه فأخبره فقال: (أنت عبد الله)، فأسلم، ومنهم قبيصة بن المخارق قال: يا رسول الله: اني حملت عن قومي حمالة فأ عني فيها قال: (هي لك في الصدقة إذا جاءت) (1). وروى مسلم عن قبيصة بن مخارق الهلالي رضي الله تعالى عنه قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها فقال: (أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها) قال: ثم قال: (يا قبيصة ان المسألة لا تحل الا لاحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال سدادا من عيش - ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش - أو قال: سدادا من عيش - فما سواهن (من المسألة) يا قبيصة سحتا يأكلها صاحبها سحتا) (2). تنبيه: في بيان غريب ما سبق: عزة: بعين مهملة مفتوحة فزاي مشددة فتاء تأنيث. متهم: بميم مضمومة فمثناة فوقية ساكنة فهاء مكسورة فميم: يقال للذي أتى تهامة.


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 74. (2) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة (109)، وأبو داود (1640)، والنسائي 5 / 89. (*)

[ 426 ]

غائر: (بغين معجمة فألف فهمزة مكسورة فراء يقال للذي أتى الغور). منجد: بميم مضمومة فنون ساكنة فجيم مكسورة فدال مهملة: من أنجد أتى نجدا أو خرج إليه. العرنين: بعين مهملة مكسورة فراء ساكنة فنونين بينهما تحتية: العرنين الانف وقيل رأسه. الملحد: (بميم مفتوحة فلام ساكنة فحاء مفتوحة فدال مهملتين: الملتجأ). المخارق: (بميم مضمومة فخاء معجمة فألف فراء ساكنة فقاف). الحمالة: حاء مهملة فميم مفتوحتين فألف فلام فتاء تأنيث: ما يتحمله الانسان عن غيره من دية أو غرامة مثل أن يقع حرب بن فريقين يسفك فيها الدماء فيدخل بينهم رجل يتحمل ديات القتلى ليصلح ذات البين، والتحمل أن يحملها عنهم على نفسه. الفاقه: بفاء فقاف مفتوحتين بينهم ألف وآخرها تاء تأنيث: الفقر. الحجى: بحاء مهملة مكسورة فجيم (فألف مقصورة) العقل لانه يمنع الانسان من الفساد ويحفظ من التعرض للهلاك. القوام من العيش: بقاف مكسورة فواو فألف فميم: ما يقوم بحاجته لضرورته. السحت: بسين مضمومة فحاء ساكنة مهملتين وبضمها أيضا وآخره تاء مثناة فوقية: هو الحرام وقيل: الخبيث من المكاسب.

[ 427 ]

الباب الرابع والتسعون في وفود همدان إليه صلى الله عليه وسلم قالوا: قدم وفد همدان على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهم مقطعات الحبرات مكففة بالديباج، وفيهم حمزة بن مالك من ذي مشعار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم الحي همدان ما أسرعها الى النصر وأصبرها على الجهد ومنهم أبدال وأوتاد الاسلام). فأسلموا وكتب لهم النبي صلى الله عليه وسلم كتابا بمخلاف خارف، ويام، وشاكر، وأهل الهضب، وحقاف الرمل من همدان لمن أسلم منهم (1). وفي زاد المعاد: (وقدم عليه وفد همدان منهم مالك بن النمط، ومالك بن أيفع، وضمام بن مالك، وعمرو بن مالك فلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند منصرفه من تبوك وعليهم مقطعات الحبرات والعمائم العدنية برحال الميس على الرواحل المهرية والارحبية، ومالك بن النمط يرتجز بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: اليك جاوزن سواد الريف في هبوات الصيف والخريف مخطمات بحبال الليف وذكروا له كلاما حسنا فصيحا، فكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا أقطعهم فيه ما سألوه وأمر عليهم مالك بن النمط واستعمله على من أسلم من قومه، وأمره بقتال ثقيف وكا ن لا يخرج لهم سرح الا أغاروا عليه. وقد روى البيهقي باسناد صحيح من حديث ابن اسحاق عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه الى أهل اليمن يدعوهم الى الاسلام. قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر يدعوهم الى الاسلام، فلم يجيبوه، ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأمره ان يعقب خالدا الا رجلا ممن كان مع خالد أحب ان يعقب مع علي فليعقب معه. قال البراء: فكنت فيمن عقب مع علي. فلما دنونا من القوم خرجوا الينا - فصلى بنا علي ثم صفنا صفا واحدا ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت همدان جميعا. فكتب علي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم باسلامهم، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال: (السلام على همدان، السلام على همدان). وأصل الحديث في صحيح البخاري (2). وهذا أصح مما تقدم. ولم تكن همدان أن تقاتل ثقيفا ولا تغير على سرحهم فان همدان باليمن وثقيفا بالطائف). وقال ابن اسحاق: (فقام مالك بن نمط بين يديه فقال: يا رسول الله نصية من همدا ن


(1) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 2 / 74، وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق 4 / 440، وذكره المتقي الهندي في الكنز (34030). (2) أخرجه البيهقي في السنن 2 / 366، وفي الدلائل 5 / 369، وأصله في البخاري كتا ب المغازي 7 / 663. (*)

[ 428 ]

من كل حاضر وباد، أتوك على قلص نواح (متصلة بحبائل الاسلام، لا تأخذهم في الله لومة لائم من مخلاف خارف ويام) وشاكر، أهل السواد والقود، أجابوا دعوة الرسول، وفا رقوا الالهات والانصاب، عهدهم لا ينقض (عن سنة ما حل، ولا سوداء عنقفير) ما أقام لعلع، وما جرى اليعفور بصيلع). فكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم: هذا كتاب من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم لمخلاف خارف، وأهل جناب الهضب، وحقاف الرمل، مع وافدها ذي المشعار مالك بن نمط، ومن أسلم من قومه أن لهم فراعها ووهاطها وعزازها) ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، يأكلون ظلافها، ويرعون عفاءها (لنا من دفئهم وصرامهم ما سلموا بالميثاق والامانة ولهم من الصدقة الثلب والتاب والفصيل والفارض والداجن والكبش الحوري وعليهم فيها الصالغ والقارح) لكم بذلك عهد الله وذمام رسوله، وشاهدكم المهاجرو ن والانصار). فقال في ذلك مالك بن نمط: ذكرت رسول الله في فحمة الدجى ونحن بأعلى رحرحان وصلدد وهن بنا خوص طلائح تغتلي بركبانها في لاحب متمدد على كل فتلاء الذراعين جسرة تمر بنا مر الهجف الخفيدد حلفت برب الراقصات الى منى صوادر بالركبان من هضب قردد بأن رسول الله فينا مصدق رسول أتى من عند ذي العرش مهتد فما حملت من ناقة فوق رحلها أشد على أعدائه من محمد وأعطى إذا ما طالب العرف جاءه وأمضى بحد المشرفي المهند تنبيه: في بيان غريب ما سبق: همدان: بفتح الهاء وسكون الميم وبالدال المهملة: قبيلة معروفة. وقال الائمة الحفاظ: ليس في الصحابة ولا تابعيهم ولا أتباع التابعين أحد من البلدة: (همذان) التي بفتح الميم وبالذال المعجمة. المقطعات: ثياب قصار لانها قطعت عن بلوغ التمام، وقيل المقطع من الثياب كل ما يفصل ويخاط من قميص وغيره وما لا يقطع منها كالازر والاردية. الحبرات: بكسر الحاء المهملة وفتح الموحدة وبالراء جمع مصبغ باليمن. الديباج: بدال مهملة مكسورة: الثياب المتخذة من الابريسم فارسي معرب وقد تفتح داله. مشعار: بميم مكسورة وشين معجمة ساكنة وعين مهملة أو معجمة. مخلاف: بميم مكسورة فخاء معجمة ساكنة فلام فألف ففاء، من اليمن كالرستاق في العراق.

[ 429 ]

خارف: بخاء معجمة مفتوحة فألف فراء ففاء: قبيلة. يام: بمثناة تحتية فألف فميم: بطن من همدان. شاكر: (بطن من ولد مالك بن زيد بن كهلان). حفاف: الرمل بحاء مهملة مكسورة ففاءين بينهما ألف من أسماء بلادهم. النمط: بنون فميم مفتوحتين فطاء مهملة: نوع من البسط. الخارفي واليامي: نسبة الى خارف ويام. الارحبي: بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الحاء المهملة وبالموحدة نسبة الى قبيلة من همدان. أيفع: بهمزة مفتوحة فتحتية ساكنة ففاء فعين مهملة. الناعطي: بنون وبعد الالف عين مهملة مكسورة فطاء مهملة. السلماني: بفتح السين المهملة وسكون اللام. عميرة: بفتح العين المهملة وكسر الميم المثناة تحتية فراء فتاء تأنيث. العدنية: بفتح العين والدال المهملتين: نسبة الى عدن البلد المشهور. الرواحل: بفتح الراء وكسر الحاء المهملة وباللام: جمع راحلة وهو البعير القوي على الاحمال والاسفار والذي يختاره الرجل لمركبه ورحله على النجابة وتمام الخلق وحسن المنظر، فإذا كانت في جماعة الابل فمركب، والذكر والانثى فيه سواء، والهاء في راحلة للمبالغة. المهرية: بفتح الميم وسكون الهاء وكسر الراء نسبة الى مهرة. حيدان بن عمرو بن الحافي بن قضاعة: حيدان بفتح الحاء المهملة وسكون التحتية وبالدال المهملة وبعدها ألف ونون. الارحبية: نسبة الى أرحب بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الحاء المهملة وبالموحدة. يرتجز: أي يقول الرجز وهو شعر على الصحيح. السواد: هنا القرى الكثيرة الشجر. الريف: براء مكسورة فتحتية ساكنة وآخره فاء: ما قارب الماء في أرض العرب، وقيل هو الارض التي فيه الزرع والخصب وقيل غير ذلك. الهبوات: بفتح الهاء والموحدة: جمع هبوة وهي الغبرة. مخطمات: جعل لها خطام وهي الحبال التي تشد في رؤوس الابل وتميل أنوفها. ليف النخل: معروف. سرح: بفتح السين وسكون الراء وبالحاء المهملات: المال السائم أي الراعي.

[ 430 ]

فحمة: بفتح الفاء وسكون الحاء المهملة فميم مفتوحة فتاء تأنيث. الدجى: بدال مهملة مضمومة وجيم مفتوحة فألف مقصورة: ظلمة الليل. رحرحان: براءين مفتوحتين بعد كل منهما حاء مهملات الحاء الاولى ساكنة: جبل بقرب عكاظ. صلدد: بصاد مهملة مفتوحة فلام ساكنة فدالين مهملتين وزن جعفر: موضع باليمن. خوص: بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وبالصاد المهملة. قلائص: بقاف فلام فهمزة مكسورة فصاد مهملة: جمع قلوص وهو من النوق الشابة وهي بمنزلة الجارية من النساء. تغتلي: بغين معجمة: تشتد في سيرها، والاغتلاء الاسراع. اللاحب: بتشديد اللام وكسر الحاء المهملة وبالموحدة، واللحب: الطريق الواضح، واللاحب مثله وهو الاعلم بمعنى مفعول أي ملحوب. الفتل: بفاء ففوقية مفتوحتين فلام: تباعد ما بين المرفقين عن جنبي البعير. الجسر: بفتح الجيم وسكون السين المهملة وراء، العظيم من الابل وغيرها والانثى جسرة، قاله الجوهري رحمه الله، وفي الاملاء: الجسرة: الناقة القوية على السير. الهجف: بكسر الهاء وفتح الجيم وبالفاء المشددة، وهو كما في الصحاح: الهجف من النعام ومن الناس الجافي الثقيل. الخفيدد: بفتح الخاء المعجمة، والفاء وسكون التحتية فدالين مهملتين: الاولى مفتوحة: الخفيف من الظلمان. الراقصات: قال في الاملاء: هي الابل ترقص في سيرها أي تتحرك، والرقصان ضرب من المشي. صوادر: أي رواجع. الهضب: بفتح الهاء وسكون الضاد المعجمة وبالموحدة وهضبات: جمع هضبة: الجبل المنبسط على وجه الارض. قردد: بفتح القاف وسكون الراء فدالين مهملتين الاولى مفتوحة: هو المكان الغليظ المرتفع من الارض. العرف: بضم العين المهملة وسكون الراء وبالفاء: ضد النكر. المشرفي: بفتح الميم. المهند: بفتح النون المشددة. الظليم: بفتح الظاء المعجمة المشالة وكسر اللام: الذكر من النعام والجمع ظلمان.

[ 431 ]

الباب الخامس والتسعون في قدوم وائل بن حجر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم روى البخاري رحمه الله تعالى في التاريخ، والبزار، والطبراني (1)، والبيهقي عن وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه قال: بلغنا ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في بلد عظيم ورفاهة عظيمة فرفضت ذلك، ورغبت الى الله عز وجل والى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما قدمت عليه أخبرني أصحابه أنه بشر بمقدمي عليهم قبل أن أقدم بثلاث ليال. قال الطبراني: فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمت عليه فرد علي، وبسط لي رداءه وأجلسني عليه، ثم صعد منبره وأقعدني معه ورفع يديه وحمد الله تعالى وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم واجتمع الناس إليه فقال لهم: (يا أيها الناس، هذا وائل بن حجر قد أتاكم من أرض بعيدة، من حضر موت، طائعا غير مكره، راغبا في الله وفي رسوله وفي دين بيته، بقية أبناء الملوك). فقلت: يا رسول الله، ما هو الا أن بلغنا ظهورك، ونحن في ملك عظيم وطاعة، وأتيتك راغبا في دين الله. فقال: (صدقت). وعن وائل بن حجر قال: جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (هذا وائل بن حجر جاء حبا لله ورسوله) وبسط يده وأجلسه وضمه إليه وأصعده المنبر، وخطب الناس فقال: (ارفقوا به فانه حديث عهد بالملك). فقلت ان أهلي غلبوني على الذي لي فقال: (أنا أعطيكه وأعطيك ضعفه). الحديث. وذكر ابن سعد، وأبو عمر رحمهما الله بأبسط من هذا، زاد أحدهما على الاخر. قال أبو عمر: هو وائل بن حجر بن ربيعة بن وائل الحضرمي يكنى أبا (هنيدة، الحضرمي) وكان قيلا من أقيال حضرموت، وكان أبوه من ملوكهم، وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقال انه بشر به أصحابه قبل قدومه فقال: (يأتيكم وائل بن حجر من أرض بعيدة من حضرموت طائعا راغبا فيى الله عز وجل وفي رسوله وهو بقية أبناء الملوك). فلما دخل عليه رحب به وأدناه من نفسه على مقعده. وروى الطبراني، وأبو نعيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصعده إليه على المنبر، ودعا له، ومسح رأسه وقال: (اللهم بارك في وائل وولد ولده) (2). ونودي: الصلاة جامعة، ليجتمع الناس سرورا بقدوم وائل بن حجر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم معاوية بن أبي سفيان أن ينزله منزلا بالحرة فمشى معه، ووائل راكب، فقال له معاوية: أردفني خلفك (وشكا إليه حر


(1) ذكره الهيثمي في المجمع 9 / 378، وعزاه للطبراني في الصغير والكبير وقال: وفيه محمد بن حجر وهو ضعيف. (2) ذكره ابن كثير في البداية 5 / 79. (*)

[ 432 ]

الرمضاء) قال: لست من أرداف الملوك. قال: فألق الي نعليك. قال: لا، اني لم أكن لألبسهما وقد لبستهما. قال: ان الرمضاء قد أحرقت قدمي. قال: امش في ظل ناقتي، كفاك به شرفا. فلما أراد الشخوص الى بلاده كتب له رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا يأتي ذكر ه في مكاتباته صلى الله عليه وسلم. تنبيه: في بيان غريب ما سبق: وائل بن حجر: (حجر بتقديم الحاء المهملة المضمومة على الجيم الساكنة فراء). الرمضاء: بفتح الراء وسكون الميم، الارض الشديدة الحرارة من وقع الشمس عليها.

[ 433 ]

الباب السادس والتسعون في وفود واثلة بن الاسقع إليه صلى الله عليه وسلم روى ابن جرير عن واثلة بن الاسقع رضي الله تعالى عنه قال: خرجت من أهلي أريد الاسلام فقدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فوقفت في آخر الصفو ف وصليت بصلاتهم. فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة انتهى الي وأنا في آخر الصلاة. فقال: (ما حاجتك ؟) قلت: الاسلام. قال: (هو خير لك) ثم قال: (وتهاجر) قلت: نعم. قال: (هجرة البادي أو هجرة الباني ؟) قلت: أيهما خير ؟ قال: (هجرة الباني أن يثبت مع ا لنبي، وهجرة البادي أين يرجع الى باديته). وقال: (عليك بالطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك) قلت: نعم، فقدم يده وقدمت يدي. فلما رآني لا أستثني لنفسي شيئا، قال: (فما استطعت). فقلت: فيما استطعت فضرب على يدي (1). الباب السابع والتسعون في وفود الجن إليه صلى الله عليه وسلم قال الحافظ أبو نعيم رحمه الله تعالى: كان اسلام الجن ووفادتهم على النبي صلى الله عليه وسلم كوفادة الانس فوجا بعد فوج وقبيلة بعد قبيلة بمكة وبعد الهجرة. وروى أبو نعيم من طريق عمرو بن غيلان الثقفي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: ان أهل الصفة أخذ كل رجل منهم رجلا وتركت فأخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومضى الى حجرة أم سلمة، ثم انطلق بي حتى أتينا بقيع الغرقد، فخط بعصاه خطا ثم قال: (اجلس فيها ولا تبرح حتى آتيك). ثم انطلق يمشي وأنا أنظر إليه من خلال الشجر، حتى إذا كان من حيث أراه ثارت مثل العجاجة السوداء، فقلت: ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فاني أظن هذه هوازن مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم ليقتلوه فأسعى الى البيوت فأستغيث بالناس، فذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني ألا أبرح مكاني الذي أنا فيه. فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرعهم بعصاه ويقول: (اجلسوا). فجلسوا حتى كاد ينشق عمود الصبح ثم ثاروا وذهبوا فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أولئك وفد الجن سألوني المتاع والزاد فمتعهم بكل عظم حائل وروثة وبعرة فلا يجدون عظما الا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أكل ولا روثة الا وجدوا عليها حبها الذي كان يوم أكلت) (2).


(1) ذكره الهيثمي في المجمع 5 / 255، وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات. (2) انظر نصب الراية 1 / 145، تفسير ابن كثير 7 / 282. (*)

[ 434 ]

قصة اخرى: روى أبو نعيم عن الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح في مسجد المدينة فلما انصرف قال: أيكم يتبعني الى وفد الجن الليلة ؟) فخرجت معه حتى خنست عنا جبال المدينة كلها وأفضينا الى أرض فإ ذا رجال طوال كأنهم الرماح مستثفرين ثيابهم من بين أرجلهم. فلما رأيتهم غشيتني رعدة شديد ة حتى ما تحملني رجلاي من الفرق، فلما دنونا منهم خط لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بابهام رجله خطا، فقال: (اقعد في وسطه) فلما جلست ذهب عني كل شئ كنت أجده من ريبة، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبينهم، فتلا قرآنا وبقوا حتى طلع الفجر ثم أقبل. فقال: (الحقني). فمشيت معه فمضينا غير بعيد فقال لي: (التفت وانظر هل ترى حيث كان اولئك من أحد ؟) فخفض رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الارض عظما وروثة ثم رمي بهما وقال: (ا نهم سألوا الزاد فقلت لهم لكم كل عظم وروثة) (1) قصة أخرى: روى الامام أحمد والترمذي ومسلم عن علقمة قال: قلت لابن مسعود رضي الله تعالى عنه: هل صحب النبي صلى الله عليه وسلم من أحد ليلة الجن ؟ قلت: ما صحبه منا أحد ولكن فقدناه ذات ليلة فالتمسناه في الاودية وفي الشعاب فقلنا: اغتيل ؟ استطير ؟ ما فعل ؟ فبتنا بشر ليلة بات بها قوم. فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء. فقلنا: يا رسول ا لله، فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فقال: (انه أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن. قال: فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم. وسألوه الزاد فقال: (لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان لحما وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم)، قال: (فلا تستنجوا بهما فانهما زاد اخوانكم من الجن). وقال الشعبي رحمه الله تعالى: وكانوا من جن الجزيرة. وفي رواية ابن جرير عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى ا لله عليه وسلم يقول: (بت الليلة أقرأ على الجن واقفا بالحجون) (2). وقوله انه لم يكن مع النبي صلى الله عليه وسلم أصح مما رواه ابن جرير على الزهري قال: أخبرنا أبو عثمان بن سنة - بفتح المهملة وتشديد ا لنون - الخزاعي أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا صحابه وهو بمكة: (من أحب منكم أن يحضر الليلة أثر الجن فليفعل). فلم يحضر معهم أحد غيري. قال: فا نطلقنا فإذا كنا بأعلى مكة خط لي برجله خطا ثم أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى إذا قام فافتتح القرآن


(1) ذكره الهيثمي في المجمع 1 / 215، وقال: رواه الطبراني في الكبير واسناده حسن ليس فيه غير بقية، وقد صرح بالتحديث. (2) أخرجه الطبري في التفسير 26 / 21، وأحمد في المسند 1 / 416، وذكره ابن كثير في التفسير 7 / 275. (*)

[ 435 ]

(فجعلت أرى امثال النسور تهوي وتمشي في رفرفها وسمعت لغطا وغمغمة حتى خفت على النبي صلى الله عليه وسلم) وغشيته أسودة كثيرة حالت بيني وبينه حتى ما أسمع صوته، ثم طفقوا يتقطعون مثل قطع السحاب ذاهبين (1) وقد تقدم بأبسط من هذا في باب اسلام الجن في أوائل الكتاب قبيل أبواب المعراج والله أعلم. الباب الثامن والتسعون فيما روي عن اجتماع الياس به ان صح الخبر، صلى الله عليه وسلم قال أنس - واللفظ للحاكم - قال لي الياس: من أنت ؟ قلت: أنا أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فأين هو ؟ قلت: هو يسمع كلامك. قال: (فأته فأقرئه مني السلام وقل له أخوك الياس يقرئك السلام). قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ودنا معه حتى إذا كنا قريبا منه تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأخرت. فتحدثا ط ويلا. ولفظ الحاكم: (حتى جاءه فعانقه وسلم عليه، ثم قعدا يتحدثان. فقال الياس: (يا رسول الله، اني انما آكل في السنة يوما، وهذا يوم فطري، فآكل أنا وأنت). فنزل عليهم من السماء شبه السفرة. قال ابن أبي الدنيا. فيها كمأة ورمان وكرفس. وقال الحاكم: عليها خبر وحوت وكرفس. فأكلا وأطعماني وصليا، ودعه، وجاءت سحابة فاحتملته. وكنت انظر الى بياض ثيابه تهوي به قبل الشام). الحديث في سنده يزيد بن يزيد الموصلي التيمي (مولى لهم). قال ابن الجوزي والذهبي انه حديث باطل واتهما به يزيد. قال الذهبي: انما استحى الحاكم من الله تعالى أن يصحح مثل هذا الحديث، وقال في تلخيص المستدرك: هذا موضوع، قبح الله من وضعه وما كنت أحسب أن الجهل يبلغ بالحاكم أن يصحح مثل هذا، وهو مما افتراه يزيد الموصلي. قلت: كما أن البيهقي ذكره في الدلائل وقال: هذا الذي روي في هذا الحديث في قدرة الله جائز، وما خص الله به رسوله من المعجزات يثبته، الا ان اسناد هذا الحديث ضعيف بما ذكرته ونبهت على حاله. ورواه ابن شاهين، وابن عساكر بسند فيه مجهول عن واثلة بن الاسقع أطول مما هنا وفيه ألفاظ منكرة. وعلى كل حال لم يصح في هذا الباب شئ. قال الشيخ في النكت البديعات: أخرجه الحاكم، والبيهقي في الدلائل وقال: انه ضعيف.


(1) أخرجه الحاكم في المستدرك 2 / 503، وأبو نعيم في الدلائل (129). (*)

[ 436 ]

الباب التاسع والتسعون فيما ورد من اجتماع الخضر به ان صح الخبر، صلى الله عليهما وسلم. روى ابن عدي والبيهقي عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في المسجد، فسمع كلاما من ور ائه فإذا هو بقائل يقول: اللهم أعني على ما تنجيني مما خوفتني. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع ذلك: (ألا يضم إليها أختها) فقال الرجل: اللهم ارزقني شوق الصالحين الى ما شوقتهم إليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لانس: (اذهب إليه فقل له: (يقول لك رسول الله - صلى الله عليه ولم - تستغفر له). فجاءه أنس فبلغه. فقال الرجل: يا أنس، أنت رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم الي ؟ قال: نعم. قال: ذهب له ان الله عز وجل فضلك على الانبياء بمثل ما فضل رمضان على سائر الشهور، وفضل امتك على سائر الامم بمثل ما فضل يوم الجمعة على سائر الايام، فذهب ينظر إليه فإذا هو الخضر عليه السلام (1). وروى الدارقطني في الافراد، والطبراني في الاوسط، وابن عساكر من ثلاث طرق عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: خرجت ليلة مع النبي صلى الله عليه وسلم أحمل الطهور فسمع (مناديا ينادي فقال لي: (يا أنس صه) فسكت، فاستمع فإذا هو) يقول: اللهم أعني على ما ينجيني مما خوفتني منه. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو قال أختها معها). فكأن ا لرجل لقن ما أراد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: وارزقني شوق الصالحين الى ما شوقتهم إليه) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أنس دع عنك الطهور وائت هذا فقل له: ادع لرسول الله أن يعينه على ما ابتعثه الله على ما ابتعته ه، وادع لامته أن يأخذوا ما آتاهم به نبيهم من الحق) قال: فأتيته (فقلت: رحمك الله، ادع الله لرسول الله أن يعينه به وادع لامته أن يأخذوا ما آتاهم به نبيهم من الحق. فقال لي: ومن أرسلك ؟ فكرهت أن أخبره ولم أستأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقلت له: رحمك الله ما يضرك من أرسلني ؟ ادع بما قلت لك. قال: لا، أو تخبرني من أرسلك. قال: فرجعت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: يا رسول الله، أبى أن يدعو لك بما قلت له حتى أخبره بمن أرسلني. فقال: (ارجع إليه فقل له أنا رسول رسول الله) فرجعت إليه فقلت له فقال لي: (مرحبا برسول (رسول) الله أنا كنت أحق أن آتيه، اقرأ على رسول الله مني السلام وقل له: الخضر يقرأ عليك السلام ويقول لك: ان الله تعالى فضلك على النبيين كما فضل شهر رمضان على سائر الشهور، وفضل أمتك على الامم كما فضل يو م الجمعة على سائر الايام) قال: فلما وليت سمعته يقول: (اللهم اجعلني من هذه الا مة المرشدة المرحومة المتاب عليها) (2).


(1) ذكره السيوطي في اللالئ 1 / 164 ووضعه. (2) ذكره السيوطي في اللالئ 1 / 85، وابن الجوزي في الموضوعات 1 / 194. (*)

[ 437 ]

قال الشيخ في النكت البديعات: أورده البيهقي من طريق عمرو بن عوف المزني وقال فيه بشير بن جبلة عن أبيه عن جده: نسخة موضوعة، وعبد الله بن نافع: متروك، ومن حديث أنس قال فيه الوضاح بن عباد الكوفي متكلم فيه، قلت: حديث عمرو بن عوف أخرجه البيهقي في الدلائل وقال انه ضعيف، وحديث أنس له طرق أخرى ليس فيها الوضاح بن عباد، وقال رياح (بن عبيدة): رأيت رجلا يماشي عمر بن عبد العزيز (معتمدا على يده فقلت في نفسي أن هذا الرجل جاف، فلما صلى قلت: يا أبا حفص، من الرجل الذي كان معك معتمدا على يدك آنفا ؟ (قال وقد رأيته يا رياح ؟) قلت: نعم. قال: (اني لاراك رجلا صالحا، ذاك أخي الخضر، بشرني أني سألي فأعدل)، حديث (رياح) كالريح. قلت: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: هذه القضية أصح ما ورد في بقاء الخضر عليه السلام.

[ 438 ]

الباب الموفي المائة فيما ورد من قدوم هامة بن أهيم بن لا قيس بن ابليس واسلامه ان صح الخبر. روى عبد الله بن الامام أحمد في زوائد الزهد، والعقيلي في الضعفاء، وابن مردويه في التفسير من طريق أبي سلمة محمد بن عبد الله الانصاري أحد الضعفاء، عن محمد بن أبي معشر، عن عبد العزيز بن أبي بجير أحد المتروكين، ثلاثتهم عن أبي معشر عن نافع عن ابن عمر، رضي الله تعالى عنهم، وأبو نعيم في الحلية من طريق ابن عباس رضي الله تعا لى عنهما، وأبي نعيم، والبيهقي معا في الدلائل، والمستغفري (في الصحابة واسحاق بن ابراهيم) المنجنيقي من طريق أبي محصن الحكم بن عمار (عن الزهري عن سعيد بن المسيب) قال: عمر بن الخطاب. وأخرجه الفاكهي في كتاب مكة من طريق عزيز الجريجي عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على جبل من جبال تهامة خارج مكة إذ أقبل شيخ متوكئ على عصا - وفي لفظ: بيده عصا - فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرد عليه السلام، وقال: (نغمة الجن ومشيتهم) - وفي رواية: (جني ونغمته - من أنت ؟) قال: أنا هامة بن الهيم بن لاقيس بن ابليس. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس بينك وبين ابليس الا أبوان) قال: نعم. قال: (فكم أتى عليك الدهر ؟) قال: قد أفنت الدنيا عمرها الا قليلا. كنت ليالي قتل قابيل هابيل غلاما ابن أعوام، أفهم الكلام، وأمر على الاكام، وآمر بافساد الطعام وقطيعة الارحام وأأرش بين الناس (وأغري بينهم) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بئس لعمر الله عمل الشيخ المتوسم والفتى المتلوم). قال: دعني من اللوم، فقد جرت توبتي على يدي نوح عليه السلام، وكنت معه فيمن آ من به من قومه، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى عليهم وأبكاني، وقال: لا جرم، اني على ذلك من النادمين وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين. وفي رواية عمر: قلت: يا نوح، اني ممن شرك في ذم السعيد الشهيد هابيل ابن آدم فهل تجد لي من توبة ؟ قال: يا هام، هم بالخير وافعله قبل الحسرة والندامة، اني قرأ ت فيما أنزل الله عز وجل علي أنه ليس من عبد تاب الى الله بالغا ذنبه ما بلغ الا تاب الله عليه، قم فتوضأ واسجد لله سجدتين. قال: ففعلت من ساعتي ما أمرني به، فناداني: ارفع رأسك فقد أنزلت توبتك من السماء. فخررت لله ساجدا. وكنت مع هود عليه السلام في مسجده مع من آمن به من قومه، فلم أزل أعاتبه على دعوته على قومه حتى بكى عليهم وأبكاني، فقال: لا جرم، اني على ذلك من النادمين وأعوذ بالله أن أكون من الجاهلين. وكنت ازور يعقوب، وكنت مع يوسف بالمكان المكين وكنت ألقى الياس في الاودية

[ 439 ]

وأنا ألقاه الان، وكنت مع ابراهيم خليل الرحمن لما ألقي في النار، فكنت بينه وبين المنجنيق حتى أخرجه الله منه، ولقيت موسى بن عمران فعلمني من التوراة وقال لي: ان أنت لقيت عيسى ابن مريم فأقرئه مني السلام. وكنت مع عيسى فقال: ان لقيت محمدا فافرئه مني السلام، وأنا يا رسول الله قد بلغت وآمنت بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وعلى عيسى السلام) - وفي لفظ: - (وعليك يا هامة، ما حاجتك ؟) فقال: موسى علمني من التوراة، وعيسى علمني من الانجيل فعلمني من القرآن. فعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت والمعوذتين وقل هو الله أحد. وفي لفظ عمر رضي الله تعالى عنه: إذا وقعت الواقعة. وفي رواية علمه عشر سور. وفي لفظ عمر: (وعليك يا هامة بأدائك الاما نة). قال: يا رسول الله، افعل بي ما فعل موسى بن عمران فانه علمني من التوراة. فعلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (ارفع الينا حاجتك يا هامة ولا تدع زيارتنا). وقال عمر بن الخطاب: فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينعه الينا ولسنا ندري أحي هو أو ميت. وقال البيهقي بعد أن رواه من طريق محمد بن أبي معشر عن أبيه أبي معشر: (روى عنه الكبار الا أن أهل الحديث ضعفوه). قال: (وقد روي من وجه آخر أقوى منه). وقا ل شيخنا رحمه الله تعالى في الجامع الكبير: (طريق البيهقي أقواها وطريق العقيلي أوهاها). وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من طريق العقيلي فلم يصب وله شواهد من غريب أنس، وابن عباس وغيرهما تأتي في محلها. وقد بسط الكلام عليه في اللالئ المصنوعة. وقال في النكت البديعات: أورده من طريق عمر، وقال فيه اسحاق بن بشر الكاهلي: كذاب. وقال فيه محمد بن عبد الله الانصاري: لا يحتج به. قلت: أخرج البيهقي في الدلائل حديث عمر من وجه آخر ليس فيه اسحاق بن بشر الكاهلي، وقال عقبة في هذا الاسناد أبو معشر، روى عنه الكبار الا أن أهل الحديث ضعفوه. قال: وقد روي من وجه آخر أقوى منه، فأشار بذلك الى طريق ا سحاق، وله طريق ثالث عن عمر أخرجه أبو نعيم في الدلائل، ولحديث أنس طريق ثان ليس فيه أبو سلمة، أخرجه أبو نعيم. وبمجموع هذه الطرق يعلم أن الحديث ضعيف لا موضوع.

[ 440 ]

الباب الحادي والمائة في وفود السباع إليه صلى الله عليه وسلم روى أبو سعيد بن منصور، وأبو يعلى، والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: جاء ذئب الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقعى بين يديه وجعل يبصبص بذنبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا وافد الذئاب جاء يسألكم أن تجعلوا له من أ موالكم شيئا). فقالوا: لا والله يا رسول الله، لا نجعل له من أموالنا شيئا. فقال إليه رجل من الناس، ورماه بحجر، فسار وله عواء (1). وروى أبو نعيم، والبيهقي من طريق الزهري عن حمزة بن أبي أسيد قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل فإذا ذئب متفرشا ذراعيه على الطريق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا معترض فافرضوا له). قالوا: ما نرى يا ر سول الله. قال: (من كل سائمة شاة في كل عام). قالوا: كثير، فأشار الى الذئب أن خالسهم، فانطلق الذئب. وروى ابن سعد، وأبو نعيم عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس بالمدينة في أصحابه إذ أقبل ذئب فوقف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فعوى (بين يديه) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هذا وافد السباع اليكم، فان أحببتم أن تفرضوا له شيئا يعدوه الى غيره، وان أحببتم تركتموه وتحررتم منه فما أخذ فهو رزقه). فقالوا: يا رسول الله، ما تطيب أنفسنا له بشئ. فأومأ إليه النبي صلى الله عليه وسلم بأصابعه أن خالسهم فولى وله عسلان (2). وروى الدارمي، وابن منيع في مسنده. وأبو نعيم من طريق شمر بن عطية عن رجل من مزينة أو جهينة قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، فإذا هو بقريب من مائة ذئب قد أقعين (وكانوا) وفود الذئاب فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هؤلاء وفود الذئاب سألتكم أن ترضخوا لهم شيئا من فضول طعامكم وتأمنوا على ما سوى ذلك) فشكوا إليه حاجة، قال: (فادنوهن). فخرجن ولهم عواء. وروى محمد بن عمر، وأبو نعيم عن سليمان بن يسار مرسلا قال: أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على الحرة فإذا ذئب واقف بين يديه فقال: (هذا يسأل من كل سائمة شاة). فأبوا فأومأ إليه بأصابعه، فولى.


(1) انظر البداية والنهاية 6 / 166. (وكانوا) وفود الذئاب فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هؤلاء وفود الذئاب سألتكم أن ترضخوا لهم شيئا من فضول طعامكم وتأمنوا على ما سوى ذلك) فشكوا إليه حاجة، قال: (فادنوهن). فخرجن ولهم عواء. وروى محمد بن عمر، وأبو نعيم عن سليمان بن يسار مرسلا قال: أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على الحرة فإذا ذئب واقف بين يديه فقال: (هذا يسأل من كل سائمة شاة). فأبوا فأومأ إليه بأصابعه، فولى.

(1) انظر البداية والنهاية 6 / 166. (2) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 2 / 86، وأبو نعيم في الدلائل (133)، وانظر البداية والنهاية 5 / 95. (*)

[ 441 ]

تنبيه: في بيان غريب ما سبق: أقعى: بهمزة مفتوحة فقاف ساكنة فعين مهملة وبالمد. هو الصاق الألية بالارض ونصب الساق والفخذ ووضع اليدين على الارض. يبصبص: بتحتية مضمومة فموحدة مفتوحة فصادين مهملتين بينهما موحدة مكسورة أي يحرك ذنبه. عواء: بعين مهملة مضمومة فواو وبالمد، أي صوت السباع وكأنه بالذئب والكلب أخص. خالسهم: بخاء معجمة فألف فلام فسين مهملة. أي اذهب على غفلة. عسلان: بعين فسين مهملتين فلام مفتوحة فألف فنون وهو سرعة المشي. الحرة: بحاء وراء مهملتين مفتوحتين: هي أرض ذات حجارة سود، والله أعلم. نجز الجزء الثاني يتلوه جماع أبواب صفاته المعنوية، والصلاة والسلام على خير البر ية محمد النبي الامي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه وسلم كثيرا دائما الى يوم الد ين، آمين والحمد لله رب العالمين.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية